2/03/2018

فكرة وستون بندقية.. حروب الجولاني ومقارباته

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : فبراير 03, 2018
أبو محمد الجولاني

عبد الغني مزوز---

ألقى أبو محمد الجولاني في آخر ظهور له كلمة مقتضبة أمام مجموعة من المقاتلين في قاطع حماة؛ كلمة مقتضبة لكن في غاية التركيز والكثافة وحافلة بالدلالات والإشارات المهمة. هدوء الرجل وحضوره الكاريزمي يعكسان عمقا لافتا في شخصته، ففي كل الكلمات المنشورة له واللقاءات الإعلامية التي أجراها يمكن رصد جوانب من التعاطي العقلاني مع مختلف القضايا والنوازل التي حلت بالثورة السورية. 

بإمكان من يحتفظ ببيانات جبهة النصرة منذ تأسيسها أن يقارن بين ما جاء فيها من مواقف وتعليقات وبين ما وصل إليه قطار الثورة حتى الآن. وسيكتشف دون كبير عناء أن الجولاني تحلى بنظرة أبعد وفهم أرسخ لكل ما تعاقب على الثورة من أحداث وتطورات. خذ مثلا: موقفه من تنظيم الدولة وإبرامه قطيعة صارمة معه فكرا وتنظيما في الوقت الذي استشكل فيه أمر التنظيم على كثير من المحسوبين على التيار الإسلامي؛ أفرادا وشيوخا، ترى من هو الجهادي الذي كان قادرا على الوقوف في وجه البغدادي آنذاك ويقول له: لا. صدرت كلمة البغدادي التي أعلن فيها دمج جبهة النصرة مع تنظيم دولة العراق الإسلامية وبعدها بساعات خرج الجولاني في بيان صوتي يرفض فيه قرار البغدادي بأوضح العبارات وأجلاها. ومثال آخر: موقفه من المسار السياسي بشقيه جنيف وأستانة، وما تمخض عنهما من هدن ومصالحات ومناطق خفض للتصعيد، فقد كان الرجل واضحا في رفضهما واضطر إلى التعامل بحزم وبشيء من القسوة مع انخرط فيهما داخل معسكر الثورة، فقام بتفكيك بعض الفصائل التي زعمت تمثيل الثورة في تلك المحافل، وأطلق معارك في مختلف مناطق سوريا لإرباك الهدن المعلنة، ولتخريب حدود مناطق خفض التصعيد سيطر فصيله على قرية أبودالي الاستراتيجية.

خاض فصيل هيئة تحرير الشام وحده معارك شرسة في ريف حماة لأكثر من أربعة شهر تمكن خلالها من إيقاف توغل قوات النظام إلى عمق مناطق شرق السكة مدعومة بغطاء جوي روسي كثيف، وكلما انكسرت حملة لقوات النظام تقوم بفتح ثغرة لعناصر تنظيم الدولة ليتقدموا بدلها بينما تعيد هي ترتيب صفوفها من جديد، وعند صد تقدم تنظيم الدولة وإرغامه على التراجع، تبادر قوات النظام إلى التحرك من جديد، في تبادل للأدوار فائق التنسيق والدقة مع "جنود الخلافة".

استماتت هيئة تحرير الشام في معارك ريف حماة الشرقي ووضعت جزء مهما من ثقلها العسكري هناك، لأن قادتها يدركون حجم التداعيات السياسية والاستراتيجية لتلك المعارك، ومدى تأثيرها في مسارات الحل السياسي التي يُراد للثورة أن تلجها قسرا. فكل اختراق لمنطقة ما من مناطق خفض التصعيد خصوصا تلك التي تم تفويتها للروس وإيران هو بمثابة مسمار آخر يتم دقه في نعش مشروع إعادة تأهيل النظام الطائفي. خسرت هيئة تحرير الشام بعض القرى نتيجة القصف الجوي الرهيب لها ولأن جغرافية المنطقة لا تمنح أي هامش للمناورة ولا تساعد على الكمون أو تحييد سلاح الطيران، فتقدمت ميلشيات النظام إليها. وفي هذه الأثناء ارتفعت عقيرة البعض تنديدا بما اعتبروه تسليم الجولاني مدينة إدلب لقوات النظام، واتهموه أيضا - ويا للطرافة – بتنفيذ توصيات أستانة! مع أن واقع الحال الذي لا يجرؤ أحد على إنكاره هو أن الجولاني لم ينشغل بشيء منذ تدشين مسار أستانة مثلما انشغل بضرب هذا المسار وإرباك مخرجاته بكل ما أوتي من قوة وحيلة. ولم تدفع قوات النظام ثمنا باهظا لقاء سيطرتها على مناطق الثورة كالذي دفعته في قرى ريفي حماة وإدلب، وهي التي اعتادت قضم معاقل الثورة كوجبات باردة في أكثر من مناسبة.

تقدمت فصائل المعارضة الأخرى لتحل محل هيئة تحرير الشام في تلك المناطق، وأعلنت موحدة عن معارك لاستعادة ما خسره الثوار، وفعلا تقدمت في بعض المحاور لكنها لم تلبت أن تراجعت عنها بعد ساعات من سيطرتها عليها بسبب القصف الجوي الكثيف وشراسة الحملة التي أطلقها النظام. فلم تستطع الفصائل مجتمعة الصمود لساعات في بيئة صمدت فيها الهيئة لعدة أشهر، رغم أن هذه الأخيرة عانت من مشاكل داخلية، نتجت عنها انشقاقات في قواطع التماس مع حملة النظام في ريف حماة، وعانت كذلك من هجمات تنظيم الدولة في بعض المحاور فضلا عن توترات أثارها أحد الفصائل في وقت مدروس بعناية مستغلا انشغال الهيئة في معارك ريفي حماة وإدلب.

الجولاني تعاطى مع هذه النوازل والتطورات بعقلانية وواقعية دون المس بثوابت الثورة والقضية وهذه هي المقاربة التي عجز الآخرون عن ضبط ايقاعها. رفض المسار السياسي الذي رعته أطراف كان لها دور فاعل في الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوري، في مقابل ذلك دعا إلى مسار سياسي يكون امتدادا للثورة ومستثمرا لمنجزاتها، ينطق من صلب ثوابتها، يبث في شكله وتفاصيله اهل الشأن والمعنيون بالقضية. هكذا تم الإعلان عن الإدارة المدنية للمناطق المحررة ثم المؤتمر السوري العام ثم حكومة الإنقاذ.

قبل أشهر اتفقت هيئة تحرير الشام مع تركيا على إقامة الجيش التركي نقاطا للمراقبة على حدود عفرين الجنوبية، بعض الجهاديين لم يدركوا أبعاد الاتفاق واعتبروه تطبيعا مع العلمانية بل وحلف الناتو. بغض النظر عن كون الاتفاق كان نديا، جنت بموجبه الهيئة مكاسب سياسية وعسكرية لا تُعد ولا تُحصى، وأفشلت به توجها دوليا راهن على غباء الجهاديين في إدلب لقدح شرارة حرب تعصف بما تبقى من الثورة في سوريا، بغض النظر عن كل هذا فقد كان الاتفاق فتحا ليس على الثورة السورية فحسب بل على الحركة الإسلامية برمتها، فلو حدث اشتباك بين تركيا وهيئة تحرير الشام فإن ذلك يعني حدوث شرخ تاريخي عميق بين مكونات المشروع الإسلامي. جدالات عقيمة ستنطلق حول حكم الجيش التركي ومن يسانده ماديا ومعنويا ومن يجادل عنه ويدافع عنه.. ومن المعلوم أن قادة العمل الإسلامي أكثرهم يوجد في تركيا ويحظون بحماية الجوار التركي أمام من يطالب برؤوسهم، وهؤلاء معظمهم يؤيدون التيار الجهادي خصوصا بعد موجة الثورات المضادة. ولو نشبت حرب بين الهيئة وتركيا فستكون بداية للتمايز وتجزئة ما تناغم وتقارب من مكونات الحركة الإسلامية، والفرز بين تياراتها سيكون تبعا لموقفها من تلك الحرب. فلماذا يتم إدخال الأمة في متاهة صراعات عقدية وعسكرية جديدة؛ هي في غنى عنها في الوقت الذي يمكن لجلسة حوار واحدة أن تعالج الأزمة وتبدد الشكوك وتخلق جوا إيجابيا من التفاهم بل وأرضية للتعاون.

هذه المواقف والمقاربات المركبة لنوازل الثورة السورية، زكت ما ذهبنا إليه في مستهل هذا المقال حول شخصية الجولاني، ومعالجاته الموضوعية التي تنأى عن الحماسة المفرطة وردات الفعل المتشنجة. إن انكفاء فصائل كبيرة واختفاء أخرى كليا من المشهد هو نتيجة طبيعية لفشل قادتها في التأسيس لفعل ثوري قادر على الصمود والبقاء ومواجهة التحديات، إنه نوع من " الانتخاب الثوري" -وسنخصص له مقالا مستقلا في قادم الأيام- قانون ثوري كقانون " الانتخاب الطبيعي" الكائنات الحية التي لا تستطيع التكيف مع إكراهات الطبيعة وظروفها القاسية تنقرض وتختفي مهما كانت عملاقة وعظيمة الجثة مثل الديناصورات. فصائل كبيرة استنزفت ميزانيات ضخمة أصابها نوع من التيبس الثوري جردها من الفعالية وأورثها عقما ثوريا أفقدها القدرة على العطاء والانجاز، لأن قادتها لم يكونوا في مستوى التحدي، ولم يستطيعوا التحرر من عقد الدونية، والاحساس بالذنب لأن بعض الغلاة خرجوا من أصلاب تياراتهم، وسيطر عليهم هاجس " الاعتدال" وتنزيه الذات من الغلو والتطرف.

الجولاني قال بأنه عندما قدم إلى سوريا كانت معه ستون بندقية فقط وزعها على مدن سوريا وقواطعها، فكان نصيب بعض القواطع خمسة بنادق أو أقل. لكن موهبة القائد تكمن في استثمار الموارد المتاحة لديه مهما شحت، وحسن استغلالها وتوظيفها، فأصبحت تلك البنادق خلال بضع سنوات جيوشا وكتائب، تتصدى لأعتى جيوش الأرض وتصمد أمام أفتك أسلحتها. والجولاني عندما قال بأن الحرب حرب أفكار وعقول وإرادة فإنه يعني ما يقول.

بعد انتهاء عرض اللقاء الصحفي الذي جمع بين الجولاني وبين موسى العمر وأدهم أبو الحسام وهادي العبد الله ومحمد الفيصل على شاشة أورينت؛ اتصلت القناة بصحافيها محمد الفيصل لتسأله عن ملابسات اللقاء وما أثار انباهه فيه، فأجاب بأنه استغرب من تضلع قادة " جبهة النصرة" في السياسة وفهمهم العميق لمنعرجاتها عكس الانطباع السائد عنهم كقادة لا يهتمون بها ولا يعترفون بالحلول التي تأتي عبرها. هذا الفهم العميق للسياسية من هؤلاء القادة هو الذي حال دون ممارسة بعض المعارضين السياسيين الأستاذية عليهم، فذهبوا إلى فصائل الجيش الحر لتقمص ذلك الدور. وقدر كبير من العداء والخصومة من هؤلاء السياسيين المولعين بدور "الأستاذية" اتجاه هيئة تحرير الشام يعود إلى هذا العامل.

الجولاني والشيوخ والقادة المحيطون به (أبو ماريا القحطاني، مظهر ألويس، عبد الرحيم عطون..) لم يؤسسوا فصيلا ثوريا جهاديا فحسب بل أسسوا مدرسة جهادية يمكن تسميتها بـ"المدرسة الشامية" إلى جانب المدرسة العراقية التي أسسها الزرقاوي و المدرسة الخرسانية التي أسسها أسامة بن لادن، وسنتحدث لاحقا عن هذه المدارس بالتفصيل.





1/20/2018

تفكيك الثورة الموازية

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : يناير 20, 2018


عبد الغني مزوز---

من المهم جدا أن ندرك أن اعتراض ثورات الشعوب وحرف مسارها لا يتم فقط عبر ثورات مضادة تلجأ إلى أساليب القمع والارهاب أو انقلابات عسكرية تطيح بمن بوأتهم الثورة سدة الحكم والسلطة، هذه الأساليب وإن ظلت سارية إلى عهد قريب ومستخدمة على نطاق واسع في أكثر من زمان ومكان إلا أن هناك نمطا آخر من مواجهة الثورات وتفكيك بناها وإعادة توجيه مساراتها لتنتهي عند النقطة التي بدأت منها؛ نظام مستبد عديم الشرعية ومناعة كافية للصمود في وجه أي ثورات ارتدادية قد تحصل في قادم السنوات، فالثورة إما أن تسقط نظاما مستبدا أو تمد في عمره.

هذا النمط من التصدي للثورات والكيد لها تم توظيفه في أكثر من ثورة وانتفاضة شعبية، لكنه أوضح ما يكون في الثورة السورية بسنواتها الست، حيث يمكن رصد ملامحه بارزة لكل متابع وملاحظ، جوهر هذا النمط يتمثل في صناعة مكونات ثورية تشارك في فعاليات الثورة (سياسيا وعسكريا) وترفع شعاراتها وتنادي بما ينادي به غيرها من الكيانات الثورية الأصيلة لكن ولائها وتبعيتها إما للنظام نفسه أو لجهات خارجية تعتبر عصب الثورات المضادة إدارة وتمويلا. فالخطر في هذه الحالة لا يأتي من معسكر النظام بقدر ما هو قابع في عقر دار الثورة. فالنظام الدولي وهو مشغول بإعادة تأهيل النظام الأسدي وترميم ما تداعى من شرعيته؛ مشغول في الوقت نفسه بتأمين معارضة له يصنعها صناعة أو ينتقيها من معسكر الثورة حسب معاييره وشروطه، وهذه من بين الأمور المهمة التي انتبه لها مبكرا الإمام حازم صلاح أبو إسماعيل.[1]

داخل معسكر الثورة السورية بشقيها العسكري والسياسي تنشط عدة فصائل وكيانات مرتبطة عضويا وولاء إما بالنظام الأسدي أو بدول في الشرق والغرب تسعى لتأبيد النظام الطائفي وترى في سقوطه انتصارا للإرهاب الجهادي. فعلى الصعيد العسكري هناك فصائل مسلحة صنعتها المخابرات الأمريكية والبنتاغون وتمت صياغة برامجها " الثورية" داخل أروقة هاتين المؤسستين، وهذا ليس من الرجم بالغيب بل هذا مما اطلع عليه الجميع واعترفت به هذه الفصائل حتى درج وصفها في الأوساط الثورية بفصائل البنتاغون، وهناك فصائل أخرى يقودها شيوخ من التيار المدخلي وتتلقى دعما سخيا من بعض دول الإقليم، ومعلوم أنه ما من ثورة تقوم إلا ويصطف المداخلة تلقائيا في الجانب المضاد لها إخلاصا منهم لعقيدتهم "السلفية النقية"، وموقفهم من الثورة الليبية والمصرية واليمنية مسجل ولا داعي لاستدعائه، وكتائب " التوحيد" و" السلفية" مازالت تنفذ مجازرها إلى جانب أمير الحرب خليفة حفتر ضد مسلمي ليبيا إلى حد الساعة. كما أن هناك فصائل تتبع لما يسمى بغرف العمليات المشتركة (الموك مثلا) وهي غرف يديرها ضباط مخابرات أجانب وتتحكم في شؤون الفصائل المنضوية تحت مظلتها، وغالبا ما تبقى هذه الفصائل خامدة، تكدس الأسلحة في مخازنها وتصرف المرتبات لعناصرها في انتظار اللحظة المناسبة للتحرك، واللحظة المناسبة بالنسبة لهم هي عندما يسقط النظام ويصيب الإرهاق قوى الثورة فتندفع هي بكامل طاقتها وعنفوانها لتكون حينئد رقما صعبا وصوتا مسموعا.

هذا على الصعيد العسكري أما على الصعيد السياسي فثمة طيف واسع من التيارات والأشخاص والمنصات ينسب نفسه للثورة والمعارضة ويسعى لأن يكون ممثلا في هيئات التفاوض ومؤسساته. فهناك ما يسمى بمنصة القاهرة التي صنعت على عين المخابرات المصرية، وأخرى تتخذ من العاصمة الروسية موسكو مقرا لها وتمارس نضالها السياسي من هناك، بل توجد معارضة تسمى " منصة حميميم " لأن رؤوسها كثيرا ما يترددون على قاعدة حميميم العسكرية الروسية، ولك أن تتخيل ما وسعك الخيال معارضة تستوطن قاعدة عسكرية تابعة لحامي النظام الذي تزعم معارضته!! ومكمن الخطورة في كل هذا أن بعض الفصائل العسكرية التي لم يسعفها الوعي والفهم العميق لخطط النظام الدولي في إعادة إنتاج النظام الطائفي انخرطت في مسار سياسي مناقض لمبادئ وأهداف الثورة فوجدت نفسها اليوم مرغمة على الاعتراف بالمنصات المذكورة كمكونات سياسية معارضة وتتقاسم معها القرار السياسي " المعارض" ضمن هيكل تنظيمي واحد، وإلا سحب عنها الدعم ووصمت بالإرهاب[2].

إذن فهناك ثورة أصيلة بأفكارها ومبادئها وحركتها ومكوناتها وهناك ثورة موازية صنعت لتواكب الثورة الأصيلة وتسير بحدائها فإن حسم الصراع لصالح الثورة المضادة، فستنال حصتها من السلطة والنفوذ والامتيازات باعتبارها رافدا من روافد الثورة المضادة، وإن انتصرت الثورة كانت جزء منها إلى أن تنقلب عليها فتعيد استدعاء النظام السابق أو تؤسس شبيها له على انقاضه. منصة القاهرة وموسكو وحميميم وفصائل المدخلية والبنتاغون.. كلها مكونات طارئة على الثورة تشكل في مجموعها خطا ثوريا موازيا للخط الثوري الأصيل الذي يسعى لتحرير الأمة من الاستبداد والتبعية ويعيد الاعتبار لهويتها وحضارتها.

ثمة عدة وسائل وطرق لفرز المكونات الثورية الأصيلة عن الموازية أو المزيفة لكن يمكن اعتماد أهم معيار للفرز والتصنيف، ونتحدث هنا عن المكونات التي نجحت في تمويه نفسها في بيئة الثورة وليس عن تلك التي تجاهر بولاءاتها وارتباطاتها، هذا المعيار هو مدى حضور مطلب الاستقلال والتحرر في حركتها وبرنامجها الثوري. إن أصل أزمة الأمة ومنبثها يكمن في وقوعها تحت وطأة الوصاية الخارجية وفقدانها لمبدأ السيادة والاستقلال، ومعظم ما يعتري جسد الأمة من علل ونكبات مجرد أعراض وتجليات لهذه الأزمة وبالتالي فإن أي حركة أو كيان يزعم لمشاركة في تصحيح أوضاع الأمة لكنه يصدر في قراراته وأفعاله عن إرادة أجنبية تتبع قوى الجبر والوصاية الدولية هو في حقيقته كيان يبتغي –أدرك ذلك أم لم يدركه- تعميق الأزمة وتأبيدها، وإعطاء الفرصة لهذه القوى من أجل الالتفاف على ثورات الأمة وإعطابها من الداخل. 

في الثورة السورية –كما غيرها- عدد من الجماعات والفصائل تأسست بموجب برامج التدريب والدعم الأمريكية، بعضها يحمل أسماء تحيل على شخصيات تاريخية إسلامية ويرفع شعارات ثورية وإسلامية، لكنها أبعد ما تكون عن روح الثورة وأهدافها وتطلعاتها، إنها ثورة موازية ومشروع ثورة مضادة لم يحن أوان تحركها بعد. ولذا يجب الوعي بضرورة صيانة الثورة والتعامل مع الكيانات المشبوهة داخلها بحزم وذكاء. يجب رصد مكامن وبؤر الثورة الموازية في النسيج الثوري والعمل على محاصرتها وتفكيكها ومنع استشرائها. وهذه المهمة تستدعي العمل على مستويات عدة؛ الأول: على صعيد نشر الوعي الثوري الصحيح، والتعريف بحقيقة قوى الجبر والوصاية الدولية ودورها في النكبات التي حلت بالأمة، من رعايتها للمستبدين واستنزافها لثروات الأمة ومواردها، واحتلالها بلدانا وأقطارها إسلامية عدة، وأن التعاون معها يعتبر تواطئا مع خصوم الأمة ومساهمة فعالة في العدوان عليها. وينبغي تأصيل ذلك شرعيا وعقديا.

ثانيا: محاصرة مكونات الثورة الموازية وتجريدها من الشرعية، وبيان حقيقتها للناس، وإبعادها عن دوائر صناعة القرار الثوري، ومنعها من المشاركة في فعاليات الثورة وغرف عملياتها، ووضعها تحت المراقبة. 

ثالثا: العمل على تفكيك هذه المكونات في مراحلها الجنينية وعدم تركها تمتد وتتوغل داخل مفاصل الثورة، ويجب على قوى الثورة الأصيلة أن تتحد وتتكاتف فيما بينها لعزل هذه المكونات وإظهارها كنشاز يتحرك خارج الإجماع الثوري. ومن تم التعامل معها بما يحد من فعاليتها أو ينهي وجودها بالمرة.

من المهمات التي تضطلع بهذا هذه الكيانات الوظيفية داخل معسكر الثورة هي المشاركة في مقترحات الحل المشبوهة التي يتقدم بها خصوم الثورة ومنحها المصداقية والوجاهة لإظهار القوى الثورية المقاطعة لها كقوى متطرفة لا تريد الحل السياسي للقضية[3]. انظر مثلا إلى محطات التفاوض المختلفة التي تخللت مسار الثورة السورية، كل الفصائل والشخصيات المشاركة فيها مرتبطة عضويا وولاء بجهات إقليمية ودولية. وعندما ننظر إلى مشاريع التوحد والاندماج التي طرحتها بعض الفصائل من أجل تصحيح أوضاع الثورة نجد أن الجماعات الرافضة لها هي نفسها المحسوبة على الجهات الدولية والإقليمية.

من بين الأخطاء التي ارتكبها الرئيس محمد مرسي أنه لم يتعامل بحزم مع مكونات الثورة الموازية (حزب النور؛ البرادعي؛ فلول القوميين والاشتراكيين..) بل سعى للتقرب منها أكثر من مرة مقابل تهميشه قوى الثورة الأصيلة (حازمون؛ شباب الثورة؛ الإسلاميون الثوريون..) فكانت النتيجة تلك المأساة التي مازال العالم يتابع تفاصيها حتى الآن.

إذن، على القوى الثورية أن تتحلى بالوعي واليقظة، وتراقب عن كتب مكونات الثورة الموازية، وتعمل على عزلها وتفكيكها، صيانة للثورة ومكتسباتها وقطعا للطريق أمام مشاريع حفترية يُراد استنساخها في سوريا وغير سوريا، تنتهي بإعادة انتاج الحقب العربية السوداء بتفاصيلها وقصصها المريرة.








[1] كلمة حازم صلاح أبو إسماعيل في مؤترموقف علماء الأمة تجاه القضية السورية https://www.youtube.com/watch?v=hS4upjYwaqQ 


[2] عربي21، لافروف يعلق على استقالات الهيئة العليا للمفاوضات، http://arabi21.com/story/1050641/%D9%84%D8%A7%D9%81%D8%B1%D9%88%D9%81-%D9%8A%D8%B9%D9%84%D9%82-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%8A%D8%A6%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%8A%D8%A7-%D8%A8%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D9%88%D8%B5%D9%81%D9%87%D8%A7 


[3] قدري جميل رئيس منصة موسكو اعترف بأنه فرض استراتيجيته على 140 عضوا "معارضا" ممن حضروا مؤتمر "الرياض2" انظر: الواقعية السياسية حجة المعارضة للإنخراط في المسار الروسي، ملف القدس العربي الأسبوعي العدد: 9025

1/01/2018

هيئة تحرير الشام.. أوهام الخصوم

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : يناير 01, 2018
هيئة تحرير الشام

عبد الغني مزوز---

في الحلقة الماضية من برامج الاتجاه المعاكس على الجزيرة تحدث معارض سوري (هكذا يسمي نفسه!) في سياق كلامه الكثير عن ضرورة التفاوض وجدواه للثورة السورية؛ تحدث عن معركة حلب، وقال بأن تنظيم القاعدة يقصد جبهة النصرة هي من سلمت حلب للإيرانيين، وأنها من يحول دون تحقيق الثورة لأهدافها بسبب استمرار سيطرتها على إدلب، وردد الرجل كثيرا عبارة (القاعدة في إدلب)، في تعبير صارخ عن الحالة المتقدمة من البؤس السياسي بل والوجودي الذي تردت فيه ما يسمى بالمعارضة السياسية السورية.

إذا كانت الجرأة قد اسعفت الرجل لينطق بكل ذلك القدر من الكذب والحقائق المقلوبة والمختلقة وهو على الهواء مباشرة وفي قضية تابع الآلاف من الكتاب والناشطين أطوارها، وقدمت الفصائل المنصفة روايتها لما حصل بالتفصيل؛ فكيف سيكون حاله في الغرف المغلقة وحيدا وهو يستجدي الضامنين ورعاة التسوية السياسية المزمعة مع النظام الطائفي. على أي حال فمناظر الرجل في البرنامج نفسه كشف بعضا مما يدور في تلك الغرف، وقال -وهو الشاهد على دسائس القوم- بأن ما يسمى بالمعارضة السياسة أدارت منذ سنوات برنامجا استثماريا مربحا يدر على المقاولين السياسيين أو المعارضين كما يحبون أن ينعتوا أرباحا صافية بملايين الدولارات، والثورة بالنسبة لهم موسم تجاري واعد، وهم حريصون تبعا لذلك على عرقلة أي مسار ينتصر للثورة وينهي معاناة الناس، وحريصون أيضا بالمقتضى نفسه على الكيد لأي مكون ثوري ملتزم وشريف لا يقبل بتمرير صفقاتهم الاستثمارية. وبالتالي فهم ليسوا في عجلة من أمرهم ولا يعنيهم ما يكابده الجوعى والمحاصرين والمشردين من مآسي؛ يشدون الرحال إلى جنيف ومنها إلى أستانة ولوزان والرياض، وقريبا سيساقون إلى سوتشي الروسية.

فكرت مليا في مهمة المعارضة السياسة في مؤتمر سوتشي لكنني لم أقف على جواب أطمئن إليه، فالمؤتمر عبارة عن مائدة مستديرة موسعة لمكونات المنظومة الطائفية الحاكمة، ما يجعل المعارضة السياسية في موقع المتطفل لا أقل ولا أكثر أو كالأطرش في الزفة كما يُقال، اللهم إن أراد هؤلاء "المعارضون" أن يصبوا الفودكا الروسية للمجتمعين، ويناولوهم معاطفهم الشتوية كلما هموا بالخروج من القاعات إلى منتجعات سوتشي الباردة. لكن لا ينبغي أن ننسى إكراهات عالم المال والأعمال، فالتاجر الناجح هو الذي يرقى بتجارته فوق الحساسيات السياسية والأيديولوجية، فتجده يستثمر هنا في المسابح وأعواد السواك وهناك في الحشيش والهروين. وإذا كانت تجارة المعارضة السياسية تلزمهم حضور هذا العام مؤتمرا في سوتشي الروسية والعام القادم مؤتمرا في قُم الإيرانية فيجب أن نتوقع حضورهم، إنها أبجديات البزنس الناجح يا سادة. 

سيكون لغوا وكلام زائدا لو أعدنا الحديث عن أسباب وعوامل سقوط حلب، فقد سجل الناشطون شهاداتهم وأدلى قادة الفصائل بأقوالهم في النازلة، وأجمع المنصفون كما تدل على ذلك مئات المقاطع المصورة أن جبهة النصرة هي من أخر سقوط حلب، وأن خصومها داخل حلب منعوا عنها الأسلحة والذخائر وكدسوها في مخازنهم وفضلوا سقوطها في يد النظام على أن تحصل عليها جبهة النصرة، كما قادت النصرة معارك فك الحصار عن حلب وقدمت في سبيل ذلك كثيرا من الشهداء والجرحى، ويمكن الاستماع لشهادة أبو العبد اشداء في هذا الإطار وهو قائد مدينة حلب المحاصرة وشهد مشاهدها كلها بما يجعله فوق كل المزاودات، وقد تحدث الرجل عن بلاء جبهة النصرة في حلب وتطرق لبعض الخيانات التي أدت إلى فاجعة خسارتها والخروج منها. 

الثابت أنه عندما أشرفت معارك فك الحصار عن حلب على تحقيق أهدافها (معركة إبراهيم اليوسف) انسحب مقاتلو بعض الفصائل من المعركة للمشاركة في عملية درع الفرات التي تقودها تركيا وكان من المفترض أن يسيطروا على منطقة معمل الإسمنت الاستراتيجية، وهو ما أعطى الفرصة لقوات النظام لتثبيت دفاعاته في منطقة معمل الإسمنت واستقدام تعزيزات ضخمة إليها وهي النقطة التي اعتمدت عليها قوات النظام لاحقا في إعادة حصار حلب بعد حوالي أسبوع كسره. ومعروف أن جبهة النصرة كانت تعارض عملية درع الفرات خصوصا في التوقيت الذي انطلقت فيه، لكن المعارضة السياسية اعتبرتها فتحا مبينا آنذاك. ولم يمنعها ذلك الآن من الادعاء بأن جبهة النصرة هي من سلمت حلب للنظام!! 

زعم المعارض السياسي المذكور في البرنامج التلفزيوني نفسه أن سبب ما آلت إليه أوضاع الثورة السورية اليوم هو استمرار سيطرة تنظيم القاعدة على مدينة إدلب، وكلامه هذا ينطوي على رؤية نصفها كذب ونصفها الآخر خيانة، أما الخيانة فهي ادعائه سيطرة القاعدة على إدلب وفي ذلك تأييد لرواية خصوم الثورة وهي دعوة صريحة لتدمير المدينة بحجة تخليصها من القاعدة، والرجل يعلم يقينا أن لا وجود للقاعدة في المدينة بل ويعلم بالخلاف الناشب بين قيادة هيئة تحرير الشام وبين قيادة القاعدة، لكنه يصر ضمن سردية يجري الترويج لها منذ شهور أن القاعدة تسيطر على مدينة إدلب لشرعنة أي إبادة قد تحصل –لا قدر الله- ضد أهلها في قادم الأيام. 

هناك حقيقة لا يستطيع أحدا انكارها أو القفز عليها مهما برع في لحن القول وحبك الإشاعات، وهي أن المساحة الخضراء الوحيدة والمتبقية على خريطة سوريا هي تلك التي يرابط على تخومها مقاتلو هيئة تحرير الشام، فالمساحات التي لم يفرض النظام وحلفائه سيطرتهم عليها بالقوة العسكرية الغاشمة أخضعوها بواسطة برامج المصالحات المزعومة، أو أبرموا صفقات سرية مع أمراء الحرب فيها كما هو الحال في بعض مناطق الغوطة الشرقية. وتبقى مدينة إدلب عذراء الثورة السورية شامخة بثوارها ورجالها تدافع عن البقية الباقية من شرف الثورة وكرامتها، عصية على التنازلات المساومات، ولذلك اتهمها من اتهمها بإيواء تنظيم القاعدة، حتى تلقى مصير جارتها حلب فيتسنى لمقاولي الثورة ساعتئذ تمرير صفقاتهم تحت أنقاض المدينة وغبار البراميل المتفجرة وصرخات المفجوعين والمنكوبين.

منذ شهور وهيئة تحرير الشام تقاوم منفردة هجوم الدواعش المنسق مع قوات النظام في محاور ريف حماة الشرقي، يعتقدون أن الثورة السورية في نزعها الأخير ولذلك بات لعبهم على المكشوف، يفر الدواعش تحت ضربات الهيئة فتتقدم قوات النظام، تتصدى لها الهيئة فيشاغلهم الدواعش في محور آخر. بينما الفصائل السورية الأخرى في عطالة ثورية مزمنة تأبى المشاركة في معارك الدفاع عن إدلب متدرعة بحجج متهافتة. كما تخوض هيئة تحرير الشام معارك شرسة مع فصائل صغيرة من الجيش الحر ضد قوات النظام التي تحاول التقدم في محاور ريف حماة الشمالي وغيرها سواء في الشمال المحرر أو غيرها من المناطق التي لا تزال صامدة وتقاوم.

مشروع هيئة تحرير الشام التحرري يهدد مكاسب مقاولي الثورة، ويقطع الطريق على رعاة التسوية مع النظام؛ عندما دشنت مسارا سياسيا موازيا بدأ بفكرة الإدارة المدنية للمناطق المحررة والمؤتمر السوري العام فحكومة الإنقاذ في أفق بناء منظومة سياسية ثورية ملتزمة بأهداف الثورة ومبادئها، وتسمع صوت قضاياها لشرفاء العالم وأحراره، وتقيم علاقات متوازنة مبنية على الاحترام المتبادل ورعاية المصالح المشتركة مع مختلف القوى المؤثرة، وليس علاقة تبعية ووصاية لا تليق بمن قدم مئات الآلاف من الشهداء فقط لينال حريته واستقلاله وسيادته. 





12/14/2017

هكذا اخترق النظام السوري فصائل الثورة

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : ديسمبر 14, 2017

عبد الغني مزوز---

تُصنف أجهزة المخابرات السورية كإحدى أكثر الأجهزة الاستخباراتية رعبا ونفوذا، وأقدرها على اختراق الكيانات المعارضة ومراقبة أنشطتها، وتنقسم المنظومة الاستخباراتية السورية إلى أربعة أقسام أو شعب وهي: جهاز المخابرات العسكرية أو الأمن العسكري ويتبع لها عدد من الأفرع أهمها فرع فلسطين سيء الصيت، وجهاز المخابرات العامة (أمن الدولة) بأفرعه المتعددة لعل من أشهرها الفرع الخارجي (279) وفرع المعلومات المتخصص في مراقبة الكتاب والصحفيين ووسائل الإعلام المختلفة، وجهاز الأمن السياسي ثم جهاز المخابرات الجوية. هذه الترسانة المعقدة والموسعة الصلاحيات من المؤسسات والأجهزة عملت على مدار سنوات حكم آل الأسد على إبقاء النظام الطائفي بمنأى عن أي تهديد قد يمس النظام ورموزه سواء كان هذا التهديد حراكا شعبيا أو معارضة سياسية أو عسكرية، ولذلك كان دوما لهذه الأجهزة دور كبير في إخماد الحركات المعارضة وكشف المحاولات الانقلابية، فشعبة المخابرات الجوية مثلا كان لها دور في إنهاء ثورة 1982.

مع انطلاق الثورة السورية في 2011 راهن النظام السوري على منظومته الاستخباراتية المتمرسة على أساليب التجسس والاختراق وجمع المعلومات خلال الحروب والنزاعات التي كانت سوريا طرفا فيها؛ راهن عليها في متابعة تفاصيل الحراك الثوري واختراق دوائره الضيقة و تصفية قادته، والكشف عن شبكة علاقاته، وقد أحرز في هذا السياق نجاحات كثيرة بدءا من اختطاف المقدم حسين هرموش أول الضباط المنشقين ومؤسس لواء الضباط الأحرار إلى الآن؛ حيت أظهرت معركة حلب قبل عام تقريبا أن النشاط الاستخباراتي لنظام الأسد مازال فعالا ويضطلع بأدوار حيوية في الحرب ضد قوى الثورة والمعارضة. 

لقد استطاعت المخابرات السورية اختراق الثورة وفصائلها و شخصياتها القيادية عبر عدة أساليب وطرق تتراوح بين البدائية والمتطورة جدا، وسنعرض في هذا المقال بعضا منها.

الاختراق التقني

رغم أن النظام السوري لا يمتلك تكنولوجيا متقدمة في مجال التجسس والمراقبة الرقمية، إلا أنه تمكن من توظيف الخبرة التقنية لدى وحداته المتخصصة في هذا النوع من العمل الاستخباري، ومع وجود شركات تكنلوجية رائدة في مجال برمجيات التجسس وتقدم خدماتها لمن يدفع بغض النظر عن هدفه من امتلاكها كما أظهرت وثائق شركة hacking team المسربة، حيت قدمت الشركة لعدد من الدول العربية برمجيات متطورة سهلة الاستخدام تتيح التجسس ومراقبة الأشخاص والكيانات بحرفية عالية، وإن كان زبون هذه الشركات مشمولا بعقوبات أممية فإنها تحتال على القيود وتوصل منجاتها إليه بسهولة وأمان كما كشف عن ذلك الوثائقي الذي عرضته الجزيرة عن هذا النوع من التجارة الرائجة[1]. وفي نهاية عام 2016 داهمت الشرطة الإيطالية مقر شركة AREA وصادرت 8 ملايين أورو حصلت عليها الشركة من المخابرات السوري بعدما باعت لها نظاما متطورا لرصد واعتراض المكالمات في البلاد كلها[2].

كشفت الوثائق التي هربها المنشقون عن الأفرع الاستخباراتية المختلفة للنظام السوري أن هذا الأخير قد نجح فعلا في اختراق الأجهزة الشخصية للثوار وتابع من خلالها محادثاتهم ورسائلهم، فالنظام مثلا كان على علم بكل الرسائل النصية التي بعثها المقدم حسين هرموش وتلك التي وردت إليه، وهويات الأشخاص الذين كانوا على تواصل معه، كما أوصلت المخابرات السورية إلى هرموش عبر العميل الذي كان يرافقه كمبيوتر محمول زرعت به شرائح تنصت[3]، الكم الهائل من المعلومات التي اتاحتها المراقبة اللصيقة للمقدم هرموس هي التي أدت في النهاية اختطافه وإرجاعه إلى دمشق في أول انكشاف أمني صارخ للثورة السورية. 

منظومة الاتصال التابعة للثوار وفصائلهم كلها تعتمد على الأدوات التقنية الحديثة؛ من أجهزة كمبيوتر وهواتف ذكية وتطبيقاتها المتنوعة التي تُعد بالآلاف ما يعني أن هناك الآلاف من إمكانيات اختراق هذه الأجهزة، ومن ثم النفاذ إلى عمق البنية التنظيمية للفصائل ونسفها من الداخل، وهذا ما حصل في الشهور الأخيرة عندما نشرت جهات مجهولة تسجيلات صوتية منتقاة لمكالمات جرت بين قادة الصف الأول في هيئة تحرير الشام، وتحدث بعض المطلعون أن أجهزة الاتصال اللاسلكية التي تستخدمها الهيئة في التواصل كانت مخترقة. 

يحب بعض الثوار توثيق حشودهم العسكرية ولحظات المعارك بهواتفهم المحمولة، وعند ظهور أيا من قادتهم لإلقاء كلمة وسط تجمعاتهم تظهر عشرات الهواتف الذكية وهي تحاول التقاط الصور وتوثيق اللحظة، وهي عادة غريبة في مكان يُفترض فيه الحيطة والحذر حيت يسعى خصوم الثورة على مدار الساعة إلى التقاط أدنى معلومة قد توصل إلى مقرات الثوار وقادتهم. والطريف أن ألمانيا قد حظرت على نوابها ومسؤوليها استخدام بعض أنواع الهواتف الذكية لإمكانية اختراقها بعد أن كشف سنودن أن هاتف انجيلا مركل كان مخترقا هي و34 من قادة وزعماء دول العالم، بل إن الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما صرح بأنه " لا يستخدم التكنولوجيا الذكية لأسباب أمنية"، بينما الثوار ومسؤوليهم مازالوا يعتمدون على هذه الهواتف وتطبيقاتها في التواصل وإدارة شؤون فصائلهم.

الإعلاميون والناشطون

كان للناشطين دور كبير في إيصال صوت الثورة السورية إلى العالم، ونقل صورة ما يرتكبه النظام السوري من جرائم وحشية ضد الأبرياء العزل، ولازال عشرات منهم يقوم بهذا الدور بكل شجاعة وحرفية، ولما يحظى به الناشطون أو المواطنون الصحفيون من احترام بين الفصائل الثورية وعامة الناس فإن النظام السوري عمل على تجنيد ناشطين وزراعتهم في الوسط الثوري ليضعوه في صورة ما يجري هناك، ويرسلوا إليه احداثيات المواقع العسكرية وتحركات الثوار.

الناشط هو ذلك الشخص الذي يحمل أحدث أجهزة الاتصال من هواتف ذكية وكمبيوترات وكاميرات من مختلف الاحجام والأنواع، وبإمكانه أن يصور متى وأين شاء، ويدخل المقرات ويلتقي بالثوار ويجري محادثات مع زعمائهم ويلتقط الصور لهم، وينغمس وسط حشودهم بمعداته دون أن يثير أية شكوك. وفي غياب أي قانون أو ميثاق شرف يؤطر عمل الناشطين فإنه من الصعوبة بمكان مسائلتهم والتحقيق معهم دون أن يستتبع ذلك بعض الاستنكار والفزعة من زملائهم في "المهنة".

كشف احتلال حلب من قبل قوات النظام والميلشيات المساندة لها حجم اعتماد النظام على خدمات " الناشطين المزيفين" في تأمين المعلومات، ووضع قوات النظام في صورة ما يجري في الجانب الذي تسيطر عليه الفصائل المسلحة، ومع تقدم ميلشيات النظام في أحياء حلب واقتراب الحسم لصالحها، عرفت حلب هجرة شبه جماعية لمن يسمون بالناشطين اتجاه الجانب الذي تسيطر عليه النظام إيذانا بانتهاء مهمتهم في حلب. 

عدد من الناشطين غادروا المناطق المحررة باتجاه المناطق التي يسيطر عليها النظام، مثل الناشطان نعيم خواجكي وبشار نحال وكانا يعملان كمصورَين لدى "لواء أحرار سوريا" الذي كان مقاتلوه ينتشرون بشكل رئيسي في أحياء حلب القديمة ومحيط القلعة وفي حي باب الحديد. وغادر الناشط والإعلامي في قناة " حلب اليوم" أحمد مصطفى باتجاه قوات النظام وكان هذا الأخير دائم التردد على مقرات الثوار في حلب وأجرى كثيرا من اللقاءات مع قادتهم. والتحق أيضا بمناطق النظام الناشط عامر أبو شان وكان يرافق أطقم الدفاع المدني ويصور المواقع التي تتعرض للقصف. هذه عينات فقط وإلا فهناك الكثير من الناشطين الذين التحقوا بالنظام وآخرون مازالوا على رأس عملهم.

مكمن الخطورة أن هؤلاء الناشطين يتحركون بحرية في المناطق المحررة، ويلتقطون الصور، ويدخلون المقرات والمواقع الحساسة، ويرافقون حشود الثوار ويوثقون حركتهم بمقاطع الفيديو، ويستعملون الهواتف الذكية وغيرها من الأجهزة القادرة على ارسال الاحداثيات وتحديد المواقع بدقة. من هنا تشتد الحاجة إلى إحداث هيئات متخصصة في تنظيم وتأطير النشاط الإعلامي للأفراد ومراقبة أدائهم داخل المناطق المحررة، وإقرار آليات للتحقيق والمحاسبة، والحد من استعمال التكنولوجيا الذكية قرب المقرات والمواقع ذات الطابع العسكري، فكل دول العالم تحظر تصوير مواقعها الحيوية دون إذن من الجهات المختصة. 

الانشقاقات المرتبة

لا يكاد يعلن ضابط أو إعلامي أو سياسي أو حتى إداري انشقاقه من نظام بشار السدساأسد حتى يجد الطريق معبدا إلى أعلى المناصب في مؤسسات الثورة وفصائلها، ظاهرة غريبة جدا والأغرب منها أن من خرجوا من سجون النظام بعد سنوات من معارضتهم له وسعيهم لإسقاطه حتى قبل أن يحل الربيع العربي على سوريا اتهموا بالعمالة للنظام وأن هذا الأخير أطلق سراحهم من سجونه حتى يكونوا سندا له في إجهاض الثورة وإفشالها. ولذلك فرياض حجاب وفراس طلاس وجهاد مقدسي المنشقون حديثا عن النظام تبوؤوا مناصب مؤثرة في هيكلية المعارضة السياسية، وأصبحوا في عرف البعض ثوارا أقحاح لا يُشك في نزاهتهم وإخلاصهم، بينما الإسلاميون الذين ثاروا على النظام منذ عقود وزج بهم في سجونه وتعرضوا هناك لأفظع أنواع التعذيب ثم خرجوا بعد الثورة يشار إليهم في أكثر من مناسبة بأنهم عملاء للنظام استخدمهم لإعطاء الثورة صبغة جهادية!! 

الاحتفاء بالمنشق إلى الدرجة التي توضع فيها مقاليد العمل الثوري في يده؛ هو كل ما يحتاج إليه نظام بشار الأسد حتى يرتب انشقاقات وهمية تتيح له زرع جواسيسه في عمق الثورة. وبإمكان هؤلاء المنشقين أو " المندوبين" ممارسة مهامهم بكل أريحية، كإرسال تقارير مفصلة عن وضع الثوار وتسليحهم وانتشارهم وعلاقاتهم وإثارة مكامن الخلاف فيما بينهم وغيرها من المهام. وهناك حالات استطاع فيها هؤلاء تشكيل أجسام سياسية وعسكرية محسوبة على الثورة والمعارضة لكن ولائها للنظام الطائفي لم ينقطع يوما، ألا تصنف مثلا منصة موسكو والقاهرة على المعارضة السياسية وشاركت في صناعة قراراتها، بل إن منصة قاعدة حميميم العسكرية الروسية تُحشر ضمن أطياف المعارضة السياسية. 

هناك العشرات من الحالات التي عاد فيها المنشقون إلى وظائفهم الأصلية سواء في السلك العسكري أو المجال الإعلامي أو السياسي بعد انتهاء مهماتهم داخل معسكر الثورة، فمثلا عاد الإعلامي الكردي دلبرين موسى والتحق بوظيفته كمعد للبرامج في التلفزيون السوري الرسمي، بعدما عمل لفترة في إعلام الثورة واحتك بقادتها وشارك في كثير من الفعاليات والنشاطات الثورية. كما عاد نزار السعدي الإعلامي السابق في قناة الدنيا التابعة للنظام إلى دمشق، واشتغل السعدي خلال فترة انشقاقه في عدد من المؤسسات الإعلامية المؤيدة للثورة ولم ينس وهو يعود إلى معسكر بشار الأسد أن يصحب معه وحدات تخزين وأقراص صلبة سرقها من المؤسسات التي عمل بها.

طبعا ليس كل منشق هو عميل مفترض، لأن المنشقين كانوا ولا زالوا من أعمدة الثورة، وأبلوا فيها بلاء حسنا كما أبلى غيرهم، لكن أن تُشرع أمامهم أبواب المناصب المؤثرة مع أولى خطواتهم في معسكر الثورة فهذا مناقض لأبجديات العمل الثوري والحس الأمني على حد سواء.

عانت الثورة السورية من فداحة الانكشاف الأمني منذ انطلاقتها في مارس 2011، ودفعت جراء ذلك ثمنا باهظا، تمثل في استهداف قادة كبار من وزن عبد القادر صالح وأبو عمر سراقب وزهران علوش وأبو يحيى الحموي وأبو الفرج المصري والعشرات غيرهم، كما خسرت الثورة جبهات ومعاقل مهمة كمدينة حلب التي يتواجد بها لحظة استسلامها حوالي 40 ألف مقاتل نصفهم عاد إلى مناطق النظام، ومخزون من المؤن العتاد يكفي للصمود لثلاث سنوات من الحصار حسب عبد الرحمن الأسيف القيادي السابق في لواء التوحيد، وكان لاختراق صفوف الثوار وغرف عملياتهم دور كبير في معظم النجاحات التي أحرزتها قوات النظام إضافة إلى العوامل الأخرى المعروفة كالدعم الروسي والايراني. وبالتالي ضرورة إعادة تقييم الوضع الأمني للثورة وتحصين بنياتها ومؤسساتها من الاختراق عبر استحداث جهاز استعلامات قوي قادر على جمع المعلومات وملاحقة الجواسيس، وأيضا الحد من الاستخدام المفرط للتكنولوجية الذكية في المهمات الحساسة وابتكار منظومة بديلة للتواصل حتى وإن كانت بدائية مادامت ستحرم العدو من أهم المناهل التي يتزود منها بالمعلومات والمعطيات. 





[1] قناة الجزيرة، تحقيق استقصائي: تجار التجسس، https://www.youtube.com/watch?v=GQfURuWjgPk 


[2] نفس المصدر 


[3] قناة العربية، برنامج التقرير الأمني، https://www.youtube.com/watch?v=e0Ql8OZ2aJ4

حكومة الإنقاذ السورية: الجدوى والمصير

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : ديسمبر 14, 2017
حكومة الإنقاذ السورية


عبد الغني مزوز---                          تحميل بصيغة PDF

مقدمة:

شهدت الثورة السورية منذ انطلاقتها زخما متواصلا من المبادرات ومشاريع الحل تقدم بها مختلف فرقاء الثورة؛ سعيا منهم لإيجاد حلول توافقية لقضايا وملفات كانت دوما مثار الجدل والنزاع مثل دمج الفصائل المقاتلة واعتماد مرجعية قضائية موحدة ومؤسسات خدمية وإدارية واحدة، لكن الثابت بين معظم هذه المبادرات أنها لا تخرج عن إطار المحاصصة الفصائلية والرغبة في تغليب رؤية سياسية وثورية معينة على ما سواها من الآراء والرؤى، أو استبعاد قوى مؤثرة تحت مبررات شتى وبالتالي فلا يكاد يجف حبر هذه المبادرات حتى تتجاوزها الأحداث والتطورات مع تغير الولاءات وخرائط النفوذ والسيطرة، فيجري الحديث من جديد عن مبادرات وحلول أخرى لا تلبت أن تلقى مصير سابقاها.
كان الإعلان عن تشكيل “حكومة إنقاذ وطني” في المناطق المحررة آخر هذه المبادرات، غير أنها تختلف عن سابقاتها في سقف طموحها الذي يتجاوز اجتراح حلول توافقية لقضايا محلية وبينية متنازع حولها إلى تمثيل الثورة بكافة فصائلها وفعالياتها في الداخل والخارج إلى جانب الحكومة المؤقتة التي أُعلنت في 2013 وأيضا في طرحها من طرف أكاديميين وشخصيات مدنية مستقلة لا تنتمي إلى أي فصيل، وكان الدارج أن الفصائل أو الشيوخ هم عادة من يطرحون المبادرات ويُسَوِّقون لها. وبذلك تكون سوريا قد دخلت نادي الدول متعددة الحكومات إلى جانب ليبيا واليمن وغيرهما.

أولاً: حيثيات التأسيس

وصلت أزمات الثورة السورية ذروتها مع سلسلة النكسات التي منيت بها الفصائل العسكرية، وخروجها من عدد من المدن والمعاقل التي كانت تسيطر عليها فيما يُشبه تغييرا ديمغرافيا ممنهجا يرعاه التحالف الإيراني السوري. موازاة مع إخفاقات الثورة على صعيد العمل العسكري انطلق مسار سياسي في أستانا ركز رعاته على ضرورة وقف إطلاق النار عبر ما يسمى “مناطق خفض التصعيد”، والتفرغ لمواجهة الإرهاب وإقرار حل سياسي توافقي بين أطراف الأزمة يشمل النظام السوري ورئيسه بشار الأسد، أفرزت هذه الدينامية المتسارعة من الأحداث والتطورات خريطة ثورية جديدة تصاعد فيها نفوذ فصيل “هيئة تحرير الشام” على حساب الفصائل الموسومة بالاعتدال، وخوفا من تكرار سيناريو حلب والموصل في مدينة إدلب وما حولها تحت شعار “مكافحة الإهاب”، دَعَتْ شخصيات مستقلة وفعاليات مدنية إلى عقد مؤتمر عام في إدلب لصياغة مشروع إدارة مدنية تخضع له المناطق المحررة.
انعقد المؤتمر السوري العام في منطقة باب الهوى على الحدود التركية السورية، يومي 16 و17 سبتمبر 2017 بحضور المئات من الشخصيات الأكاديمية والناشطين والهيئات المدنية والإدارية “بهدف بلورة الخيارات المتاحة واستثمار نقاط القوة والتخلص من نقاط الضعف التي أرهقت كاهل الثورة السورية” واتفق المجتمعون على استحداث هيئة تقوم مقام مجلس الشورى أسموها “الهيئة التأسيسية” وتضم 36 عضواً من مختلف المدن والمحافظات السورية، ومن مهامها: تسمية رئيس الحكومة لإدارة المناطق المحررة، المصادقة على الوزارات المقدمة من رئيس الحكومة، تشكيل لجنة لصياغة الدستور، الرقابة والمتابعة لعمل الحكومة، وتشكيل لجنة لاختيار أعضاء مجلس الشورى.
اجتمعت ” الهيئة التأسيسية ” في 2/11/2017 وأعلنت مصادقتها على التشكيلة الوزارية التي تقدم بها محمد الشيخ بعد 20 يوما من تكليفها له بتشكيل ما أسمته بـ “حكومة انقاذ وطني”. وتضمنت “حكومة الإنقاذ” 11 حقيبة وزارية وهي: وزارة الداخلية؛ وزارة العدل؛ وزارة الأوقاف والدعوة والإرشاد؛ وزارة التعليم العالي؛ وزارة التربية والتعليم؛ وزارة الصحة؛ وزارة الزراعة؛ وزارة الاقتصاد؛ وزارة الشؤون الاجتماعية والمهجرين؛ وزارة الإسكان؛ وزارة الإدارة المحلية، إضافة إلى أربع هيئات هي: هيئة الرقابة والتفتيش؛ هيئة شؤون الأسرى والمفقودين؛ هيئة التخطيط والإحصاء؛ هيئة اتحاد النقابات العاملة، بينما غابت وزارة الدفاع وتم الاستعاضة عنها بتعيين العقيد رياض الاسعد نائبا لرئيس الحكومة للشؤون العسكرية إلى حين توحيد الفصائل.
عبرت الحكومة المؤقتة برئاسة جواد أبو حطب عن رفضها وعدم اعترافها بالجسم السياسي الجديد لكنها أبدت رغبتها في التواصل والتفاهم معه، وقد جاء الإعلان عن “حكومة الإنقاذ” في وقت تحاول فيه الحكومة المؤقتة ترسيخ وجودها على الأرض خصوصا في الريف الشمالي لحلب، عبر مجموعة من الإجراءات والخطوات العملية تمثلت أساسا في دمج بعض فصائل الجيش الحر وتشكيل هيئة أركان عسكرية تابعة لوزارة الدفاع وعينت العقيد فضل الله الحجي رئيسا للأركان. كما قامت بإنشاء أكاديمية عسكرية في منطقة درع الفرات، واستلمت معبر باب السلامة الحدودي مع تركيا من فصيل الجبهة الشامية.
هذه الخطوات أرادت بها الحكومة المؤقتة أن تؤكد على فاعلية وجودها، وقدرتها على تدبير أصعب الملفات وأكثرها تعقيدا كملف العسكرة، سعيا منها لنيل الاعتراف الدولي الذي بقي شكليا وسياسيا دون أية تبعات قانونية وأيضا لاستدارار الدعم الذي توقف عنها مند بداية شهر أغسطس الماضي، وحتى لا تبقى شعارا يُسمع به فقط ويتم التداول بشأنه في الخارج دون أن يكون له تأثير في الداخل الذي تزعم تمثيله.
يسير الوضع الآن في المناطق المحررة بسوريا إلى ما يمكن تسميته بمرحلة “مأسسة” الأزمة، أي أن الانقسام الحاصل بين مختلف القوى الثورية والجهادية أخذ منحى آخر بحيث يتم تكريس المفاصلة والخصومة بوثائق دستورية ولوائح قانونية، فالبيان الختامي الذي خرج به المجتمعون في المؤتمر السوري العام نصت مبادئه الأولى على أن “الشريعة الإسلامية هي المصدر الوحيد للتشريع ووجوب الحفاظ على هوية الشعب السوري المسلم” وعلى “إسقاط النظام ومحاسبته بكافة أركانه” و”رفض أجندة ديمستورا وانحيازه للنظام” وأن “الحكومة المنبثقة عن الهيئة التأسيسية هي الحكومة الشرعية الوحيدة في الداخل والخارج”.
هذه المبادئ والتوصيات أو بعضها على الأقل كانت دوما مكمن الخلاف بين الفصائل والفعاليات الثورية خصوصا بين تلك التي توصف بالاعتدال وتتلقى دعما خارجيا على هذا الأساس وبين تلك التي تتهم بالتشدد والإرهاب. ويمثل الإعلان عن حكومة تحظى برعاية من يوصفون بالتشدد وتستدخل مبادئهم في وثائقها الدستورية والقانونية هو انتقال بالأزمة إلى مستويات عليا يصبح معها العودة الى الخلف أمرا صعبا وغير وارد.

ثانياً: تحديات “الإنقاذ”

تبدو مهمة “حكومة الإنقاذ” في الشمال السوري المحرر وبالضبط في محافظة إدلب وريفها، والريف الغربي لمحافظة حلب، وريف حماه الشمالي والشرقي، والاجزاء الشرقية اليسيرة من ريف اللاذقية وتمضي في برامجها الخدمية والإدارية بسلاسة بعدما تسلمت مؤسسات الإدارة وملفاتها من “الإدارة المدنية للخدمات” الذراع الخدمي لهيئة تحرير الشام، وقامت بفرز القطاعات المختلفة وتوزيع مؤسساتها على الوزارات التي ستتولى تدبيرها ويقدر عدد موظفي هذه المؤسسات بأربعة آلاف موظف، لكن إلى أي حد يمكن أن تمتد هذه السلاسة والتلقائية إلى المناطق المحررة الأخرى سواء في الجنوب أو في الريف الشمالي لحلب حيث “قلعة المعتدلين” ومعقل الحكومة المؤقتة؟
هذه الأسئلة الوجيهة تنقلنا إلى طبيعة وحجم التحديات التي تعترض “حكومة الإنقاذ” في المرحلة الراهنة.

1ـ تحدي الفصائلية:

يبدو لافتا من التشكيلة الوزارية التي رفعها محمد الشيخ إلى الهيئة التأسيسية لنيل الثقة أنها لم تتضمن وزارة للدفاع، مكتفية بمنصب نائب رئيس الحكومة للشؤون العسكرية، وهو ما يمكن اعتباره اعترافا بصعوبة الإعلان عن وزارة دفاع بينما الساحة مازالت تتسم بالانفلات الفصائلي، لكن محمد الشيخ عبر عن أمله في جمع كلمة الفصائل بمساعدة العقيد رياض الأسعد واستحداث وزارة للدفاع تتوحد تحت مظلتها جميع الفصائل10 .
ويُعتبر توحيد الفصائل السورية من أكثر القضايا استهلاكا للجدل والنقاش والفتاوى الشرعية والتأصيلات الفقهية دون أن يسفر كل هذا عن انجاز بمستوى الجهد المبذول، عشرات من محاولات الاندماج انخرطت فيها الفصائل الثورية على امتداد سنوات الثورة لكنها غالبا ما تنتهي بمزيد من التشظي والشقاق. عقب اعلان “حكومة الإنقاذ” اندلعت مواجهات مسلحة بين فصيل حركة نور الدين زنكي وبين هيئة تحرير الشام وكانت الحركة جزءً من الهيئة قبل أن تنشق عنها. هذه المواجهات التي استمرت لأيام وانتهت بهدنة مشكوك في قدرتها على الصمود مثال على حجم التحديات التي تنتظر حكومة الإنقاذ، فهل ستستطيع ضبط مثل هذا النوع من الخلافات، وإلزام مختلف الأطراف بالهدوء ومحاسبة من ثبتت بحقه الأخطاء والتجاوزات عبر آليات تنفيذية قوية وفعالة، وكيف ستشتغل الحكومة في بيئة مترعة بالنزعات الفصائلية والمناطقية والأيدولوجية؟
ربما تستطيع حكومة محمد الشيخ تجاوز جزء من هذه المعوقات وكسب بعض رهانات المرحلة ما دامت تحظى برعاية ودعم “هيئة تحرير الشام” الفصيل القوي الذي بسط نفوذه في محافظة إدلب وما حولها، وقام في وقت سابق بتفكيك عدد من الفصائل وتحجيم أخرى كان آخرها حركة أحرار الشام الإسلامية أكبر فصائل الثورة، وهو ما سيتيح للحكومة الجديدة الاشتغال والحركة ضمن فضاء يتمتع بالحد الأدنى من الاحتقان الفصائلي عكس المناطق المحررة الأخرى.

2ـ تحدي القضاء والمحاكم:

كان مطلب توحيد المرجعية القضائية يتردد مع كل مبادرة إصلاحية تُطرح داخل المناطق المحررة، فقد شهدت الثورة تأسيس هيئات وأجسام قضائية كثيرة كالهيئات الشرعية ودور العدل والقضاء الموحد في الغوطة.. لكن معظمها كان تابعا للفصائل والجماعات المقاتلة ما يطعن في شرعية ونزاهة المؤسسة القضائية لانتفاء الاستقلالية عنها. تم اسناد وزارة العدل في “حكومة الإنقاذ” إلى الدكتور إبراهيم محمد شاشو وقد عمل سابقا مع الهيئة الشرعية في مدينة حلب، وكان محسوبا على حركة أحرار الشام الإسلامية، واشتغاله في مدينة حلب التي كانت مركزا لعدد من المؤسسات القضائية الثورية يعطيه تصورا كافيا عن قدر المشاكل والعراقيل التي تنظره.
إن اعتماد مرجعية قضائية واحدة تحظى بالإجماع والاعتراف كفيل بإنهاء معظم مشاكل وأزمات الثورة، لأن ذلك يعني أن هناك خيارات أخرى لحل الخلافات والخصومات بعيدا عن الخيارات العسكرية المعتادة، لكن ذلك منوط بقدرة حكومة الإنقاذ على إقناع فرقاء الثورة بحل مؤسساتهم القضائية ومحاكمهم الخاصة لحساب المحاكم التابعة لوزارة العدل. إنه رهان صعب خصوصا إذا كان الطموح يتجاوز محافظة إدلب وما حولها إلى المناطق المحررة الأخرى.

3ـ تحدي الإجماع الداخلي والاعتراف الخارجي:

العمل والاستمرار والانجاز بالنسبة لحكومة ناشئة يعوزها الإجماع الداخلي والاعتراف الخارجي في بيئة غير مستقرة سيكون أشبه بالمعجزة، صحيح أن الحكومات حتى في أعرق الديمقراطيات وأرشدها لا تحظى بالإجماع الداخلي ولابد من وجود معارضة شرسة لها وفئات وتيارات لا تعترف بها. إلا أن الحد الأدنى من التوافق والانسجام ضروري لتحصيل الشرعية ونيل الثقة من وجهاء المجتمع وشرائحه وقواه المؤثرة، وفي بلد يعاني من الحروب والانقسام مثل سوريا يتعذر كليا قياس مدى القبول الذي تتمتع به المؤسسات السياسية وغير السياسية.
حكومة الإنقاذ تشكلت بعد توجيه الدعوة الى معظم فعاليات ومؤسسات الثورة في الداخل والخارج من أجل عقد مؤتمر عام حضره بالفعل مئات من المواطنين والناشطين والشخصيات المستقلة، وأسفرت المشاورات عن اختيار هيئة تأسيسية ثم انبثقت عن الهيئة التأسيسية حكومة وزعت وزاراتها على شخصيات أكاديمية مستقلة وأخرى ذات رمزية ثورية كالعقيد رياض الأسعد مؤسس الجيش الحر الذي يتولى الشؤون العسكرية فيها. هذه الخطوات “الشعبية” التي واكبتها الصحافة منذ بدايتها يجادل مؤيدو حكومة الإنقاذ أنها تمنحهم جدارة تمثيل الثورة أكثر من الحكومة المؤقتة التي تأسست في الخارج وبقي تأثيرها وحضورها في الداخل محدودا.
عدم اعتراف الفصائل الأخرى بالحكومة الجديدة يعني إخفاقها في كسب أهم رهاناتها، وخطوات الحكومة المؤقتة نحو تفعيل وزارة دفاعها عبر دمج فصائل درع الفرات وتأسيس هيئة أركان مشتركة يجعل المهمة أكثر صعوبة. ولعل الوضع يتجه لاستنساخ الحالة الليبية حيث كل حكومة تسيطر على مدينة أو مجموعة مدن وتدمج الفصائل الموالية لها في وزارة دفاعها، ولا ترى شرعية ما سواها من الفصائل والكيانات.
يبدو واضحا أن الاعتراف الدولي لم يكن منشودا من حكومة الإنقاذ وهو الذي لم تنله الحكومة المؤقتة مع أنها تأسست في الخارج بدعم من أطراف دولية وإقليمية عديدة، غاية ما تسعى إليه حكومة محمد الشيخ هو اعتراف مبطن من تركيا وتفاهم معها11 تضمن به عمل معبر باب الهوى واستمرار تدفق المساعدات من خلاله، ثمة مؤشرات كثيرة على وجود نوع من التفاهم في هذا الإطار، فالإعلان عن الحكومة تزامن مع التدخل التركي في شمال سوريا، كما أن تركيا لم يصدر عنها أي تعليق يتحفظ على الخطوة الجديدة مع أنها جرت على حدودها فاجتماعات المؤتمر السوري العام والهيئة التأسيسية ثم الحكومة الجديدة كانت كلها في منطقة معبر باب الهوى.

4ـ تحدي الدعم والموارد:

لا يمكن لأي كيان سياسي يتوخى الحكم وتدبير الشأن العام أن يقوم بمهمته تلك دون دعم لازم وموارد كافية، وبالنسبة لحكومة تشتغل في ظروف الحرب والحصار يجب أن تتضافر الموارد لتغطية حاجيات النازحين ومعالجة الجرحى والتكفل بالأرامل والأيتام وتأمين رواتب الموظفين فضلا عن متطلبات إعادة الاعمار وغيرها، كل ذلك يحتاج إلى تمويل ودعم مالي قد لا يتوفر ما يكفي منه لحكومة محاصرة في بؤرة حرب. لكن محمد الشيخ سجل تفاؤله في هذا السياق واعتبر موارد محافظة إدلب وما حولها كافية لسد حاجيات حكومته.

ثالثاً: مستقبل حكومة الإنقاذ

أمام التحديات الكثيرة التي تعترض مبادرة حكومة الإنقاذ، واشتغالها في محيط يتسم بالتعقيد ومفتوح على كل الاحتمالات وتتغير تفاصيله بين لحظة وأخرى، يكون استشراف مستقبلها -وسواها من الكيانات والمبادرات السياسية- تحدياً فعلياً، فلا معطيات ثابتة يمكن استنطاقها في بناء تصور استشرافي لمآلات الأوضاع في مثل تلك السياقات وفي سياقات غير مستقرة مثلها، كما أن نوايا الفاعلين والمتدخلين الآخرين ليست بالوضوح الكافي بحيث يمكن الاعتماد عليها في تحديد المواقف والاتجاهات، لكن يمكن استشراف مستقبل “حكومة الإنقاذ” ضمن مجموعة من المآلات الممكنة والمحتملة:
1)- أن يكون مصير حكومة الإنقاذ كمصير العشرات من المبادرات التي لم تحظ بالإجماع والقبول، ولا يكون لها تأثير كبير في المناطق المحررة وتعود كلمة الفصل للكيانات العسكرية، فتظل “حكومة الإنقاذ” حبرا على ورق حتى تنسخها مبادرات لاحقة. فهناك فصائل داخل المناطق التي تشتغل بها حكومة محمد الشيخ لا تعترف بالحكومة وتعتبرها مجرد واجهة مدنية لهيئة تحرير الشام كحركة نور الدين زنكي التي ينتشر عناصرها في الريف الغربي لحلب وأيضا حركة أحرار الشام التي وصف أحد قادتها الحكومة بأنها غير شرعية وقامت في أرض مغصوبة.
2)- قد تتمكن “حكومة الإنقاذ” من تحسين جودة القطاعات ذات الصلة بالمعاش اليومي للمواطن السوري في الشمال المحرر كالماء والكهرباء والأمن والصحة.. لأن القائمين عليها من ذوي الاختصاص والكفاءة ما يؤمن لها رصيدا شعبيا مهما؛ يصعب معه تجاوزها أو القفز على قراراتها، ولو تمكنت من صياغة دستور توافقي واستحداث وزارة للدفاع بعد توحيد الفصائل أو معظمها حسب برنامجها المعلن ستكون قد قطعت أشواطا كبيرة كـ “حكومة ثورة” ذات تأثير في سوريا.
3)- في ظل عدم الاعتراف الدولي أو الإقليمي بحكومة محمد الشيخ وإعلانها من منطقة تسيطر عليها الجماعات المتهمة بالتطرف والإرهاب فلا يُستبعد أن تمارس جهات دولية ضغوطا على تركيا من أجل حصار حكومة الإنقاذ وتوظيف معبر باب الهوى كورقة ضغط عليها، قد لا يحدث هذا في المرحلة الراهنة لكن قطعا هذا ما سيحصل عندما تمسك الحكومة الجديدة بالملف العسكري ويكون بيدها قرار السلم والحرب.
4)- مع نجاح الجيش السوري وحلفائه في حسم معارك تنظيم الدولة الإسلامية في الشرق، والتقائه بالجيش العراقي على نقاط الحدود بين البلدين، تكون قوات النظام قد تفرغت للمناطق السورية الأخرى ويُحتمل استعانتها بالحشد الشعبي الذي استعاد آخر مدينة كان يسيطر عليها تنظيم الدولة في العراق. سيناريو الحرب على مدينة إدلب غير وارد في المدى القريب لكنه ليس مستبعدا، وإن حصل فلا معنى لأي حكومة أو جسم سياسي آخر لأن نتيجة المعركة ستحمل معها خرائط سياسية جديدة للشمال السوري.

خاتمة:

يحيل الحديث عن تعدد الحكومات والكيانات التي تتولى إدارة وتدبير الشأن العام في وطن واحد إلى العديد من التجارب العربية سواء في سياق الربيع العربي أو في سياق صراعات أخرى. إنها تعبير عن فداحة الانقسام المجتمعي، ورغبات مختلطة من إرادة صناعة المصير الذاتي واحتكار القوة والسلطة. ففي ليبيا ثلاث حكومات وبرلمانين وفي اليمن حكومتين أو أكثر وفي مصر رئيسين واحد في القصر وآخر في المعتقل وفي سوريا ثلاث حكومات، هذه الوفرة في مؤسسات الحكم ليست بالتأكيد بذخا ديمقراطيا ولا ترفا حداثيا وإنما أعراض لاختلالات وأزمات يتربع الاحتلال والاستبداد ووصاية الخارج في قمة مسبباتها ( 12).

——————-

الهامش

11/08/2017

حاجة الثوار إلى التدوين

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : نوفمبر 08, 2017

عبد الغني مزوز ---

شرعت قبل فترة في كتابة مقال عن حصار مدينة حلب، والملاحم التي خاضها الثوار من أجل كسره وإنهائه، واستغربت عن شح المواد التي كتبها الثوار في هذا الصدد، بل حتى عندما قمت بالبحث بواسطة غوغل عن تفاصيل المعارك التي أطلقتها الفصائل المقاتلة واختارت لها أسماء مميزة لم أجد ما يكفي من المواد التي يمكن لأي باحث أو كاتب أو مؤرخ الاطمئنان إليها وهو يتناول أهم وأخطر المراحل في تاريخ الأمة الحديث. فعندما تبحث مثلا عن " غزوة أبو عمر سراقب " أو " غزوة إبراهيم اليوسف" فإن النتائج الأولى للبحث ستأخذك إلى موقع قناة العالم وقناة المنار وقناة الميادين الإيرانية وغيرها من المواقع المنصات الإلكترونية المؤيدة لنظام الأسد. 

من الأخطاء الكبيرة التي يرتكبها الثوار والناشطون والكتاب المؤيدون للثورة السورية وغيرها من الثورات -ولا زالوا يرتكبونها- هي اعتمادهم على مواقع التواصل الاجتماعي في الكتابة وتوثيق الأحداث وتسجيل المواقف، مع حرص تلك المواقع على حذف معظم موادهم وإيقاف حساباتهم دون وجود أية إمكانية لاستعادتها من جديد ما يعني الضياع النهائي لكل ما نشر عليها من مواد قد يكون بعضها في غاية الأهمية، إذ يحدث كثيرا أن تمر على مقالة أو شهادة لأحد الثوار أو الناشطين يسرد فيها معلومات ومعطيات مهمة وعند عودتك إليها لاعتمادها كمصدر لموضوع تشتغل عليه تتفاجأ باختفاء الحساب المعني بما انطوى عليه من معلومات قيمة.

لا شك أن الاستخدام المفرط لمواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر ويوتيوب) سينعكس سلبا على مهمة توثيق فصول الثورة وتأريخ أحداثها، فبقدر ما ساهمت هذه المواقع في الامتداد الأفقي والانتشار اللحظي لقضايا الثورة؛ بقدر ما ستكون سببا في انحسارها من صفحات التاريخ وذاكرة الشعوب. إن الوتيرة التي يتم بها حذف حسابات الثوار مع مزيد من التوجه نحو تشديد الرقابة وشروط استخدامها والنشر عليها ستجعل الثورة السورية -وغيرها- في غضون عدة سنوات ثورة محدودة التوثيق وقد لا تعثر على رواية مكتوبة لأصحابها ومن عايش أحداثها إلا بشق الأنفس، بينما خصومها ومن يكيد لها يوثقون روايتهم لما يجري في آلاف الكتب والمجلات والدوريات المتخصصة. في هذه المقالة سنحاول تقديم مقترحات عملية لحفظ التراث الفكري والتوثيقي للثورات وصون أرشيفها من الضياع والاندثار.

العودة إلى المدونات 

انتعشت ثقافة المدونات الإلكترونية في أواسط العقد الماضي، ولم تكد تظهر مواقع التواصل الاجتماعي حتى تم هجرها وإهمالها لحساب الوافد الإلكتروني الجديد؛ لما تتيحه هذه المنصات من سهولة في الاستخدام وسرعة في الانتشار ولطبيعتها التواصلية التي توظف أكثر وسائط الصوت والصورة والفيديو، لكن تبقى للمدونات الإلكترونية ميزاتها الفريدة، وهذه الميزات هي ما يحتاج إليه الثوار وكتابهم ومثقفوهم، فهي خدمات مجانية تقدمها عدة مواقع أفضلها blogger.com وتمكن من إنشاء مواقع شخصية، مع التحكم التام في محتواها وواجهتها وتصميمها، مع مساحة نشر غير محدودة وسهولة في إدارة لوحة تحكمها، كما أنها نادرا ما تتعرض للحذف والإغلاق. 

الكتابة والنشر في المدونات يعني أن تبقى موادك محفوظة ومتاحة للباحثين والمهتمين دائما مع إمكانية طبعها أو تخزينها بصيغ متعددة مثل pdf و html وغيرها، وهناك خصائص أخرى تمتاز بها المدونات كإضافة القائمة البريدية التي تمكن متابعيك من التوصل على إيميلاتهم بكل جديدك فور قيامك بنشره. وبالتالي ينبغي على كل كتاب الثورة ومن يهتمون بتوثيق أحداثها ومساراتها-والثوار أنفسهم- أن ينشئوا مدونات إلكترونية، و لابأس بعد ذلك في فتح حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي لنشر روابطها والإحالة إلى مواضيعها لكن يجب أن تبقى المدونة في صدارة العناية والاهتمام.

عشرات الآلاف بل مئات الآلاف من الحسابات التي أنشأت وتم حذفها على مواقع التواصل الاجتماعي، لو أنشئ مقابلها ألف مدونة إلكترونية نشيطة فقط لشكل ذلك ثروة فكرية وتوثيقية لا يُستهان بها، وخدمة عظيمة للباحثين والمراقبين وأجيال الأمة القادمة.

جاءت مواقع التواصل الاجتماعي فحملت معها ثقافة الإيجاز وبلاغة الصورة والاقتصاد اللغوي، فيما توارت المدونات والمنتديات وتوارت معها ثقافة التدوين المسترسل والكتابة المطولة، ما انعكس سلبا على المحتوى المعرفي العربي على الشبكة، وأثر أيضا على عادات القراء الذين باتوا يستثقلون النصوص الطويلة ويفضلون عليها التغريدات والمنشورات القصيرة. وإذا كانت هذه المواقع قد نجحت في حشد الناس ضد الحكام المستبدين، وأتاحت للجماهير تداول الأخبار والمعلومات وتحدي رقابة السلطة المحلية وتجاوز الروايات الرسمية المتهافتة، فإن ذلك لا يعني جدارتها بالتأريخ والتوثيق وائتمانها على إرث الثوار وذاكرة الثورة. وبالتالي لا بد من البحث عن بدائل لها تُمكن الباحثين من اعتمادها كمصادر لأبحاثهم ومواضيعهم، وتحفظ أرشيف الثورة وتصونه من الضياع، إذ لا يُعقل أن يصل إلينا ما كتبه هوميروس عن معارك اليونانيين والطرواديين في القرن التاسع قبل الميلاد ولا نجد مادة جديرة بالقراءة كتبها الثوار عن معارك حلب قبل سنة أو أقل ! 

المجلات والدوريات

كانت المجلات والنشرات سائدة خلال النصف الثاني من القرن الماضي وبفضلها وصل إلينا جزء من تراث الحركة الإسلامية، وعلى صفحاتها حُفظت تجاربها وأفكارها ومواقفها. مجلة الفجر والنداء والرسالة ونشرة الأنصار.. مازال بعضها إلى الآن في متناول الباحثين والمهتمين بقضايا الحركات الإسلامية، حيت بوسعهم نقد تجاربها ورصد مكامن الخلل والقصور في أدائها.

لقد تطورت اليوم برامج التصميم والجرافيك بما يسمح بإخراج مجلات ونشرات احترافية بموارد وإمكانيات أقل، وميزة هذه المجلات أنها سهلة الطبع والحفظ والنشر والتداول، كما أن تعطيل روابطها لا يعني ضياعها حيت يمكن إعادة رفعها في بضع دقائق، أو جمع كل أعدادها في رابط واحد، وبضغطة زر تكون قد حصلت على مادة غنية لأبحاثك ودراساتك. ومع الأسف لم يسع أي فصيل في الثورة السورية –وغيرها- لإصدار مجلات ونشرات دورية خاصة، باستثناء تنظيم الدولة الذي تألق في هذا الجانب.

وينبغي الإشارة في هذا السياق إلى التجربة المدهشة لتنظيم القاعدة في مجال النشرات والدوريات والإصدارات المكتوبة بصفة عامة؛ تجربة نوه بها كبار الباحثين في شؤون الجماعات الإسلامية مثل الباحث النرويجي توماس هيغهامر الذي قال :" وقد نشر تنظيم القاعدة في جزيرة العرب كما مدهشا من الوثائق عن نفسه بين عامي 2003 و 2004 ما يجعله أكثر جماعة عنفية وثقت أنشطتها على مر التاريخ"(1) فخلال عقد ونصف أصدر تنظيم القاعدة آلافا من الكتب والمجلات والدوريات(2) واستطاع حفظها وأرشفتها عبر تقنيات مبتكرة فشلت معها كل أساليب الحذف والرقابة، كالموسوعات والأسطوانات التجميعية والحقائب الإلكترونية، ففي ملف واحد مضغوط جمع التنظيم معظم إنتاجه الفكري وأرشيفه الجهادي والتوثيقي ورفعه على شبكة الانترنت بحيث يتسنى لأي باحث تنزيله بنقرة زر واحدة.

المثير أكثر في تجربة تنظيم القاعدة أنه ما من كلمة ينطق بها أي من قادته إلا وتقوم مؤسساته الإعلامية الرسمية والرديفة بتفريغها على شكل نص مكتوب ومتاح للتحميل بصيغ متنوعة وأحجام متعددة، بل حتى بعض أفلامه المهمة يتم تفريغها كنصوص مكتوبة معززة بصور ومشاهد من الفيلم. كما أن كتابه البارزين مازالت مقالاتهم محفوظة إلى اليوم في كتب إلكترونية بصيغة pdf أو exe مع أن بعضهم توقف عن الكتابة قبل 10 سنوات كلويس عطية ويمان مخضب وعبد الرحمن الفقير واليافعي وأبو دجانة الخرساني وغيرهم.

فلو أن لكل فصيل ثوري مجلة شهرية ونشرة أسبوعية لكان ذلك أدعى لحفظ فكره تراثه ومواقفه السياسية والشرعية، فبعض فصائل المقاومة العراقية مثلا اختفت من المشهد العراقي قبل سنوات لكن مجلاتها ونشراتها باقية تشهد على وجودها وتضحياتها ومواقفها من الاحتلال وأدواته . وما يقال عن هذه الفصائل يقال أيضا على كل الجماعات الإسلامية التي اختفت ولم يعد لها وجود على مسرح الأحداث لكن تراثها يأبى أن يطويه جناح النسيان.

وأنا أتساءل بعد 15 سنة كيف يمكن لأي باحث أن يدرس الثورة السورية وفصائلها ويقيم تجربتها عندما يكتشف أن كل حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي قد تم إغلاقها وحذفت معها كل منشوراتها وبياناتها وتغريداتها.

المذكرات والسير الذاتية

درج السياسيون والقادة في الغرب على إصدار مذكراتهم وسيرهم الذاتية في مراحل معينة من أعمارهم؛ يسجلون فيها انطباعاتهم ومواقفهم حيال مختلف الأحداث التي مروا بها في حياتهم وأثناء أدائهم للمسؤوليات التي أنيطت بهم، وغالبا ما تكون اليوميات التي يدونونها المادة الأساسية لهذه المذكرات.

ورغم ما يعتري هذه المذكرات من مبالغة في تمجيد الذات وجنوح أصحابها عن الحياد والموضوعية والحضور الطاغي لخلفياتهم الأيديولوجية، إلا أنها تتسم بالأهمية والوجاهة لمن أراد أن يحيط بالأحداث والوقائع على نحو أعمق.

ثقافة كتابة المذكرات وتدوين اليوميات لم تنتشر كما ينبغي بين قادة وشباب العمل الإسلامي والثوري مع أنهم كانوا شهودا على مراحل خطيرة ومفصلية جديرة بتدوين وتخليد تفاصيلها، فبعضهم عايش ويلات اللجوء والمنافي والحصار وبعضهم شهد حروبا ومعارك وبعضهم مر بأهوال السجن والاعتقال، ولو سجل كل واحد ما شهده من أحداث ومواقف لتم إغناء المكتبة الثورية والأدبية، إضافة لكون هذه السير والمذكرات صكوك إدانة لجلاديهم وأعدائهم. فهل يمكن مثلا دراسة الثورة الكوبية دون الإطلاع على اليوميات التي كان تشي غيفارا يدونها. 

تسجيل اليوميات والمذكرات لم يكن تقليدا خاصا بقادة الغرب وزعمائه، بل سبق إليه قادة المسلمين وفرسانهم، فقصة الفارس أسامة بن منقذ مع الكتابة والتدوين تثير الإعجاب والتقدير، هذا الفارس المثقف الذي كانت له بصمة مشرفة إبان الحروب الصليبية، ورغم كل ما قيل عن شخصيته المثيرة للجدل إلا عددا من المؤرخين أثنوا عليه وأشادوا به منهم الإمام الذهبي في "سير أعلام النبلاء". خلف أسامة بعد وفاته أكثر من ثلاثين كتابا بعضها يقع في عدة مجلدات، ومن بينها كابته الشهير " الاعتبار" وهو عبارة عن مذكرات شخصية تحدث فيها بن منقذ كشاهد على حقبة الحروب الصليبية، " ويبدو الكتاب وثيقة حية من وثائق حروب الإفرنج.. لا نعرف لها شبيها"(3) و " أغلب الظن أنه جمعه مما كان يدونه من الحوادث والأخبار في جزازات ودفاتر"(4)، كان أسامة بن منقذ فارسا نبيلا محبا للمغامرة ومولعا بالقراءة والكتابة، وقد أورد في كتابه " الاعتبار" قصة عجيبة عن اعتراض الصليبين لمركب أهله وهم سائرون من مصر إلى الشام فنهبوا ما فيه من مال وحلي وجواهر، ولم يفجع بذلك كفجعه بسرقتهم لكتبه التي تربوا على أربعة آلاف مجلد من الكتب الفاخرة وقال بأن: " ذهابها حزازة في قلبه ما عاش (5) وقد استفاد وليم الصوري وهو مؤرخ صليبي يتقن اللغة العربية من كتب أسامة بن منقذ المنهوبة ونسبها إليه في كتاباته (6). إن أسامة بن منقذ نموذج للفارس المسلم المحب للتدوين والكتابة والمخلص للكتب والقراءة، وقد ساهمت شخصيته المتفردة في كتابة أفضل بيان عن الحروب الصليبية في العصور الوسطى.(7)

الثورات والحروب ليست زخما من الأحداث والوقائع فقط بل أيضا تجارب نفسية وانطباعات شخصية وانفعالات وجدانية وهي من الأبعاد العميقة والمحددة لمعظم تلك الأحداث، ولا يمكن رصدها إلا من خلال المذكرات الشخصية والسير الذاتية التي تتضمن بوحا نزيها واعترافات صادقة من مبدعيها وكتابها. وجدير برجال وقادة العمل الإسلامي أن يدونوا يومياتهم وسيرهم الذاتية حتى لا يطوي النسيان تضحياتهم وحتى يساهم كل من جانبه في كتابة تاريخ هذه الأمة. 



هوامش

1)- توماس هيغهامر، الجهاد في السعودية قصة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، ص25

2)- أحصيت أكثر من 20 مجلة رسمية وشبه رسمية أصدرها تنظيم القادة خلال الـ15 سنة الماضية.

3)- أسامة بن منقذ، الاعتبار، تحقيق عبد الكريم الأشتر، ص20

4)- أسامة بن منقذ، الاعتبار، تحقيق عبد الكريم الأشتر، ص9

5)- أسامة بن منقذ، الاعتبار، تحقيق عبد الكريم الأشتر، ص96

6)- أسامة بن منقذ، الاعتبار، تحقيق عبد الكريم الأشتر، ص16

7)- أسامة بن منقذ، الاعتبار، تحقيق عبد الكريم الأشتر، ص16




جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير