8/26/2020

دعوه يغضب..

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : أغسطس 26, 2020

عبد الغني مزوز---

" لا تحزن" " استمتع بحياتك" عناوين احتلت في فترة من الفترات قائمة أكثر الكتب مبيعا، ولم يكن ذلك في الحقيقة سوى مظهر من مظاهر أزمة العقل المسلم في العالم العربي، والعطب المزمن الذي مس ذائقته المعرفية أيضا. فلا زلت أتذكر الاحتفاء الكبير بالشيخ عائض القرني وبكتابه " لا تحزن " حتى يكاد المرء يعتقد أن الشيخ عائض بُعث برسالة جديدة وكتاب جديد، وبلغ الزهو بالشيخ أن صرح أن كتابه يستعمله الأطباء للاستشفاء من بعض الأمراض النفسية المستعصية، ويصفونه كعلاج لحالات ترددت عليهم. بمعنى أنه يصلح "رقية" للبائسين ومن أضنتهم نوائب الحياة. 
الحقيقة أن الشيخين وزملاء لهما لم يستحدثوا حقلا معرفيا جديدا، ولم يأتوا بجديد من عند أنفسهم، وإنما وسيرا على عادتهم الدارجة في اقتناص الفرصة الواعدة، واستثمار الدين في كل ما من شأنه أن يحقق عوائد مجزية لهم، ركبوا موجة "التنمية الذاتية" التي اجتاحت العالم العربي منذ نهاية التسعينيات وبلغت الذروة في العقد الأول من الألفية الجديدة. ويسع المتابع النبيه أن يلاحظ منطق الاستثمار وروحه لدى هؤلاء الشيوخ منذ انطلاق الصحوة إلى يومنا هذا. يستثمرون في أزمة الانفتاح وحقب الاستبداد وفي الحروب والفوضى والثورة والثورة المضادة، وعندهم لكل مرحلة ما يناسبها من الخطب والفتاوى والمواعظ.
لا يعنينا الشغف بالاستثمار لدى هؤلاء الشيوخ، وإنما أتينا على ذكرهم لأنهم طعموا هراء التنمية الذاتية بنصوص دينية مقدسة، وإلا فالنقد في هذا المقال موجه إلى ما يسمى " كتب التنمية الذاتية " بصفة عامة. وهدفنا طرح ملاحظات مختصرة وموجزة عنها.
ظهر الاهتمام بالتنمية الذاتية في الغرب كمحاولة لعلاج أزمات الرأسمالية وأعراضها الجانبية المتفاقمة في تلك البلاد، فنزعات الانتحار التي سادت هناك مثلا تستدعي تدخلا يعيد تعريف الحياة والسعادة والمعنى، ويحقق عيشا خاليا من التوتر والاكتئاب والفراغ الوجودي، ويربط الفرد بأهداف تغمر حياته بالثقة والأمل، وتنتشله من اليأس والضياع. وهذه الأدواء والأزمات تفاقمت طردا مع ارتفاع معدلات الاستهلاك والعيش الرغيد. إلى هنا يبدو الاهتمام بالتنمية الذاتية لا يخلوا من وجاهة ومن جدوى أيضا. لكن المشكلة بدأت عندما جرى تصدير هذه الثقافة أقصد ثقافة الاهتمام بالتنمية الذاتية وترويجها في العالم الثالث بهدف مقاربة وعلاج أزماته العميقة والمستفحلة.
 لقد جاء هذا " الدين" الرأسمالي الجديد ليرشد البائسين في طننا العربي إلى إكسير السعادة وأسرار النجاح. وقد نسي متعهدو هذه الدعوة أن الناس ينتحرون في الغرب فرارا من رتابة الحياة وضجرها وعدميتها وخلوها من أي معنى، بينما ينتحر الناس في أوطاننا هروبا من شبح البطالة والفقر والعوز وانسداد الأفق وقتامة المستقبل، وانحسار الخيارات. فإذا كان تعليم أولئك مبادئ الحياة البسيطة المفعمة بالمعنى والأمل بمثابة حل معقول لمآسيهم الفردية، فإن تعليم هؤلاء قيم الانتصاف من الظلم واستراد الحقوق المهدرة أنجع وأجدى لأزماتهم الوجودية.
لو حدث أن الشيخ عائض القرني مر صدفة في أحد شوارع مدينة سيدي بوزيد ولمح شرطية تصفع بائعا متجولا وتبعثر بضاعته على الأرض، فسيهرع إليه ليضمد كرامته المهدرة، ويهدي إليه نسخا من كتابيه " لا تحزن" و "لا تيأس" (الثاني مسروق من فاتحته إلى خاتمته) ويوصيه بالتفاؤل والأمل، وأن لا يتردد في اقتناء بضاعة جديدة، وتجهيز عربة بديلة، وليدر خده الأيمن لصفعة أخرى إذا لزم الأمر، فالرسول صلى الله عليه وسلم تعرض لظلم أبشع، شُج رأسه وكسرت رباعيته ووضع سلا الجزور على ظهره، وحوصر في الشعب، وطرده السفهاء من الطائف.. وهكذا تمتزج تعاليم الخطاب الشرعي المبدل مع دين الرأسمالية الجديد، لتصادر حق المظلومين حتى في الشعور بالغضب والانفعال، ناهيك عن الانتصاف من الظلم والحيف المسلط عليهم.
يقوم غثاء "التنمية الذاتية" في عالمنا العربي –حصرا- على مبدأ خاطئ يتلخص في كون السعادة مجرد خيار شخصي، فالفرد هو الذي يقرر متى يكون سعيدا ومتى يكون شقيا. وهذا الإعراض عن الملابسات الموضوعية التي تتدخل رغم أنوفنا في صناعة مصائرنا الذاتية هو إعراض تعسفي لا مسوغ له على الإطلاق، فأنت -بما تملكه من سلطة ونفوذ- عندما تجردني من أبسط مقومات العيش الكريم، وتغلق دوني كل أبواب الخلاص، تضعني بذلك على سكة المعاناة والشقاء، ولعل السعادة الوحيدة التي قد استمتع بها حينها تأتيني بقدر ما أنال منك وبقدر ما استرد من حقوق. أما عندما يأتي أحدهم ليبيعني وهما باسم " التنمية الذاتية" " وصناعة النجاح" في ظل ظروفي فهو لا يعلمني سوى كيف أعيش شقائي بمرح، ومأساتي بصمت. هذا إذا تجاوزنا العبثية والاستخفاف واللا جدوى الكامن في أطروحته.
اعتقد أن حرمان الناس من الحزن والغضب والانفعال هو حرمان للضحايا من أبسط حقوقهم البيولوجية، بعد مصادرة حقهم في العيش الكريم وتحقيق الذات وصناعة المصير. والانفعال مهما بدى خارجا عن طوره ومتجاوزا حده، إلا أنه يعبر عن استواء الشخصية وحيويتها وصحتها، " إن رد الفعل غير السوي إزاء موقف غير سوي هو استجابة سوية" (الإنسان يبحث عن معنى، ص: 41). إن أخطر ما يقوم به دعاة " التنمية الذاتية" هو أنهم يعمقون الأزمات بينما هم يعتقدون أنهم بصدد حلها، إنهم حينما يربطون النجاح والفشل في الحياة بذكاء الأفراد وقوة إرادتهم ومثابرتهم في العمل فإنهم بذلك يضاعفون المعاناة ويؤججون مشاعر الخيبة، لأن الأفراد سيتوجهون باللوم والمسؤولية في فشلهم إلى أنفسهم وقدراتهم الذاتية، وهو ما سيضيف عقد النقص والذنب والدونية إلى رصيد الفرد من العقد التي راكمها على مدار حياته البائسة. فالخطورة "تكمن في تحميل الأفراد مسؤولية شقائهم، وعلاج هذا الشقاء، في حين يتم تجاهل السياق الذي أدى إلى ذلك" (صناعة السعادة ص: 16). في الكتاب السابق يستعرض الكاتب ويليام ديفيز تاريخ ودواعي الاهتمام بصناعة السعادة في الغرب وكيف أن مستقبل الرأسمالية متوقف على قدرتها على التصدي للضغوط النفسية والبؤس والمرض، وقراءة الكتاب تكشف عن أبعاد الاهتمام بصناعة السعادة والترفيه في المجتمعات الرأسمالية.
هل معنى الكلام السابق كله أن أي حديث عن " فن العيش" في عالمنا العربي هو محض لغو وهراء، بالتأكيد كلا. فقبل الرأسمالية وقبل أن يحل الظلم بساحتنا ظهرت مدارس فلسلفية اهتمت بالسعادة، وراجت أعمال فلاسفة فن العيش على مدار حقب من الزمان الغابر، وليس في حسابنا أن نسفه علما بدأ يتبلور بأدواته ومناهجه يسمى " علم النفس الإيجابي". كما استفاد عباقرة الدعوة الإسلامية من كتابات الغربيين في هذا المجال، ولعل الشيخ العزالي أبلغ مثال على ذلك في كتابه جدد حياتك. فمأخذنا الأساسي متلخص في مقاربة سؤال التخلف والقهر والهدر في عالمنا العربي بمقولات سطحية إنشائية تحفيزية تخلق وهما مؤقتا بالنجاح والسعادة، ولا تجرؤ على مسائلة البنى المنتجة للأزمة، ناهيك عن مقاومتها وتفكيكها. إنها أقرب ما تكون بأفيون يضع وعي الشعوب في عالم آخر، يتوهمون فيه أن العالم بخير وكل شيء فيه جميل وأن التعاسة محض خيار، بينما الحقيقة ليست كذلك.
 قد نكتب مقالا عن "فن العيش" نضع فيه حدودا فاصلة –حسب رأينا-بين ما نراه تأملات عميقة عن الحياة الوجود والمسؤولية الفردية، وبين ما يتم الترويج له من لغو وسفسطة باسم التنمية الذاتية وصناعة النجاح. فصديقي الذي فتت في عضده الديون، وكابد شبح البطالة لسنوات، وأنهكت الأمراض الناتجة عن سوء التغذية جسده الهزيل، التمس السلوى في كتاب "استمتع بحياتك" للعريفي، قرأ صفحات منه فانفرجت أساريره وتهلل وجهه وبادرني بالقول: لقد كنت مخطئ بتذمري الدائم فالحياة جميلة حقا، واستلقى على ظهره يقرأ بنهم مستمتعا بتدفق الدوبامين في جسده لأول مرة منذ سنين، اقتربت منه وسحبت الكتاب من بين يديه وقلت له، الحياة جميلة لكن حياتك أنت ليست كذلك، صدقني ستدرك ذلك عندما يزول عنك مفعول هذا المخدر.

هل فتكت الإشاعة بالنموذج الليبرالي العتيد؟

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : أغسطس 26, 2020





عبد الغني مزوز---

في روايته الأخيرة "الأصل" عبر الكاتب الأمريكي دان براون عن تفاؤله بمستقبل الإنسان وهو يعيش عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ورأى أن سلالة جديدة من النوع البشري آخذة في الظهور وهي سلالة تأخذ التكنولوجيا حيزا كبيرا من بنيتها التكوينية ليس فقط لأن شريحة منها قد ركبت أطرافا وأعضاء صناعية، وتشكل التكنولوجيا الذكية جزءا لا يتجزأ من حياتها اليومية بل لأن التقنيات الحديثة باتت تتدخل في معظم الأنشطة الإنسانية وأكثرها خصوصية وحساسية، وخلص الروائي ذائع الصيت إلى أن "التكنولوجيا في المستقبل ستقوم بتوحيدنا وتنويرنا ورفعنا نحو الأعلى".
ربما ما فات دان براون وهو يبشر بسلالة تطورية جديدة من الجنس البشري؛ قادرة بفضل ذكائها على التغلب على الأمراض والاوبئة والعيش لأطول فترة ممكنة على ظهر الأرض؛ أن هذه التكنولوجيا الذكية قد قامت فعلا بتقويض أكبر منجز عقلاني استطاع الانسان تطويره على مدى عشرات القرون، وأقصد هنا الديمقراطية باعتبارها مجموعة من الآليات التي سمحت لقسط من المجتمعات المعاصرة بتدبير خلافاتها وترشيد تنافسها بعيد عن حروب الإبادة والاستئصال. ما يعني انفتاح المجتمعات التي ترفع لواء الحداثة على حقب جديدة من الحروب والنزاعات قد لا تبقي منها ولا تدر. 
تابع العالم كيف تتهاوى الديمقراطيات العتيدة تحت مطارق " الأخبار الزائفة" و"الحسابات الوهمية " ونشاط "الروبوتات" على مواقع التواصل الاجتماعي. إن الانقلاب على الإرادة الشعبية لم تعد تضطلع به الدبابة التي توجه مدفعها صوب مبنى الإذاعة حتى ينتهي الانقلابيون من قراءة بيانهم، بل يحدث ذلك اليوم بطريقة ناعمة و"فائقة الذكاء" عبر تسميم الفضاء العام وتلويته بسديم من الإشاعات والبيانات الكاذبة والأخبار الزائفة، والتسميم غالبا ما تقوم به برمجيات وخوارزميات مصممة خصيصا لهذه المهمة. يجري الحديث اليوم عن عدم نزاهة الانتخابات الرئاسية الأمريكية وأن مجموعة من الهاكرز الروس دسوا أنوفهم فيها لصالح الرئيس دونالد ترامب، كما تتصاعد الأصوات المطالبة بإعادة التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لأن البيانات التي استند إليها الناخب البريطاني كانت مضللة، كما بوأت هذه البيانات والأخبار المضللة رؤوس اليمين المتطرف سدة الحكم في كثير المجتمعات " العلمانية" و" المستنيرة".
قد يكون الروائي الأمريكي مصيبا في تنبئه بمستقبل مضيئ للإنسان وعمر مديد له وقد استطاع قهر الأمراض الفتاكة ويسر لنفسه حياة الرغد والرفاه بفضل التكنولوجيا الذكية، لكن لا ينبغي أن ننسى أن هذه التكنولوجيا ذاتها هي التي وضعت الزر النووي تحت إصبع شخص مهووس بصفقات السلاح وبالثروة والنفوذ، ويرى في الحروب فرصا استثمارية واعدة. 
يقول المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ والإنسان الأخير:" الديمقراطية الليبرالية بإمكانها أن تشكل فعلا منتهى التطور الأيديولوجي للإنسانية والشكل النهائي لأي حكم إنساني" لقد جرى الاحتفاء كثيرا بالكتاب وأطروحته وعد صاحبه أحد أبرز المفكرين المعاصرين وعلى إثر خلاصاته الفلسفية المتهافتة انطلقت الدبابة الأمريكية الغاشمة مبشرة بالنموذج الديمقراطي الليبرالي الذي لا مناص من الإذعان له، وقد ساعد مناخ انتهاء الحرب الباردة وسقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي في تعزيز الشعور بالتفوق والثقة المطلقة في الأيديولوجية الليبرالية. ولست أدري ما هو موقف فوكوياما الآن وهو يرى أطروحته وقد سقطت سقوطا حرا في ذروة سطوتها وهيمنتها. ولعل السؤال الوجيه الآن هو: هل ما يزال النموذج الديمقراطي صالحا للتطبيق في السياقات المعاصرة؟ وهل يُعبر فعلا وبشكل نزيه وأمين عن الإرادة السياسية للناس؟ أم أن العملية الديمقراطية في عقر مجتمعات الحداثة لا تعدو أن تكون إجراء صوريا يضفي نوعا من الشرعية على ديكتاتورية رأس المال المدجج بالتكنولوجيا الحديثة، تماما مثلما هو الحال في عبثية الممارسة الديمقراطية في العالم الثالث.
إن الذين يرون في منظومة الحكم الإسلامي بمفاهيمها وإجراءاتها أفكارها عتيقة قد تجاوزها الزمن وتخطاها التاريخ عليهم أن يكونوا أوفياء لروحهم الحداثية ويحكموا بالشيء نفسه على النموذج الديمقراطي الليبرالي، حيث باتت التصدعات التي أصابت بنيانه عصية على الرتق والترميم. وبإمكان الجميع التكهن بمصير هذا العالم لو انهار النظام الديمقراطي أو فقد الناس ثقتهم فيه. نظرة خاطفة على أحوال العالم الثالث كفيلة بإعطائنا فكرة واضحة عما سيحدث؛ حروب لا تنتهي على السلطة وانقلابات تطيح بها أخرى وديكتاتوريات إثر ديكتاتوريات. فليكف إذا المهووسون بالنموذج الديمقراطي الليبرالي الغربي عن الاعتقاد بأن نموذجهم الأثير شرط لأي نهضة حضارية، وليفكروا بدل ذلك في صيغة أخرى تحفظ للأمة هويتها وأصالة رسالتها وتضمن في الوقت نفسه لأفرادها كافة حقوقهم السياسية.
سيكون مفهوما أن الخلافة الإسلامية سقطت بعد عقود من المؤامرات، وحروب مدمرة، وانقلابات مدبرة وتدخل مباشر وغير مباشر من القوى العالمية الكبرى آنذاك، لكن ما لن يكون مفهوما أن الديمقراطية الليبرالية سقطت -أو بصدد السقوط- وهي تتمتع بحماية أفتك الأسلحة وأعتى الجيوش وأقوى الأجهزة، سقطت من تلقاء نفسها في عز جبروتها المادي والرمزي. وهذا ما يبعث أكثر الأسئلة وجاهة حول جدواها وقدرتها على الصمود أمام إكراهات الزمن والتاريخ. الخلافة الإسلامية اُسقطت قسرا وقهرا بينما الديمقراطية الليبرالية سقطت تلقائيا لأنه ببساطة تحمل في صميم تكوينها عوامل زوالها.
الديمقراطية منجز إنساني وليس براءة اختراع مسجلة للرجل الأبيض، ساهمت في بنائها عقول من مختلف الحضارات والأمم، والديمقراطية الغربية هي إمكان ضمن إمكانات أخرى يمكن للديمقراطية أن تتحقق من خلالها، وبعدها الاجرائي ينطوي على حلول جذرية لأهم أزمات الحكم وتدبير الشأن العام في عالمنا الإسلامي. لقد تصدر الثورة الإيرانية بداية الثمانينيات مجموعة من المعممين الذين آمنوا بفكرة خرافية مناقضة للعقل والنقل (ولاية الفقيه) لكنهم استطاعوا تأطيرها ومأسستها في نظام سياسي، أخذ من الفكر الديمقراطي ما يحتاجه للاستمرار وتداول السلطة وإدارة التنافس واتخذ في الوقت ذاته من العقيدة الإمامية هوية ومرجعية، وبفضل هذا المزج أمن نظام الملالي لنفسه قدرا من الاستقرار في محيط يعج بالنزاعات والاضطرابات.
ختم الكاتب اللبناني (الفرنسي) أمين معلوف كتابه الماتع " الحروب الصليبية كما رآها العرب" بملاحظة جديرة بالتأمل في سياق حديثه عن عاهات العرب وعجزهم عن توظيف نصرهم المبين على الصليبيين واستئناف مسيرة التألق الإسلامي قائلا: "وعاهتهم الثانية أي -العرب - عجزهم عن بناء مؤسسات ثابتة، وقد نجح الإفرنج منذ وصولهم إلى الشرق في خلق دول حقيقية، فكانت الخلافة في القدس تتم بشكل عام من غير صدامات، فكان مجلس المملكة يمارس رقابة فعلية على سياسة العاهل وكان للكهنوت دور معترف به في لعبة الحكم. ولم يكن شيء من هذا في الدول الإسلامية، فكل نظام ملكي كان مهددا عند موت الملك، وكل انتقال في الحكم كان يثير حربا أهلية". فحكام المسلمين وعلمائهم –على عظم بلائهم وتضحياتهم- لم يدركوا حساسية اللحظة الفارقة عشية طرد الصليبيين بحيث يضعون حدا "لسلطة التغلب" و"الانقلابات" ومصادرة حقوق الأمة السياسية، من خلال إعادة استدعاء النموذج الراشدي باعتباره قيمة معيارية لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها مهما كانت الظروف والمبررات.
  

داعش.. شواهد الأفول وأوهام الامتداد

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : أغسطس 26, 2020


عبد الغني مزوز---

يحظى موضوع إمكانية عودة تنظيم داعش لاحتلال صدارة المشهد العالمي مجددا باهتمام متزايد من قبل الباحثين والمعنيين بالشأن الجهادي، ليس فقط لأن التنظيم خسر كل معاقله ومراكزه في بلد المنشأ (العراق) وبلدان الامتداد (سوريا؛ ليبيا..) بل لأن بنيته الأيديولوجية باتت مفككة ومتداعية على بساطتها وانعدام مساحات الجدل والاجتهاد داخلها، لأن التنظيم شيدها وفق رؤية عقدية وفقهية واحدة. لكن هذه البنية البسيطة لم تلبت أن ولدت مع الوقت والممارسة مماحكات منهجية داخل أروقة التنظيم سرعان ما تحولت إلى جدالات عقدية صاخبة انتهت بانشقاقات وتصفيات جسدية وتبادل تهم الكفر والعمالة. ولم تنفع اللجان والمؤسسات الكثيرة التي أنشأها التنظيم بهدف ضبط القناعات العقدية وإيقاع التكفير والتبديع عند أفراده في تطويق الأزمة ومنعها من الانتشار والاستفحال. اعتبر بعض المهتمين بالظاهرة الجهادية الأعطاب والأزمات التي يعيشها تنظيم الدولة مجرد إشكالات تنظيمية تحدث في كل الكيانات والجماعات، وتحولات طبيعية في تكتيكات المواجهة أملتها ظروف الحرب والصراع، وهؤلاء يتوقعون أن يعود التنظيم إلى سابق عهده ومجده في أي وقت، بينما يجادل آخرون أن التنظيم في النزع الأخير وأن عوامل كثيرة تظافرت وجعلت من عودته مجرد فرضيات رغبوية تفتقر إلى الوجاهة والموضوعية.
خلافة بلا رعية
إن النظر إلى ظاهرة تنظيم الدولة الإسلامية من نفس الزاوية التي يتم النظر منها إلى الكيانات والجماعات الجهادية الأخرى ينطوي على قدر كبير من سوء الفهم، وفرادة تنظيم الدولة لا تكمن فقط في السمعة التي صنعها لنفسه من خلال إصداراته المتقنة ولا من خلال جرعات التوحش والدموية التي وصمت أعماله وسلوكياته، بل لأنه يُعرف نفسه تعريفا تمايز به عما سواه من الجماعات الجهادية. إنه لا يرى نفسه تنظيما أو جماعة يجوز فيها ما يجوز في غيرها من التنظيمات والجماعات من انحسار وانشقاقات وحتى أفول. لقد قدم التنظيم نفسه على أنه خلافة على منهاج النبوة، ولا خلافة دون إمام واحد ممكن ورعية وشوكة وحدود وتعازير شرعية وجباية للزكاة وسد للثغور.. وإذا كانت الجماعات الجهادية الأخرى لا تعطي أهمية تُذكر لفكرة السيطرة المكانية وبسط النفوذ على الأرض، ولا ترى نفسها ملزمة سوى برعاية شؤون عناصرها وتأمين ما يحتاجونه من دعم ومساندة، ولا تعتبر ذلك انتقاصا من شرعيتها الجهادية، فإن تنظيم الدولة الإسلامية بناء على ما عرف به نفسه مجبر على التمتع بالحد الأدنى من السيطرة المكانية ولو بالقدر الذي يمكنه من إقامة "طقوس الخلافة" على عجل (الإعدام في الساحات العامة وبتر الأطراف وإقامة الحدود..) فبدون هذه المشهديات المثيرة لن تتمتع دعوى الخلافة بأية مصداقية لدى الأنصار والأشياع. وإذا كانت الجماعات الجهادية الأخرى لا ترى بأسا في حل نفسها أو الالتحاق بجماعات أخرى في سياق دينامية الفعل الجهادي ووفق ما تمليه ضرورات الحرب والمواجهة من تكتيكات تتراوح بين الكمون التام والظهور الحذر فإن تنظيم الدولة الإسلامية لا يمكنه إلا أن يكون بارزا وحاضرا دوما وإلا لن يكون "دولة إسلامية" ناهيك عن أن يكون "خلافة "، والذين بايعوه فعلوا ذلك لأن تلك البيعة "للخلافة" عززت عندهم الشعور بالانتماء وحررتهم من مشاعر الضياع والاغتراب خصوصا أولئك الذي وفدوا إليها من بلدان الغرب، إذا اعتبرنا أن الانتماء القبلي والعشائري في بلدان المنشأ يمكن أن يكون بديلا عن الانتماءات الأخرى.
لا يمكن فهم استماتة تنظيم الدولة في الدفاع عن معاقله خصوصا عاصمة خلافته إلا لأنه يدرك أن شرعيته ستكون مهزوزة وموضع شك – عند أنصاره- عندما يتخلى عن الأراضي التي يسيطر عليها. والعدناني في كثير من خطبه وكلماته كان واضحا في تحريم الانسحاب من المعارك تحت أي سبب. إذن، فبسط النفوذ على رقعة جغرافية ما والاحتفاظ بالمدن والمعاقل ليس خيار تكتيكيا ولا استراتيجيا بالنسبة لتنظيم الدولة بل هو جزء لا يتجزأ من هويته الجهادية التي اختارها لنفسه، إنه يرى نفسه "خلافة" راشدة، ودعا من قبل على لسان العدناني الناطق الرسمي باسمه إلى إفناء كل التنظيمات والجماعات والحركات الإسلامية ، ومهما روج قادة التنظيم في كلماتهم اللاحقة  لخطاب "المحنة والابتلاء " في محاولة منهم لتفسير حالات الانحسار والانهيار التي تعيشها "خلافتهم" فلن يستطيعوا إقناع جنودهم بها. لذلك عندما سقطت مدينة الموصل في أيدي القوات العراقية توقع الجميع أن تكون معركة مدينة الرقة ضارية وشرسة لكن الذي حصل كان العكس تماما؛ انهارت معنويات التنظيم وانسحبوا من الرقة وسلم العشرات منهم أنفسهم لقوات سوريا الديمقراطية، بعدما تفاجأوا بسقوط عاصمة خلافتهم ومدنا أخرى في العراق وسوريا وليبيا.
رحيل القادة والرموز
مع أن الحركات الجهادية قائمة على معطى أيديولوجي وعقدي جاهز ومفتوح  المصدر إن صح التعبير، بمعنى أنه لا يحتاج بالضرورة إلى مرجعية متعالية تحتكر انتاج المقولات الجهادية وتفسيرها، كما هو الشأن مع الطوائف والمذاهب الإسلامية الأخرى ، إلا أن التجربة أتبتت أن هذه الحركات تتأثر بحضور أو غياب رموزها وقادتها خصوصا من المؤسسين. قتل الكثير من قادة تنظيم الدولة الإسلامية في فترة قصيرة نسبيا، قادة لم يستطع التنظيم تعويض غيابهم مهما بالغ في الإيحاء بأن رحيلهم لن يُشكل فارقا. لقد قتل كل من أبي محمد العدناني وأبي محمد فرقان وعمر شيشاني وأبو علي الأنباري و أبو مسلم التركماني وتركي البنعلي وعشرات من قادة الصف الثاني.
ثمة حقيقة بالغة الوضوح في مسيرة الجماعات الجهادية وهي أن مساحة الفراغ التي يُخلفها القادة الراحلون تكون دوما مرتعا للنزاعات والتجاذبات التي تنتهي في معظم أمرها بالانشقاقات والصراعات البينية. فلو كان عبد الله عزام حيا لأحدث فرقا في مسيرة التيار الجهادي، ولو كان أبو عبد الله أحمد حيا لم تكن مجازر العشرية السوداء في الجزاء لتحدث بالطريقة التي حدثت بها، ولو كان أبو مصعب الزرقاوي حيا لاتخذ المشهد الجهادي في العراق شكلا آخر تماما، ولو كان أسامة بن لادن حيا لما سمع العالم بتنظيم الدولة الإسلامية. وبالتالي فجزء من الخريطة الجهادية حددته التأويلات المتضاربة لموروث القادة الراحلين، فقادة تنظيم الدولة الإسلامية مثلا يجادلون في كثير من خطابتهم بأنهم الأوفياء لإرث أسامة بن لادن، واتهموا أيمن الظواهري بمخالفة وصاياه وتوجيهاته. بل إن الصراع الحاد بين أجنحة تنظيم الدولة الإسلامية الآن في إطار الخلاف المتصاعد حول تعريف بعض المفاهيم العقدية والمنهجية هو في جانب منه خلاف على تأويل قناعات القادة الراحلين وبالضبط أبو عمر البغدادي وأبو حمزة المهاجر.
لم يبق من قادة تنظيم الدولة الإسلامية المعروفين والمؤثرين سوى أبو بكر البغدادي، وبرحيل هذا الأخير ستكون صفحة التنظيم قد طويت بالفعل. لأن "الخلافة" ستفقد ركنها الثاني أي " الخليفة" بعدما فقدت الأرض والرعية. يعتبر البغدادي بمثابة الخيط الرفيع الذي يحتوي ما بقي من عقد التنظيم، ويلم ما توزع من شتاته، ولن يكون سهلا إيجاد بديل عنه في ظل تسرب الخلافات العقدية والمنهجية إلى داخل المؤسسات واللجان المسؤولة عن اختيار الأمير وتنصيبه مثل مجلس الشورى وديوان القضاء والهيئات الشرعية وغيرها. رحيل البغدادي يعني حصول بعض " الولايات " على مبرر شرعي للتملص من تبعات الخلافة، فالذي سيأتي بعده من المستبعد أن يحظى بالإجماع اللازم، فإما أن يميل إلى من يسمون " بالحازمية " وإما إلى " البنعلية " وبالتالي فالإجماع سيعوزه في كلتا الحالتين، وقد نشهد تنصيب خليفتين؛ واحد بمباركة هذا الطرف والآخر بمباركة الطرف الآخر، وستتوزع " الولايات الخارجية" بين البيعة لهذا الخليفة أو البيعة لذاك. 
التفكك الأيديولوجي
لم تعد الخلافات التي تضرب عميقا في البنية الأيديولوجية لتنظيم الدولة حبيسة الجلسات الخاصة واللجان التي كلفها التنظيم بالبث في هذه الخلافات والحسم فيها، بل تحولت سريعا إلى الإعلام الرسمي للتنظيم وكانت سببا في انشقاقات كبيرة مست صفوفه في معظم "ولايات" العراق وسوريا. كان المقال الذي نشرته مجلة النبأ التابعة للتنظيم وحمل بين طياته تكفيرا مبطنا لأبي بكر البغدادي بمثابة النقطة التي أفاضت الكأس . ولم تفلح "المؤسسات" الكثيرة التي أنشأها التنظيم من أجل ضبط منسوب التكفير في أداء مهمتها، فاستشرى النزاع وامتد من أعلى هرم التنظيم إلى أسفله. أسس التنظيم كل من " المكتب المركزي لمتابعة الدواوين الشرعية " و " اللجنة المفوضة " واللجنة المنهجية " و " الهيئات الشرعية " إضافة إلى ديوان القضاء من أجل البث في القضايا المنهجية العالقة والحسم فيها قبل تخرج عن السيطرة ويصل صداها إلى الجنود والأنصار. لكن الذي حصل أن هذه " المؤسسات" أججت الخلاف وعمقته وأصلت له، وكشفت البيانات والتعميمات التي صدرت عنها أن النزاع غير قابل للاحتواء؛ ليس وكل طرف يرى كفر وردة الطرف الآخر.
حشد التنظيم مؤيديه وأفراده حول مجموعة من القناعات والأفكار البسيطة التي لا تسمح بمساحات كبيرة من النقاش والجدل، ونزع التركيب عن مفاهيم بالغة التعقيد والتشعب. لكن، من صلب هذه البنية البسيطة المحكمة تناسلت بؤر الخلاف والجدل، وامتدت ظلال الاحتراب المنهجي وتفاقم الشقاق العقدي، ليتحول عناصر وأنصار تنظيم الدولة الإسلامية من أنصار تنظيم عسكري محارب إلى فرق كلامية تتراشق تهم التكفير والتبديع. كان مبتدأ الخلاف حول مسألة "العذر بالجهل" وهي مسألة طالما كانت مثارا للسجالات والآراء المتضاربة في التاريخ الإسلامي، فقسم من أفراد وقادة التنظيم يرون " العذر بالجهل " في مسائل الكفر والإيمان، ويسمون "بالبنعلية" نسبة إلى الشيخ البحريني تركي البنعلي وكان شرعيا بارزا في التنظيم قبل أن يقتل في غارة جوية. وقسم آخر لا يعذرون بالجهل، ويكفرون من يعذر بالجهل وفقا للناقض الثالث من نواقض الإسلام العشرة التي قررها محمد بن عبد الوهاب " من لم يكفر الكافر فهو كافر" ويسمون "بالحازمية" نسبة إلى الشيخ عمر الحازمي المعتقل في السعودية والمعروف بآرائه المتشددة في مسائل الكفر والإيمان.
نشرت "اللجنة المفوضة" وهي أعلى هيئة قيادية في هيكلية تنظيم الدولة؛ ومهمتها الإشراف على الدواوين والهيئات والمكاتب والولايات في كافة ربوع " الدولة"؛ نشرت في مايو 2017 تعميما ملزما لكافة جنود وقادة التنظيم حول الرأي الشرعي في مسألة العذر بالجهل وعنونته بالآية الكريمة "ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة"، أكدت فيه على تبنيها للناقض الثالث، واعتقادها بأن الأصل في سكان البدان التي لا تعلوها شرائع الإسلام هو الكفر حتى يتبين العكس، وأن من يجادل عن الطواغيت ولا يكفرهم فهو كافر مثلهم. ويتضح من هذه المقولات أن اللجنة المفوضة تتبنى تأصيلات الحازمي وتسعى إلى فرضها على أفراد ومعسكرات التنظيم، وتفعيلا لهذه التوصيات قامت تنظيم الدولة بإحراق عدد من المناهج والكتب التي تُدرس في مدارس ومعسكرات التنظيم وتُلقن في الدورات الشرعية للمنتسبين الجدد.
رد تركي البنعلي على تعميم "اللجنة المفوضة" ردا مطولا، واستغرب أن يصدر مثل ذلك البيان المليء بالأخطاء الشرعية والنحوية من اللجنة المفوضة، واعتبر أن من لوازم تأصيلات " اللجنة المفوضة" تكفير معظم قادة تنظيم الدولة الأوائل كأبي مصعب الزرقاوي وأبي حمزة المهاجر وأبي عمر البغدادي لأنهم كانوا يرون العذر بالجهل ولا يكفرون من لم يكفر الكافر.
استغل الحازمية إصابة أبا بكر البغدادي وتواريه عن الأنظار فتغلغلوا داخل معظم مفاصل التنظيم خصوصا ديوان الإعلام والجند وانفردوا بإدارة بعض "الولايات" كولاية الجزيرة، وقاموا بتصفية عدد من شيوخ وقادة تيار "البنعلي" أبرزهم أبا بكر القحطاني أحد شرعيي التنظيم، لكن ومع إمساك البغدادي مجددا بزمام الأمور بعد تعافيه من إصابته أمر بإعدام كل من تبث اعتناقه لأفكار عمر الحازمي بعد "استتابتهم"، كما ألغى التعميمات والبيانات السابقة بما فيها التعميم المثير للجدل المعنون بالآية الكريمة " ليهلك من هلك عن بينة " وأصدر تعميما جديدا مع سلسلة من الدروس المنهجية التي توضح عقيدة تنظيم الدولة. 
قد يبدو من خلال تتبع قنوات وبيانات وإصدارات تنظيم الدولة أن الأمر قد استتب لتيار " البنعلي" لكن المؤكد أنه لم يبق في " الخلافة" ما يستحق التنازع حوله خصوصا في بلدان المنشأ، فالتنظيم خسر موارده ومصادر ثرواته من حقول النفط والغاز والمعابر وغيرها، وخسر معاقله كلها وتفرق معظم أفراده في بعض الجيوب المحاصرة في العراق وسوريا. أما وضع الولايات الخارجية فليس بأفضل حال، فولاية سيناء مثلا تتبنى قناعات عمر الحازمي كما يظهر في بعض إصداراتها في مخالفة واضحة لتعميم " اللجنة المفوضة" وهي أعلى هيئة قيادية بعد " الخليفة"، ففي إصدار "ملة إبراهيم" التي نشرته ولاية سيناء ظهر تكفيرها لبعض القيادات الإسلامية كالشيخ أحمد ياسين مع أن الشيخ ياسين رثاه أسامة بن لادن وعطية الله الليبي وغيرهما وهو ما يستلزم تكفيرهما أيضا بموجب الناقض الثالث من نواقض الإسلام العشرة عند محمد بن عبد الوهاب. ومعروف أن قيادات تنظيم الدولة لا تكفر أسامة بن لادن وعطية الله الليبي بل تعتبر نفسها امتدادا لأفكارهما .
المصالحة المستحيلة 
عندما يكون الحديث عن خصومة ونزاع محتدم داخل البيت الجهادي فإن أول ما يتبارد إلى الذهن هو آفاق المصالحة ورأب الصدع وتذويب الخلافات. لكن شواهد التاريخ والواقع تؤكد أن المصالحة داخل المجال التداولي الإسلامي بله الجهادي خيار غير مطروح في سياق احتفاء أطراف النزاع بمفاهيم " النكاية " و "التغلب" و "صفاء المنهج" والتحرز من " المداهنة " والحذر من " الركون إلى الذين ظلموا".. فمهما بدا الخلاف سياسيا أو تنظيميا أو حتى شخصيا فإنه يُعبأ دوما بمضامين دينية وعقدية تجعل من المصالحة تفريطا في الدين وخروجا عن ثوابت العقيدة. ألسنا نعيش إلى اليوم تداعيات ما حصل في سقيفة بني ساعدة من خلافات بين كبار الصحابة، ألم يحاول علي بن أبي طالب إبرام مصالحة مع معاوية بن أبي سفيان فثار الخوارج لأجل ذلك واعتبروه كفرا وردة عن الإسلام.
إن سيناريو المصالحة بين تيارات " الخلافة الآفلة" وتصفير الخلافات البينية داخل تنظيم الدولة الإسلامية في افق إعادة بعث التنظيم مجددا كما كان قبل أربع سنوات يبدو موغلا في السريالية. فالمنطلقات العقدية الصارمة التي قام عليها تنظيم الدولة لا تقبل التعدد ولا تحتوي على مناطق العفو والاجتهاد، وبالتالي فالآراء حول مسألة ما عنده لا تتراوح بين الراجحة والمرجوحة، بل بين الشرعية والكفرية. وعلى هذا الأساس فالآراء المتضاربة حول مسالة ما هي مشاريع تنظيمات جديدة متنافسة، فمسألة العذر بالجهل مثلا عدد الآراء حولها بعدد التنظيمات والأجنحة، وكل تنظيم يرفض التنازل عن رأيه ويحشد حوله ما يستطيع حشده من أعضاء وأنصار. وبالتالي فتنظيم الدولة سائر إلى مزيد من التفكك والتشظي، ولن يستقر حاله عند تيارين متنافسين بل سينبثق من كل تيار تيارات أخرى بعدد المسائل المثيرة للخلاف وبعدد الآراء والمواقف حولها.
إلى جانب التحديات التي تعصف بالبنيان التنظيمي والأيديولوجي "للخلافة" المعلنة قبل أربع سنوات تقريبا، هناك عامل آخر لا يقل أهمية في تعميق أزمة التنظيم وهو ما يمكننا وصفه بخفوت وهج الإنجاز، فوهج الإنجاز كان عاملا أساسيا في الاستقطاب والحشد والتعبأة. لقد حفز اقتحام التنظيم للمدن في العراق وسوريا واجتياحه الكاسح لعشرات القرى والبلدات في فترة قصيرة؛ حفز آلافا من المقاتلين للانضمام إلى صفوفه متأثرين بتلك المشاهد التي أتقن إعلاميو التنظيم تصويرها وعرضها. مع دخول التنظيم مرحلة الدفاع ثم الكمون والانحياز إلى صحاري الأنبار الشاسعة بعد خسارته لكل معاقله ومقتل معظم قياداته المؤثرة لم يعد بتلك الجاذبية التي كان يتمتع بها في بدايات تأسيسه. حتى انتاجاته الإعلامية يجد صعوبة في تسويقها فبالكاد يستطيع تأمين رابط لها أو حساب على مواقع التواصل الاجتماعي لنشرها وتوزيعها، فقد نجحت سياسة حرمانه من الملاذات الافتراضية بالإجهاز على كل مواقعه وحساباته وحسابات أنصاره في مختلف المنصات وتعهد ما استجد منها بالحذف والتعطيل على مدار الدقيقة. 
بخلاف الجماعات الإسلامية والجهادية الأخرى لم يستطع تنظيم الدولة بناء قاعدة فكرية وأدبية تكون منهلا لأجياله الصاعدة وتراثا مرجعيا لأنصاره وأشياعه، فالمكتبة الفكرية التي انتجها "شيوخ" التنظيم وكتابه حتى الآن لا تتجاوز بضعة مناشير معدودة على أصابع اليدين، بخلاف تنظيم القاعدة مثلا الذي خلف منظروه وكتابه تراثا فكريا هائلا فاق أي جماعة ثورية أخرى في التاريخ . لقد تزامن صعود تنظيم الدولة الإسلامية مع طفرة في ثقافة الصورة والاقتصاد اللغوي الذي ميز مواقع التواصل الاجتماعي، بينما تزامن صعود تنظيم القاعدة مع ظهور المدونات والمنتديات التي تحتفي بالكلمة المكتوبة والمقالات المطولة، فانعكس ذلك على انتاجهما الفكري والتنظيري، فتنظيم الدولة الإسلامية بالغ في توظيف وسائط الصورة والفيديو إلى الدرجة التي تجعل منه "ظاهرة بصرية" تراهن على بلاغة الصورة واحترافيتها لجذب الأنصار والتأثير فيهم وبعث رسال الرعب والدم إلى الأعداء والخصوم. بينما استغل تنظيم القاعدة فترة المنتديات الحوارية والمدونات الإلكترونية لنشر أفكاره وتأصيلها بواسطة التأليف والكتابة فظهر كتاب جهاديون شغلوا فضاء الانترنت لسنوات بكتاباتهم ومقالاتهم المؤثرة كالكاتب لويس عطية الله وأبو دجانة الخرساني وعبد الرحمن الفقير وغيرهم كما نشر التنظيم ومنظروه آلافا من الكتب والمقالات والمجلات والمنشورات التي لاتزال متاحة للقراءة والتداول على الإنترنت حتى اليوم، وقد طبع الكثير منها في كثير من البلدان. 
تزحف أزمات تنظيم الدولة الإسلامية اليوم على البياضات والفراغات التي خلفها الفقر الأدبي والتنظيري المدقع للتنظيم، وانهيارات التنظيم المتلاحقة على مستوى الفعل والميدان وتفككه وتشظيه على مستوى القناعات الأيديولوجية موازاة مع صعود نماذج جهادية جديدة كل ذلك يجعل من صمود "الخلافة" ضربا من ضروب الأماني التي لا حظ لها في الواقع والإمكان. ومن الطريف أن آخر ما يخلفه عناصر التنظيم وهم يتركون مدنهم ومعاقلهم هي عبارة " باقية وتتمدد " التي يخطونها سريعا في الجدران قبل أن يغادروا إلى الصحاري والشتات.

نكبة الوهابية.. هل استنفذت الدعوة النجدية أدوراها؟

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : أغسطس 26, 2020


عبد الغني مزوز---

في الفترة الماضية عادت الدعوة الوهابية لتصدر واجهة الاهتمام والجدل مجددا، وبشكل لم يحدث مثله من قبل، ففي ذروة عنفوان حملة جور بوش الابن ضد الإسلام الراديكالي لم تجد الدعوة الوهابية نفسها في زاوية الإدانة والرغبة في تجاوز موروثها كما هي عليه في هذه الأيام. والملاحظ أن معظم الفاعلين الذين وجدوا في الدعوة الوهابية في لحظة من اللحظات رافدا أيديولوجيا لتكريس رؤيتهم وفرض وجودهم ومواقفهم صاروا اليوم يرون فيها عبئا ثقيلا يحاولون بطريقة أو بأخرى التحرر منه. وإن كانت هناك أيضا تيارات وكيانات ماتزال متمسكة بتعاليم وأفكار محمد بن عبد الوهاب، رافضة المساس بها أو الحط من قدرها.
النفط بديلا عن الدعوة ومكوس الدرعية
تؤكد الوجوه الجديدة التي برزت في المشهد السياسي والفكري السعودي أن التخلص من إرث الوهابية يندرج في صميم الأجندة السياسية والدينية للعهد السعودي الجديد، ويعتبر تصريح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان واضحا إلى درجة تثير الدهشة والاستغراب، عندما قال: " أن انتشار الفكر الوهابي في بلاده يعود إلى فترة الحرب الباردة عندما طلبت دول حليفة من السعودية استخدام أموالها لمنع تقدم الاتحاد السوفييتي في دول العالم الإسلامي. " وقال في مناسبة أخرى: " ليس هناك ما يسمى بالوهابية! نحن لا نؤمن بأن لدينا وهابية. ولكن لدينا في المملكة العربية السعودية مسلمون سنة وكذلك لدينا مسلمون شيعة"  وهي تصريحات تندرج في سياق العلاج بالصدمة الذي انتهجه محمد بن سلمان منذ أن أزاح عمه من ولاية العهد وفرض سيطرته على المفاصل الاقتصادية والسياسية والعسكرية في المملكة؛ مستعينا بنخبة من المفكرين السعوديين الناقمين على الوهابية ومؤسساتها ومقولاتها التي شكلت لسنوات طويلة عماد الدولة السعودية. 
ثمة إشكالية في قراءة واستيعاب المشروع "التحديثي" الذي يقوده محمد بن سلمان، فهو وان ركز أساسا على إبرام قطيعة حدية مع الموروث النجدي الذي وسم بلاده لسنوات إلا أنه لم ير في السلفية الإصلاحية أو الإسلام السياسي المعتدل بديلا، بل تعامل مع الجميع بنفس المستوى من النبذ والصرامة، في أفق تشييد منظومات سياسية علمانية تسود المنطقة على المدى المتوسط كما أعترف بذلك السفير الإماراتي في الولايات المتحدة يوسف العتيبة.  
نشأت الدولة السعودية إثر الاتفاق الشهير بين محمد بن عبد الوهاب التميمي ومحمد بن سعود حاكم الدرعية في الثامن عشر الميلادي والذي روى ابن غنام جزء منه في كتابه تاريخ نجد، المصدر التاريخي الأهم الذي تناول إرهاصات قيام التحالف بين الرجلين وفصول من " جهادهما " المشترك من أجل نشر التوحيد في ربوع نجد والحجاز، يقول ابن غنام:" فخرج الشيخ (أي ابن عبد الوهاب) من العيينة إلى بلدة الدرعية سنة سبع أو ثمان وخمسين ومائة وألف.. فلما سمع بذلك الأمير محمد بن سعود قام من فوره مسرعا إليه ومعه أخواه.. فأخبره الشيخ بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما دعا إليه، وما كان عليه صحابته رضي الله عنهم من بعده، وما أمروا به وما نهوا عنه وأن كل بدعة ضلالة، وما أعزهم الله به بالجهاد في سبيل الله واغناهم به وجعلهم إخوانا. ثم أخبره بما عليه أهل نجد في زمنه من مخالفتهم لشرع الله وسنة رسوله بالشرك بالله تعالى والبدع والاختلاف والظلم.. فلما تحقق الأمير محمد بن سعود معرفة التوحيد، علم ما فيه من المصالح الدينية والدنيوية قال له: يا شيخ إن هذا دين الله ورسوله الذي لا شك فيه، فابشر بالنصر لك ولمن أمرت به، والجهاد لمن خالف التوحيد، ولكن أريد أن اشترط عليك اثنتين: نحن إذا قمنا في نصرتك والجهاد في سبيل الله وفتح الله لنا ولك البلدان أخاف أن ترتحل عنا وتستبدل بنا غيرنا؛ والثانية: أن لي على الدرعية قانونا (مكوسا) آخذه منهم في قوت الثمار، وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيء. فقال الشيخ: أما الأولى فابسط يدك الدم بالدم والهدم بالهدم، وأما الثانية فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منهم. "  كان هذا هو الاتفاق و" تقسيم العمل" الذي حكم العلاقة بين الدعوة الناشئة والقائد السياسي الطموح طيلة الحقب التي توالت على منطقتي نجد والحجاز بعد ذلك، ثم استمر هذا التقليد إلى اليوم حيث يمسك (آل الشيخ) من درية محمد بن عبد الوهاب بالسلطة الدينية ويتولون شؤون الإفتاء والدعوة بينما يمسك (آل سعود) بالسلطة السياسية وتدبير الشأن العام.
عندما نتأمل الشرطين الذين اشترطهما محمد بن سعود حاكم الردعية على محمد بن عبد الوهاب فسنجد أن هاجس بن سعود كان تكريس نفوذه وسلطته وألا تتعارض الدعوة الجديدة مع بعض الامتيازات التي كان يحظى بها، وألا يكون التحالف بينمها ظرفيا بحيث " يستبدله" ابن عبد الوهاب بغيره لاحقا. قد يكون محمد بن عبد الوهاب هو من استغل حاكم الدرعية في نشر دعوته في ربوع نجد كما يجادل الكثير من أتباع الدعوة الوهابية، وقد يكون محمد بن سعود أكثر المستفيدين بتوظيفه الحركة الناشئة في بناء دولة متماسكة على أنقاض القبيلة المتصدعة كما يزعم مناوئو الوهابية. لكن الثابت من كل ذلك أن الدعوة النجدية كمنظومة أفكار وقناعات مرتبطة بالقضايا الكبرى في الدين الإسلامي (التوحيد، الشرك، الولاء والبراء) استطاعت تأمين شرعية دينية وعقائدية للدولة السعودية على امتداد أجيال. لا نريد الخوض في ذلك الجدل الذي استغرق كتبا واطروحات حول سياقات نشأة الوهابية والدولة السعودية، وهل كان ذلك نتيجة طبيعية لتحولات سوسيولوجية عرفتها بنية المجتمع البدوي في الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر الميلادي، أم استجابة لفكرة إصلاحية دينية رامت تجديد ما اندرس من معالم الدين والعقيدة، وتحرير الجزيرة من مظاهر الشرك والخرافات المستشرية.
بما أن الدعوة الوهابية كانت بهذه الأهمية الحيوية للدولة السعودية منذ نشأتها الأولى فلماذا يجري الآن الطلاق منها، وشيطنتها من قبل الدولة ومؤسساتها الفكرية والتربوية والإعلامية، وتجريدها من مكانتها وامتيازاتها التي ظلت تتمتع بها على مدار عقود طويلة. الإجابة على السؤال تحيلنا على التحولات التي طرأت على المجتمع والدولة في نجد والحجاز (السعودية) بعد الطفرة النفطية وصعود مجتمع الرفاه ودولة الريع والإكراميات. الذي حدث أن النفط والثروة والانفاق بسخاء يمكن أن يضمن ولاء أفراد المجتمع تماما مثلما يمكن للخطاب الديني أن يفعل، فلطالما كانت الغنيمة والعقيدة محددان من محددات العقل السياسي العربي كما كتب الجابري. و " يبدو أن قدرة العلماء على حماية سيادة الشرع في الدولة السعودية المعاصرة أضعف بكثير مما كانت في الدولة الإسلامية التقليدية، والاختلاف هو أن العلماء أقل فائدة بكثير للحكام مما يكونون عليه في دولة ليس لها ثروة نفطية هائلة".  وقد انتبه المفكر الجزائري مالك بن نبي مبكرا إلى ما يمكن للنفط أن يحدثه من تأثير على حاضر ومستقبل الدعوة النجدية مبرزا أن " النفط أحرق الفكرة الوهابية". 
مجتمع الرفاه يخشى على امتيازاته ومستويات العيش الرغيد التي يحياها، ومظاهر التدين عند شريحة عريضة منه تكاد تكون جزء من الإتكيت فقط وليست عاملا محددا للمواقف السياسية. ماذا يمكن للخطاب الديني أو أي خطاب ثوري آخر أن يصنع في بيئة استهلاكية متسمة بالرخاء، حتى مؤسسة العلماء كمؤسسة رقابية مستقلة ومزعجة للسلطة على امتداد التاريخ الإسلامي ستتحول إلى طبقة اجتماعية تسعى خلف الحوافز والإكراميات والاستزادة من " طيبات الحياة الدنيا" في كنف أوليا الأمور؛ ظلال الله في أرضه. طبقة اجتماعية تلعب دور الوسيط بين السلطة وطبقات المجتمع الأخرى، من خلال الاستحواذ على الهامش المتاح من الفضاء العام ووسائل الإعلام المختلفة، والترويج من هناك لأخلاق الطاعة والولاء للسلطان، كل ذلك يتم ضمن سوق خاضع لشروط وإكراهات أي سوق: عقود ومناقصات وعرض وطلب ومنتج وتنافس .. إلى غير ذلك.  فالسلطة استطاعت رسملة الخطاب الديني وتحويل رجال الدين إلى متعهدين يجرون – كما غيرهم- خلف تحصيل المصالح وحصد الامتيازات. لذلك لم يعلق أي من علماء الوهابية الكبار سواء في الخليج أو غيره على الإجراءات التي مست "جناب الوهابية" في مسقط راسها، خصوصا أولئك الذين يحظون بمتابعة الملايين بل واصلوا نشاطهم الدعوي بشكل طبيعي مع اهتمام شبه منعدم بقضايا الشأن العام.
من جهة الأخرى لم يعد توظيف الأفكار الوهابية وتعاليمها حكرا على السلطة ومؤسساتها الدينية الرسمية، لقد باتت الوهابية سلاحا ذا حدين، تستخدمه الدولة لشرعنة وجودها باعتبارها "دولة التوحيد والسنة"، ويستخدمه خصومها في إثبات عكس ذلك. فشيوخ التيار السلفي الجهادي وجدوا في كتب وتراث الدعوة النجدية كل ما يحتاجون إليه من أجل تبرير أطروحاتهم الصدامية، وتكفيرهم لنظام الحكم في السعودية. ولو تفحصنا مثلا كتاب "الكواشف الجلية" لأبي محمد المقدسي باعتباره أول عمل تنظيري يرى كفر الدولة السعودية لوجدنا أنه اعتمد بشكل أساسي على مقولات محمد بن عبد الوهاب وأحفاده. وبالتالي لم يعد الخطاب الوهابي بتلك الأهمية بالنسبة للسلطة في السعودية مادام خصومها أشد تمسكا به وولاء لأفكاره. معظم أدبيات تنظيم القاعدة في جزيرة العرب نجدها تنهل من المعين الوهابي، وهو ما جعل دوائر صنع القرار في الغرب تحث السلطة السعودية على تعاون أكثر فعالية في مجال تجديد المناهج الدراسية وتخليصها من الرافد الوهابي كما اعترف بذلك ريكس تلرسون وزير الخارجية الأمريكي السابق .
الخطاب الجهادي.. القطيعة مع الرافد النجدي
لم يكن أحد يتوقع أن تخضع الدعوة النجدية للنقد والمحاكمة داخل المجال التداولي الجهادي وهي التي شكلت عماد أطروحاته الصدامية. لكن مع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية وانتشاره وما صاحب ذلك من فظاعات تم ارتكابها في كثير من البلدان خصوصا في سوريا والعراق باسم "الجهاد" و"الشريعة" و"التوحيد"، بدأت أصوات جهادية تنادي بضرورة إعادة النظر في الرافد النجدي الذي طغى على الفكر الجهادي منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي. وكانت أهم الكتب التأسيسية في التيار السلفي الجهادي عبارة عن مزيج من النصوص الدينية ونقولات مستفيضة من تراث الحركة الوهابية، خصوصا تلك التي كتبها أبو محمد المقدسي، وشيوخ آخرين من الجزيرة العربية مثل حمود العقلاء الشعيبي وسليمان العلوان وناصر الفهد وفارس الزهراني وغيرهم. 
منذ هجمات 11 سبتمبر وأصوات من داخل التيار الجهادي تنادي بأهمية مراجعة علاقة التيار بالأفكار الوهابية لكنها كانت دوما أصوات هامشية عديمة التأثير،  حتى المراجعات التي انخرطت فيها جماعات وشخصيات جهادية قبل سنوات لم تشر إلى مسؤولية الرافد الوهابي في بلورة القناعات الجهادية المتشددة، بل إن بعضها اتكأ على نصوص من الدعوة النجدية نفسها للرد على بعض المواقف الشرعية المتشددة، وهو ما أفسح المجال في سياق الردود المتبادلة لطرح حشد آخر من النصوص الوهابية المناقضة للنصوص السابقة. 
رأينا في ما سبق العوامل التي تقف خلف محنة الوهابية في عقر دارها، وقلنا إن أهمها يرجع إلى استعاضة السلطة عن الخطاب الوهابي بفوائض الثروة، والرغبة في وضع حدود فاصلة بينها وبين ايديولوجية باتت تستخدم ضدها وتضع شرعيتها على المحك أو على الأقل في موضع التساؤل، وأيضا استجابة لضغوط دولية ضاقت درعا بمقاتلين عقائدين صعاب المراس يتخذون من الموروث النجدي زادا أيديولوجيا لهم. وسنتحدث في الفقرة التالية عن الاسباب والعوامل التي جعلت التيار الجهادي يعيد النظر في تراث الدعوة النجدية، ويبدي إرادة غير مسبوقة في إجراء مراجعة طوعية لبعض القناعات المبنية على أطروحات محمد بن عبد الوهاب وأحفاده.
مع اندلاع ثورات الربيع العربي عمت حالة شعبية من الرفض العميق للأنظمة الحاكمة ومؤسساتها، وخرجت جماهير غفيرة من الناس على الحكام وتمردت على السلطة، ولم يعد هذا " الخروج" يستلزم فتوى شرعية أو موقفا من العلماء، بل إن العلماء الذي أيدوا الحكام ورأوا حرمة الخروج عليهم بالمظاهرات أصبحوا حالة معزولة وشاذة، يتم التندر والسخرية من مواقفها على البرامج الحوارية ومنصات التواصل الاجتماعي. هذا التحول في الوعي الجمعي انعكس على التيار الجهادي خصوصا مع انتقال الحراك الشعبي السلمي إلى طور العسكرة في كل من ليبيا وسوريا واليمن، فالتيار الجهادي وشيوخه ومنظروه لم يعودوا في حاجة إلى سرد الأدلة الشرعية على جواز "الخروج على الحكام وجهادهم" لأن ذلك غدى ثقافة شعبية عمت أرجاء الوطن العربي، ولم يعودوا بحاجة إلى المسوغات الشرعية التي تسعفهم بها الدعوة النجدية لتبرير مواقفهم الراديكالية من الأنظمة الحاكمة لإقناع الناس بها.
كان من دواعي اقتباس الجهاديين من التراث النجدي حرصهم على محاججة الخطاب الديني الرسمي الذي يرى حرمة الخروج عن الحكام، وكان كتاب "ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين" أول كتاب جهادي يؤصل لمسألة الخروج على الحكام اعتمادا على زخم من النصوص الوهابية. فما هو جدوى الدعوة النجدية اليوم وقد صار "جهاد الحكام" والخروج عليهم حالة شعبية لا تستدعي أي تسويغ أو تبرير؟ كان منظرو التيار الجهادي يقومون بالتنقيب في المدونة العقدية الإسلامية بحثا عن أي نصوص وآراء تدعم مواقفهم من الحكام، وكانت الموروث النجدي يقدم منها الكثير، وهو ما لم يعودوا بحاجة إليه بعد ثورات الربيع العربي.
شكل صعود تنظيم الدولة الإسلامية بعد عامين على الربيع العربي صدمة امتدت تداعياتها لتصيب صميم العقل السلفي الجهادي. صعود سلط الأضواء على التصدعات والثغرات التي اعترت البنية الأيديولوجية للتيار الجهادي، ودفعته إلى مراجعة فورية لبعض الأسس التي شيد عليها قناعاته، ولم تكن هذه الأسس سوى تلك الأفكار التي استقاها من تراث الحركة الوهابية، خصوصا المرتبطة منها "بنواقض الإسلام العشرة". لقد كانت بلا شك بعض أفكار الدعوة النجدية مسوغا استند إليه تنظيم الدولة الإسلامية في فرض نموذجه الجهادي الموغل في التشدد، حتى أنه أخيرا وقع هو نفسه ضحية هذه الأفكار فانقسم التنظيم على نفسه إلى قسمين، تبعا لموقف كل طرف من مسالة عقدية مثيرة للجدل وهي "العذر بالجهل أو الناقض الثالث" من نواقض الإسلام العشرة التي قررها محمد بن عبد الوهاب. واللافت أنه في مناضرة مسجلة بين طرفي الصراع داخل التنظيم اشترط أبو بكر القحطاني وهو أحد كبار شرعيي " الدولة" ألا يتم الاستشهاد بأي نص من نصوص الدعوة النجدية والاكتفاء فقط بنصوص القرآن والسنة. 
أبو محمد المقدسي من أشد المدافعين عن الحركة الوهابية ويرفض كليا أي مساس بتراثها لكنه يعترف أنها تضمنت "إطلاقات نبتت عليها في كثير من الساحات نابتة الغلو"  ويرى أن كثير من الجماعات والشخصيات المتشددة في بيشاور والعراق والسعودية بنت تشددها على تلك الإطلاقات التي تحتاج للنقد والمراجعة. أما أبو قتادة الفلسطيني المنظر الجهادي المعروف فقد مضى بعيدا هو وتلميذه أبو محمود الفلسطيني في نقدهما للدعوة الوهابية وتحميلها الجزء الأكبر من مسؤولية الانحراف والغلو الذي وسم الفعل الجهادي من خلال الرغبة " في استنساخ تجربة محمد بن عبد الوهاب"  وانشغل أبو محمود الفلسطيني وهو كاتب وناشط جهادي معروف في بيان اخطاء الدعوة النجدية والرد على كتابات ومواقف أبي محمد المقدسي بعدما توسع الخلاف بين منظري التيار الجهادي على خلفية التطورات التي جرت في سوريا والمرتبطة أساسا بموضوع قطع جبهة النصرة علاقتها بالقاعدة، وتشكيل حكومة الإنقاذ في الشمال المحرر.
التحولات التي مست الخطاب الجهادي بعد ظهور الثورات العربية وصعود تنظيم الدولة الإسلامية أفرزت صيغا جهادية جديدة حاولت النأي بنفسها عن المقولات الجهادية الكلاسيكية التي أطرت الحركة الجهادية لسنوات، والتأسيس لفعل جهادي بديل يتوخى المرونة والاعتدال، ويعيد النظر في مفاهيم " الإمارة" و "الولاء والبراء" و"الردة".. ويعمل على احتواء مختلف شرائح المجتمع، وتحويل الفكرة الجهادية من فكرة نخبوية مغلقة إلى حالة شعبية واسعة الانتشار. وهو ما يمكن رويته متجسدا في "هيئة تحرير الشام" الكيان الجهادي الأبرز في سوريا، الذي رعى ما يسمى بمشروع الإدارة المدنية للمناطق المحررة من خلال الدعوة إلى مؤتمر سوري عام وتكليف هيئة تأسيسية منبثقة عنه بتشكيل حكومة كفاءات مدنية تضطلع بمهمة تدبير الشأن العام في المناطق المحررة.
الإسلام السياسي والوهابية.. الوصل والقطيعة
لازال الجدل حول الدعوة النجدية محتدما بين مختلف أطراف المعارضة السياسية في الخليج، خصوصا بين المحسوبين على حزب التجديد الإسلامي برئاسة محمد المسعري وحزب الأمة الكويتي برئاسة حاكم المطيري. محمد المسعري معروف بمقارباته الجذرية للمفاهيم التي تأسست عليها الدعوة النجدية، وقد خصص حيزا كبيرا من نشاطه الفكري والسياسي لنقض مقولاتها، وإبراز مخالفاتها لصريح وصحيح النصوص الإسلامية كما يعتقد. ويرى المسعري أن انحراف الوهابية كامن في فهمها الخاطئ لمفاهيم " العبادة" و" الألوهية" و"الربوبية" و" التوحيد" و"الشرك" وهي كما تبدو مفاهيم مركزية في الإسلام وليست من القضايا الجزئية التي يسوغ فيها الخلاف والاجتهاد، بل ويمتد نقد المسعري ليصل إلى ابن تيمية لأن مفهوم العبادة الخاطئ عنده –حسب المسعري- هو الذي شيد عليه ابن عبد الوهاب أفكاره ومقولاته. ما يمز قراءة المسعري لتراث الوهابية أنه لا يراها انحرفت نتيجة سوء فهم نصوصها أو توظيفها من قبل الدولة السعودية أو الجماعات السلفية بل يراها منحرفة منذ طورها الأول، وقد كتب كتاب " التوحيد" ردا على "كتاب التوحيد" لمحمد بن عبد الوهاب.
إذا كان محمد المسعري يصر على تسمية الدعوة الوهابية بالكنيسة النجدية، ويجادل على كونها فرقة من فرق الخوارج، وواظب على تفنيد أطروحاتها في معظم كتبه ومحاضراته، فإن حاكم المطيري وحزب الأمة بصفة عامة دشن في المرحلة الماضية حملة في مختلف مواقعه ومنصاته من أجل إعادة الاعتبار لأهم حركة إصلاحية شهدتها الجزيرة العربية. فالمطيري وعدد من مفكري الحركة الإسلامية في الخليج يرون أن الوهابية دعوة إصلاحية دشنها " الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب" وكان لها دور كبير في حفظ العقيدة الإسلامية من عوالق الشرك والخرافة، والقضاء على عبادة القبور والتوسل بالأولياء، وتجديد عقيدة الولاء والبراء وغيرها.
يؤكد حاكم المطير أن:" الوهابية التجديدية الإصلاحية لم يعد لها وجود حقيقي منذ وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي كان بيده الحل والعقد وكانت الأمور تجري في حياته وفق أحكام الشرع، فقد تحولت بعد وفاته من حركة إصلاحية دينية تخضع لها السلطة، إلى حركة سياسية أصبحت الدعوة فيها تابعة وخاضعة للسلطة، وتراجع دورها الإصلاحي أمام الصراع السياسي من أجل السلطة وتوارثها كما المهدية في السودان والسنوسية في ليبيا"  فالمطيري متمسك بمفاهيم وأفكار الدعوة الوهابية لكنه متحفظ على توظيفها من قبل السلطات الحاكمة في ترسيخ حكمها وهيمنها. ويعتقد المطيري أن الحرب على الوهابية هي جزء من الحرب على الإسلام التي تصاعدت حدتها مع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة.
الخلاف حول الدعوة الوهابية والجدل حولها لم يعد منحصرا فقط حول أصالة ووجاهة أفكارها مفاهيمها المجردة ومدى اتساقها مع نصوص ومقاصد الإسلام والشريعة بل وصل إلى قضايا تاريخية بحتة من قبيل "خروج " الحركة الوهابية عن الخلافة العثمانية. فخصوم الحركة يعتبرونها فرقة من فرق الخوارج أولا: لأنها ضمت بين أفكارها أفكارا غالية تكفر المسلمين بسبب مخالفات وبدع مرتبطة بالقبور والتوسل بالأولياء وهي في أشد صورها بدع مغلظة تستوجب التوبة وليست أعمالا كفرية يرتد مرتكبها عن الإسلام، وثانيا: لأن الحركة الوهابية خرجت عن طاعة الخلافة العثمانية باعتبارها خلافة شرعية. بينما يؤكد الطرف الآخر أن الحركة الوهابية لم تخرج عن الخلافة العثمانية ساردين نصوصا ومبرزين وثائق أن نجد كانت دوما تابعة للخلافة العثمانية ولم يحدث أن تمردت الوهابية عليها. 
لم يخفت السجال حول الوهابية بين مختلف قوى الإسلام السياسي في الخليج، بل أخذ في التصاعد والاتساع حتى وصل إلى منصات التواصل الاجتماعي ما أفسح المجال لأصوات وآراء أخرى تراوحت بين التسليم بالوهابية كفكرة إصلاحية ولحظة تجديدية ووجوب التصدي للحملات التي تستهدفها وبين يراها وجها آخر من وجوه الانحطاط الإسلامي واستقالة العقل المسلم.

صقر قريش.. فن تحويل النهايات إلى بدايات

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : أغسطس 26, 2020


عبد الغني مزوز---

كان عبد الرحمن بن معاوية شابا يافعا عندما تعرضت عائلته لعملية إبادة رهيبة من قبل أول خلفاء بني العباس، كان قدره أن يعيش في خضم تلك المرحلة الانتقالية العصيبة التي آل خلاها الحكم إلى خصومهم التاريخيين، ويكون بالتالي ضحية حقد وغل تراكم عبر قرون. خرج عبد الرحمن مستخفيا يبحث عن مكان يلوذ به ريثما تهدأ عواصف الثأر والانتقام. وصل إلى قرية في فلسطين ولبث فيها خائفا يترقب، إلى أن وصلت معلومة عن مكان تواجده إلى المخابرات العباسية فبعثت إليه مفرزة أمنية للقبض عليه، فغادر-كما يروي ذلك ابن الأثير- على وجه السرعة ووصل إلى قرية على ضفة نهر الفرات فاختبأ بها هو وأحد إخوته. لم يطل مكثه في القرية طويلا إذ سرعان ما لمح الرايات السود تقترب من البيت الذي يكمن فيه، قرر وأخوه أن يعبرا نهر الفرات سباحة، وما إن قطعا نصف النهر حتى وصل الجنود إلى ضفته، فطلبوا منهما الرجوع وأعطوهما الأمان، قرر عبد الرحمن أن يواصل السباحة بينما رجع أخوه وسلم نفسه، أمسك به الجنود وقاموا فورا بإعدامه ميدانيا وعبد الرحمن يشاهد من الضفة الأخرى المصير المروع الذي انتهى إليه أخوه.
 هذا المشهد من حياة عبد الرحمن بن معاوية يعطي انطباعا أن ما تبقى من حياته سيقضيه خائفا مستخفيا، يبحث عن الأمان في مكان لا يتعرف عليه فيه أحد، تمر عليه الأيام والسنين وذكريات تلك الفترة المشؤومة لا تفارق خياله، يتراءى له طيف جلاوزة بني العباس في نومه فيقوم جزعا مرتاعا والعرق يتصبب من جبيه. وآلام الفقد والفراق والوحدة تضفي على حياته كآبة لا تطاق. لكن لعبد الرحمن شأن آخر. إن شخصيته المتميزة تنطوي على عبقرية فذة وذكاء فريد. إن ما يمكن أن يعتبر نهاية مأساوية مترعة بالألم والمعاناة لم تكن عند هذا الرجل سوى بداية واعدة ومستهل رحلة مثيرة نحو المجد والقوة. لقد عرف كيف يحول ركام حياته المتداعية إلى أدوات وقطع لبناء حياة جديدة كما يريد لها أن تكون.
اجتاز عبد الرحمن القفار والأمصار وعبر البلدان والأقطار وحيدا شريدا طريدا، مواجها كل ما يعترضه من عقبات وخطوب بمضاء عزيمة ونفاذ صبر. كان بإمكانه أن يستقر بمصر من الأمصار ويعيش فيه بهوية أخرى ويقضي حياته مغمورا بين الناس إلى أن يوافيه أجله. لكن عبد الرحمن لم تطاوعه نفسه إلى حياة الدعة والراحة، لم يكن منطقه منطقا "معيشيا خبزيا"، فالرجل يحمل أجندة سياسية وسقف طموحات لا يعرف الحدود. إن حضارة أبهرت الإنسانية تنتظره ليضع حجر أساسها في أقصى الغرب. وصل عبد الرحمن إلى تخوم الأندلس، فوجد الظروف هناك مناسبة ليطرح برنامجه السياسي مستفيدا من ثقافته العالية وبلاغة خطابه وفصاحة لسانه.
بشيء من المداراة والكياسة جمع حوله عصبة وأتباعا، فمضى بما تحت يده وطوع أمره من الرجال، يمد سلطانه بالغزو والدم أحيانا وبالتألف والسياسة أحيانا أخرى. يسرف في القتل في موضع ويعفو ويصفح في آخر، إلى أن دانت له أكثر بلاد الأندلس وانقادت لحكمه وسلطانه. ولسوء حظ التاريخ أن عبد الرحمن قضى معظم حياته السياسية في الأندلس مشغولا بترسيخ أركان دولته ومعالجة الإضرابات السياسية التي طبعت تلك المرحلة، والتصدي لجيوب التمرد التي ما فتئت تظهر وتربك خططه في التوسع شمالا والتوغل في عمق أوروبا.
اللافت أن عبد الرحمن وهو بصدد التأسيس لدولته في الأندلس استمر يدعو لأبي جعفر المنصور الخليفة العباسي في بغداد على المنابر مقرا له بالخلافة، لم يرغب في فتح جبهات أخرى بإمكانه أن يرجئ أمرها إلى حين. لكن ما ان أمسك بزمام الأمور حتى منع الدعاء للعباسيين، وسحب اعترافه الصوري بخلافتهم. وبما أن مشاهد المذابح الفظيعة التي تعرضت له أسرته ما تزال طرية في ذاكرته، فقد قرر أن يسير بجيش ضخم إلى الشام ليأخذ بثأر أهله ويسترد الخلافة من بني العباس، ولم يحل دون تنفيذ مخططه هذا سوى اضطراب الأمور في مدينة سرقسطة واضطراره إلى الإشراف شخصيا على عملية إعادة الاستقرار إليها.
لقد أبدى كبار المؤرخين إعجابهم بهذه الشخصية العظيمة فقال عنها ابن خلدون في تاريخه:" كان يعرف بعبد الرحمن الداخل لأن أول داخل من ملوك بني مروان هو، وكان أبو جعفر المنصور يسميه صقر بني أمية لما رأى ما فعل بالأندلس، وما ركب إليها من الأخطار، وأنه صمد إليها من أنأى ديار المشرق من غير عصابة ولا قوة ولا أنصار فغلب على أهلها وعلى أميرهم، وتناول الملك من أيديهم بقوة شكيمة وإمضاء عزم. ثم تحلى وأطيع وأورثه عقبه" وقال عنه ابن حيان مؤرخ الأندلس: "كان عبد الرحمن راجح الحلم، فاسح العلم، ثاقب الفهم، كثير الحزم، نافذ العزم، بريئاً من العجز، سريع النهضة في طلب الخارجين عليه، متصل الحركة، لا يخلد إلى راحة، ولا يسكن إلى دعة، ولا يكل الأمور إلى غيره، تم لا ينفرد في إبرامها برأيه، شجاعاً مقداماً، بعيد الغور، شديد الحذر قليل الطمأنينة، بليغاً، مفوهاً، شاعراً، محسناً، سمحاً، سخياً، طلق اللسان" وقال عنه المؤرخ محمد عبد الله عنان في كتابه دولة الإسلام في الأندلس:" كانت مهمة عظيمة دونها خطوب فادحة. أن يطمح فتى شريد، يعمل القتل الذريع في أسرته وعصبته، وحيد ليس له أنصار ولا صحب، إلى افتتاح قطر عظيم زاخر بالقادة والجند، وأن يخضع ذلك القطر في حروب لا يخمد أوارها، وسيول من الدماء لا تنقطع، وأن يقيم ملكاً على بركان يضطرم من الثورة والمؤامرة والخصومة".
كان يمكن لعبد الرحمن بن معاوية أن يستغل بلاغته في القول ونظم الشعر ويضيف إلى رصيد العرب من شعر الحزن والرثاء عدة قصائد، لما نزل به من شتى ضروب الأذى وما قاساه من لوعة الفقد وغصة الفراق، لكنه فضل عوضا عن ذلك أن يرسي أسس حضارة ما يزال العالم مدينا لها بجزء من تقدمه. إن تجربة "صقر قريش" تعطي مثالا حيا على القدر اللامحدود من الخيارات التي تعرض أمام الإنسان حتى في أشد لحظاته بؤسا وحرجا. إن الإنسان صدقا -وكما تنادي بذلك الوجودية- ليسبح في سماء ممتدة من الإمكانات. وإن أشد النهايات يأسا وقتامة ومأساوية لن تكون كذلك إلا بالقدر الذي نريد لها أن تكون. ثمة دائما خيارات ومنافذ للخروج في الزوايا التي لم ننتبه لها، علينا فقط أن نتحرر من أنماط التفكير السائد والعقلية المنفعلة التي تستنزفها دوامة اللحظة الراهنة ولا تستطيع أن تنظر أبعد منها. لماذا نهدر كل مواردنا في تفاصيل تكتيكية ولو كانت مجدية على حساب الاهتمام بالأبعاد الاستراتيجية لوجودنا وحركتنا.

هل تلعب جبهة البوليساريو في الجزائر دور حزب الله في سوريا؟

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : أغسطس 26, 2020


عبد الغني مزوز---

أكدت الأنظمة العسكرية العربية ابتداء من أواسط القرن الماضي وصولا إلى لحظة الربيع العربي ومآلاته الكارثية أنها تصدر عن رؤية واحدة وتتبنى منطقا واحدا تجاه قضايا الإنسان والحرية والتنمية والسياسة والحكم إلى الدرجة التي تسعفنا على القول بأن النظام العسكري العربي عبارة عن بنية واحدة توزع تأثيرها على أكثر من قطر وبلد. وهذا راجع أساسا إلى جذور نشأة هذه الأنظمة وطبيعة العقيدة القتالية التي ورثتها جيوشها عن حقب الاستعمار، والأدوار التي اضطلعت بها في العقود التالية وهي تمسك بقبضة من حديد مفاصل الدولة والمجتمع.
كان النظام العسكري في الجزائر نموذجا صارخا لارتهان مصير الوطن بإرادة نخبة من الجنرالات الذين لم يترددوا في تحويل الوطن إلى بركة من الدماء عندما استشعروا أن امتيازات السلطة والنفوذ قد تُنتزع منهم. وبينما خرج الجزائريون من نفق العشرية السوداء، دخلت شعوب عربية أخرى ذات النفق، ومن نفس البوابة: اعتراض المسار الانتخابي الديمقراطي وإلغاء إرادة الشعوب ومحاربة الإرهاب، واستبداد نخبة عسكرية بالحكم والسلطة.
لا يبدو أن الحراك الشعبي في الجزائر -الذي نجح حتى الآن في الإطاحة بالرئيس بوتفليقة- مقتنعا بالخطاب الذي يروجه الجيش الجزائري على لسان قائد أركانه "قايد صالح"، فشعار المتظاهرين لايزال مختزلا ومكثفا في عبارة موجزة " يتنحاو كاع" وتعني ببساطة اسقاط منظومة الحكم القائمة بكافة رموزها وأركانها وعلى رأسهم جنرالات العسكر المتنفذين. وإذا كان الشعب من جهة متشبثا بمطلبه هذا ومصرا على البقاء في الشوارع والساحات إلى أن تتحقق أهداف انتفاضته، ومن جهة أخرى لا يوجد ما يبعث على الاعتقاد بأن جنرالات الجزائر سيتخلون عن السلطة نزولا عند رغبة الجماهير، فإن السيناريو الأثير لدى الأنظمة العسكرية يبدو واردا جدا. إنه السيناريو الذي يُستباح فيه الوطن وتسير فيه الدماء مدرارا ويتم فيه الاستعانة بميلشيات الموت والظلام حتى يعود الشعب أو ما تبقى منه إلى حظيرة الطاعة من جديد.
غالبا ما تكون الأنظمة العسكرية عامل اضطراب وعدم استقرار لمحيطها، فهي بحاجة دائما إلى افتعال أزمات في الجوار لصرف الأنظار عن مشاكلها الداخلية، رأينا هذا في حروب ليبيا مع تشاد ومصر مع اليمن وسوريا مع لبنان والجزائر مع المغرب. وفي كثير من الأحيان تعمد هذه الأنظمة إلى خلق كيانات وهمية وتسمينها لتكون يدها العابثة بالدول والمجتمعات، تحت شعارات شتى مثل "المقاومة" و" الممانعة" أو "الاستقلال" و"تقرير المصير". وتكون لهذه الكيانات وظيفة مزدوجة فهي بمثابة حصان طروادة للاختراق والابتزاز وصناعة الأزمات وهي أيضا ميلشيات احتياطية يتم استدعائها عند الحاجة خصوصا عندما تنفلت الأوضاع في الداخل وتكون الحاجة ماسة إلى قوة خارج القانون لإعادة ضبطها من جديد.  
لقد رأى الجميع كيف تحول حزب الله اللبناني إلى قوة لنشر الفوضى والخراب في كثير من البلدان، خصوصا في سوريا حيث ثم توظيفه من قبل بشار الاسد في معاركه ضد الشعب الثائر، وارتكب فعلا مجاز فضيعة في القصير وحمص وحلب ومناطق أخرى، وكانت لمشاركته في المعارك دور رئيسي في عودة قوات النظام إلى السيطرة مجددا على أهم معاقل الثورة، دون أن ننسى أن الحزب صار كيانا موازيا للدولة في لبنان، ويملك من الموارد والإمكانيات ما يجعل أصغر عنصر فيه فوق أي مسائلة قانونية. لقد كان استثمارا مربحا إذن بالنسبة للنظام السوري، جعله لا يندم على أي "مليم" أنفقه عليه على مدار العقود الماضية. وشكلت شعارات "المقاومة" و"الممانعة" و"القضية الفلسطينية" غطاء فعالا على الأجندة الحقيقة للحزب حتى استطاع بناء ذاته ومد أدرعه في مفاصل الدولة والمجتمع في لبنان. 
تجربة النظام السوري مع حزب الله في لبنان تحيلنا على تجربة أخرى وإن تعذر حتى اللحظة الجزم بأنها ستأخذ ذات المسار، مع أن الظروف والسياقات المرتبطة بالتجربتين لا تستبعد ذلك مطلقا. إنها تجربة النظام العسكري في الجزائر مع ما يسمى بجبهة البوليساريو، وجبهة البوليساريو كما يعرف المهتمون كيان ميلشياوي صُنع على عين جنرالات الجزائر ليكون للمغرب عدوا وحزنا. وقد ثم استثمار موارد هائلة في سبيل رعاية هذا الكيان وتسويقه في المحافل الإقليمية والدولية على أنه يمثل "دولة" تبحث لشعبها عن حق "تقرير المصير" و"الاستقلال" و"التحرر من الاحتلال"، وهي الشعارات نفسها التي توارى خلفها المشروع التخريبي لحزب الله بإيعاز من النظام العسكري الطائفي في دمشق حتى يتأتى له الاضطلاع بالمهمات القذرة التي أُنيطت به لاحقا. لا يتمنى أحد أن يتكرر السيناريو السوري في الجزائر، لكن لو قرر جنرالات الجزائر المضي في مغامراتهم المجنونة في عرقلة طموحات الشعب الجزائري، وتحدي الإرادة الشعبية التي تحررت من هواجس العشرية السوداء فلن يجدوا من يسايرهم في مغامرتهم تلك سوى ذلك الكيان الذي استثمروا فيه مقدرات الجزائر حتى ارتبط –وجوديا- مصيره بمصيرهم. سيُلقي ذلك الكيان بكل ثقله في المواجهة ضد تطلعات الشعب الجزائري، وسيحول بكل ما أوتي من قوة وحيلة دون سقوط من كان سببا في وجوده وبقائه عقودا من الزمن.
لقد أفصحت انتفاضة الجزائريين عن وعي عميق بطبيعة النظام العسكري الجاثم على صدورهم، وأفصحت أيضا عن قدر كبير من الذكاء والفطنة إزاء ألاعيب الجنرالات. سترى على شاشات التلفزيون حشودا على مد البصر يرفعون شعارات وأعلاما تعبر عن القضايا التي تفاعل الشعب الجزائري معها وجدانيا وتبوأت مكانة مركزية في قناعاته السياسية والنضالية. ستجد طبعا علم الجزائر وعلم فلسطين وعلم الأمازيغ وعلم الثورة السورية ولن تجد مطلقا أي جزائري بحمل علم الكيان المزعوم المسمى "بالجمهورية الصحراوية" أو حتى شعارا مؤيدا لها، فلا أحد من الجزائريين سيقبل أن يكون منصة لترويج "الوهم" الذي وظفه الجنرالات لحرف الأنظار عن أزمات الداخل، وبددوا من أجل تسمينه ثروات البلد ومقدراته. فالشعب الجزائري لم يعد يستهلك الشعارات التي درج النظام على ترديدها عبر أدرعه ومؤسساته السياسية والإعلامية، والمعنى الكامن في الشعار الجامع المانع الذي رفعه الجزائريون "إتنحاو كاع" يعبر بوضوح تام عن انعدام الثقة بين الجماهير الغاضبة وبين النظام بكافة رموزه وأركانه، وفقدان الثقة في النظام يعني بالمحصلة التوقف عن تصديق السرديات التي اعتاد على ترويجها، وكانت في السابق تجد من السذاجة وحسن النية ما يكفي لتمريرها بل والتهليل لها أحيانا.

هل بات طريق طالبان إلى السلطة سالكا ؟

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : أغسطس 26, 2020

عبد الغني مزوز---

تناول أغلب المعلقين والمتابعين للاتفاق الذي تم توقيعه في الدوحة بين الولايات المتحدة وحركة طالبان على انه اتفاق تاريخي سينهي عقدين من القتال الضاري في أفغانستان. وهي قراءة تفاؤلية للحدث لها ما يبررها لكنها تتجاهل واقعا أشد تعقيدا ويحث على مزيد من الحدر قبل أن نصف الاتفاق بأنه نهاية للصراع في أفغانستان أو حتى بداية النهاية لهذا الصراع.
المعطى الذي لا يقبل الشك في هذا السياق هو ترامب الرأسمالي المولع بالصفقات الناجحة والمتبرم من النزيف الحاد للميزانية دون عوائد تذكر يريد أن يضع حدا لمغامرة متهورة كلفت دولته الكثير. والمعطى الآخر الذي لا يقل أهمية هو أن طالبان باتت رقما إقليميا صاعدا، فإضافة إلى أنها تسيطر فعلا على الجزء الأكبر من الجغرافيا الأفغانية فإنها أيضا بحكم علاقاتها واتصالاتها مع روسيا والصين وإيران وغيرها من الدول لم تعد منبوذة أو معزولة أو محاصرة ولم يعد بالتالي وصمها بالإرهاب أمرا ذا جدوى. والمنطق والسياسة يقتضيان في هذه الحالة المبادرة إلى فتح صفحة جديدة معها يكون فيها الحوار والمصالحة والاعتراف المتبادل عناوين رئيسية.
لقد استثمرت الولايات المتحدة كثيرا في واقع ما بعد سقوط طالبان، ورصدت ميزانيات طائلة لهندسة مجتمع أفغاني جديد يبرم قطيعة حادة مع المجتمع القبلي المقاتل المشبع بالروح الإسلامية، وإرساء نموذج ديمقراطي في الحكم وتداول السلطة ينقل البلد إلى مصاف الديمقراطيات الناشئة. غير أن الولايات المتحدة فشلت في مهمتها فشلا دريعا وفي كافة النواحي والصعب، لقد تمخض عن الغزو الأمريكي وخطط تحديث البلد واقع أعمق بؤسا وأشد تفككا، تضاعفت فيه معدلات انتاج وتصدير وتعاطي المخدرات، وتحكم أمراء الحرب وزعماء الميلشيات بمقدراته، وارتفعت نسب العنف والفوضى، وتحولت العملية الديمقراطية إلى موسم للتزوير والمنافسة غير الشريفة وتصفية الحسابات بين زعماء الحرب وبارونات المخدرات، دون أن ننسى أن أفغانستان تحولت إلى بؤرة ينشط فيها وبقوة تنظيم الدولة (ولاية خراسان).
موازاة مع هذا الإخفاق الأمريكي وفشل مشروعها في أفغانستان بدا أن حركة طالبان قد استفادت من أخطائها، وكيفت أدائها السياسي والعسكري مع التحولات التي عرفها العالم. فتحت قنوات ومكاتب اتصال، وجابت وفودها دولا عديدة، وأقامت علاقات مع دول وقوى وازنة ومؤثرة. هذا إضافة إلى ارتفاع وثيرة هجماتها ضد القوات الحكومية والأجنبية. وصارت تتعامل مع الأزمة بمنطق المطاولة والمناجزة الممتدة، والنفس الطويل. وطبخ انتصارها على نار هادئة، والاستعانة بكل الأساليب القتالية التي تؤمن قدرا كبيرا من النكاية وبتكلفة زهيدة نسبيا مثل الإغارة والكمائن والعمليات الانتحارية وتلغيم الطرق وخطوط الإمداد بالعبوات البدائية الفتاكة وغيرها. وهي تكتيكات فعالة ومميتة ولا يمكن للترسانة الحربية والتكنولوجية المتفوقة للولايات المتحدة التصدي لها أو الحد من تأثيرها بشهادة كبار الجنرالات والخبراء العسكريين، وإن شئت فانظر على سبيل المثال مذكرات الجنرال ديفيد بتريوس (بكامل رصيدنا) وفيها اعتراف بالتحدي الكبير الذي مثلته الأساليب القتالية لطالبان بالنسبة للقوات الأمريكية والحكومية والتحالف الدولي بشكل عام في أفغانستان.
في تقديري أن الاتفاق الأخير الموقع في الدوحة هو بالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمثابة أفضل "تخريجة" متاحة يمكنها أن تحرر الولايات المتحدة من كابوس حرب لا نهاية نها، وفي نفس الوقت تحفظ بعض الهيبة وماء الوجه لأعظم قوة في التاريخ. فالولايات المتحدة تدرك جيدا أن طالبان عينها على كابل، وتريد استعادة زمام السلطة في كل أفغانستان لصالحها، وأن الحوار الأفغاني-الأفغاني الذي تريده الولايات المتحدة أن يكون مرحلة أخرى من مراحل حل الأزمة، هو في حقيقته نأي بالنفس ورغبة في إعطاء الفرصة للفرقاء الأفغان ليحلوا مشاكلهم بالطريقة التي يرونها مناسبة لهم. وإذا ما حصل خلاف بينهم أثناء الحوار والمفاوضات فإن حسم هذا الخلاف سيكون بالتأكيد للبندقية وبالتالي إعادة انتاج لحظة ما بعد خروج الاتحاد السوفيتي وما خلفه من فوضى واقتتال بين الفصائل الأفغانية والذي انتهى بسيطرة طالبان على السلطة في البلاد.
ما لا ينتبه إليه الكثيرون أن طالبان تعبر عن نفسها باعتبارها "إمارة إسلامية" يعني منظومة للحكم والسلطة وعناصرها بايعوا زعيمهم باعتباره أميرا للمؤمنين، وبهذا الصفة وقع زعماء الحركة الثلاث كل خطاباتهم ورسائلهم، أي أنها لا تنظر إلى نفسها كحزب سياسي أو ميلشيا عسكرية تنافس للحصول على حصتها في السلطة والثروة، بل تقدم نفسها كحكومة شرعية جرى تحييدها عن الحكم بواسطة غزو أجنبي، ولم تزدها سنوات الحرب الطويلة سوى إصرارا على استعادة زمام الحكم في أفغانستان ، فكيف يمكن اقناع هذه "الامارة" العنيدة بعد عشرين عاما من المعارك الشرسة أن موقعها في خريطة أفغانستان السياسية بعد خروج القوات الأجنبية سيكون هامشيا، وأن عليها الخضوع في آخر المطاف  لشروط اللعبة السياسية كما أسسها الغزو الأجنبي، وتنخرط في منظومة هي في أصلها وفصلها من مخرجات الاحتلال الذي لطالما قوامته بكل ضراوة.
باختصار، ستخرج القوات الأجنبية من أفغانستان وسيعقب هذا الانسحاب فوضى سياسية وأمنية سيعجز الفرقاء عن السيطرة عليها وتدبيرها، وسيحتكم الجميع إلى ما تحث أيديهم من السلاح والنفوذ وأوراق القوة، وستسيطر حركة طالبان من جديد على كابل، وستطارد زعماء الحرب ورؤوس تحالف الشمال، وستخرجهم من دائرة القرار والتأثير. وسيبدأ صراع جديد بين "الإمارة الإسلامية" والولايات المتحدة، تتكئ فيه هذه الأخيرة على سلاح العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية ومخططات الاحتواء والاختراق وشق صفها وتفكيكها من الداخل من خلال جرها إلى مساحة لعب جديدة لا يمكن لطالبان أن تزرع فيها عبوة على جانب الطريق أو تعترض قافلة امداد عسكرية في جنح الليل. فعناصر حركة طالبان وهم مجموعة من الأفراد الذين يغيرون ليلا ويكمنون نهارا، ويسيطروا على قرية في الصباح وينسحبون منها في المساء، لن يكونوا كذلك وهم مثقلون بأعباء الحكم والسلطة، ويتحملون مسؤولية شعب ينتظر منهم الرعاية وتوفير متطلبات الحياة ومقومات العيش، ولا أستبعد أن يكون هذا السناريو حاضرا في العقل الاستراتيجي الأمريكي وهو يوقع اتفاق السلام مع الحركة.
بعد ان انتهيت من تحرير هذا المقال وقبل إرساله للنشر طالعت تقريرا على الجزيرة نت، يفيد بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صرح بأنه لا يستبعد عودة طالبان إلى الحكم ويطالب الحكومة الأفغانية بضمان أمنها بنفسها. وفي هذا التصريح تأكيد لما رجحنا وقوعه من السيناريوهات في المرحلة القادمة، وأن عودة حركة طالبان للحكم هو مسألة وقت لا أكثر، وعودتها للحكم لا يعني نهاية للصراع وإنما نقل له إلى مستوى آخر.. الخسائر فيه لا تقاس بمعدل القتلى والجرحى بل بمؤشرات السوق.

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير