7/19/2016

العلمانية المحمودة.. تأبين الإسلام السياسي

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : يوليو 19, 2016

عبد الغني مزوز ---

في 19 /05/2016 أعلن الشيخ راشد الغنوشي رئيس حزب النهضة في تونس في تصريح بالغ الدلالة لصحيفة لوموند الفرنسية أن حزبه قد "خرج من الإسلام السياسي ودخل في الديمقراطية المسلمة" وأن الإسلام السياسي قد "فقد مبرر وجوده في تونس بعد الثورة" وعرف حزبه بأنه " حزب سياسي، ديمقراطي ومدني له مرجعية قيم حضارية مسلمة وحداثية". 

لا شك أن الشيخ الغنوشي كان على قدر كبير من الشجاعة، وقدر أقل من الصراحة، وهو ينعي الإسلام السياسي، بعد رحلة طويلة من الكفاح امتدت لعقود، تخللتها فترات من السجون والمطاردة والمنافي، لتستوي سفينة الإسلام السياسي –بفضل ثورات الشعوب- على جودي السلطة، قبل أن تنزاح عنه لتهوي في وادي التيه في مشهد عبر عن بؤس منطق الإسلام السياسي وعجزه المزمن. مع حصيلة ثقيلة من الفشل والإخفاق من جميع النواحي وكافة الصعد، إلى الدرجة التي كان فيها إعلان الغنوشي موت الإسلام السياسي إعلانا طبيعيا ومجرد إخطار بانتهاء حقبة شهد الجميع نهايتها وعاين أفولها.

يجادل أنصار الإسلام السياسي على أن الشيخ الغنوشي لم يكن يقصد علمنة النهضة عندما عرفها خارج أطر الإسلام السياسي ونزهها من منه، بل قصد تجديدا قيميا لها وتأكيدا على ازدواجية مرجعيتها الإسلامية و الحداثية. لكن العلمانية ليست مفهوما هلاميا صعب التحديد حتى يتعسر تصنيف الأفكار والكيانات والمؤسسات بين علمانية وغير علمانية، صحيح هناك درجات متفاوتة من العلمنة تناولها المفكر الراحل عبد الوهاب المسيري في كتابه المهم " العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة" لكنه أدرجها كلها في النطاق العلماني. والعلمانية كما تقترفها النهضة وانطلاقا من النموذج الذي قدمه المسيري هي علمانية جزئية لأنها تُقصي المعطى الديني من المجال العام، أي بالتعريف المتداول (فصل الدين عن الدولة) أو بعبارة أوضح نطق بها النهضويون بعظمة لسانهم ولم يتقولها عليهم أحد "فصل الدعوي عن السياسي ".

الرئيس التونسي السابق منصف المرزوقي مفكر كبير وسياسي مخضرم وحليف سابق للنهضة في الحكم، لم يكن يحتاج لتصريحات الغنوشي ليكتب عن نهاية الإسلام السياسي وهو الذي قاسمه السلطة وواكب تحولاته؛ من شريك النضال و المحنة والثورة إلى رديف للإنقلاب وحليف للثورة المضادة، حيث كتب يقول في مقال بالغ الأهمية بعنوان (الموجة الإسلامية..هل بدأ الجزر ) : " فعوض أن يوثق الإسلام السياسي المدني تحالفاته مع القوى الحاملة لمشاريع المستقبل نراه في أكثر من بلد عربي يسعى ليُقبل به شريكا داخل المنظومة التي انتفضت ضدها شعوب الربيع العربي، وذلك بعد أن سلّم بعجزه عن أن يكون لها بديلا" وأضاف : " لننتبه لمغزى التخلي عن صفة الإسلامي في اسم مثل هذه الأحزاب وفي مرحلة ثانية تنصلها من المرجعية الإسلامية نفسها. لقد عرفت الأحزاب الشيوعية نفس الظاهرة في مرحلة أفولها حيث غيرت هي الأخرى أسماءها وادعت القطع مع مشروع دكتاتورية البروليتاريا لتلبس مسوح الديمقراطية واعتماد اشتراكية وردية لا تخيف أحدا؛ لكن محاولة الإنقاذ هذه لا تمنع الانحسار بل تسرع به، النهاية في هذا المسار؛ انقلاب جل الأحزاب الإسلامية إلى أحزاب يمينية تبحث عن موقع في السلطة ولو بثمن التناغم مع إملاءات الخارج ورأس المال الفاسد وغير الفاسد، أي بكل الوسائل السياسة المكيافيلية الكلاسيكية. إنه السقوط النهائي لمعادلة "الأسلمة"، الأخلقة"، حيث لم تنجح هذه الأحزاب في "أخلقة" السياسة كما ادعت طيلة فترة المدّ وكما أمل كل الذين ساندوها."

المرزوقي لا يبدو أنه يلقي الكلام جزافا أو أنه يسعى للنكاية بحليف قديم تخلى عن قيم الثورة و العدالة والديمقراطية لحساب قيم السلطة والمنفعة الفردية وإن كان ذلك هو ما حصل، لكنه يصف واقعا كان شاهدا عليه ويضعه في سياقه الصحيح حيث كل الكيانات والأيديولوجيات الإنتهازية عجلت بموتها من حيت أرادت تأبيد نفسها.

بعد تصريحات الغنوشي لصحيفة لومند الفرنسية توالت التصريحات منه ومن قادة حزبه ومن غير حزبه، كلها تدفع في الاتجاه الذي سارت فيه تصريحاته الأولى، بعضها جريء إلى حدود بعيدة وبعضها خجول، وبعضها الآخر مصاغ بدبلوماسية أكثر وعبارات منتقاة تعطي هامشا من المناورة والمراجعة لو اقتضى الأمر في المستقبل. ولأن شجاعة الغنوشي تعوز كثيرا من رموز الإسلام السياسي فإنهم استغلوا غبار التصريحات وضجيج الجدل حول الموضوع ليعلنوا تباعا عن عزمهم المضي في مسار " العلمانية المحمودة" عبر فصل الدعوي عن السياسي، والتنصل من المرجعية الإسلامية الخالصة، والاستعاضة عنها بمرجعية هجينة –لا تستقيم إلا في أدهانهم- تجمع بين قيم الإسلام الصحيح ومعطيات الحداثة، عبر تحويل أحزابهم إلى أحزاب مدنية تمارس السياسة بأريحية تامة بعد أن أخد الله ما له وترك لقيصر نصيبه.

سيكون ممتعا وثريا ذلك النقاش حول فلسفة الحداثة وما يتصل بها من المفاهيم والمواقف والرؤى والتصورات، والنقاش حول الدين والدولة والنظام الإسلامي والدولة المدنية والتعددية وغيرها، مع أن المواضيع الأخيرة باتت تبعث على الملل لكثرة ما طرقت وما سود عنها من صحائف. غير أن جوهر الإشكالية قطعا ليس في الحداثة ولا في الإسلام، جوهر الإشكالية كامن في غواية السلطة ليس إلا. و بالتالي لا ينبغي أن ننخدع؛ إن كان القوم يخدعون أنفسهم أو تخدعهم أنفسهم. وكل نقاش نظري وفلسفي لا يجدي بل لا يليق أمام عقلية تريد أن تستوطن السلطة بأي ثمن، والموقع من السلطة هو المحدد الوحيد والأوحد لما تعتنق من أفكار وأيديولوجيات، فطبيعي جدا أن تحتفي بفكرة ما حينا وتنقضها حينا آخر، وترفع شعارا في مرحلة وترفع ضده في مرحلة أخرى، كل هذا قياسا لموقعها من السلطة قربا وبعدا، فالسلطة هي المحور الذي يدور حوله ما سواها.

ثمة حالة يمتاز بها حقل العمل السياسي الإسلامي، ولعل نموذج النهضة التونسية خير مثال على ذلك، وهي ظاهرة الزعامات العابرة للعصور ! كل شيء قابل للتجديد والتجاوز سوى القيادات؛ تجديد الدين، تجديد الخطاب السياسي، تجديد المواقف السياسية، تجديد المرجعيات القيمية، تجديد الأفكار المؤسسة، تجديد المؤسسات... كل هذه الأنماط من التجديد مرت بها حركات الإسلام السياسي ونادت بها ونظرت لها، ورأت في ذلك عنوانا للتقدم والانفتاح ومواكبة لروح العصر الذي يفرض التطور ويحارب الجمود، لكن الحديث عن تجديد القيادات وإحالة بعضها على التقاعد رحمة بها وبالعمل السياسي وضخ دماء جديدة في شرايين الفعل السياسي الإسلامي من الطابوهات التي لا يُقبل أن يحوم حولها نقاش التجديد والتحديث، لذا تجد قيادات إسلامية متربعة على عرش الزعامة مند السبعينيات، و لا ترى بأسا في التنظير للتجديد والتطور مند ذلك الحين إلى الآن في مفارقة عجيبة أوحاها سادن "شجرة الخلد و ملك لا يبلى".

لو تحلينا بشيء من الصراحة لقلنا بمنتهى الوضوح، إن ما اقترفته حركة النهضة –وقبلها وعلى إثرها- حركات إسلامية أخرى ليس فصلا للديني عن السياسي وإنما " إعادة لتسييس الدين" أي إعادة توظيف المعطى الديني بما يخدم الأجندة السياسية لهذا الحزب الإسلامي أو ذاك، في سياق التحولات السياسية والاجتماعية التي مست مجمل الأقطار العربية، بعد هبوب رياح الثورات المضادة، وأخاديد ما بعد الانقلاب.

لقد كان "الدين" في فترة من الفترات عاملا هاما من عوامل الحشد والتعبئة في معارك واستحقاقات الإسلام السياسي الانتخابية، وضمانة أساسية من ضمانات الكسب السياسي وتصدر المشهد، ولذا كان اللجوء إلى الشعارات والهتافات الإسلامية والسمت الإسلامي ضرورة من ضرورات السياسية. أما وقد غدا السمت الإسلامي والشعار الإسلامي.. لا يستتبعان سوى الحصار والانقلاب والإقصاء من السلطة، في ظل مكارتية مرهفة تنظر بعين الريبة إلى كل أشكال الفعل الإسلامي وتمظهراته المختلفة فإن الإنعتاق منها و من إكراهات " المرجعية الإسلامية" و " شمولية الإسلام" و إلزامات " الإسلام هو الحل" ضرورة وجودية، دفعا لشبهة "الأخونة" و " الفاشية الإسلامية" ولإقناع العالم إلى أي مدى يمكن للإسلاميين وهم في هرم السلطة أن يكونوا منفتحين ومتعاونين -ومزايدين -على الغرب المستنير في مساعيه لنشر التحديث والدمقرطة ومحاربة الأصولية الدينية والتطرف الإسلامي. 

من هنا كانت الحاجة ماسة إلى خطاب ديني جديد لإسلاميي السلطة يناقض تماما الخطاب الديني لإسلاميي ما قبل السلطة. وبالتالي البحث في الفضاء الإسلامي عن مساحات أخرى لتشييد شرعيات رثة، تكرس للمكسب السياسي وتشرعن لغواية السلطة وللتحالفات المشبوهة على حساب الهوية والمرجعية الإسلامية وسردية "الإسلام هو الحل " التي قام عليها بنيان الإسلام السياسي مند انطلاقته. وسيكون ذلك تحث عناوين مختلفة لعل أكثرها تداولا: " فصل السياسي عن الدعوي" وهي عبارة تعني في أصلها وفصلها وسياقها هزيمة الإسلام السياسي وموته الذي تأخر عن أوانه، فعمر أكثر مما ينبغي قياسا إلى التناقضات الشرعية والفلسفية التي ماجت في بنيته مند عقود. ولم تكن فاجعة رابعة سوى التجسيد الرمزي والمأساوي لتلك النهاية الأليمة. ليسدل الستار على حقبة الأيديولوجيات السائلة داخل حقل الفعل الإسلامي ليبقى المجال فسيحا أمام السرديات الصلبة الصاعدة. وتستمر ما كانت تعرف بحركات الإسلام السياسي في أدائها السياسي صادرة عن "علمانية محمودة" بعد أن قطعت آخر حبل رفيع يربطها بــ "مرجعية الإسلام" وشعار "الإسلام هو الحل"، لتكون في حل من أي تسويغ أو تكييف شرعي أو أخلاقي لأي مشروع أو خطوة تفرضها ضرورة السلطة؛ وصولا لها أو حفاظا عليها.

عودة تمثال الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة-رائد نزعة استئصال الإسلاميين- إلى مكانه في العاصمة التونسية إجراء لا تخفى دلالاته، إنها لحظة تتويج العلمانية بالنصر، ودخول الإسلاميين في دينها أفواجا. 


https://twitter.com/mazoz_abdlghani


ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير