7/07/2018

الهيئة.. حصاد التحدي

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : يوليو 07, 2018
 
هيئة تحرير الشام
                        

عبد الغني مزوز---

مازالت تطورات المشهد الثوري في سوريا تسفر تباعا عن معطيات وحقائق ظل البعض يعاندها منذ عسكرة الثورة، والغريب أن هناك من بقي معتصما بمواقفه المتهافتة من منطلق القولة العربية المشهورة " كذاب ربيعة خير من صادق مضر"، فيما وقائع التجربة وشواهد الحال لا تدعان مجالا لمزيد من العناد الخائب وركوب الرأس والمضي في خيارات قاتلة غرمها لا يعود فقط على من اجترحها بل على الشعب المنكوب وما بقي من ثورته. 

كانت الثورة السورية لحظة اختبار لأغلب مدارس الصحوة الإسلامية، حيث وجدت من فصائل الثورة من يمثل أفكارها وتوجهاتها، وكانت الحركة الجهادية حاضرة أيضا بأيديولوجيتها وقناعاتها الصارمة. الانطباع السائد لدى معظم المتابعين لشؤون الحركات الإسلامية أن الفاعلين الجهاديين هم الأضيق أفقا والأكثر دوغمائية من بين سائر الفاعلين داخل الفضاء الحركي الإسلامي؛ انطباع سرعان ما بددته سنوات الثورة التي كشفت عن حيوية ومرونة الخطاب الجهادي وجرأته على التجديد والتغيير والانفتاح، فضلا عن فهمه العميق لدروب ومتاهات الحلول السياسية التي أدخلت فيها الثورة قسرا. في المقابل تداعت أطروحات "الاعتدال" المنطوية على شهية مفتوحة للتغلب، وديكتاتورية طموحة لم تسعفها الإمكانيات للتمدد، حتى تحولت معاقل "الاعتدال" إلى إقطاعيات يمتهن أسيادها تجارة الأنفاق والمعابر على حساب أقوات الناس وأرزاقهم. 

لقد تحمل التيار الجهادي مسؤوليته أمام ظهور تنظيم داعش، فقام بتفكيك أطروحاته التكفيرية، وسحب بساط الشرعية الجهادية تحت قدميه، وحاربه بضراوة إلى أن أفنى وجوده في كثير من الجبهات، حتى أنه أجهز على جرحاه وأسراه وقتل من سلم منهم نفسه، رغبة منه في اقتلاع بذرة الغلو من جدورها وانفاذا لوصية النبي بقتل الخوارج قتل عاد. فهل تعاملت مدارس الصحوة الإسلامية الأخرى مع أخطائها بالشجاعة التي تعامل بها الجهاديون مع أخطائهم، هل صدر مثلا بيان واحد من الإخوان المسلمين يدين اصطفاف بعض فروعهم مع الثورة المضادة في العراق واليمن وليبيا، هل أدان أحد منهم تحالف الحزب الإسلامي مع الميلشيات الشيعية في العراق ضد أهل السنة. 

في سوريا دخل الجهاديون في خط الثورة، وتفرقوا في عدة فصائل كان أبرزها جبهة النصرة، التي انخرطت في دينامية من التحولات المواكبة للتطورات التي عرفها المشهد السوري وأفضت به إلى مزيد من التعقيد. يعتبر الأداء العسكري والإعلامي والسياسي لجبهة النصرة متميزا، وشكل علامة فارقة في مسار الثورة. وبما أن أبعاد المعركة مركبة ومجالاتها متعددة، ورغبة من الجولاني قائد جبهة النصرة في تجاوز أعمق أزمات التيار الجهادي والمتمثلة في غياب الخطاب السياسي القادر على استثمار جهود التيار وتوظيف انتصاراته لصالح الأمة ومشروعها التحرري، فقد دشن الرجل مسارا سياسيا منزها من وصاية الخارج وإملاءاته، ابتدأ من لحظة إعلانه فك الارتباط بتنظيم القاعدة والدعوة إلى تأسيس تحالف واسع من الفصائل الثورية، والاتفاق على مشروع سياسي مدني واعد، ينطلق من ثوابت الشرع والثورة يتم التداول بشأنه في مؤتمر عام وجهت الدعوة لحضور فعالياته إلى كل نشطاء الثورة ووجهائها وأعيانها. 

بدا المشروع في أيامه الأولى طموحا، وراهن على تحقيق غايتين أساسيتين؛ الأولى: ضرب المسار السياسي الذي ترعاه الدول الكبرى، خاصة مسار أستانا والتحذير من مغبة الدخول فيه، والعمل على حصاره داخليا من خلال التصدي للمجموعات التي وافقت عليه، وإطلاق معارك عسكرية تشوش على مخرجاته. وثانيا: رعاية مسار سياسي موازي يلبي تطلعات الشعب السوري في المناطق المحررة، عبر تدبير شأنه العام تدبيرا راشدا ونزيها في الداخل وتمثيل ثورته في الخارج تمثيلا يليق بمستوى التضحيات التي قدمها الشعب على مدار سنين الثورة. مع الأسف بعض الفصائل والشخصيات الثورية لم تكن في مستوى التحدي، واعتبرت الدعوة إلى تشكيل " حكومة للإنقاذ" لعبة جديدة يريد من خلالها الجولاني بسط نفوذه على الساحة. ولست أدري كيف يمكن لرجل عرض التنازل عن القيادة لفصيل منافس، واقترحت جماعته فكرة الإدارة المدنية للمناطق المحررة، وإنهاء المظاهر المسلحة وسط المدن، أن يكون راغبا في النفوذ والسيطرة إن كان ذلك متاحا له بوسائل أقل تكلفة وإهدارا للوقت. 

ثمة قطاع عريض من "المعارضة المعتدلة" أرهفوا سمعهم لفترة طويلة لتلك الأساطير والخرافات التي تقول بأن التحلي بالاعتدال، والابتعاد عن القوى المتشددة، وربما المساهمة في محاربتها، سيكون عاصما من عصا التصنيف في قوائم الإرهاب، وسيدر على الفصيل المعتدل مكاسب كبيرة، من بينها الاعتراف الدولي به، ودعمه بكل ما يحتاجه من موارد وإمكانيات. لكن الحقيقة التي عززتها معطيات التجربة أن المعتدلين هم أول من تسعر بهم نار المكائد، وأول الضحايا على مذبح التفاهمات الدولية التي لا تلبت أن تأخذ منحى عكسيا كلما دعت ضرورة مصالح الكبار إلى ذلك. بينما الفصائل التي حافظت على استقلاليتها وتحدت توصيات الخارج وإملاءاته واعتمدت على مواردها الذاتية، هي التي تُعمر أكثر. 

كان الخوف من التصنيف في قوائم الإرهاب من بين المبررات التي ساقها من رفض الانخراط في مشروع جامع تتوحد تحته كل فصائل الثورة، ومع الأسف لم يحُل خوفهم ذلك دون انفراط عقد فصائلهم لسبب أو لآخر، وكان قادة الفصائل الذين بالغوا في إبداء رغبتهم في محاربة المتشددين أول من صعد على متن الحافلات الخضراء، دون أن يشفع لهم حماسهم الزائد وسعيهم الصادق في التحول إلى شريك فعال وأمين في الحرب على التطرف والإرهاب في سوريا. 

يعتبر فصيل هيئة تحرير الشام من أكبر فصائل الثورة، تم تأسيسه بعد نكسة حلب وانطلاق مسار أستانا، رفضت بعض الفصائل حينئذ الانضمام إليه لأن جبهة فتح الشام المصنفة على قوائم الإرهاب هي عموده الرئيسي. بعد عام ونصف على تأسيس الهيئة يمكن تقييم حصيلة منجزها الثوري، وحصاد تحديها لوصاية الخارج. وسيرى الجميع من خلال إلقاء نظرة أولية على الخريطة السورية أن البقعة الخضراء شبه الوحيد على الخريطة هي تلك التي تسيطر عليها هيئة تحرير الشام، بينما غمر اللون الأحمر قلاع المعتدلين ومعاقلهم. وهي البقعة الوحيدة التي يتم إدارة الشأن العام فيها بواسطة حكومة مدنية تتكون من كفاءات علمية لا تنتمي إلى أي جماعة أو تنظيم، خرجت من رحم مؤتمر عام، وهيئة تأسيسية مستقلة. وهي البقعة الوحيد التي يسع الجميع التعبير فيها عن مواقفهم وآرائهم بكل حرية. وهي البقعة الوحيدة في العالم التي تحطمت على تخومها أسطورة تنظيم داعش، حيت شاهد الكل أكبر عملية استسلام جماعي لعناصر التنظيم المجرم الذين عجزوا عن اقتحام مدينة إدلب بعدما فتحت لهم قوات النظام المنافذ المؤدية إليها. ومازال الجهاز الأمني لهيئة تحرير الشام داخل المدنية ومحيطها يفكك خلاياهم ويقبض على رؤوسهم في زمن قياسي، ربما تفوق في ذلك على الدول التي تملك أجهزة استخباراتية عريقة وموارد مالية وبشرية غير محدودة. فإذا كانت خلية داعشية من عدة أفراد قد دوخت فرنسا مثلا، فكيف بمدينة أحاطت بها الدبابير من كل جانب، وتسربت إليها مئات الخلايا القاتلة. 

هذه المنجزات تضاف إلى السير العادي للمؤسسات الخدمية والتعليمية من مدارس وجامعات، رغم الاضطرابات المدبرة التي تحدث في المدينة من حين للآخر، ورغم رفض بعض الجهات الدفع باتجاه نجاح هذا النموذج المتقدم في التدبير والإدارة زمن الحروب والأزمات. وأنا أتابع حصيلة المنجزات في الشمال المحرر أتذكر عندما طالب أحد المتعقلين بأهداب الاستنارة الكاذبة في فترة من الفترات بحل جبهة النصرة حتى لا توصم الثورة بالإرهاب، وقلت في نفس ترى كيف سيكون مصير الثورة لو شاطر قادة الجبهة حينها هذا " المستنير" بلادته السياسية والاستراتيجية. 

4/30/2018

ملالا.. الأيقونة المزيفة!

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : أبريل 30, 2018
ملالا الباكستانية

عبد الغني مزوز---

كلما نظرت إلى صورة تلك الفتاة الباكستانية البريئة (ملالا) وإلا وانتابتني مشاعر الحزن والأسى، ليس لأنها كانت ضحية مجتمع جاهل أراد أن يضع حدا لحياتها لأنها أصرت على التعلم والدراسة كما يراد لنا أن نعتقد، بل لكونها ضحية كيد غربي عندما حبك قصتها ونسج مأساتها ثم اتخذها أداة لتبرير جرائمه وتدخلاته وتبييض سجله الحافل بالفظائع في وطنها باكستان والأوطان المجاورة له لاسيما أفغانستان. 

كانت (ملالا) عنوانا للظلم والإجحاف الذي تتعرض له الفتاة في باكستان وأفغانستان، ورمزا للكفاح من أجل العلم والمعرفة، وعلى أساس هذه السردية –الملفقة طبعا- جاء التدخل الأجنبي لينقذ براءة الطفولة وينتصر للعلم والتعلم، ويحارب الإرهابيين الذين حاولوا اغتيال (ملالا) لأنها أصرت على الالتحاق بمدرستها. وحتى تأخذ قضية هذه الفتاة بعدا عالميا وتتحول إلى قضية إنسانية عادلة! فقد تم منحها أعرق جائزة عالمية وهي جائزة نوبل للسلام، وكتبت عنها الكتب والأطروحات وسلط عليها الإعلام العالمي أضواء الشهرة، وأصبحت الطفلة الصغيرة (ملالا) مناضلة أممية طمس بريقها الوهاج بريق "القواعد" من المناضلات والمخضرمين من المناضلين. 

إزاء الحكاية المتهافتة للفتاة (ملالا) وما رافقها من صخب عالمي مصطنع لتبرير التدخل الغربي في باكستان وأفغانستان ثمة حقيقة لا يجب أن تُعاند. إذا كانت القصة التي حرصت الإمبريالية الغربية على تسويقها تقول أن هناك شعبا يعاني الجهل والتطرف واضطهاد النساء والأطفال وحرمانهم من الدراسة والتعلم وبالتالي فإن أي تدخل ينقذ هذا الشعب من هذا التخلف والضياع؛ هو تدخل مشروع وعادل وإنساني؛ إذا كانت هذه هي القصة التي يُراد للجميع أن يصدقها فإن هناك قصة أخرى أصدق منها لم يسمع بها الكثيرون، لأنها مطمورة في صخب التسبيح لفتاة نوبل. 

في باكستان لا تعاني الفتيات من التمييز في ما يتعلق بحقهن في التعلم وتحصيل المعرفة أو على الأقل إلى المستوى الذي يتم الترويج له. وآفاق التفوق والإبداع مفتوحة أمام كلا الجنسين. وإذا كانت (ملالا) رمزا لمعاناة الفتيات المحرومات من التعليم فإن قصة الدكتورة (عافية صديقي) رمز لمعاناة المرأة المتعلمة التي أوردها علمها موارد الهلاك على أيدي من ادعى أنه جاء لاستنقاذ النساء من براثن الجهل والتخلف. قصة الدكتورة عافية صديقي مثيرة للأسى؛ تلك المرأة الباكستانية التي وقفت حياتها للعلم والمعرفة حتى نالت أعلى الدرجات في أعقد التخصصات العلمية (علم الأعصاب)، تم اختطافها في باكستان وتعريضها لأبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي من قبل عناصر المخابرات الأمريكية، حتى أجهضت حملها الناجم عن الاغتصاب في المعتقل. تم تسفيرها إلى الولايات المتحدة والحكم عليها بالسجن ل 86 عاما بتهمة الانتماء لتنظيم القاعدة. في قصة (ملالا) كان الإرهابيون يقمعون الفتيات المتعلمات وفي قصة (عافية صديقي) الإرهابيون يرحبون بالمتعلمات! تناقض فج يعبر عن الموقف الحقيقي من المرأة المثقفة والمجتمع المتعلم بصفة عامة. 

لماذا نذهب بعيدا ودماء تلاميذ قندز لم تجف بعد، تلك الجريمة النكراء الآثمة التي وقعت إحدى المدارس الأفغانية بولاية قندز ضحية لها، حيث تعرضت المدرسة لقصف جوي أمريكي أدى إلى استشهاد وجرح المئات من التلاميذ المتفوقين وعائلاتهم وكان الجميع يحتفل بمناسبة اكمال الطلبة الصغار حفظ القرآن الكريم، قبل أن تنثر الصواريخ الأمريكية أشلائهم على الكتب والدفاتر والمصاحف، وتضع حدا لمسيرتهم العلمية في مهدها. 

مع الأسف لم تُضئ الأبراج لأطفال قندز ولم يقف لهم أحد دقيقة صمت، لم يسحب أحد سفيرا للاستفسار ولم يبعث برقية احتجاج، واصل الجميع حياتهم كأن شيء لم يحصل. لم تكن مدرسة قندز الوحيدة التي تعرضت للقصف وتعرض تلاميذها للقتل بالجملة بل عشرات من المدارس الأفغانية والباكستانية المتواجدة في منطقة وزيرستان الحدودية بين البلدين. وعشرات الأخرى من المدارس في العراق وسوريا وغيرها. في بلد مثل سوريا تسبب الطيران الروسي والدولي بتوقف مئات المدارس عن تقديم خدماتها التعليمية للطلاب، حتى اضطر "الإرهابيون المناهضون للمعرفة" إلى إقامة خيام مؤقتة في مناطق خطيرة جدا تفتقر لأبسط مقومات العملية التعليمية حتى لا ينقطع الأطفال عن الدراسة. 

أتوق كما يتوق غيري لمعرفة موقف فتاة نوبل والمناضلة الأممية (ملالا) من التدمير الممنهج الذي تتعرض له مدارس سوريا والعراق وأفغانستان، والقتل بالجملة الذي يتعرض له الأطفال والتلاميذ هناك، بالتأكيد الفتاة لن تعلق ليس فقط لأن جائزة نوبل قابلة للسحب بل لأن الفتاة الساذجة مجرد واجهة لسياسة هدفها إضفاء الشرعية على مشروع الغزو والتدخل الغربي في باكستان وأفغانستان، وبالتالي فهي غير معنية بمآسي الأطفال والتلاميذ هنا هناك إلا عندما يقف خلف هذه المآسي من يوصفون بالإرهاب. فالقصص التي تثير شهية فتاة نوبل وغيرها من المناضلات والمنظمات ذات الاهتمام بقضايا تمدرس الأطفال والفتيات هي تلك التي يكون طرفها أب متعصب دينيا يمنع ابنته من الذهاب إلى المدرسة، أو رجل ملتح عبر عن رأيه القاضي بحرمان الفتيات من التعلم، أو رجل دين أفتى بجواز منع الفتاة من اكمال دراستها إلى غيرها من القصص التي تعبر عن حالات شاذة ومعزولة في هذا المجتمع أو ذاك. أما قصة هدم مدرسة على رؤوس تلاميذها ومقتل المئات منهم في قندز أو في ريف الرقة أو إدلب أو حلب أو الغوطة أو في إحدى مدن العراق المنكوبة فهي قصة غير جديرة بالاهتمام لأنها أعراض جانبية لحروب التحرير والتنوير المزعومة. 

لا شك أن يتابع فصول المأساة المتواصلة في سوريا ستلفت نظره كثير من المشاهد المغرقة في الدلالة والموغلة في الرمزية، طفل مدرج في دمائه وهو يمسك بدفتر رسوماته، حقيبة زهرية اللون منضوحة بدم صاحبتها، دفاتر وكراسات وكتب ممزقة مطمورة تحت الركام، قصاصات ورق كتبت بخط طفل يتعلم الأبجدية منثورة مع الأشلاء والأطراف الممزقة.. كلها مشاهد واقعية مترعة بالرمزية والدلالة، تعبر عن مأساة الأطفال والتلاميذ في سياق الحروب الظالمة التي يشنها الآخرون على بلاد المسلمين. 

إذا كانت المعركة معركة أجيال سلاحها العلم والوعي والمعرفة فلنتوقع هدم المدارس وقتل التلاميذ بالجملة، واغتيال الكوادر العلمية المتخصصة، وإغراء العقول المتميزة على الهجرة، والحرب على المناهج الدراسية، وتسليط مزيد من الزعامات الدكتاتورية الأمينة على موروث التخلف والرجعية في بلداننا.

المقاومة العراقية.. فصول من قصة الظفر 2

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : أبريل 30, 2018
الجهاد في العراق

عبد الغني مزوز---
 

تطرقنا في المقال السابق إلى تفوق المقاومة العراقية في استخدام أسلوب الألغام والعبوات الناسفة وتكبيدها للاحتلال الأمريكي خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، وسنستكمل الحديث في هذا المقال عن الأساليب الأخرى، مع تأكيدنا على أهمية توثيق تجربة المقاومة العراقية ودراسة أيامها وفصائلها وتكتيكاتها دراسة مستفيضة تقف على مكامن قوتها وثغرات ضعفها وأسباب تراجعها وعجزها عن بناء مشروع سياسي جامع يستثمر انتصاراتها العسكرية ويعبر عن هويتها ومواقفها وتطلعاتها. 

الرمانات الحرارية 

مع تصاعد زخم الهجمات التي تتم بواسطة العبوات الناسفة اتخذت قوات الاحتلال مجموعة من الإجراءات قصد الحد من تأثير هذا السلاح من أهمها: تطوير كاسحات ألغام تقوم بتفجير العبوات قبل مرور الآليات فوقها، زيادة تصفيح العربات وإضافة طبقات سميكة من الفولاذ إلى هياكلها، مراقبة الطرق بواسطة المتعاونين مع الاحتلال والتبليغ عن عمليات زرع العبوات وأيضا مراقبتها بواسطة المناطيد والطائرات المسيرة، تقليل حركة الآليات العسكرية على الطرق وتركز حركتها داخل المدن حيث يصعب زرع العبوات وتمويهها فضلا عن وجود المدنيين واكتظاظ الطرقات بسياراتهم. هذه الإجراءات نجحت جزئيا في تقليص فعالية العبوات الناسفة ما حدا بفصائل المقاومة العراقية إلى التفكير في أساليب وأنماط قتالية أخرى تتناسب مع ما استحدثه الاحتلال من اجراءات دفاعية ووقائية. وفي هذا السياق ظهرت الرمانات الحرارية. 

الرمانات الحرارية هي قنابل يدوية مضادة للدروع روسية المنشأ، تعمل بمبدأ الانصهار الحراري، تُرمي القنبلة على الهدف فتفتح مظلة صغيرة لتشغيل الصاعق وتحقيق توازن نزول القنبلة فوق الهدف مباشرة وعند اصطدامها تنفجر مولدة غازات نافورية ينتج عنها درجة عالية من الحرارة تُحدث خروقا في الدروع الفولاذية. تمكنت بعض فصائل المقاومة العراقية من صناعة وتطوير "رمانات حرارية" بديلة عن تلك التي يتم انتاجها في روسيا، بجودة أعلى وبتكلفة منخفضة وإمكانيات بسيطة. 

لقد أصبحت العربات العسكرية التي تسير وسطر المدن صيدا متاحا لرماة " القنابل الحرارية" حيث ينتظر المكلف بالعملية مرور آخر سيارة من الرتل ليقوم برمي الرمانة عليها ويلوذ بالفرار بين الشوارع وأزقة المدن الضيقة، مستغلا انتشار العوارض الكونكريتية التي تغلق بها قوات الاحتلال منافذ الشوارع لمنع مرور السيارات المفخخة، ما يعرقل عمليات تتبعه وملاحقة. وتكمن أهمية هذا السلاح في سهولة حمله وإخفائه وتكلفته المنخفضة وهو استجابة للتطور الذي عرفته الكاسحات الامريكية[1]. عشرات الأفلام التي نشرتها فصائل المقاومة وثقت استعمال هذا النوع من السلاح، وأظهرت بعض اللقطات حجم التدمير الذي يلحقه بالآليات العسكرية، وقد طور "الجيش الإسلامي في العراق" مقذوفات تصل نسبة تدميرها للآليات إلى أكثر من 90 في المئة.[2]

القنص 

كان نشر الجيش الإسلامي في العراق لفيلم "قناص بغداد" حدثا عالميا عبر عن حجم الورطة التي وضع فيها جورج بوش جنوده في العراق، لقد ظهر فيه جنود أمريكيون وهم يسقطون صرعى وسط آلياتهم العملاقة دون أن يتمكن زملائهم من فعل أي شيء إلا الانبطاح ارضا أو الاحتماء داخل الدبابات والهمرات في انتظار رحيل القناص، فلا أحد يعرف من هو الضحية التالية لقناص محترف ومثير للرعب أطلق عليه الأمريكيون اسم " جوبا ". 

جوبا أو " أبو صالح"[3] لم يكن ظاهرة فردية اتخذت من بغداد مسرحا لها، بل كان نمطا من أنماط المقاومة عم معظم أرجاء العراق، فقد فتك القناصة بجنود الاحتلال في مدن القائم والموصل والفلوجة ورصدت القوات الأمريكية مبالغ ضخمة لمن يقدم معلومات عنهم. نشر فصيل الجيش الإسلامي في العراق أربعة أفلام وثائقية عن "قناص بغداد" من 2005 إلى 2008 ترجم بعضها إلى 9 لغات وتضمنت معلومات عن أهمية سلاح القنص ومعطيات عن حصيلة القتلى ولقطات واضحة عن استهداف الجنود الأمريكيين. وعندما ينجح قناص عراقي واحد وفي مدينة واحدة في قتل وإصابة المئات من المحتلين بينهم ضباط برتب عالية فلك أن تتصور حجم الخسائر التي ألحقها العشرات من القناصين المحترفين بقوات الاحتلال في مختلف المدن العراقية. 

أهمية عمليات القنص التي وثقتها أفلام المقاومة العراقية تكمن في تقويضها للسردية التي دأبت الدعاية الأمريكية على الترويج، مثل: استهداف المقاومة العراقية للمدنيين، إخفاء العدد الحقيقي لخسائر الجيش الأمريكي عبر تلاعب البنتاغون بإحصائيات القتلى والمصابين من جنوده، الإشادة بشجاعة الجندي الأمريكي وشدة بأسه.. وهو ما أظهرت أفلام القنص عكسه تماما. وأمام عجز الجيش الأمريكي عن التعامل مع التحدي الذي مثله قناصو المقاومة لم يجد البنتاغون ما ينصح به جنوده إلا بالكمون داخل عرباتهم المصفحة وعندما يضطرون للخروج فعليهم تأدية رقصات معينة بحيث لا يبقون في حالة سكون لتشتيت انتباه القناص! لكن لاحقا أعادت هوليوود الاعتبار لرجال المارينز في بغداد عبر مجموعة من الأفلام من بينها فيلم American sniper الذي يحتفي ببطولات قناص أمريكي في العراق. 

الصواريخ والهاون 

العبوات الناسفة والرمانات الحرارية والقنص اليومي الذي يتعرض الجنود الأمريكيون جعلهم ينزوون إلى داخل قواعدهم العسكرية ومجمعاتهم الحصينة، وهنا يأتي دور الهاونات وصواريخ الكاتيوشا كأسلوب استخدمته المقاومة على نطاق واسع. فلا يكاد يمر يوم دون أن تتعرض قاعدة أمريكية للقصف بالصواريخ أو قذائف الهاون. يتعذر توثيق خسائر الاحتلال الناجمة عن استخدام هذا التكتيك بسبب سياسة التكتم التي انتهجها البنتاغون، خصوصا إذا تعلق بالخسائر في صفوف الشركات الأمنية كبلاك ووتر وغيرها، لكن بعض العمليات لم يستطع الجيش الأمريكي إبقاء خسائرها طي الكتمان مثل تلك التي استهدفت فيها المقاومة قاعدة الصقر جنوب العاصمة بغداد، ونقلت شاشات التلفزة مباشرة مشاهد الانفجارات الناتجة عن تدمير ترسانة ضخمة من الأسلحة المتطورة بينها طائرات مسيرة وقنابل ذكية وعربات عسكرية وقدرت الخسائر بمئات الملايين من الدولارات، وعلق مصدر في الجيش الأمريكي بالقول " أن قاعدة الصقر قد دمرت بالكامل وكأنه فعل زلزال"[4]

الكثير من الصواريخ والقذائف التي استخدمتها فصائل المقاومة العراقية تم انتاجها في ورشات سرية تابعة لها، ولا يقتصر أمر تطويرها على تحسن مدياتها ودقة إصابتها وشدة انفجار حشواتها فقط بل أيضا في صناعة أشكال مبتكرة لمنصاتها وطرق إطلاقها، فقد نشر فصيل جيش الراشدين فيلما وثائقيا باللغتين الإنجليزية والعربية تضمن الكثير من العمليات المعقدة منها استهداف رتل عسكري أمريكي بقذائف الهاون بعد توقيفه في موقع مدروس بواسطة عبوة تمويهية، وعملية إطلاق صواريخ من نوع كاتيوشا على أحد مقرات الاحتلال وقد تم تركيب الصواريخ في صندوق سيارة صغيرة، لتتمكن من اجتياز الحواجز العسكرية ومن تم ركنها على مقربة من المقر المستهدف.[5] وتعتبر عمليات إطلاق الصواريخ والقذائف أكثر العمليات التي تم تصوريها وتوثيقها عبر آلاف من مقاطع الفيديو. 

الكمائن والسيارات المفخخة 

تم استخدام تكتيك السيارات المفخخة من قبل بعض الفصائل العراقية، بينما امتنعت أخرى بسبب تحفظات فقهية عليه، لكنه من الناحية العسكرية البحتة كان تكتيك السيارات المفخخة خطيرا وغير قابل للردع والاحتواء إلا بفرض حظر للتجوال يشل حركة المدينة برمتها. أما الكمائن والاشتباكات ومعارك المدن فقد أكدت بواسطتها المقاومة العراقية تميزها وقدرتها على توظيف كافة التكتيكات القتالية دون أن تخرج بذلك عن إطار استراتيجية حرب العصابات القائمة على استنزاف الخصم وتجنب المواجهة المباشرة مع قواته. وحتى معركة الفلوجة التي يمكن اعتبارها تمردا على مبادئ حرب العصابات فإنها في واقع الأمر لم تكن كذلك أولا: لأن المقاومة لم تضع كل ثقلها في المعركة وإنما خاضها العشرات فقط من أفرادها، وثانيا: لأنها كانت معركة حاسمة أو من المفترض أن تكون كذلك لولا تدخل بعض الجهات وإبرامها هدنة هي في صالح القوات المهاجمة، وقد تحدث بعض القادة لاحقا أن مشروع الاحتلال كان على شفى الانهيار إبان معركة الفلوجة حتى أن سجانين في (أبوغريب) أخذوا تعهدا من المعتقلين بأن يطلقوا سراحهم شرط أن لا يتعرضوا لهم بسوء. وقد تطرق أحمد منصور لجوانب من ملحمة الفلوجة التي عايش تفاصيلها في كتابه " معركة الفلوجة وهزيمة أمريكا في العراق"، وثالثا: لأنها معركة أظهرت الوجه الحقيقي للاحتلال فقد شاهد العالم حمما من الفسفور الأبيض والنابالم الحارق تصب على المدينة المحاصرة، وشاهدوا جنودا أمريكيين وهم يقومون بإعدام الجرحى ميدانيا واستمعوا إلى شهادة النساء المغتصبات وغيرها من الفظاعات التي جعلت من الفلوجة عارا يلاحق قادة الاحتلال وأعوانه أينما حلو، ومازالت التشوهات الخلقية لأطفال الفلوجة والناتجة عن استخدام اليورانيوم المنضب شاهدة على همجية الاحتلال وبربريته إلى يومنا هذا. 

قصة المقاومة العراقية جديرة بأن تروى، إنها ملحمة شعب عصامي خاض معركة التوحيد والحرية والاستقلال والسيادة بإمكانياته الذاتية وعزيمة على الظفر والانتصار قل مثيلها، إن معظم الأسلحة التي استخدمتها المقاومة العراقية هي من صنعها وابتكارها، حتى بندقية القنص التي استخدمها قناص بغداد هي من نوع "تبوك" من انتاج معامل النظام السابق. نستذكر هذه العصامية في وقت قدمت فيه بعض فصائل الثورة في أكثر من بلد كل ما يمكن تصوره من تنازلات كي تحصل على مضادات للطيران أو صواريخ تاو أمريكية أو وتمويلا خارجيا لتستمر في " ثورتها" حتى نيل " الحرية"! 




[1] طورت جماعة أنصار الإسلام رمانات حرارية من نوع "حمم" ووثقت استخدامها ضد الآليات العسكرية، أنظر: قاذفوا الحمم، مؤسسة الأنصار، https://archive.org/details/ansar-ansar 


[2] الجيش الإسلامي في العراق، مجلة الفرسان العدد 14 


[3] لم ينشر الجيش الإسلامي في العراق أية معلومة عن هوية قناص بغداد، وما نشر عن حياته واعتقاله ومقتله في السجن يتعذر التأكد من صحته. 


[4] الجيش الإسلامي في العراق، مجلة الفرسان، العدد 10 


[5] جيش الراشدين، أجراس الخطر https://archive.org/download/ArchiveArmyTLTDACAriraq/TLTDAC_Ar.rmvb

المقاومة العراقية.. فصول من قصة الظفر

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : أبريل 30, 2018
الجهاد العراقي


عبد الغني مزوز---

خلال الأشهر القليلة الماضية بدأ زحف الغزاة يمتد إلى المساحة المحررة في الشمال السوري، فسقطت عشرات القرى في غضون أيام؛ ما يهدد آخر معاقل الثورة السورية بالسقوط. تكرر نفس السيناريو في ليبيا حيث باتت عين زعيم الحرب خليفة حفتر على مدينة درنة بعد سيطرته على بنغازي، ولن تكون طرابلس بعيدة عن طموحاته ومغامراته قياسا إلى ما يحظى به الرجل من دعم ومساندة من مختلف القوى الإقليمية والدولية كوكيل معتمد في الحرب ضد الحركات الإسلامية الناشطة في ليبيا. هذه التطورات الجديدة كشفت عن إمكانية حدوث تحولات جذرية في أنماط وأساليب الفعل الثوري في المرحلة القادمة. إن الحشود الهائلة لخصوم الثورة وتفوقهم النوعي يجعل من انتقال الثوار من أسلوب المواجهة المباشرة والجبهات الثابتة إلى أساليب حرب العصابات خيارا غير مستبعد. 

لا شك أن الأوضاع في بلدان الثورات خصوصا ليبيا واليمن وسوريا مرشحة إلى مزيد من التصعيد. ففي سوريا لم يعد الحديث عن ثورة تواجه نظاما طائفيا مستبدا حديثا ذا مصداقية، لأن الذي تواجهه الثورة هناك هو في الحقيقة احتلال أجنبي توزعت قواته على امتداد الخريطة السورية، حيث انتشر عشرات الآلاف من الجنود الروس والأمريكان والإيرانيين على طول البلاد وعرضها وأقاموا قواعد عسكرية ضخمة في عدة مناطق بشمال وشرق وجنوب سوريا[1]

إن الحديث عن احتلال غازي ومقاومة تسعى إلى تحرير الوطن والإنسان يحيلنا إلى عدة تجارب ونماذج على مدار عقود بل قرون مضت، لكننا سنتحدث في هذه المناسبة عن تجربة غضة طرية لم تأخذ حضها من الدراسة والتوثيق، وهي المقاومة العراقية للاحتلال الأمريكي، وكيف تمكنت من تجريد القوة الأمريكية الجبارة من عناصر السطوة والتفوق، وحولت الترسانة الحربية المكلفة التي استقدمها الغزاة إلى أجسام معدنية عديمة الجدوى والفاعلية. 

المقاومة العراقية في لحظة من اللحظات لم تستطع فقط خلق توازن للقوى مع قوات الاحتلال والكيانات الرديفة له؛ بل تفوقت عليه حتى غدا هاجس المحتلين ينحصر في إيجاد طرق وأساليب للتعامل مع ما تستحدثه المقاومة من أدوات ووسائل في الحرب والمواجهة. لقد أمضت القوات الغازية معظم وقتها في العراق وهي في حالة دفاع، وقد أظهرت آلاف المقاطع المصورة (المنشورة) جزء من هذا. 

إذا كانت المقاومة الفيتنامية قد ابتكرت أساليبها وتقنياتها في الكفاح والمقاومة وتألقت في توظيف تكتيكات الأنفاق الحربية والشراك الخداعية التي أحكم الفيتكونغ نصبها في غابات الفيتنام الكثيفة فإن المقاومة العراقية انتهجت أساليب وتكتيكات حربية أشد فتكا وأبلغ اثرا وأقل تكلفة. من الخطأ مقارنة المقاومة العراقية بالمقاومة الفيتنامية فهذه الأخيرة كانت تحظى بدعم كبير من الإمبراطورية السوفياتية حتى أن بعض الأسلحة التي زود بها السوفييت مقاتلي الفيتكونغ كانت متطورة وفعالة أكثر من تلك التي بحوزة الأمريكيين.[2] كما أن التضاريس الفيتنامية تعتبر بيئة مثالية لإطلاق حرب عصابات ناجحة ومستدامة، عكس الجغرافيا العراقية المكشوفة والمنبسطة والخالية من أية موانع أو سواتر طبيعة يمكن الاعتماد عليها في عمليات الكر والفر، أو تحييد بعض الأسلحة كسلاح الطيران والدبابات والآليات الثقيلة، إضافة إلى أن المقاومة العراقية لم تتلق أي دعم أو مساعدة من أية قوة إقليمية أو دولية، بل كان اعتمادها على مخزون النظام السابق من الأسلحة ومعظمها أسلحة خفيفة ومتوسطة، وخبرات الضباط السابقين ومن التحق بالساحة العراقية من الكوادر الجهادية المدربة. 

كل شيء يوحي –حسب قراءة الغزاة لأوضاع العراق- بمقاومة يائسة واحتلال طويل الأمد، إلا أن المقاومة العراقية اعتمدت على تقنيات وأساليب أدهشت العالم وأربكت الغزاة. ولعل من أهم هذه التقنيات والأساليب: (الألغام والعبوات الناسفة؛ الاشتباكات الخاطفة؛ القنص؛ السيارات المفخخة؛ الرمانات الحرارية) سنتحدث في هذه المقالة عن العبوات الناسفة وتوظيف المقاومة العراقية لها، وسنرجئ الحديث عن الأساليب الأخرى إلى مناسبات قادمة. 

ظهر سلاح العبوات الناسفة في الأيام الأولى من الاحتلال وسرعان ما تحول إلى نمط كفاحي عم معظم أرجاء العراق. سلاح بدائي فتاك وغير مكلف. لقد أحس رجال البنتاغون بالغيظ والمرارة وهم يشاهدون ترسانتهم الجبارة تتحول إلى فتات يتناثر في الهواء. 

زرع رجال المقاومة العراقية عبواتهم في كل الأماكن التي يغلب على الظن أن آليات الاحتلال ورجاله سيمرون فيها، وتم تمويهها بطرق مبتكرة لا تخطر على بال، بطمرها تحت التراب أو وضعها في كيس بلاستيكي لتظهر ككيس قمامة مرمى على قارعة الطريق، أو دسها في جوف الحيوانات النافقة كالكلاب والقطط وغيرها. وأحيانا تعمد المقاومة إلى وضع عبوة تمويهية بارزة ووضع أخرى مخفية على مقربة منها، وعندما يجتمع الخبراء لتفكيك العبوة التمويهية يفجرون العبوات المخفية. أحيانا لا ينتظر رجال المقاومة مرور الآلية العسكرية على عبوتهم، بل يحملونها إلى أماكن تمركز هذه الآليات، حيث أظهرت عدد من المقاطع المصورة زحف هؤلاء بحذر حتى الوصول إلى تحت الدبابة المأهولة وزرع العبوة تحتها ثم تفجيرها عن بعد. 

الإحصائيات الرسمية التي نشرها البنتاغون تظهر أن أكثر 70 في المئة من خسار قوات الاحتلال في العراق ناجمة عن سلاح العبوات الناسفة، وأن معظم حالات الانتحار والأمراض النفسية التي أصابت العائدين من الحرب كانت بسبب رعب العبوات. كما أن جل الإصابات الخطيرة وحالات بتر الأطراف والتشوهات الحادة تعود إلى نفس السبب. عجز جيش الاحتلال بما راكمه من خبرات وما طوره من تقنيات على مدار عقود عن التعامل مع التحدي الكبير الذي تمثله " قنابل المقاومة". بعد مقتل الآلاف من جنود الاحتلال دفع البنتاغون بتقنيات متطورة إلى ميدان المواجهة بهدف كشف العبوات وتعطيلها، فظهرت كاسحات الألغام وهي عربات مزودة بأجهزة استشعار وتقنيات تقوم بالتشويش على الموجات الراديوية التي يتم بواسطتها تفجير العبوات عن بعد. بعد أشهر من وصول هذه الكاسحات إلى العراق أظهرت أفلام مصورة كيف غدت هذه الآليات صيدا سهلا لعبوات أشد فتكا وتطورا، وقد أعلنت فصائل المقاومة آنذاك تطويرها لأجهزة تحكم عن بعد لا تخضع للتشويش، وهكذا ذهبت ملايير الدولارات التي تم انفاقها على مشاريع الكاسحات أدراج الرياح. 

مثلت العبوات الناسفة كابوسا مؤرقا للاحتلال. وسلاحا مدمرا عجز عن تطوير ما يردعه أو يحد من تأثيره، تماما مثلما تمثل الطائرات بدون طيارا وسلاح الجو عموما كابوسا مؤرقا للثوار اليوم. هكذا قلبت المقاومة العراقية موازين القوة، وبنت لنفسها قوة ردع ذاتية فعالة وغير مكلفة. في دراسة لخدمة أبحاث الكونجرس صدرت في 25 سبتمبر 2006 حول العبوات الناسفة في العراق فإن ما تم إنفاقه منذ 2004 إلي 2006 لتمويل محاولات يائسة لمكافحة العبوات الناسفة بلغ 6.1 مليار دولار، حيث تم تمويل عدة هيئات متخصصة في البحث عن التقانة التي تساهم في الكشف عنها، وعندما عجزوا قرروا تخصيص طرق مؤمنة خاصة لتحرك المعدات.[3] ولمواجهة التطور الذي عرفته عبوات المقاومة دعا البنتاغون إلى عقد مؤتمر في (فورت إيروين)، بصحراء كاليفورنيا، حيث ناقش مهندسون وخبراء وقادة كبار في الجيش الأمريكي المشاكل التي تفرضها التقنيات الجديدة للمقاومة المسلحة في العراق. وقد وصف الكولونيل بوب ديفيس، خبير المتفجرات في الجيش الأمريكي العناصر الجديدة في بعض المتفجرات، بأنها (مزعجة) على نحو (بارع).[4]

مع تصاعد عمليات تفجير المعدات على الطرق تم تأسيس صندوق للإنفاق على برامج تساعد في مواجهة العبوات الناسفة بداية من 2006، واستنزف ميزانية تقدر بـ 16 مليار دولار إلى حدود سنة 2010، دون أن يتم تقديم نموذج ناجع لتقنية قادرة على احتواء تهديد العبوات المتفجرة. وفي الأخير اضطرت قوات الاحتلال إلى تقليل تحركاتها والانكفاء في القواعد والثكنات المحصنة ثم الانسحاب الجزئي في وقت لاحق. إنه أمر يبعث على الجنون بالنسبة لمخططي البنتاغون ورجال السياسة في أمريكا أن يروا دبابة (أبرامز) البالغ ثمنها أكثر من 8 ملايين دولار تتحول في أجزاء من الثانية إلى فتات في الهواء بفعل عبوة ناسفة لا يتجاوز سعرها 50 دولارا. فضلا عن العربات الأخرى التي كلفت دافعي الضرائب الأمريكيين ملايير الدولارات مثل " الهامر" و " الهامفي" وأنواعا أخرى من الآليات حصدتها العبوات بالمئات والآلاف. 

جدير بالإشارة في سياق الحديث عن العبوات الناسفة واستنزافها لميزانية الاحتلال أن أكبر قضايا الفساد المالي في العراق مرتبطة باقتناء معدات مزيفة يفترض أنها تساعد على كشف العبوات، وقدرت قيمة العقود المبرمة في هذه الصفقات بمئات الملايين من الدولارات ابتداء من 2007، واستمر العمل بتلك الأجهزة المغشوشة عدة سنوات لأنها تجارة تدر على رجال المنطقة الخضراء ملايين الدولارات.[5]

مع الأسف لا توجد كتب أو ملفات توثيقية تتناول بالبحث والدرس تكتيكات المقاومة العراقية وتؤرخ لأيامها، وما يتوفر منها بالعربية لا يتجاوز الكتابين أو الثلاثة، والمواد الإعلامية والتوثيقية التي كانت تصدر عن فصائل المقاومة معظمها اختفى من الشبكة. بينما تقوم الولايات المتحدة عبر صروحها الإعلامية الضخمة بتزييف التاريخ وإعادة كتابته لترميم ما تداعى من هيبة "القوة العظمى"، وإعادة الاعتبار لرجال المارينز "الخارقين"، فقد انتجت هوليود عددا من الأفلام بميزانيات ضخمة حول العراق والمقاومة، أحدها يتحدث عن "بطولات وذكاء" خبراء نزع العبوات الناسفة بعنوان (the hurt locker)، وفيلم آخر يتحدث عن بطولات قناص أمريكي في العراق بعنوان (American Sniper) للتغطية وحرف الأنظار عن ملاحم القناص العراقي الشهير "قناص بغداد". وقد بلغ عدد الأفلام الأمريكي التي تناولت الحرب على العراق أكثر من 30 فيلما روائيا طويلا، أما إجمالي الأفلام الأمريكية التي تناولت تلك الحرب حسب بعض الإحصائيات فهو يتجاوز 200 فيلم بما فيها الأفلام القصيرة والوثائقية والأفلام الروائية الطويلة التي تناولت الحرب بصورة ثانوية.[6] ورغم أن بعض هذه الأفلام أشاد بالأصوات المعارضة للحرب إلا أنها تقاسمت الرأي ذاته حول الطبيعة الإرهابية والهمجية لأولئك الرجال الذين يقاتلون الجنود الأمريكيين في العراق. وكما صنعت هوليوود من الجنود الأمريكيين في فيتنام أبطالا مخلدين عبر سلسلة أفلام RAMBO تريد أن تفعل الامر نفسه مع الجنود الأمريكيين في العراق. فهل يبادر أهل الكفاءة والاختصاص من أمتنا لتقديم خدمة للتاريخ والإنسانية والأجيال القادمة بتدوين ونقل الحقيقة قبل أن يبددها وهم هوليوود. 




[1] الرافد، القواعد الأجنبية في سوريا، http://www.alraafed.com/2017/07/19/10833/ 


[2] الجزيرة الوثائقية، الكلاشنكوف في مواجهة إم 16، https://www.youtube.com/watch?v=PVBhPJDYNcY 


[3] عامر عبد المنعم، حصاد المقاومة العراقية في 8 سنوات، http://muslimaabdu.blogspot.com/2014/06/8.html 


[4] د. محمد العبيدي، خسائر قوات الاحتلال الأمريكي في العراق وعمليات المقاومة، http://alarabnews.com/alshaab/2005/08-07-2005/11.htm 


[5] الجزيرة، فضيحة أجهزة كشف المتفجرات في العراق، http://www.aljazeera.net/programs/newsreports/2016/7/4/%D9%81%D8%B6%D9%8A%D8%AD%D8%A9-%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9-%D9%83%D8%B4%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%81%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%B3%D8%AF%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82 


[6] إيهاب التركي، 30 فيلما عن الوحل الأمريكي في العراق، https://www.masress.com/dostor/13002

حروب الأنفاق.. تفوق المستضعفين

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : أبريل 30, 2018
أنفاق غزة

عبد الغني مزوز---

يشكل التفوق التقني الهائل للقوى الكبرى المهيمنة أكبر التحديات التي اعترضت حروب التحرير الشعبية والثورات المسلحة في عصرنا، إذ لا يمكن مقارنة مستوى التقدم التكنولوجي والحربي لهذه القوى بذلك الذي تتمتع به المجموعات والكيانات المتمردة على سيطرتها الساعية للتحرر من هيمنتها واحتلالها، لكن ما فتئت عقلية المستضعفين الخلاقة تبدع مناهج المواجهة وأساليب التصدي والنكاية في قوى الجبر والاحتلال، مكنتهم في النهاية إما من الانتصار ودحر الغزاة أو الصمود في وجههم واستنزافهم في مقاومة مستدامة ستسفر لا محالة عن هزيمتهم في يوم من الأيام. 

تقوم فلسلفة حروب المستضعفين على تحييد التفوق التقني والتكنولوجي للعدو من خلال اللجوء إلى أساليب بدائية في المواجهة والحركة والتواصل، فمثلا تحييد قدرة العدو الجبارة على اعتراض الرسائل والمكالمات وتفكيك الشفرات وكشف البصمة الصوتية واختراق أجهزة الاتصال المختلفة يتم عبر اعتماد نظام تواصلي يتجنب توظيف التكنولوجيا الحديثة، كتوصيل الرسائل باليد أو استخدام منصات وأجهزة لا تُستعمل عادة في التواصل ولا تخضع بسبب ذلك للرصد والمراقبة[1]

وإذا كان العدو يسعى لفرض سيطرته على الأرض وإقامة القواعد العسكرية الضخمة، ونشر الجنود والآليات في الاحياء والمدن، فحروب المستضعفين تقوم على اللاسيطرة وتجنب إقامة قواعد ومقرات عسكرية ثابتة وقابلة للرصد والملاحظة. وإذا كان العدو قد طور طائرات مقاتلة وأقمار اصطناعية فرض بها سيطرته على الأجواء ورصد بها ما يجري على سطح الأرض، فإن المستضعفين قد شقوا لأنفسهم أخاديد وأنفاق في باطن الأرض، وحيدوا بها ترسانة تكنلوجية كلفت ملايير الدولارات، وسنوات طويلة من الأبحاث والتطوير، مجسدين بذلك الحكمة الصينية القديمة " عندما تكون قويا انقض من أعلى مثل العقاب وعندما تكون ضعيفا احفر عميقا في باطن الأرض". وسنتحدث في هذه المقالة عن الأنفاق الحربية وأنواعها وكيف ساهمت في حسم بعض الصراعات الحديثة، وأهميتها لحروب المستضعفين. 

يمكن تعريف الأنفاق بأنها: عبارة عن ممرات أرضية تستخدم لقطع مسافات يصعب التحرك فيها فوق الأرض لتحقيق مبدأ التماس مع العدو أو الامداد والانتقال من مكان لآخر حسب نشرة لكتائب عز الدين القسام غير متاحة للعموم[2]

تنقسم الأنفاق الحربية إلى عدة أنواع تبعا لاستخداماتها وأغراض حفرها، ويمكن حصرها في ثلاثة أنواع: أنفاق هجومية؛ أنفاق دفاعية؛ أنفاق لوجستية، وهناك أنفاق أخرى تستخدم في مناطق الحروب لكن أهدافها إنسانية ومدنية محضة. 

الأنفاق الهجومية: ويتم استخدامها للوصول إلى عمق مواقع العدو، بهدف القيام بعمليات سريعة هناك، وخطف أفراده وعناصره، وتفخيخ المقرات ومخازن السلاح، وتستخدم الأنفاق الهجومية أيضا في عمليات القصف بالهاون والصواريخ لتجنب رصدها قواعدها من طيران الاستطلاع. وبواسطة هذا النوع من الأنفاق يتم الالتفاف حول قوات العدو والتسلل إلى قواعده الخلفية. وفي بعض الأحيان تُحفر الأنفاق تحت المقرات والقواعد العسكرية فيجري تفجيرها بعد تلغيمها بالمواد المتفجرة. 

الأنفاق الدفاعية: وتُستخدم الأنفاق الدفاعية في امتصاص كثافة النيران، وكمون المقاتلين في انتظار تقدم القوات المهاجمة، كما تستخدم كمخابئ وأماكن اجتماع القادة، وكممرات للتنقل واجتياز المساحات المكشوفة ناريا واستطلاعيا للعدو. وتزداد أهمية هذا النوع من الأنفاق في حالة اعتماد العدو على سلاح الطيران والمسح الجوي لرصد واستهداف أية حركة غير عادية على الأرض. 

الأنفاق اللوجستية: وهي الأنفاق التي يتم اللجوء إليها بهدف تأمين الإمدادات اللازمة لاستمرار المعارك؛ من أسلحة ومعدات عسكرية ومواد غذائية وطبية وغيرها، وغالبا ما تكون وسيلة لربط الجبهات المحاصرة بالجبهات المفتوحة، وهي بمثابة شرايين الحياة لهذه الجبهات إذ لا تستطيع الصمود وتوفير متطلبات المعركة من دونها. 

لا يمكن الحديث عن حروب التحرير المعاصرة واستراتيجياتها وأساليبها وعوامل نجاحها دون الحديث عن " الأنفاق الحربية" ودورها في تغيير موازين هذه الحروب وبلورة نتائجها التي حددت لاحقا معالم الخريطة السياسية للعالم، ولازالت " الأنفاق الحربية " رقما صعبا في الثورات الشعبية المسلحة وحروب التحرير والاستقلال إلى اليوم. تتطور أساليب حفرها وهندستها وتتطور معها طرق اكتشافها وتدميرها والحد من تأثيرها؛ ابتداء من إنشاء الولايات المتحدة الامريكية لوحدة " جرذان الأنفاق " المتخصصة في كشف أنفاق الفيتكونغ إبان الحرب الفيتنامية وانتهاء بمشروع " المجرفة الحديدية" التي يقال إن إسرائيل تشتغل عليه لوضع حد لرعب أنفاق المقاومة الإسلامية في غزة. 

أنفاق كوتشي 

تعتبر حرب الأنفاق في الثورة الفيتنامية أوضح تعبير عن انسجام الإنسان الفيتنامي المقاتل مع الطبيعة الفيتنامية واستغلاله التام للإمكانيات المتوفرة فيها في مواجهة الجنود والأسلحة والآليات من جانب، وفي تجنب أو الحد من آثار الغازات والقنابل الدخانية من جانب آخر[3]. تقع مقاطعة كوتشي cu che على بعد 70 كيلومترا إلى الشمال الغربي من العاصمة سايغون، وتقع وسط أربعة قواعد عسكرية هامة، وموقعها الاستراتيجي هذا منح للأنفاق التي حفرت تحتها دورا محوريا في عملية دخول الفيتكونج للعاصمة سايغون ودحر القوات الأمريكية الغازية. 

امتدت ممرات وأنفاق كوتشي مسافة تصل إلى 200 ميل، وكانت عبارة عن قرية مصغرة مبنية تحت الأرض، وكانت هذه الأنفاق تؤوي العشرات من القرويين ومواشيهم خلال فترات القصف الشديد الذي تتعرض له المقاطعة، ولمواجهة آثار القنابل الثقيلة وقاذفات B52 روعيت خلال بناء الأنفاق مواصفات خاصة بحيث تكون على عمق 12 مترا، وأن تتوفر على منافذ كافية للتهوية، ويمتد بعضها تحت مناطق ومراكز تابعة للقيادة الأمريكية أو السايجونية لتجنب القصف.[4] وبإمكان هذه الأنفاق أن تتحمل ضغط القنابل من 500 رطل[5]

اشتهرت كوتشي عالميا بعد قرار الولايات المتحدة الرد على عملية للثوار في المنطقة، حيث استخدمت قاذفات B52، وطائرات إنزال ومروحيات و170 ألف قذيفة مدفعية، وآلاف الجنود من المظليين والمشاة والصاعقة الاستوائية، واستمرت العملية 11 يوما دون أن تدمر أنفاق كوتشي كما وعدت القيادة الأمريكية، وبعد عامين من العملية انقض ثوار كوتشي على العاصمة سايغون وأعلنوا انتصار الثورة الفيتنامية. 

أنفاق خوست 

يحلو للبعض أن يعزو انتصار المجاهدين الأفغان على الاتحاد السوفييتي إلى الأسلحة والمعدات التي كانت تدعمهم بها الولايات المتحدة الأمريكية، بل إن من هذا البعض من يختزل ملحة الجهاد الأفغاني بصواريخ "ستينغر" الأمريكية. بينما شواهد الواقع والتاريخ تقول أن الشعب الأفغاني حساس جدا اتجاه الغزاة، ويبدل في سبيل التصدي لهم كل ما يملكه من طاقة وقوة، سواء كان هذا العدو شرقيا أم غربيا، ولايزال إلى يومنا هذا يحارب قوات الناتو التي احتلت أرضه منذ 17 عاما دون أن يتلقى دعما معتبرا من أحد. استغل الشعب الأفغاني تضاريس بلاده في التصدي للغزاة والمحتلين، وحفر أنفاقا تحت الأرض وكهوفا في قمم الجبال ليعزز صموده ومقاومته. 

كانت معركة خوست خارج برنامج الدعم الغربي للجهاد الأفغاني، لأن الاتحاد السوفياتي خرج من أفغانستان قبلها بسنتين تقريبا، لكنه ظل يدعم حكومة نجيب الله ويوفر لها الاسناد اللازم لتفرض سيطرتها على مدن البلاد. ومعركة خوست كانت تعبيرا عن إرادة الأفغان في التحرر من فلول النظام الشيوعي وكذا والوصاية الغربية وبالتالي سعى الجميع لإفشالها. 

تحدث أبو الوليد المصري (مصطفى حامد) في كتابة فتح خوست عن دور أعمال الحفر التي قام بها المقاتلون الأفغان في حسم المعركة لصالحهم، وكيف أنها كانت سببا في تحييد سلاح الجو وتجريده من فاعليته، كانت أعمال حفر الأنفاق والكهوف في خوست يتولاها مجموعة من الشباب مكلفون خصيصا بهذه المهمة سماهم مصطفى حامد (شركة وردك للحفريات)[6] وكان لهم دور بارز في انتصارات خوست. 

استخدمت المقاومة الأفغانية أدوات بدائية في عمليات الحفر وشق الأخاديد في الصخور وحفر الكهوف في قمم الجبال، وكانت هذه الكهوف والأخاديد تحصينات منيعة لم تحيد سلاح الجو بمختلف أنواعه وأصنافه فقط بل حيدت أيضا كل الآليات والعربات الثقيلة التي استقدمها الاتحاد السوفييتي وبعده حلف الناتو إلى بلاد الأفغان. فاكتفى الغزاة بالسيطرة على المدن الرئيسية تاركين الأرياف والمديريات النائية بأيدي المقاومة الأفغانية. وقد استخدمت الولايات المتحدة مؤخرا ما سمتها بأم القنابل وهي أفتك قنبلة بعد القنبلة النووية لتدمير التحصينات الأفغانية لكن دون جدوى. 

نفق سراييفو 

أطبق الصرب حصارهم الخانق على مدينة سراييفو عاصمة البوسنة والهرسك مطلع عام 1992، واستمر الحصار أكثر من ثلاث سنوات، عاش خلالها أهل سراييفو أهوالا لا توصف، ورأوا الموت البطيء يزحف إليهم مع مرور كل يوم من الحصار، عانت المقاومة البوسنية من الحصار حيت لا سلاح ولا ذخيرة ولا إمدادات، وتزامن الحصار مع حملات قصف شديدة شنها الصرب على المدينة من المرتفعات والجبال المحيطة بها. ووقف العالم يشاهد احتضار مدينة مسلمة دون أن يحرك ساكنا. 

أشار مهاجر عربي (أبو عمر المصري) قدم من أفغانستان وكان شاهدا على حروب الأنفاق هناك؛ أشار على أهل المدينة بحفر نفق يمتد إلى خارجها لكسر الحصار وإدخال السلاح والإمدادات الغذائية والطبية إلى الأهالي المنكوبين. استغرب الناس من الفكرة ورأوها مستحيلة التحقق، لكنها كانت شاهدة على إرادة الصمود والمقاومة من شعب أعزل ومحاصر، فكان أن أطلقوا على النفق اسم " نفق الأمل ". استغرق حفر النفق 6 أشهر وكان ممرا أرضيا ممتدا على مسافة 800 متر ومدعما بـ 170 مترا مكعبا من الأخشاب. يمر عبر النفق يوميا ما يقارب 3000 شخص و30 طنا من المواد الغذائية والتموينية، والأهم من كل ذلك مكن النفق من تسليح البوسنيين المحاصرين وإمدادهم بالذخيرة الكافية للصمود والمقاومة[7]

أنفاق غزة 

ربما لم تشعر إسرائيل بالرعب في تاريخ صراعها مع العرب كما تشعر به اتجاه أنفاق غزة، وإذا كانت القبة الحديدية أشعرت الإسرائيليين ببعض الأمل في إمكانية إيجاد حل لصواريخ المقاومة، فإنها ليست متأكدة من إمكانية إيجاد حل مجدي لرعب الأنفاق، فكل الدراسات والأبحاث التي تقوم بها في هذا الإطار لا تثق تماما في نتائجها كما يقول الباحث المتخصص في أنفاق المقاومة رامي أبو زبيدة[8]، خصوصا وهذه الأنفاق تشهد تطورا متواصلا في تقنيات حفرها وتمويهها وتجهيزها لتعزز فعاليتها ونجاعتها. 

خاضت المقاومة الإسلامية في غزة حربا شرسة مع أقوى جيش في المنطقة، واستطاعت الصمود وتكبيده خسائر فادحة، وأسر جنوده بفضل توظيفها المتقن للأنفاق والممرات الأرضية، كما حافظت المقاومة على قادتها وكوادرها بعيدا عن الاغتيال والاستهداف في فترة اشتداد المواجهات، بل إنهم أداروا المعركة بكفاءة واقتدار في مقراتهم الأرضية الحصينة. 

استخدمت المقاومة في غزة الأنفاق للدعم والإمداد، والتسلل إلى خلف خطوط العدو والوصول إلى عمق مناطقه، واستخدمتها كمنصات لإطلاق القذائف والصواريخ. وتمكنت في 2006 من أسر الجندي جلعاد شاليط وتهريبه إلى داخل القطاع عبر أحد الأنفاق. ولا تزال المقاومة تبدع في تكتيكات الأنفاق وتراهن عليها في صناعة التفوق أمام ترسانة الجيش الإسرائيلي الذي قيل يوما أنه لا يُقهر!! 

دفعت أعمال التطوير المفاجئة في تقنيات المقاومة التي تجلت في حرب الأنفاق، المراسل العسكري "روني دانيئيل" في التلفزيون الإسرائيلي للقول: "يبدو أننا خسرنا صراع الأدمغة في مواجهة حماس"، واتهم محللون عسكريون الجيش الإسرائيلي بالبطء والتأخر في البحث عن الحلول التكنولوجية والميدانية الملائمة لمشكلة الأنفاق وتطبيقها، رغم أن قادته أخذوا يتحدثون عنها منذ مدة من الزمن، باعتبارها سلاحا "يخرق التوازن"، وقد يخرج الجيش في غزة عن أطواره واتزانه، لكن هذا الأمر لم يقُد إلى "خياطة البدلة الملائمة لمواجهة تهديد الأنفاق".[9]

خاتمة: 

حفر الأنفاق ليس تكتيكا أو أسلوبا حربيا فقط يلجأ إليه المستضعفون عند الضرورة الملحة بل هو سلاح استراتيجي قادر على قلب موازين القوى، وصياغة معادلات صراعية جديدة تصنع التفوق وتدفع في اتجاه الحسم أو تضع بنية تحتية متماسكة لمقاومة مستدامة. إن حفر نفق استراتيجي يشبه بناء غواصة أو سفينة مدمرة. لقد أبدت المقاومة في غزة استعدادها لوضع خبرتها في مجال الأنفاق رهن إشارة الحركات الثورية، وقد ساعدت كتائب القسام ثوار سوريا في حفر الأنفاق وتجويدها. ولا يكفي هذا بل يجب أن تتفرغ لجنة تضم مهندسين وخبراء في الجيولوجيا لتطوير هذا المجال الحيوي بالنسبة لمعارك المستضعفين، وبعث متخصصين لزيارة أنفاق سوتشي وسراييفو لجمع المعلومات والملاحظات حولها وهي مفتوحة للسياح والزوار على مدار السنة. إن أول ما ينبغي التفكير فيه عند السيطرة على أي مدينة أو قرية استراتيجية هو وضع مخطط هندسي للأنفاق والممرات والمباشرة إلى حفرها تعزيزا لمناعتها ومقاومتها واستعدادا لأي حصار قد يفرض عليها، وتوفيرا للملاجئ والأماكن الآمنة للمدنيين والثوار في حالات القصف الشديد. 






[1] فاجأ تنظيم داعش المخابرات البلجيكية عندما استخدم ألعاب الفيديو " بلاي ستيشن" للتواصل مع منفذي هجمات باريس. http://www.huffpostarabi.com/2015/11/16/story_n_8574608.html 


[2] رامي أبو زبيدة، استراتيجية الأنفاق لدى المقاومة الفلسطينية في إدارة حرب غزة 2014م (رسالة ماجستير) ص 57 


[3] علي فياض، التجربة الفيتنامية ص 335 


[4] المصدر السابق 37 


[5] روبرت تابر، حرب المستضعفين، ص 72 


[6] مصطفى حامد، فتح خوست ص 27 


[7] البوسنة بالعربي، قصة نفق الأمل وتاريخه، http://www.arbosnia.com/sarajevo-tunnel-story-and-importance/ 


[8] ننوه إلى أهمية الاطلاع على الدراسة التي أنجزها الباحث رامي أبو زبيدة حول " استراتيجية الأنفاق لدى المقاومة الفلسطينية في إدارة حرب غزة 2014م " وهي عبارة عن رسالة ماجستير تطرق فيها الباحث إلى كل ما له علاقة بأنفاق المقاومة في غزة وختمها بمجموعة من التوصيات المفيدة في مجال حفر الأنفاق. والدراسة متاحة للتحميل في هذا الرابط: http://mpa.edu.ps/uploads/120110244.pdf 


[9] أنفاق غزة، ساحة المواجهة القادمة، الجزيرة نت، http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2016/1/31/%D8%A3%D9%86%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%BA%D8%B2%D8%A9-%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%A7%D8%AF%D9%85%D8%A9 

3/31/2018

"جون الورفلي".. الوحش المروض!

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : مارس 31, 2018
محمود الورفلي

عبد الغني مزوز

يستمر زعيم الحرب الجامح خليفة حفتر في تنفيذ جرائمه بحق الشعب الليبي بدعم سخي من غرف عمليات الثورة المضادة، وغطاء سياسي وعسكري متواصل من القوى الغربية، مع أن الرجل معاند للتسوية السياسية المزعومة، ويمثل طموحه السياسي عامل عرقلة لكل المقترحات التي تقدم بها وسطاء الحل منذ خروجه في يوليو 2014 معلنا نيته تطهير ليبيا من جماعات الإسلام السياسي وطرد "الإرهاب" من ليبيا. 

قد يبدو في بادئ الأمر أن الرجل خارج عن السيطرة، وأن مشروعه في ليبيا يعكس طموحه الذاتي الزائد وبالتالي فهو مصدر قلق وحرج للقوى الكبرى التي تحاول "بإخلاص" إيجاد معادلة توافقية ترضي كل الأطراف وتحافظ على الاستقرار والأمن في البلاد. لكن واقع الحال الذي تظافرت الشواهد والقرائن على تأكيده هو أن الرجل مجرد "وكيل أعمال" يقوم بوظيفته بإيعاز ممن لبث في كنفهم عقودا من الزمن. وما ينشره من دمار وفوضى في ليبيا موجود فعلا في دليل الاستخدام (الكتالوج) المرفق معه عندما تم شحنه إلى ليبيا ليقف في وجه الحركات الإسلامية. ولابد أن نتذكر أن كل معاركه الدموية التي خاضها ضد الثوار منذ إعلانه ما يسمى بعملية الكرامة خاضها وهو يتمتع بغطاء جوي من القوى الغربية، بل إن المستشارين الأجانب كانوا دوما إلى جانب قواته يقدمون لها التوصيات والمعلومات الاستخباراتية. 

عندما ظهر الداعشي محمد أموازي أو "الجهادي جون" كما هو معروف في الإعلام العالمي وهو يقتل الرهائن بدم بارد، تداعى العالم كله للتنديد بتلك المشاهد الفظيعة، ووقف الجميع محذقا بحزن إلى تلك المقاطع المفرطة في السادية، لقد تحول "الجهادي جون" إلى أيقونة من أيقونات الرعب ووحش دموي عديم الرحمة؛ تثير صورته الخوف والهلع، كان "جون" يظهر في المقاطع التي تنشرها داعش ملثما، يهدد ويتوعد ثم يظهر لاحقا وقد وفى بتهديده. استنفرت القوى الكبرى استخباراتها وبثت عيونها بحثا عن السفاح المقنع. وهو ما حصل إذ سرعان ما حُددت لكنة الرجل، ومن عينيه تم التعرف على هويته الحقيقية، وخلال مدة قصيرة زفت الولايات المتحدة بشرى القضاء "الوحش جون". 

في ليبيا يظهر من حين لآخر وحش دموي من طراز آخر، قاتل متسلسل فاقت ساديته سادية "السفاح جون" بمراحل، هو أيضا يحرص على توثيق جرائمه بأوضح صورة وبثها في الإعلام، فخور بعقيدته السلفية النقية، يقرأ دوما " تعويذة الموت" على ضحاياه قبل أن يرديهم صرعى بين رجليه. إنه المجرم محمود الورفلي الذراع الأيمن لخليفة حفتر. الفرق بينه وبين " السفاح جون" أن الورفلي يقتل بالجملة، وكل ضحاياه من المسلمين، وإذا كان "جون " يستحيي أو يخاف من إظهار وجهه وهو يمارس طقوس القتل فإن الورفلي على العكس منه تماما؛ يظهر وجهه ويتحدث بكل أريحية إلى الكاميرا ثم يشرع في القتل. فـ"جون" يخشى من افتضاح هويته، ويخشى أن يتم رصده واغتياله، لكن الورفلي لا يخاف من أي شيء، فهو يتمتع بغطاء جوي يتيح له اقتراف كل ما يشتهيه من جرائم دون أن يتحسس رأسه، وغطاء سياسي سيجعل سجله نظيفا كشرط لإمضاء أي مصالحة أو إتمام أي تسوية سياسية مزمعة. ضحايا " السفاح جون" يظهرون في أفلام داعش بملابس برتقالية اللون وهو تقليد دموي تم استلهامه من معسكر الاعتقال والموت البطيء في خليج غوانتانامو، لذلك يحرص السفاح الورفلي على إلباس ضحاياه ملابس زقاء حتى لا يُحرج الولايات المتحدة أو مستخدميه بالأحرى. 

لماذا لا يتم التعامل بحزم وصرامة مع الإرهابي محمود الورفلي كما يتم التعامل مع أقرانه وزملائه في مدرسة القتل والإرهاب. قد يقول قائل إنه مطلوب لمحكمة العدل الدولية، لكن لماذا لا يكتفي الغرب بإصدار مذكرة توقيف من المحكمة الدولية بحق " السفاح جون" ثم العمل على اعتقاله وجعله يمثل أمامها في لاهاي، لماذا تم استنفار جميع أجهزة الاستخبارات والجواسيس ووصل الليل بالنهار حتى تم القضاء عليه في فترة زمنية وجيزة. الجواب ببساطة هو أن وحشية الورفلي وحشية مروضة، خاضعة لمعايير الإرهاب المحمود، وتستجيب لشروط ممارسة القتل الجماعي في هذا العالم وبالتالي فليس هناك ما يدعو إلى القلق والانزعاج، فالرجل إذن جدير بالاحترام والتقدير إنه يقوم بوظيفته بكل إتقان وتفاني. فمادام إرهابك وساديتك موجهان للمسلمين حصرا فأنت في حل من أي لوم أو محاسبة مهما أسرفت في القتل وبالغت في الإبادة؛ أما وساديتك موجهة للثوار من المسلمين فأنت تستحق التنويه والإشادة. 

ينتمي الورفلي إلى فرقة إرهابية ظلامية تسمى المدخلية، ثلاثة أرباع دينهم محصور في طاعة ولاة الأمر أيا كانوا، باستثناء أولئك المحسوبين على التيار الإسلامي، فقد بايع " المدخليون" بول بريمر في العراق وأفتوا بوجوب طاعته، وحرمة الخروج عليه، لأنه إمام ثبتت ولايته بالتغلب! بينما خرجوا على الرئيس محمد مرسي وظاهروا الانقلاب العسكري عليه لأنه من خوارج الإخوان المسلمين المخالفين لعقيدة السلف! تم توظيف هذه الفرقة الظلامية من قبل زعيم الحرب في ليبيا خليفة حفتر، وكان لها دور كبير في الجرائم التي ارتكبها حفتر في الشرق الليبي خصوصا في مدينة بنغازي، إن المدخلية في ليبيا هم عبارة عن شركة أمنية خاصة تمارس القتل والإبادة إيمانا واحتسابا. فإذا كانت الشركات الأمنية مثل " بلاك ووتر " تستنزف خزينة الدول المتعاقدة معها مقابل عملها في البؤر الخطيرة في العراق وأفغانستان واليمن.. فإن القوى المعنية بالحرب ضد الإسلاميين وجدت أخيرا " شركات أمنية مدخلية" بإمكانها أن تقوم بما تقوم به " بلاك ووثر" وزيادة ولا تريد نظير ذلك جزاء ولا شكورا. 

لقد شاهد الجميع في مقطع منشور كيف تم اختطاف المواطن الليبي نزيه عبد الحميد الرقيعي من قبل الاستخبارات الأمريكية وقد توفي لاحقا في أحد سجونها متأثرا بالأسقام التي نهشت جسده، مع أن الرجل لم تثبت عليه أية جريمة، فلم يظهر في أفلام مصورة وهو يقتل ولا وهو يهدد بالقتل، كان عائدا إلى بيته من صلاة الفجر فاعترض سبيله مجموعة من الأشخاص، هاجموه وأدخلوه عنوة إلى سيارتهم وذهبوا به بعيدا. كما تم اختطاف المواطن الليبي مصطفى الإمام لضلوعه المزعوم في الهجوم على السفارة الأمريكية في بنغازي وقبله المواطن أحمد أبو ختالة لنفس التهمة. فضلا عن عشرات من عمليات القصف الجوي التي تنفذها طائرات أمريكية من حين لآخر ضد أعضاء مفترضين في تنظيم القاعدة. فلماذا يا ترى لا يتم استهداف مجرمي الحرب من المدخلية ممن ارتكبوا جرائم إبادة جماعية بشعة تشمل الأطفال والنساء بشهادة المنظمات الدولية والادعاء العام بمحكمة الجنايات الدولية ومئات الصور ومقاطع الفيديو التي وثقت جرائمهم وانتهاكاتهم؛ بينها تلك التي أظهرت نبشهم للقبور واستخراجهم لرفاتها. 

محمود الورفلي ومحمد أموازي وجهان لعملة واحدة، كلاهما احترفا القتل وإزهاق الأرواح البريئة، وكلاهما تفنن في عرض جرائمه أمام الكاميرا، وكلاهما استند إلى نصوص الدين لتبرير فظائعه، غير أن الأول يحظى بدعم عسكري وغطاء سياسي مكنه من مواصلة مشواره الدموي بأريحية والثاني أخذ على حين غرة. الأول يجسد الإرهاب المروض والمحمود والثاني يجسد الإرهاب المدان والمذموم. 







2/03/2018

فكرة وستون بندقية.. حروب الجولاني ومقارباته

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : فبراير 03, 2018
أبو محمد الجولاني

عبد الغني مزوز---

ألقى أبو محمد الجولاني في آخر ظهور له كلمة مقتضبة أمام مجموعة من المقاتلين في قاطع حماة؛ كلمة مقتضبة لكن في غاية التركيز والكثافة وحافلة بالدلالات والإشارات المهمة. هدوء الرجل وحضوره الكاريزمي يعكسان عمقا لافتا في شخصته، ففي كل الكلمات المنشورة له واللقاءات الإعلامية التي أجراها يمكن رصد جوانب من التعاطي العقلاني مع مختلف القضايا والنوازل التي حلت بالثورة السورية. 

بإمكان من يحتفظ ببيانات جبهة النصرة منذ تأسيسها أن يقارن بين ما جاء فيها من مواقف وتعليقات وبين ما وصل إليه قطار الثورة حتى الآن. وسيكتشف دون كبير عناء أن الجولاني تحلى بنظرة أبعد وفهم أرسخ لكل ما تعاقب على الثورة من أحداث وتطورات. خذ مثلا: موقفه من تنظيم الدولة وإبرامه قطيعة صارمة معه فكرا وتنظيما في الوقت الذي استشكل فيه أمر التنظيم على كثير من المحسوبين على التيار الإسلامي؛ أفرادا وشيوخا، ترى من هو الجهادي الذي كان قادرا على الوقوف في وجه البغدادي آنذاك ويقول له: لا. صدرت كلمة البغدادي التي أعلن فيها دمج جبهة النصرة مع تنظيم دولة العراق الإسلامية وبعدها بساعات خرج الجولاني في بيان صوتي يرفض فيه قرار البغدادي بأوضح العبارات وأجلاها. ومثال آخر: موقفه من المسار السياسي بشقيه جنيف وأستانة، وما تمخض عنهما من هدن ومصالحات ومناطق خفض للتصعيد، فقد كان الرجل واضحا في رفضهما واضطر إلى التعامل بحزم وبشيء من القسوة مع انخرط فيهما داخل معسكر الثورة، فقام بتفكيك بعض الفصائل التي زعمت تمثيل الثورة في تلك المحافل، وأطلق معارك في مختلف مناطق سوريا لإرباك الهدن المعلنة، ولتخريب حدود مناطق خفض التصعيد سيطر فصيله على قرية أبودالي الاستراتيجية.

خاض فصيل هيئة تحرير الشام وحده معارك شرسة في ريف حماة لأكثر من أربعة شهر تمكن خلالها من إيقاف توغل قوات النظام إلى عمق مناطق شرق السكة مدعومة بغطاء جوي روسي كثيف، وكلما انكسرت حملة لقوات النظام تقوم بفتح ثغرة لعناصر تنظيم الدولة ليتقدموا بدلها بينما تعيد هي ترتيب صفوفها من جديد، وعند صد تقدم تنظيم الدولة وإرغامه على التراجع، تبادر قوات النظام إلى التحرك من جديد، في تبادل للأدوار فائق التنسيق والدقة مع "جنود الخلافة".

استماتت هيئة تحرير الشام في معارك ريف حماة الشرقي ووضعت جزء مهما من ثقلها العسكري هناك، لأن قادتها يدركون حجم التداعيات السياسية والاستراتيجية لتلك المعارك، ومدى تأثيرها في مسارات الحل السياسي التي يُراد للثورة أن تلجها قسرا. فكل اختراق لمنطقة ما من مناطق خفض التصعيد خصوصا تلك التي تم تفويتها للروس وإيران هو بمثابة مسمار آخر يتم دقه في نعش مشروع إعادة تأهيل النظام الطائفي. خسرت هيئة تحرير الشام بعض القرى نتيجة القصف الجوي الرهيب لها ولأن جغرافية المنطقة لا تمنح أي هامش للمناورة ولا تساعد على الكمون أو تحييد سلاح الطيران، فتقدمت ميلشيات النظام إليها. وفي هذه الأثناء ارتفعت عقيرة البعض تنديدا بما اعتبروه تسليم الجولاني مدينة إدلب لقوات النظام، واتهموه أيضا - ويا للطرافة – بتنفيذ توصيات أستانة! مع أن واقع الحال الذي لا يجرؤ أحد على إنكاره هو أن الجولاني لم ينشغل بشيء منذ تدشين مسار أستانة مثلما انشغل بضرب هذا المسار وإرباك مخرجاته بكل ما أوتي من قوة وحيلة. ولم تدفع قوات النظام ثمنا باهظا لقاء سيطرتها على مناطق الثورة كالذي دفعته في قرى ريفي حماة وإدلب، وهي التي اعتادت قضم معاقل الثورة كوجبات باردة في أكثر من مناسبة.

تقدمت فصائل المعارضة الأخرى لتحل محل هيئة تحرير الشام في تلك المناطق، وأعلنت موحدة عن معارك لاستعادة ما خسره الثوار، وفعلا تقدمت في بعض المحاور لكنها لم تلبت أن تراجعت عنها بعد ساعات من سيطرتها عليها بسبب القصف الجوي الكثيف وشراسة الحملة التي أطلقها النظام. فلم تستطع الفصائل مجتمعة الصمود لساعات في بيئة صمدت فيها الهيئة لعدة أشهر، رغم أن هذه الأخيرة عانت من مشاكل داخلية، نتجت عنها انشقاقات في قواطع التماس مع حملة النظام في ريف حماة، وعانت كذلك من هجمات تنظيم الدولة في بعض المحاور فضلا عن توترات أثارها أحد الفصائل في وقت مدروس بعناية مستغلا انشغال الهيئة في معارك ريفي حماة وإدلب.

الجولاني تعاطى مع هذه النوازل والتطورات بعقلانية وواقعية دون المس بثوابت الثورة والقضية وهذه هي المقاربة التي عجز الآخرون عن ضبط ايقاعها. رفض المسار السياسي الذي رعته أطراف كان لها دور فاعل في الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوري، في مقابل ذلك دعا إلى مسار سياسي يكون امتدادا للثورة ومستثمرا لمنجزاتها، ينطق من صلب ثوابتها، يبث في شكله وتفاصيله اهل الشأن والمعنيون بالقضية. هكذا تم الإعلان عن الإدارة المدنية للمناطق المحررة ثم المؤتمر السوري العام ثم حكومة الإنقاذ.

قبل أشهر اتفقت هيئة تحرير الشام مع تركيا على إقامة الجيش التركي نقاطا للمراقبة على حدود عفرين الجنوبية، بعض الجهاديين لم يدركوا أبعاد الاتفاق واعتبروه تطبيعا مع العلمانية بل وحلف الناتو. بغض النظر عن كون الاتفاق كان نديا، جنت بموجبه الهيئة مكاسب سياسية وعسكرية لا تُعد ولا تُحصى، وأفشلت به توجها دوليا راهن على غباء الجهاديين في إدلب لقدح شرارة حرب تعصف بما تبقى من الثورة في سوريا، بغض النظر عن كل هذا فقد كان الاتفاق فتحا ليس على الثورة السورية فحسب بل على الحركة الإسلامية برمتها، فلو حدث اشتباك بين تركيا وهيئة تحرير الشام فإن ذلك يعني حدوث شرخ تاريخي عميق بين مكونات المشروع الإسلامي. جدالات عقيمة ستنطلق حول حكم الجيش التركي ومن يسانده ماديا ومعنويا ومن يجادل عنه ويدافع عنه.. ومن المعلوم أن قادة العمل الإسلامي أكثرهم يوجد في تركيا ويحظون بحماية الجوار التركي أمام من يطالب برؤوسهم، وهؤلاء معظمهم يؤيدون التيار الجهادي خصوصا بعد موجة الثورات المضادة. ولو نشبت حرب بين الهيئة وتركيا فستكون بداية للتمايز وتجزئة ما تناغم وتقارب من مكونات الحركة الإسلامية، والفرز بين تياراتها سيكون تبعا لموقفها من تلك الحرب. فلماذا يتم إدخال الأمة في متاهة صراعات عقدية وعسكرية جديدة؛ هي في غنى عنها في الوقت الذي يمكن لجلسة حوار واحدة أن تعالج الأزمة وتبدد الشكوك وتخلق جوا إيجابيا من التفاهم بل وأرضية للتعاون.

هذه المواقف والمقاربات المركبة لنوازل الثورة السورية، زكت ما ذهبنا إليه في مستهل هذا المقال حول شخصية الجولاني، ومعالجاته الموضوعية التي تنأى عن الحماسة المفرطة وردات الفعل المتشنجة. إن انكفاء فصائل كبيرة واختفاء أخرى كليا من المشهد هو نتيجة طبيعية لفشل قادتها في التأسيس لفعل ثوري قادر على الصمود والبقاء ومواجهة التحديات، إنه نوع من " الانتخاب الثوري" -وسنخصص له مقالا مستقلا في قادم الأيام- قانون ثوري كقانون " الانتخاب الطبيعي" الكائنات الحية التي لا تستطيع التكيف مع إكراهات الطبيعة وظروفها القاسية تنقرض وتختفي مهما كانت عملاقة وعظيمة الجثة مثل الديناصورات. فصائل كبيرة استنزفت ميزانيات ضخمة أصابها نوع من التيبس الثوري جردها من الفعالية وأورثها عقما ثوريا أفقدها القدرة على العطاء والانجاز، لأن قادتها لم يكونوا في مستوى التحدي، ولم يستطيعوا التحرر من عقد الدونية، والاحساس بالذنب لأن بعض الغلاة خرجوا من أصلاب تياراتهم، وسيطر عليهم هاجس " الاعتدال" وتنزيه الذات من الغلو والتطرف.

الجولاني قال بأنه عندما قدم إلى سوريا كانت معه ستون بندقية فقط وزعها على مدن سوريا وقواطعها، فكان نصيب بعض القواطع خمسة بنادق أو أقل. لكن موهبة القائد تكمن في استثمار الموارد المتاحة لديه مهما شحت، وحسن استغلالها وتوظيفها، فأصبحت تلك البنادق خلال بضع سنوات جيوشا وكتائب، تتصدى لأعتى جيوش الأرض وتصمد أمام أفتك أسلحتها. والجولاني عندما قال بأن الحرب حرب أفكار وعقول وإرادة فإنه يعني ما يقول.

بعد انتهاء عرض اللقاء الصحفي الذي جمع بين الجولاني وبين موسى العمر وأدهم أبو الحسام وهادي العبد الله ومحمد الفيصل على شاشة أورينت؛ اتصلت القناة بصحافيها محمد الفيصل لتسأله عن ملابسات اللقاء وما أثار انباهه فيه، فأجاب بأنه استغرب من تضلع قادة " جبهة النصرة" في السياسة وفهمهم العميق لمنعرجاتها عكس الانطباع السائد عنهم كقادة لا يهتمون بها ولا يعترفون بالحلول التي تأتي عبرها. هذا الفهم العميق للسياسية من هؤلاء القادة هو الذي حال دون ممارسة بعض المعارضين السياسيين الأستاذية عليهم، فذهبوا إلى فصائل الجيش الحر لتقمص ذلك الدور. وقدر كبير من العداء والخصومة من هؤلاء السياسيين المولعين بدور "الأستاذية" اتجاه هيئة تحرير الشام يعود إلى هذا العامل.

الجولاني والشيوخ والقادة المحيطون به (أبو ماريا القحطاني، مظهر ألويس، عبد الرحيم عطون..) لم يؤسسوا فصيلا ثوريا جهاديا فحسب بل أسسوا مدرسة جهادية يمكن تسميتها بـ"المدرسة الشامية" إلى جانب المدرسة العراقية التي أسسها الزرقاوي و المدرسة الخرسانية التي أسسها أسامة بن لادن، وسنتحدث لاحقا عن هذه المدارس بالتفصيل.





جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير