2/07/2012

القاعدة وخلاصات الانعطافة

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : فبراير 07, 2012


أكرم حجازي ---
قليلة هي الأشرطة التي أصدرها مركز الفجر التابع للقاعدة وحظيت بتغطية إعلامية مميزة، هذا ما حصل مع شريط الشيخ أسامة بن لادن: "خطوات عملية لتحرير فلسطين 11/3/2009" الذي بدأت قناة الجزيرة الفضائية ببث أبرز مقاطعه عبر "خبر عاجل" لتستمر التغطية حتى صبيحة اليوم التالي. ويبدو أن المركز والقناة حققا تفاهما صريحا يسمح للجزيرة بأن تنفرد بتلقي الشريط، حتى قبل أن ينشره أي منتدى جهادي، إذا ما قدمت له تغطية إعلامية شاملة لأهم عناصره لا "تلبيس فيها" كما حصل فيما سبق مع شريط مماثل للشيخ كان موجها لـ "أهل العراق". ولا شك أن هذا "التفاهم" أعاد للجزيرة بعضا من المصداقية التي فقدتها عند التيار السلفي ومكنت مركز الفجر من الحصول على مبتغاه. وكما حصل لشريط "أهل العراق" فمن المؤكد أن الجزيرة تسلمت الشريط مبكرا بما يكفي لاستدعاء عبد الباري عطوان من لندن ليكون
المعلق الرئيسي على الشريط من داخل استديوهات القناة في قطر! هكذا ما كان للجزيرة، إذن، أن تضيع هذه الفرصة لشريط فريد في محتواه، وما كان لها أن تلتزم بقراءة محايدة وجدية له لولا أن أوراق مركز الفجر قوية في إسالة لعاب أية وسيلة إعلامية. ففي الشريط الذي حظي بتغطية إعلامية عالمية واسعة النطاق قدمت القاعدة، هذه المرة، ما يشبه الخلاصات لطريقة العمل والتفكير سواء تجاه فلسطين وأهلها أو تجاه الأمة. فما هي هذه الخلاصات؟ وما هو محتواها؟ الخلاصة الأولى فلسطين في المشهد الإعلامي القاعدي ظل الفلسطينيون، قادة وأفرادا، في صلب المشروع الجهادي العالمي منذ بداياته الأولى في أفغانستان. وفي مرحلته الثانية احتلت فلسطين قلب النشأة فيه عبر الإعلان عن تشكيل "الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين" سنة 1997 إثر خطاب الاندماج بين القاعدة وجماعة الجهاد المصرية. وفي أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 أطلق أسامة بن لادن قسمه الشهير عن فلسطين، ثم عبارة أبو مصعب الزرقاوي الشهيرة أيضا والتي وردت في خطابه المرئي الأول "هذا بلاغ للناس" حين قال: "نقاتل في العراق وعيوننا على بيت المقدس". ويمكننا إحصاء عشرات المناسبات الخطابية أو المذكرات والمنشورات والشرائط الخاصة التي وردت فيها فلسطين على لسان قادة التيار الجهادي العالمي ابتداء من أندونيسيا وانتهاء بموريتانيا. فما هو الجديد إعلاميا إذا كانت فلسطين حاضرة على الدوام؟ فيما عدا شرائط مؤسسة الفرقان حيث خطابات القادة والرموز في دولة العراق الإسلامية تصدر صوتيا فقط فإن الأشرطة المرئية للسحاب وقاعدة المغرب الإسلامي بدأت بتغيير افتتاحياتها وخواتيمها على الأقل منذ الحرب على غزة. فالأولى (السحاب) تضع صورة المسجد الأقصى خلفية لبداية الشريط وعبارة ختامية له تتساءل: " أين أحفاد صلاح الدين لتحرير فلسطين؟ ". هذا المونتاج للأشرطة لم يرد سابقا في أشرطة السحاب، لكنه ورد في شريط الشيخ موضع التحليل وقبله في شريطه: " دعوة إلى الجهاد لوقف العدوان على غزة - 14/1//2009"، كما وردت العبارة الختامية في شريطي الظواهري: " من كابل إلى مقديشو 23/2/2009" و " تضحيات غزة والمؤامرات- 3/2/2009". بالنسبة لقاعدة المغرب الإسلامي فقد لوحظ التغير في مناسبتين كانت الأولى في كلمة أمير القاعدة هناك عبد الملك درودكال: "غزة بين مطرقة اليهود والصليبيين وسندان المرتدين - 13/1/2009"، حيث ظهرت قبة الصخرة في بداية الشريط كخلفية للكلمة مرفقة بنشيد "عذرا فلسطين"، والثانية في شريط: "غزوة الشريعة - جانفي 2009" حيث ظهرت قبة الصخرة في مطلعه يتخلله نشيد "صبرا يا أقصى". قد لا يعير البعض أهمية لمثل هذه التغيرات التي تبدو شكلية خاصة وأن محتواها أصلا خصص لنصرة فلسطين، لكن بماذا نفسر مثل هذه التغيرات في شريط "غزوة الشريعة" الذي استهدف مقرا للحرس البلدي في قرية الشريعة في الجزائر حيث لم تكن فلسطين حاضرة فيه إلا في صورة قبة الصخرة ونشيد "صبرا يا أقصى"؟ وبماذا نفسر حضور فلسطين في أشرطة حركة الشباب المجاهدين في الصومال؟ ومحاكاة أحد قادتها لعبارة الزرقاوي؟ الظاهر حتى الآن أن هناك تغير يجعل من فلسطين حاضرة " شكليا بانتظام" في قلب الإعلام الجهادي العالمي حتى لو لم يكن الشريط مخصصا لفلسطين حصرا. أما موضوعيا فالأشرطة في هذا السياق لا يحتاج البحث عنها إلى أي عناء. والمناسبات القادمة هي وحدها من يؤكد أو ينفي هذه المعاينة. الخلاصة الثانية واقع الأمة لا ريب أن أنصار القاعدة ومؤيدو الجهاد العالمي يترقبون بلهفة دخول القاعدة إلى فلسطين، ولا شك أن تأخر هذا الدخول له أسبابه، لكنه عند الخصوم يمثل مثلبا ثمينا يمكِّن من الطعن في القاعدة التي استطاعت أن تضرب في أمريكا وأوروبا بينما فشلت في ضرب إسرائيل وهي على مقربة منها. وفي هذا السياق، حيث الاتهامات للقاعدة تأتي غالبا من بعض الجماعات الإسلامية، يصف بن لادن ما يعتقده بـ: " الحق المر الذي ينبغي الصدع به ". إذ يرى أن السبب الذي منع أهل الضفة الغربية من نصرة إخوانهم في غزة (وهم الأولى) هو ذات السبب الذي منع القاعدة من نصرتهم. إنه الاحتلال وأكثر منه: "فالحقيقة المرة أن بلادنا محتلة من داخلها ... لصالح الحكام وموكليهم ". وعليه فإن أية مفاصلة ينبغي أن تقبل بحقائق الواقع، ودون مراء، وإلا "سنبقى ندور في دائرة مغلقة". هذه الحقائق منها: 1) أن الأمة تعاني منذ عقود "قعودا وإهدارا في الوقت وتهربا من المسؤولية". 2) "أن دول العالم الإسلامي من أندونيسيا إلى موريتانيا بلا استثناء، تنقسم إلى قسمين اثنين: دول معوجة ودول أكثر اعوجاجاً والإسلام بريء من حكامها جميعاً". 3) أن "بعض حكام العرب، تواطؤوا مع التحالف الصليبي الصهيوني على أهلنا (غزة)، وهم من تسميهم أمريكا بحكام دول الاعتدال"، ورغم أنه لم يحدد حاكما بعينه إلا أنه أشار إلى مصر والسعودية حصرا عبر بيت شعر ورد في الخطاب: " قلوب ولاتنا مثل الأعادي بنجد أو بمصر لا ترق". 4) أن الأمة محتلة من الداخل بمساندة: " جيوش عسكرية، وأخرى مدنية هي الأهم والأخطر". وأن: "جميع الجيوش الرسمية ... تحت قيادة المنافقين ...، كما أن معظم الجيوش غير الرسمية تحت قادة الجماعات الإسلامية". 5) والمشكلة، بحسب الخطاب أن: " كثير منهم يرون هؤلاء ... ولاة أمر شرعيين، يحرم الخروج عليهم ... وقد بدا ذلك واضحاً في خذلان هذه الجماعات لغزة وأهلها، وهم ينتظرون إذناً من المنافقين حتى يجاهدوا ... !". 6) أن الأمة تعاني أيضا من "التعصب المذموم للأوطان والرجال، حكاماً أو علماءً أو قيادات للجماعات الإسلامية". كما تعاني بذات القدر من "معارضة النصيحة وإقامة الحق". 7) أن الأمة "تعاني إفلاسا ًهائلاً في قياداتها ... قيادات حقيقية صادقة مستقلة قوية أمينة، تكون على مستوى ... الأحداث الجسام، ملمة بفقه الواقع وفقه الشريعة "، فإذا تجاوزت القاعدة الموقف من الحكام فإن قيادات الصف الثاني والثالث و "مَنْ قَرُبَ منهم" ليسوا أمناء على القضية الفلسطينية، بل هم "مكمن رئيسي للخلل .. ما لم يغيِّروا أو يغيَّروا". 8) أن الأمة تتعرض إلى حرب: " لتغيير وإماتة الأسماء والمصطلحات الشرعية (والنفور) من استعمالها" واستبدالها بلفظ "الآخر" عبر الدخول في مغالطات شرعية كـ: "حوار الأديان وحرية الرأي وحرية التعبير والتعايش السلمي، والدول الصديقة وعقود تقديم التسهيلات لدعم السفن الحربية الصليبية". الخلاصة الثالثة ضرورة المفاصلة بين المسلمين والمنافقين في أعقاب هجمات 11 سبتمبر رأى بن لادن أن العالم انقسم إلى فسطاطين: فسطاط إيمان وفسطاط كفر. وفي خطابه هذا يقرر معادلة مشابهة فيما يتعلق بواقع الأمة الإسلامية. فالأمة الإسلامية أحوج إلى التمايز و"المفاصلة بين المسلمين والمنافقين" بعد محرقة غزة باعتبارها " حدث تاريخي مهم، وفاجعة مفصلية". إذ "لا يصح أن يكون حالنا بعد غزة كحالنا قبلها". لكن من هم أطراف المفاصلة؟ وما هو مضمونها ؟ وما هي أدواتها؟ لا شك أن هذه الدعوة الفريدة إلى المفاصلة جعلت من فلسطين موضوعها الوحيد ومنطلقها، وإذا كان هناك أحد من المسلمين يجادل في مشروعية الجهاد في أفغانستان أو العراق أو الشيشان أو الصومال وغيرها من الجبهات الساخنة فمن المفترض أنه لن يستطيع الطعن في مشروعية الجهاد في فلسطين وواجب الأمة تجاهها. لكن لأن "الحق أكبر من الجميع، وسلامة الحق مقدمة على سلامة الأوطان والرجال والأحزاب والجماعات"؛ وكي يكون للمفاصلة جدوى يشترط بن لادن في خطابه: (1) "المعرفة بخطورة ... الواقع الذي نعيشه " و (2) "إنزال فقه الشريعة على هذا الواقع". فهل اختلفت قراءة بن لادن لـ "الواقع" عن القراءات السابقة له أو للتيار السلفي الجهادي عموما؟ الحقيقة أنها لم تختلف ولا بكلمة واحدة، والتأصيلات في هذا الباب وغيره تشهد فائضا يستعصي على المتابعة. بل أن ما جاء به الخطاب سبق لأبي مصعب السوري، وغيره، أن فصَّل فيه وأفاض في كتابه الموسوعي "دعوة المقاومة الإسلامية العالمية"، لكن الجديد هو توضيع المفاصلة في إطار القضية الفلسطينية وانطلاقا منها بحيث يمكن بسهولة أكبر، وعبر صرامة الموقف الشرعي، تحديد جبهة الأعداء وجبهة الأصدقاء دون الحاجة للدخول في مساجلات عقيمة. بمعنى أن تنزيل الحكم الشرعي على القضية الفلسطينية سيعني بالضرورة انطباقه على الواقع العربي والإسلامي، ودون ذلك سيكون: "قعودا" أو "نفاقا" أو "إهدارا للوقت" أو "تهربا من المسؤولية" أو "استغفالا للشباب المسلم" و "توالي للمصائب". فإن كانت القراءة الواقعية والشرعية تثبت خطورة هذا الواقع في فلسطين، كما ترى القاعدة وأقرانها على السواء، فكيف يكون الواقع في أفغانستان والعراق والصومال وغيرها آمنا أو مغايرا؟ لا ريب أن مفاصلة شرعية حول قضية محددة كفلسطين من شأنها أن تضع الكثير من الاعتقادات والأطروحات الأيديولوجية والتحالفات موضع مساءلة في جوهرها بحيث يستبين للأمة، أفرادا وجماعات وحركات وأحزاب وتنظيمات وعلماء وكتاب ودعاة ومجاهدين وقاعدين، حقيقة أمر "حسن" و "حسني" والتخلص من الأوهام التي تتأمل خيرا من هكذا واقع. الخلاصة الرابعة مشروع عمل فيما عدا موضوع العراق وفلسطين الذي سنخصص له مقالة مستفلة يمكن القول أن خطة القاعدة لاستنهاض الأمة تقع حكما فيما اقترحه بن لادن من مشروع إنشاء هيئة مناصحة متعددة الفروع. فالقاعدة غسلت يدها من الهيئات الرسمية وحتى من اجتهادات الجماعات الإسلامية في أن تشكل أي منها، منفردة أو مجتمعة، مرجعية للأمة يمكن الركون إليها. وفي السياق لا بد من الإشارة إلى مقالة سابقة في سلسلة "خريف غزة العاصف" وهي تتحدث عن "انتفاضة العلماء" حيث رصدنا فيها الحراك الجاري منذ فترة بين طائفة من العلماء وكذا النشاط الإعلامي الذي عبرت عنه القاعدة خاصة في شريط الظواهري "الأزهر عرين الأسود" ورسالة أبي عبد الله الشافعي أمير أنصار الإسلام "إلى السادات علماء الأمة الأفاضل". لكن خلال الحرب على غزة برزت نخبة من العلماء أصدرت فتاوى بالغة الجرأة فيما يتعلق بالحكام ومظاهرتهم للعدو وهي تلك الفتاوى التي أشار إليها بن لادن. والأهم أن الحرب على غزة كشفت عن وجود فئة من العلماء مستعدة لإنزال الحكم الشرعي على الواقع. وهو ما تريده القاعدة خاصة وأن الأمة تفتقد إلى مرجعية شرعية تحظى بإجماع الأمة وتكون قادرة على التعامل مع النوازل الكبرى أو تقرير شرعية القضايا الخلافية الكبرى مثار الجدل. ففي الأمة خلافات وتيه وضلال وتمييع وتلبيس في قضايا الجهاد والقوانين الوضعية وأنظمة الاقتصاد والاجتماع والثقافة والحرب والسياسة والعلاقات الدولية والمعاهدات وغيرها. لذا فإن كل ما تدعوا إليه القاعدة هو مأسسة هذه الفئة من العلماء في هيئة مناصحة تقدم المشورة والنصح للأمة ولقادتها ومجاهديها بعيدا عن الهيئات الرسمية والمتنطعة أو تلك التي تدور في فلك السلطة. ونحسب أن هذه الهيئة مطلبا للأمة وليس للقاعدة فقط حتى وإنْ كانت البنود التي يقترحها بن لادن لهذه الهيئة تعبر في الحقيقة عن احتياجات الساحات الجهادية. فإذا كان الهدف من الهيئة هو كشف ما يسميه بـ "المنافقين في الأمة"؛ فلأن في الأمة منافقين فعلا "على جميع الأصعدة". لكن الهدف الرئيس لبن لادن من الهيئة هو بلورة قيادة أمينة للأمة مهمتها إحداث التغيير بصورة سلمية عبر: • تحديد فسطاط الصادقين والناصحين للأمة سواء كانوا علماء أو دعاة أو كتابا أو مفكرين بقطع النظر عن بعض الزلل الذي يمكن التنبيه إليه والنصح فيه بدل المقاطعة. وهذه خطوة حاسمة في تحييد الخصوم من جهة وفي وجوب الحد من التشدد المنفر تجاه البعض ممن يقع الاختلاف معهم من جهة أخرى "وإلا فلن يبقى لنا عالم فضلاً عمن دونه". • تصحيح المفاهيم الشرعية في فكر وحياة الأمة عبر التأكيد على بضعة كتب تعتبرها القاعدة منطلقا سليما للعامة أكثر من الخاصة، وتركز على قضايا التوحيد والهوية والمواقف الشرعية من الجهاد والاستعانة بالعدو. • التصدي لمحاولات اختراق الأمة في عقيدتها أو ما يسميه أحد الكتاب الإسلاميين بـ "أسلمة الكفر". • إعداد قوائم بهوية الأعداء والمنافقين ووسائل عملهم ابتداء من الصحف وانتهاء بالقنوات التلفزيونية. • إعداد قوائم أخرى وكذلك في " الذين تصب جهودهم في صالح أعدائنا دون أن يشعروا، كالمرجفين والمخذلين والمثبطين من المسلمين" بموجب "ضوابط شرعية". أما قيمة المقترح القاعدي فيكمن في أن الكثير من الدعاة ألمحوا في أكثر من مناسبة إلى حاجة الأمة لمثل هذه الهيئات أو المرجعيات مما يعني أن بن لادن لا يوجه خطابه في الفراغ. والواقع أن توجها من هذا النوع قد يشي بولادة ما يمكن تسميته بـ: "بن لادن المدني" بحيث يكون للقاعدة، مع الوقت، تيارات مدنية وليس فقط تيارات مسلحة. وللحديث بقية ...

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير