12/11/2012

الاحتساب المدني

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : ديسمبر 11, 2012
بقلم د محمد العبد الكريم---
بدل أن ندافع عن الاحتساب المشوه، والممانعة المتخلفة، ونقف خلفها صفوفاً متراصة، ونتهم المخالفين بأسوأ النوايا وأقبح الصفات، فإن في الدعوة للاحتساب أو الجهاد المدني، تحقيقا لمقاصد الشريعة ونصرة للدين وإقامة للعدل وردا للمظالم، فإذا قام الناس بالفريضة على هذا النحو، وأفنوا أعمارهم من دون عنف مسلح، وضحوا بأنفسهم وأموالهم داخل أوطانهم لأجل التغيير والإصلاح، فقد بدأت الأمة في الأخذ بالسنن الإلهية الربانية في الإصلاح.. ولقائل أن يقول، ولم الإدعاء بأن الحسبة القائمة اليوم هي احتساب مشوه؟ لأنها لا تقيم قصد الشارع في الفريضة، ولا تحقق الحد الأدنى من الحياة الكريمة، فواقع الاحتساب اليوم قد تشكل من خلال الإرادة السياسية، وزاد من تشوهه كثرة أخطاء العاملين فيه، فقد تركوا يصارعون قوى المجتمع من أجل حفظ الأعراض ومكملاتها...
مقدمة:
من الممكن أن يموت الإنسان في سبيل المبدأ من دون أن يواجه الظلم بالتخطيط المسلح، ومن دون أن يحمل على عاتقه السلاح ليواجه جور الحكام برصاص البنادق.
هذا الممكن هو نص حديث النبي عليه السلام (أعظم الشهداء عند الله تعالى حمزة ورجل قام إلى ذي سلطان جائر فأمره ونهاه فقتله)، وحديث غلام بني إسرائيل. وهما العينتان الناطقتان باسم الاحتساب المدني:
والحديث الأول، يكشف عن مصدر العنف المسلح ويضعه في جانب السلطان الجائر، فهو القاتل، بينما المقتول يجاهد بالكلمة جهاداً مدنياً متجرداً من كل أدوات العنف بل يفتح صدره لاستقبال الرصاص.
أما حديث غلام بني إسرائيل، فقد حقق انتصاراً لقضيته بمقتله على يد الحاكم، بعد أن اجتمع الناس فرأوا تضحيته في سبيل رسالته فانتهى المشهد بإيمانهم ودخولهم فيما كان يدعوهم له من دون أن يرفع سيفاً أو يكسر سوطاً لحاكم!
إننا نسعى في هذه الدراسة لبناء الاحتساب المدني في فضاء مقاصد الشريعة، لكي نثبت بها مقدرته على تحقيق خيرية الأمة. تلك الخيرية التي لا تتحقق بأجهزة الاحتساب الحكومية، مهما طورت في قدرات العاملين في ميدان الاحتساب. لأن مبنى الخيرية على تحقيق الضرورات، وما تقوم به أجهزة الاحتساب الحكومية لا يحقق إلا المكملات أو الحاجيات.
وقد أشار الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى إلى أن قيام الحاجي أو التكميلي لا يغني عن قيام الضروري، بخلاف ما إذا قام الضروري ولم يقم الحاجي أو التكميلي.
إن نشر ثقافة الاحتساب المدني سوف تحل بدلاً عن أخطر الوسائل في الإصلاح، وأخطر الوسائل الوهمية في الإصلاح ما يلي:
أولها: الصمت الذي دلت مفاسده على فداحة الأضرار التي تضاعفت، ولم يكن السكوت حكمة وسياسية ومصلحة، كما ادعت بعض الأيدلوجيات السلفية في تقنياتها السياسية مع الحكام.
ثانياً: عن العنف المسلح، الذي يقود إلى هتك الاستقرار.
ومن الأسباب التي تدعو لنشر ثقافة الاحتساب المدني:
أن التدين يخلق انفعالات نفسية وينقل المرء من حالة إلى حالة أخرى يتعبأ شعورياً ضد كل منكر، ويأنف من وجوده، وتزداد أنفته في المجتمعات المغرورة التي ترى أفضليتها المطلقة على كل المجتمعات، فالثمن الباهظ للغرور يتسبب في نزعات عنف دائمة، بسبب حساسية المنكر.
وهذه التغيرات النفسية التي تحدث لدى المتدين يتولد عنها مدد عاطفي، وطاقة تدفع لتغيير المنكرات والمحدثات من دون انتظار... ولا يمكن تصريف تلك الطاقة بالنصيحة السرية، ولا يمكن للأنشطة الدينية استيعاب جميع المتدينين، فالنضال السلمي الذي ندعو له لا يصرف طاقة المتدين فقط بل يصالح بينه وبين المجتمع ويدمجه في الواقع على نحو يستعيد ثقته بوطنه.
ثانياً: أن الجهاد المدني المنظم يجعل الأولويات الشرعية قابلة للتطبيق والعمل، أما في الاحتساب الجزئي المقيد، فقد نسيت تلك الأولويات، وربط تحقيقها بالعنف المسلح أو الصمت، فحقوق الإنسان، والعدل، والشورى، ورفع الظلم، وإرجاع المظالم لأهلها، والتداول السلمي للسلطة، وتعبيد الناس لربهم وتحرريهم من الأحبار والرهبان وسائر المعبودات البشرية...ليست من ضمن أولويات الخطاب الديني الحالي المشغول برؤية هلال رمضان، والاحتراب في الصحف لإثبات كفاءة النسب في النكاح...والبحوث الشكلية التي لا قيمة لها، بل تحقيقها من خلال الخطاب الديني الحالي يقارب المستحيل، فهو خطاب حكم على دعاتها بالخروج والفساد وعدم الواقعية، وحكم على من يسلك سبيلها بالمفسدة والمنطلقات الدنيوية.
فهم ينظرون إليها من خلال الأدوات التي أتاحتها لهم السلطة، ولا ينظرون إليها كأصول شرعية كلية، يتحقق بها قيام الدين وخيرية الأمة، فيبذلون لها نفوسهم ليس بقتل الآخرين،بل بالتضحية في سبيلها كما ضحى غلام بني إسرائيل.
ونتيجة لما سبق فإن التعريف الذي يتضح به المقصود من مصطلح الاحتساب المدني هو قيام الأفراد، أو الجماعات المنظمة المستقلة "نسبياً" عن مؤسسات الدولة للاحتساب في ضروريات الحياة وحاجياتها ومكملاتها من أجل تحقيق الخيرية الموعودة..
فلا بد من قيامها بالأصول الكلية الشرعية وتحقيق درجات النهي عن المنكر باليد ثم اللسان ثم القلب، من دون عنف مسلح، لأن احتسابها احتساب مدني بالوسائل السلمية، واستعمال اليد ليس بالضرورة أن يكون بالعصا وضرب الناس في الأسواق، إنما المقصود باستعمال اليد، أن يكون التغيير بالقوة، والقوة لها صور متعددة، فحشد الرأي العام ضد المنكر قوة توجب تغييره..
فالاحتساب المدني عمل بالوسائل السلمية اللاعنفية والتضحية بالنفس والمال... لأجل إقامة معروف أو نهي عن منكر، وقد يكون المحتسب بالجهاد المدني فرداً أو جماعة.
والضابط في عملها ليكون احتساباً مدنياً، ما يلي:
أولاً: جهاد الأفراد أو الجماعات في المنازل الثلاث جميعاً،
ثانياً: استعمال الوسائل السلمية المجافية للعنف المسلح،
ثالثاً: التضحية ولو بالنفس بالموت في سبيل تحقيق ضروريات الحياة وحاجياتها.
إن ولاة الأمر في دول الإسلام قد حددوا للأمة كيف تنكر، وكيف تأمر بالمعروف، ورسموا خريطة عمل الاحتساب، وعمل الأجهزة الرقابية الأخرى التي تشكلت أيضاً من خلال السلطة السياسية، فلا تستطيع القيام بالاحتساب والرقابة الحقيقة في ظل تقيدها بالسلطة، فصار الاحتساب في كلا الحالتين يصيب من الضعفاء ويدع الأقوياء، لأن المساس بهم نهاية عمل الاحتساب، والمحتسبون يرون أن بقاء الاحتساب على أي وجه كان مصلحة! ولو كان احتساباً مقيداً، المهم هو وجوده.
إن الحد الأعلى الذي حققه الاحتساب الحالي: إغلاق المحلات في أوقات الصلاة في بعض المدن، وبعض جرائم السكر، وبعض جرائم الأعراض في بعض المدن، ومحاصرة المشعوذين والسحرة، وفي مجال المعروف، اقتصر عمل الهيئة على توزيع النشرات التي أكثرها ضوابط شرعية في لباس المرأة، والتنبيه على الأخطاء في بعض الأحكام الشرعية.
وتكاد تنحصر أعمال الحسبة في هذا النطاق، ويرافق هذه الأعمال قلة في الموارد، وضعف في الكفاءات، وقلة في العدد، مع ضعف في وسائل الاتصال، بل يعتمد بعض المحتسبين على جوالاتهم الشخصية، ولا يوجد ممثل للهيئة في مجلس الوزراء، وتم تجاهلها في الخطط الإستراتيجية.
وقد حققت هذه الأعمال مصالح انتفع بها بعض الناس، فأمنوا على أعراضهم داخل بعض الأسواق. أما أخطاء العاملين في الميدان، فلها أسباب عديدة، تتحمل الحسبة جزءً منها بسبب الفشل الإداري، وتتحمل الدولة الجزء الأكبر. وقد صنعت تلك الأخطاء صورة عن جهاز يحتسب احتساباً متخلفاً، ولكن لا يوجد إيمان بأن الاحتساب المتخلف قرين المفسدة المتحققة. ويوجد لدى عامة الناس، مثقفين وعلماء وسياسيين وتجارا... قناعة بأهمية بقاء الهيئة والمحافظة على وجودها ولو كانت بأسوأ من تلك الصورة.
فمنطقهم: وجودها مطلب ضروري، ولو كانت لا تحمي إلا الأعراض لكفى بها فضيلة، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. وهي حجة ضعيفة مستسلمة، لا تحقق تقدماً أو منجزاًَ عملياً للأمة، وهي بهذا المنطق سوف تبقى مئات السنين دون أن تحدث تغييراً، بل سوف تتساقط في العام مرة أو مرتين حتى يتلاشى وجودها، وهو ما نلحظه من تراجع عام في كل أعمال الحسبة المقيدة بالسلطة، وتكاثر للمنكرات وتطور هائل في أساليبها.
ولكن نقول: بدل أن ندافع عن الاحتساب المشوه، والممانعة المتخلفة، ونقف خلفها صفوفاً متراصة، ونتهم المخالفين بأسوأ النوايا وأقبح الصفات، فإن في الدعوة للاحتساب أو الجهاد المدني، تحقيقا لمقاصد الشريعة ونصرة للدين وإقامة للعدل وردا للمظالم، فإذا قام الناس بالفريضة على هذا النحو، وأفنوا أعمارهم من دون عنف مسلح، وضحوا بأنفسهم وأموالهم داخل أوطانهم لأجل التغيير والإصلاح، فقد بدأت الأمة في الأخذ بالسنن الإلهية الربانية في الإصلاح..
ولقائل أن يقول، ولم الإدعاء بأن الحسبة القائمة اليوم هي احتساب مشوه؟
والجواب:
أولاً: لأنها لا تقيم قصد الشارع في الفريضة، ولا تحقق الحد الأدنى من الحياة الكريمة، فواقع الاحتساب اليوم قد تشكل من خلال الإرادة السياسية، وزاد من تشوهه كثرة أخطاء العاملين فيه، فقد تركوا يصارعون قوى المجتمع من أجل حفظ الأعراض ومكملاتها.
وحتى لو صحت الإرادة السياسية وهذا يشبه المستحيل العقلي، فإن ارتباط الحسبة بالدولة هو ارتباط بأنظمتها التي تشكل واقع الحسبة فلا يكون لها حرية الحركة والعمل في كل ميدان، بل التخلف الإداري الذي شمل كل أجهزة الدولة أثر في عمل جهاز الحسبة، وانعكس على أدائها، وزاد من أخطائها.
أما الحسبة المتطوعة، فقد تشوهت باهتماماتها الصغيرة، وصرفت طاقتها في الممانعة على المنكرات المكملة، ولا شأن لها بمنكرات الضرورة أو الحاجة، ولا تستطيع الاحتساب في كل مكان حتى باللسان، فهي محصورة محاصرة.
وفي مجال الأمر بالمعروف، فقد انحصرت في الوعظ المتكلف، وقام الإعلام الإسلامي بإكمال مسيرة التخلف من خلال ترميز الشخصيات الوعظية التي تقدم وعظاً في المسلمات.
لقد نجحت السلطة السياسية في استغفال عامة المحتسبين، وتركتهم يوازنون بين منكرات في رتب المكملات، فلا يدرون أيطرقون البيت على من اختلى بامرأة أم يتسورون عليه منزله؟ بل هذه المنكرات المكملة التي شغلت أوساط المحتسبين والصالحين، يجري فيها كثير من الخلاف والقيود التي تمنع من التدخل في شؤون الآخرين ما لم يعلنوا بمنكرهم. أقصد بوضوح تام، أن مخالفة سنن الله تعالى ومقاصده الكبرى في أمره ونهيه، ليست إلا شريعة أخرى، قال الله عنها (قل هو من عند أنفسكم إن الله بصير بما تعملون).
ثانياً: أن المسلك الحسبوي بواقعه الحالي يقود للصراع ضرورة، وينشأ عنه نفوساً متوترة متأزمة، متطلعة للقضاء على كل جهد حسبوي، وهذه مفسدة عظمى سوف يدفعها تطبيع الاحتساب بالمدنية، والدعوة للجهاد المدني.
ثالثاً: أن الاحتساب المشوه لا تتحقق به نهضة ولا يبني تصالحاً مع الحداثة، فغايته الترصد، ونتيجته انقطاع الإرسال وسوء الاتصال بين المجتمع والحسبة، لأن سوء الظن يغلب الظن الحسن.
رابعاً: أن الاحتساب المشوه يضاد إحسان العمل، ولا يفي بالغرض من الحسبة كما سبق، ولا سبيل لتغييره بالمراهنة على تغيير سياسة الحاكم، ولن يتغير من داخله وهو مقيد بالسلطة، ومهما يكن فيه من استصلاح، فلا يحقق من المصالح إلا أدناها، فهو مكبل لا ينفذ إلا لملاحقة صغار المجرمين والمفسدين، والمحامون عن وجوده لا يعنيهم سوى وجوده، بل ليس فيهم من عرف بدعمه أو وقفه على المحتسبين، فهم يرسمون في الهواء، ولا يسمع صدى حديثهم سوى من يؤمن بالاحتساب على أي وجه كان، لأن الوجود صار غاية بذاتها وربما مانعوا من أي مدخلات حتى لو كانت شكلية.
خامساً: أن الاحتساب المشوه أزرى بالصالحين، وأرسى في اللاوعي عند العامة صورة تكتنز القسوة، وتحتسب بالفضاضة، وتفضي للانفضاض: (ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك).
وزاد من حالة التشوه، احتساب لحراسة الفضاضة والاستدلال لها، وقد شهدت منازلات الإنترنت حالة من العلمانية "السلوكية"، كانت تؤلف قاموسا خاصاً بالشتائم ضد خصوم الاحتساب.
سادساً: أن الاحتساب لا يجوز تقييده شرعاً بجهاز السلطة تقييداً تاماً، فللأمة الحق في إنشاء الجمعيات والجماعات التي تراقب عمل السلطة وتحتسب على الفساد وتضحي لأجل المصلحة العامة.
وفي ختام هذه المقدمة أقول:
إن شبابنا بحاجة لمن يشبع نهمهم بالبطولات، إنهم قرأوا عن الأبطال المناضلين وشاهدوهم على شاشات الإعلام... فلا يسوغ تركهم لمن يُلهم تطلعهم بعنف يقودهم إلى تدمير الحياة.
إنهم لن يقنعوا بإصلاح يقوده علماء مستسلمون أو دعاة مخمليون، أو متفائلون بإصلاحات أخلاقية واجتماعية، لا يرون في نصائحهم سوى الكلمة الباهتة التي لا لون فيها ولا رائحة.
إننا نتطلع لرؤية شبابنا وهم يقفون أمام جور الحكام والاستبداد والفساد والقهر والظلم، وإقامة العدل والحقوق والنهضة... بكل الوسائل السلمية، نتطلع أن نسمع شهيداً نرتل أمام جثمانه آيات البطولة.. ننثر فوق رحى روحه الطاهرة قصائد الشرفاء، تدوي في كل أرجاء الوطن وتسمع الثكالى والمقهورين أناشيد النصر والتمكين. هكذا سوف نكسر أنوف الجبابرة، ونطعن الاستبداد بهندسة العمل السلمي.
ولأن الدراسة مقاصدية، فإن أول فصولها سيكون في بيان مقصد الشريعة من إقامة الاحتساب وذلك بدراسة الآية الكريمة التي نصت سبب خيرية الأمة وهي قول الله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر).
أما الفصل الثاني في الدراسة، فسأخصصه لآلية عمل المقاصد لتحقيق الخيرية، وهو أهم فصول الدراسة، وفيه أبين العلاقة بين المقاصد والاحتساب المدني وكيفية تحقيق الخيرية بالمقاصد، ومسائل الحسبة التي جرى العمل فيها بالمصلحة والمفسدة كشواهد وتطبيقات عملية، ثم الفصل الثالث عن دلائل تحقق مقصد الشريعة في الاحتساب.
الفصل الأول: مقصد الشريعة في إقامة الاحتساب
لقد قصدت الشريعة من فريضة الاحتساب، تصدير الأمة في واجهة الأمم، وهي لفتة محيرة لعدد من المفسرين الذين تساءلوا عن سر تخصيص هذه الأمة بالخيرية وتفضيلها عن الأمم السابقة التي كانت تقيم الفريضة، وسوف أحاول في هذا الفصل الإجابة عن تلك الحيرة من دون أن أقطع بإجابة محددة، ولكنها التماسات تبحث عن كنه الخيرية والميزة الإضافية لهذه الأمة.
وسأبدأ أولاً بإثبات علة الخيرية، ثم التساؤل عن سر الخصوصية؟
ففي قول الله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)، نجد أن الشارع قصد من تشريع الفريضة تحقيق الخيرية؛ لأنه علله بها، فإن أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر تحققت الخيرية وإلا فلا، فعلة الخيرية إقامة الفريضة.
أو بمعنى آخر: كنتم خير أمة أخرجت للناس؛ لأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر. وقد نص الرازي في تفسيره على تعليل الخيرية بإقامة الفريضة وأدرج نوع العلة في مسالك العلة النقلية، فقال: "واعلم أن هذا كلام مستأنف والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية كما تقول زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويقوم بما يصلحهم. وتحقيق الكلام أنه ثبت في أصول الفقه أن ذكر الحكم مقروناً بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف، فههنا حكم تعالى بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة، ثم ذكر عقيبه هذا الحكم وهذه الطاعات أعني الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان فوجب كون تلك الخيرية معللة بهذه العبادات".
أما لماذا اختصت هذه الأمة بالخيرية مع قيام الأمم السابقة بالفريضة؟ وما هي الميزة النسبية في فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لدى هذه الأمة المحمدية التي تجعلها خير الأمم ؟
فالإجابة على هذا التساؤل من ثلاثة أوجه:
ـ الوجه الأول: التضحية بالنفس في سبيل تحرير الإنسان من المعبودات البشرية والحجرية....
فإذا كان الجهاد لم يقصد منه إلزام الناس للدخول في الدين (لا إكراه في الدين)، أمكن أن ندرك أن مقصوده الأعظم هو: تحريرهم من الاستعباد والظلم الذي يحرمهم من أعظم مقاصد الشريعة، وهي: الحرية التي بها يخلص الدين لله تعالى، وبدونها يبقى الإنسان معلقاً في حريته، فهي ركن الخلاص من معبود غير الله تعالى.
ومن هنا نصل إلى مفهوم أعمق في سبب هذه الخيرية: فالعلماء يعبرون عن مقصد الجهاد الأعظم بأنه: قتل النفس من أجل إقامة الدين.
والدين لا يقوم إلا بتحرير الإنسان من المعبودات.. فالنتيجة: أن المجاهد في سبيل الله يموت من أجل حرية الإنسان ضرورة. ومن وجه آخر: أن الدين هنا دين الاستسلام لله والخلوص له من الشرك. الشرك في عبادته، أو الشرك في سيادته وملكه وتدبيره.
فشريعة الإسلام توجب قتل الأنفس من أجل العدل والحرية، إذ بهما يكون الاختيار ويندفع الإكراه، وتصان الكرامة التي ميز الله بها الإنسان عن بقية المخلوقات (ولقد كرمنا بني آدم..).
وحين تقوم الأمة بالفريضة فإنها تخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، فإذا زال الاستعباد وتحرروا من الطغيان عبدوا الله مخلصين له الدين، فإذا وقعوا في المعصية فوقوعهم لا يكون بالتدبير والتخطيط والإفساد، وإنما بنوازع الشهوة التي ركبها الله تعالى الإنسان، وليس بآثار الظلم والقهر التي تدفع المجتمعات للموبقات وأشد المنكرات، فقد وقع بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم كماعز والغامدية وحاطب بن أبي بلتعة وأبو محجن الثقفي... في بعض كبائر الذنوب وشهد لهم النبي صلى الله عليهم وسلم بحب الله ورسوله.
إن المجتمع النبوي لم يكن بحاجة للإجهاض الفوري على كل منكر وملاحقته وتتبعه في أماكنه المستترة أو المقاربة للاستتار، لأن المجتمع لا خوف عليه إن حقق خلوصه من المعبودات البشرية والحجرية... فهو المجتمع الآمن: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون).
فهذه الأمة ليست كالأمم الأخرى، لأنها أمرت بتحرير الإنسان في كل الأرض على خلاف ما كانت عليه الأمم السابقة كبني إسرائيل، فقد كانت معنية بشؤونها والدفاع عن دينها. قال ابن تيمية رحمه الله: "فبين الله سبحانه أن هذه الأمة خير الأمم للناس فهم أنفعهم لهم وأعظمهم إحسانا إليهم لأنهم كل خير ونفع للناس بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر وأقاموا ذلك بالجهاد في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم وهذا كمال النفع للخلق وسائر الأمم لم يأمروا كل أحد بكل معروف ولا نهوا كل أحد عن كل منكر ولا جاهدوا على ذلك بل منهم من لم يجاهد والذين جاهدوا كبني إسرائيل فعامة جهادهم كان لدفع عدوهم عن أرضهم كما يقاتل الصائل الظالم لا لدعوة إلى الهدى والخير ولا لأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، كما قال موسى لقومه يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون إلى قوله قالوا يا موسى لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون" (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص 23).
ـ الوجه الثاني: المسؤولية تجاه الغير
فمن الواضح أن فريضة الاحتساب في الشريعة تحمل الأفراد مسؤولية عظمى تجاه الآخرين، لكن من المهم السؤال عن طابع المسؤولية في الاحتساب؟ هل مسؤولية الحسبة وصاية على الآخرين، أم مسؤوليتها، سلطة تنفيذية بيد الأفراد؟
والذي دفعني لطرح هذه التساؤلات، تلك الأحاديث التي وردت في الحسبة وعلى وجه أخص في النهي عن المنكر، فحديث: (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان). وحديث: (لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم). حديثان صريحان غاية الصراحة في مسؤولية الآحاد، ومسؤولية المجموع، عن النهي عن المنكر، والإطلاق فيهما يمنح سلطة التغيير للأفراد من غير تقييد بسلطة أخرى.
فالإنكار باليد سلطة تنفيدية، ومن المعهود أن السلطة التنفيذية لا تُمنح إلا بإذن السلطة العليا، بينما لا نجد في الشريعة نصاً في الإذن، فكل فرد له حق استخدام السلطة التنفيذية للتغيير، وصيغة الجمع في الحديث الثاني، دلت على جواز التحشيد من أجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
أما جواب السؤال الأول: فإن المسؤولية التي في الاحتساب قد تنقلب إلى وصاية أو ولاية بدوافع مختلفة تؤثر على المقصد الأعظم: تحقق الخيرية. لكنها ليست المسؤولية المقصودة شرعاً، فالمقصودة هي التي نطاقها الحب، وسلاحها العطف، وعصاها الرحمة. وهي التي قال الله فيها عن نبيه صلى الله عليه وسلم: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).
فهي بهذا المعنى ميزة إنسانية؛ لأنها مسؤولية توجب رعاية الآخر، وتتعدى لحمايته ممن يعتدي على حريته أو يحول بينه وبين اختياراته، وتارة تحميه من نفسه، وتارة تقف بينه وبين نزوات الشيطان، رحمة به وعطفاً عليه.
فالمسؤولية "الوصائية" ليست هي المسؤولية "الإنسانية"، والفرق بينهما، أن المسؤولية الوصائية لا يمكن تحقيق مقاصد الشريعة بها، بل بها يقع التنازع ويُستكثر الجدل، وهي جناية على الشريعة، ومرض يرهن الشريعة لتحقيق الطموحات نفسية. فالوصاية: تضاد الاحتساب، لأن الوصي يتصرف بمسؤولية مطلقة بلا رجوع أو اعتبار لقوانين الحسبة أو ما يجب مراعاته .
أما جواب السؤال الثاني: فهي سلطة تنفيذية في حال القدرة على استئصال المنكر أو تخفيفه، فلا حاجة للسان أو القلب، ولا حاجة للإذن، فمن قدر على منع قاتل من القتل بيده، فلا حاجة لتهديده باللسان أو إذن ولي الأمر، ومن استطاع منع غاصب بالقوة يريد انتهاك امرأة، فهل ينتظر إذن السلطة وهو قادر على منعه؟
إن الشريعة، وهي تضع بيد الأفراد سلطة تنفيذية للتغيير، تقصد كذلك للمساواة، "وهدم التصور الهرمي للمجتمع... فهي تقوم على أساس أن كل مسلم مكلف يملك سلطة تنفيذ شريعة الله"، ولا فرق بين الناس في المنزلة الاجتماعية، فهي طابع ديمقراطي، كما يقول "شتروتمان"، توافقت مع نزعات العرب الديمقراطية في إرساء الحق على القوة. إلا أن شرط القدرة متضمن، ويستلزم مراعاة المصلحة، وشرط آخر: ألا يؤدي الاستئصال لمنكر أكبر أو فوات معروف أرجح.
وهذا الشرط في استعمال اليد حتى لا يؤول المسلك الحسبوي إلى الطابع المسلح الذي يشهر السلاح عند أدنى منازلة. ولكي لا يقول قائل إن استعمال اليد افتئات على السلطة الحاكمة، ويفضي للفوضى، فلكل قادر على استعمالها حق الاستعمال، نجيبه بضرورة تحديد مفهوم استعمال اليد، ويمكن تحديده من خلال ما يلي:
أ ـ إن استعمالها لا يكون إلا فيما يستوجبه الإنكار باليد، أما المنكر الذي لا يستوجب التغيير باليد حتى مع القدرة ومع عدم الإفضاء لمنكر أكبر وضرر أشد، فلا حاجة لاستعمالها، يدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ على صبرة طعام، فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال أصابته السماء يا رسول الله، قال أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس من غش فليس منا. وفي رواية من غشنا). فالحديث دال على أن اليد مقيدة الاستخدام إلا في حال استدعى الموقف التغيير بها، فتكون في أعلى المراتب، ويكون اللسان مرتبة ثانية والقلب ثالثاً.
وفي حال عدم القدرة، تتحول الفريضة إلى طابع مدني في ثلثيها الآخر، لأن أقصى ما في الإنكار باللسان: تخشين القول، وهو مرتبة تسبقه مراتب عدة في التدرج في الإنكار، أما الإنكار في القلب، فهو تعبير مدني صامت.
ب ـ أن عدم تقييد الاستعمال بيد السلطة الحاكمة لا يلزم منه الفوضى والعنف، لأن العلماء اشترطوا لاستعمالها عدم الفتنة، فإن وجدت فتنة في الاستعمال، وتطلب الحال استعمالها، فلم تستعمل، وانتظر المحتسب الإذن، فقد وقع في الإثم، لأن عدم الاستعمال إلا بالإذن مضادة صريحة للنص بدون مسوغ، أما إن ترتب على الاستعمال فتنة أو فوضى، فلا يجوز له الاستعمال.
ـ الوجه الثالث: الخيرية لا تتحقق بالمسؤولية النفعية
تظهر الميزة النسبية في الشريعة بأن منطلقات الحسبة هي القيم وليست المادة، ولا يجوز فرضها لأجل مقاصد دنيوية نفعية. فالتدخل في شؤون الآخرين قد يكون لمصلحتهم لحمايتهم ورفع الظلم عنهم، وقد يكون للمنفعة المادية، وقد يكون لأسباب أخرى، أما احتساب هذه الأمة الذي تنال به صدارة الأمم فليس لأجل الصدارة ذاتها، ولا لأجل القوة والاستحواذ والاستفراد...، بل لأجل أن يكون الإنسان بالمعنى الإنساني، الذي كرمه الله تعالى في قوله: (ولقد كرمنا بني آدم)، ورفع شأنه بين سائر المخلوقات.
فمنطلقات الاحتساب هي التي تحدد قيمة الصدارة والخيرية، والفروق بين الأمم والحضارات هي الدوافع والغايات. وأمم الأرض اليوم مشغولة بمصالحها، تبحث عن ذاتها، معنية بالتفوق الحضاري لأجل التفوق الحضاري، ومنه تستلهم التمكين في الأرض.
ولأنها فقهت سنن قيام الحضارات فقد حررت الإنسان، وأصبحت أمماً قوية متصدرة مرهوبة الجانب، (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا)، فسنن الله تعالى تعطي الدنيا لمن تحب ولمن لا تحب، وسننه تعالى قائمة على العدل التام، و الحضارة الغربية المعاصرة أنصفها الرب تعالى وجعلها في صدارة أمم الأرض وأقواها بأساً، فهي قد حررت الإنسان من عبادة العباد، ولكن ليس لعبادة رب العباد، فافترقت عن أمة الإسلام التي إن قامت بواجب التحرير لأجل عبادة رب العباد فستكون خير الأمم كما وعدها الرب تبارك وتعالى.
فالمنطلقات هي التي ميزت ورفعت قدر الأمة، وكلما انقادت الأمة في مسعى التحرير من الاستعباد بكل صوره، فهي في خيرية نسبية، ولو كانت أشد أمم الأرض كفراً، فإن توجهت بالتحرير لأجل الخلوص لله بالعبودية التامة، فهي الخيرية التامة، وهي خاصية لن تنالها إلا أمة الإسلام لأن الخطاب الإلهي توجه لها من بين سائر الأمم، وقد حققت الاحتساب بكل صوره فنالتها الخيرية وبقيت أمة عزيزة منيعة حتى بدلت نعم الله كفرا فأحلها الله دار البوار. وأصبحت اليوم أمة مستعمرة مستسلمة، تحتسب بحسب الإرادة السياسية، فإذا لم يرد الحاكم توقفت عن الاحتساب، وإذا أراد أرادت.
ولا يصح التعميم على كل أمم الإسلام، فنحن نشهد في التجربة التركية، أمة مسلمة تحتسب بالوسائل السلمية، في أشد دول العالم جبروتاً وعلمانية، وتسعى لتحرير الإسلام من قبضة الجيش والدولة، وتتخذ لحرب التحرير السلمية النموذج العلماني الغربي، فلا خيار لها سوى ذلك. وقد أوتيت من النصر والتمكين ما لم تحققه النماذج الأخرى في بلدان عربية، الأقل علمانية من النموذج التركي...(يتبع)..
الاحتساب المدني (دراسة في البناء المقاصدي للاحتساب) 2/3
04-2-2010
د. محمد العبدالكريم / أستاذ أصول الفقه المساعد
وأهمية هذه الاستنتاجات تكمن في توجيه حركة الاحتساب التي تتصدى للجهود الليبرالية والفكرية، من أجل التعبئة والحشد ضد تيار لا يجد سنده إلا من السلطة ومن دونه يبقى معلقاً في الهواء، فقد يكون من المرجح أن حركة الاحتساب القائمة ضد التيارات الليبرالية، هي من قبيل اشتغال بغير الأولى، فإن كان ولا بد من التصدي والثورة ضد الفكر الليبرالي فليكن ضد الليبراليات الحكومية، التي تصانع الفساد بكل صوره، فالمكون للتعبئة العامة الدين، ولكن الدين الفئوي والإسلام الخاص سيبقى خاصاً، لا يدفع باتجاه واحد، بخلاف التعبئة المستنيرة لأجل المصالح العامة. فإذا كان اللاعب الحقيقي هو السلطة، وهي المحرك الفعلي في فرض النمط الفكري الذي تريد، فلا جدوى من التقارب مع الحكومة ضد بعض الشعب! بل أكثر أفراد التيارات الليبرالية غير الحكوميين يشتركون في الغايات الكبرى التي تطالب بالعدل والحقوق، فالاتحاد معهم في المطالب الضرورية أولى من التصدي الثائر لتحقيق مكاسب قد تكون ضرورية أو حاجية أو كمالية..
أود التنبيه في بداية الكلام في هذا الفصل، إلى أنني لا أطالب الاحتساب الحكومي بالتحول للاحتساب المدني، أو بإغلاق أجهزة الاحتساب، فقط أردت أن أنبه إلى أن الاحتساب الحكومي بكل صوره لا علاقة له بالخيرية الموعودة لأمة محمد عليه السلام، ولن يحقق الاحتساب الحكومي صدارة لأمة الإسلام، مهما طورت أجهزة الاحتساب المتنوعة من عملها، لأنها مقيدة بالإرادة السياسية، التي قررت تشكيل الاحتساب بحسب أهوائها، ولو أرادت إغلاق الجهاز لفعلت، ولصدرت لعموم المسلمين فتوى باحترام رأي ولي الأمر حتى لا تكون فتنة! وبالله التوفيق.
ـ الفصل الثاني: بناء الاحتساب المدني بمقاصد الشريعة
لعلال الفاسي رحمه الله تعالى نظرة إصلاحية لأوضاع العالم الإسلامي داخلياً وخارجياً مبنية على تحكيم المقاصد في الإصلاح (دفاع عن الشريعة ص 116)، فالمقاصد هي الأداة التي بها تقيس أمة الإسلام موقعها في خريطة العالم، ومن المقاصد تتحدد الأولويات.
ومن المقاصد كذلك، تتحدد قيمة الدنيا، فنحن نؤمن بأن شريعتنا دينية /دنيوية، وليست كما حاكمها "ماكس فيبر" الذي درس جل ديانات الشرق الأقصى، ولم يستطع إنزال نماذجه الجاهزة على الشريعة، لأن "ماكس" وغيره من الفلاسفة يعتبرون الديني منحصراً في الروحي والغيبي والباطني، وما عدا ذلك فيدخل ضمن دائرة العلماني أو الزمني المنعوت غالباً في أدبيات علماء الاجتماع والمفكرين الغربيين بالعقلاني والمدني والنسبي..
وتأكيداً على مفهوم الفلاسفة لمعنى الدين، وعدم استيعابهم لاجتماع الديني والدنيوي في الإسلام، حاول "هيغل" الالتفاف على قاعدتهم في فهم الدين: بأن الإسلام متقدم زماناً على المسيحية، إلا أنه متخلف من ناحية روحية! وهو اعتراف من "هيغل" بأن الإسلام لا يمكن سجنه في الغيبيات والروحيات، ولهذا السبب اقترن الإسلام في وعي المسيحية الوسيطة، وما زال، بالدين المادي الذي يدفع أتباعه بالإقبال على متع الحياة الدنيا دون حد أو ضابط، بما يتناقض مع هوية الدين القويم القائم على الطهورية الزهدية، ولذا نجد في الصراع الذي دار بين الكنسية البابوية مع آباء البروتستانت الذين نادوا بالتخلي عن الزهديات الكنسية، مثل: (منع زواج القساوسة ورجال الدين) في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، أن الكنسية البابوية لا تتردد في وصف أولئك الآباء بـ(المحمديين)، تعبيراً عن مفهومهم في دنيوية الإسلام.
إلا أن الإسلام وهو يطبع الديني بالدنيوي، والدنيوي بالديني، يهدف من ذلك للارتقاء بالمادي إلى طور السمو الروحي، ويكسب الديني طابعاً بالروحية الدنيوية، فالدنيوية في الإسلام ليست كالرؤية العلمانية الدهرية، والديني في الإسلام يختلف عن الطهورية الزهدية في المسيحية، والاقتران بين الديني والدنيوي في الإسلام، تركيب متداخل بعضه ببعض، سواء على مستوى الدلالة اللغوية والتقارب الاشتقاقي لكلمتي الدين والدنيا، أو الاقتران بينهما في سياق الخطاب القرآني (ينظر في العلمانية والدين والديمقراطية بتصرف: ص 111،19،14).
ولأجل ذلك الارتباط الوثيق بينهما، فإن التخلف في الدنيا يقود للتخلف في الدين، والعكس كذلك، فلا إسلام صحيح إلا وتتبعه دنيا صحيحة، وهذا التلازم لإظهار ميزة الإسلام على بقية الديانات والثقافات. وكما سبق، فإن الإسلام وهو يحث على التمتع بطيبات الحياة الدنيا، يكسوها في الوقت ذاته بالفضائل الأخلاقية الروحية.
فالاحتساب المدني لتصحيح الدنيا، وليس تصحيحها بإكسائها الفضائل الأخلاقية فقط، بل بالسعي في إنهاضها لتكون في صدارة السلم الحضاري، وإلا بقيت متخلفة، وتخلفها هو سبب في تخلف الدين وانحساره في ملاحقة التفاصيل التي لا تتناهى.
ولا بد من معيار شرعي يحدد اتجاه الاحتساب المدني وأين يعمل وكيف يعمل، لكي لا يكون صورة مقتبسة من الاحتساب "الحكومي"، الذي يقود إلى إصلاح بعض الدين أو إصلاح بعض الدنيا، دون وعي بضرورة الترابط الوثيق بين إصلاح الدنيا مع إصلاح الدين.
وهذا المعيار هو ما تقرر لدى عامة علماء الأصول والمقاصد من تقسيم الحياة إلى ضرورات وحاجيات وتحسينيات، وقد استنتجوا التقسيم من استقراء موارد الشريعة بنصوصها، ولا يعرف لهذا التقسيم مخالف من الأئمة أو من غيرهم.
ولم يكتف علماء الأصول بالمعيار الثلاثي للمصالح، فالغزالي رحمه الله طور القسمة، وأضاف مع كل قسم مكمل، فمكمل للضرروي، ومكمل للحاجي، ومكمل للمكمل، لتصبح الأقسام ستة، فالمقاصد عنده: "ما يقع في محل الضرورات، ويلتحق بأذيالها، ما هو تتمة وتكملة لها، ومنها ما يقع في رتبة الحاجيات، ويلتحق بأذيالها ما هو كالتتمة والتكملة لها، ومنها ما يقع في رتبة التوسعة والتيسير الذي لا ترهق له ضرورة ولا تمس له حاجة، ولكن تستفاد به رفاهية وسعة وسهولة، فيكون ذلك مقصوداً أيضاً في هذه الشريعة السمحة السهلة الحنيفية، ويتعلق بأذيالها ما هو في حكم التحسين والتتمة لها، فتصير الرفاهية مهيأة بتكميلاتها" (شفاء الغليل ص161 ـ 162ـ المستصفى: 1/286). "فمكمل حفظ النفس ـ وهو ضروري ـ، المماثلة في استيفاء القصاص، وأما الحاجي كتسليط الولي على الصغير والصغيرة ومكملة مراعاة الكفاءة، والمحافظة على مهر المثل،..." (شفاء الغليل ص166 ـ 167).
وغرضهم من التقسيم، لئلا تصبح الحياة عوجاً، فالشريعة إنما جاءت لمصالح العباد في الدنيا والآخرة، أو كما يعبر بعضهم في: (المعاش والمعاد)، ولا قيام لمصالحهم إذا كانت لا تقيم الضروري، أو تقدم رتبة أقل على رتبة أعلى على وجه الاستمرار والدوام. فالضروري شامل للدنيا والدين، كالمال فهو ضرورة للدنيا وضرورة للدين، فالاحتساب الدنيوي في قيام اقتصاد ينافس الاقتصاد العالمي: ضرورة دينية شرعية، وإلا ارتهن الدين والدنيا في قبضة العولمة التي لا يقودها إلا الأقوى علماً وعملاً.
والعقل ضرورة للدنيا وضرورة للدين، فالمخترعات الحديثة نتيجة لعقول تم استيعابها والمحافظة عليها...، والعقول السليمة هي التي أنتجت الذرة والتخصصات النووية... فحفظت الدنيا وتصدرت أمم الغرب الكرة الأرضية، وقد تخلف المسلمون في ميادينها، فتولى السياسيون شأنها،وحفظوا دينهم في المساجد، فلم يؤثر صفاء التوحيد في صدارة الأمة وخيريتها الموعودة! لأن العقيدة المجردة عن طموحات قيادة العالم لا تبني الدنيا، وإلا فما سر سقوط مملكتي فارس والروم في خلافة ابن الخطاب وقد دامت قروناً! فلولا العقيدة الطامحة التي أسسها الرسول الكريم، لبقيت أمة الإسلام بلا دين وبلا دولة، وبلا حاجة للبقاء في الكون!
ولذا نجد أن الشاطبي، وهو يعرف الضروريات، ينص صراحة على: أثر فقدان الضروريات في فساد الحياة، بمعناها الشامل للدين والدنيا. فالضروريات عنده: هي التي لا بد منها لقيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد وتهارج وفوت حياة.
وأما الحاجيات: فهي المفتقرة للتوسعة ورفع الضيق والحرج، دون أن يبلغ فقدانها مبلغ الفساد العام والضرر الفادح. وأما التحسينات: فهي الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق.
فهذه الرتب الثلاث مع مكملاتها، هي معيار قيام الاحتساب المدني في الأمة، ومنها نحدد الاحتساب الصحيح والاحتساب المشوه، والاحتساب الذي يحقق الخيرية والاحتساب الجزئي المقيد بالدولة أو بالمفاهيم الحزبية والفئوية، والذي ينتهي إلى إصلاح بعض الدنيا وبعض الدين، فغاية كل احتساب "حكومي" الحفاظ على جزء من الفضيلة وجزء من العبادة، وجزء من التوحيد، وجزء من العدل... دون حتى ترتيب شرعي فيما بين تلك الأجزاء، ودون وعي بالتوحيد الذي تصطلح به الدنيا، ودون أن تتشكل منها وحدة إسلامية يمكن أن تؤلف أمة مجتمعة، فالغايات الكبرى غائبة عن احتساب القائمين بالاحتساب، والمكملات التي تشغل معظم ساحة الاحتساب ليست موجهة أو مؤدلجة لإسلام كلي، بل لإسلام خاص!
فلا يوجد في الشريعة إصلاح للدين لا علاقة له بالدنيا، أو إصلاح في الدنيا لا علاقة له بالدين، فهما مترابطان، فالاحتساب في العبادات يصلح علاقة العبد بربه، ويصلح علاقة العبد بعمله الدنيوي. ولا فائدة من إصلاح عقدي تجريدي لا يبني طموحاً عالمياً، يحقق الغايات الكبرى في اعتزاز الأمة وكرامتها وقوتها. فكل احتساب في شؤون الدنيا بنضال سلمي فهو مدني، فإن لم يؤثر في قيام الدين، فهو مدني لأجل المدنية، وكل إصلاح ديني بنضال سلمي يؤثر في صلاح الدنيا، فهو متضمن للمدني.
فالمؤثر في التكوين المدني للاحتساب أمران:
أولاً: اللاعنف
ثانياً: استصلاح الدنيا لأجل الدين، واستصلاح الدين المؤثر في صلاح الدنيا.
ونستنتج مما سبق أمرين مهمين، كما يلي:
أولاً: أن الاحتساب المدني الكلي، هو الاحتساب الذي يقيم الضروريات أولاً وهي كما سبق: (التي لا بد منها لقيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على استقامة بل على فساد وتهارج وفوت حياة) ثم الحاجيات ثانياً، وهي كما سبق (المفتقرة للتوسعة ورفع الضيق والحرج، دون أن يبلغ فقدانها مبلغ الفساد العام والضرر الفادح)، ثم الكماليات أو التحسينيات ثالثاً، وهي كما سبق (الأخذ بما يليق من محاسن العادات وتجنب الأحوال المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات ويجمع ذلك قسم مكارم الأخلاق أولاً ثم الحاجيات ثانياً ثم الكماليات ثالثاً).
وأما الاحتساب الجزئي: فهو الاحتساب فيما عدا الضروري.
وأما الاحتساب الجزئي المقيد: فهو الاحتساب المقيد ببعض الضروريات والحاجيات والكماليات.
ثانياً: أن الاحتساب المدني وفق البناء المقاصدي السابق، هو الذي يجب أن يشكل واقع الاحتساب ويسير وفقه، فهو الذي يحدد تجاه مسيرة الحسبة، وهل حسبتها واقعة في الضروري أم الحاجي أم التحسيني أم خليط من ذلك كله من دون عناية بالأولى فالأولى.
ولكي أوضح عمق البناء المقاصدي للاحتساب المدني، فسأقوم أولاً بتحديد العلاقة بين معنى (المعروف والمنكر) وعلاقتهما بالضروري والحاجي والتحسيني، فما من عمل إلا وهو داخل إما في المعروف أو في المنكر. ثم سأذكر ثانياً: شواهد وتطبيقات في إعمال الاحتساب المدني من خلال الواقع المعاصر بناء على المنهج الشرعي في تقديم الضروري وهو أصل المصالح. ثم سأدرس ثالثاً: أهمية فقه القواعد المصلحية في الاحتساب المدني مع الشواهد التطبيقية للمسائل التي تتنازعها المصالح والمفاسد.
ـ أولاً: علاقة المعروف والمنكر بالضروري والحاجي والتحسيني
المعروف والمنكر درجات ومستويات، فلا بد من محاولة تقسيم المعروف الذي يدخل في دائرة الضروري، والمعروف الذي يدخل في دائرة الحاجي، والمعروف الذي يدخل في دائرة التحسيني. وكذلك المنكر، فهو مستويات متفاوتة، منه الضروري أو الحاجي أو التحسيني، مع مكملات كل قسم كما سبق بيانه.
فالاحتساب المدني قد يكون في معروف ضروري، أو معروف مكمل لضروري، وهكذا في الحاجي التحسيني. وقد يكون الاحتساب المدني في منكر ضروري أو منكر مكمل لضروري، وهكذا أيضاً في الحاجي أو التحسيني.
وقد أرشد الإمام الشاطبي رحمه الله في الاعتصام إلى توزيع المنكرات في الضروري والحاجي والتحسيني على وجه الجملة، ولم يتحدث عن توزيع المعروف، فقال: "إن المعاصي منها صغائر ومنها كبائر، ويعرف ذلك بكونها واقعة في الضروريات أو الحاجيات أو الكماليات. فإن كانت في الضروريات فهي أعظم الكبائر، وإن وقعت في التحسينيات فهي أدنى رتبة بلا إشكال. وإن وقعت في الحاجيات فمتوسطة بين الرتبتين". وقد أراد الشاطبي بهذا أن يفرق بين الكبائر والصغائر من خلال رتبتها في الضروري أو الحاجي أو المكمل.
ولأن الشاطبي رحمه الله أجمل في كلامه، فسأحاول ضبط التصنيف الذي أشار له في المنكر، وأضيف لكلامه ضابطاً في المعروف.
ومن حيث الجملة، فإن ضابط دخول المعروف أو المنكر في الضرورة أو الحاجة أو المكمل، يعرف بالأثر أو مآل المعروف والمنكر، أو الثواب والعقوبة المترتبة عليهما، أو بالتفريق بين المنكر لذاته والمنكر لغيره.
فالمنكرات التي أثرها يعود بالكفر والظلم والهدر والهلاك والإهلاك والإتلاف والموت، وفساد الحياة، وتعطل المصالح، وعقوباتها في الآخرة بالخلود في النار واللعن والطرد وفي الدنيا بالقصاص والحدود؛ بالقطع، والرجم...، تُصنف في باب الضروريات. وتدخل جميع هذه المنكرات في المحرم لذاته.
أما المنكرات التي دون ذلك، ولكن ينشأ بسببها الفوضى يتبعها ضيق ومشقة وكلفة وحرج على الناس في دينهم أو نفوسهم أو عقولهم أو أموالهم أو أعراضهم، وعقوباتها: الكفارات، والتعازير، والإثم العام على الأمة، فتصنف في رتبة الحاجيات، وهي من المحرم لغيره.
أما المنكرات التي تتسبب في هدر الأوقات والإسراف، وتصنف في قبائح الأعمال وما لا يليق بالمؤمن فعله، وليست لها عقوبات محددة في الدنيا والآخرة، إنما يكفي فيها الاستغفار والتوبة لأنها من اللمم كما قال تعالى (الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم)، فهي في رتبة المكملات.
أما المعروف، فيصنف أيضاً في رتبة الضروري والحاجي والتكميلي. فالمعروف الذي يحقق الغايات الكبرى والأصول القطعية، ويبني أمة مرهوبة الجانب، يجب تصنيفه في الضروريات، والمعروف الذي يطور حياة الناس، فلا يحتاجون لغيرهم بل غيرهم يستمد منهم أسباب الحياة فيلحق بالحاجيات، والمعروف الذي يكون سبباً في تخفيف الرهق والتعب، ويوفر لهم راحتهم ومتعتهم، نضعه في المكملات.
ـ ثانياً: إعمال الاحتساب المدني في الواقع المعاصر بناء على المنهج الشرعي في تقديم الضروري.
إن التصنيف السابق يمكّن للمحتسب المدني من إدراك الأولى والأقل أولوية، ويمكنه من فقه المنكرات المتعارضة وكذا ما بين المعروف من تفاوت، ويمكَنه من تصنيف المنكرات في الرتبة الواحدة، ومن التدرج لبلوغ الغاية الكبرى.
وكشاهد على حالة التعارض: أن الإنسان إذا تعرض للموت فيجوز انتهاك ستره لإنقاذه من غرق أو حرق... فالمحافظة على النفس أولى من المحافظة على العرض في حال التزاحم والتعارض.
كذلك أشار الشاطبي إلى مصلحة التعاون مع أئمة الجور والظلم في الجهاد مع منافاة شرط العدالة، ومنافاة مهمة الجهاد العظمى، دفع الجور والظلم، فقال: "وكذلك الجهاد مع ولاة الجور. قال العلماء بجوازه، قال مالك: لو ترك ذلك لكان ضرراً على المسلمين. فالجهاد ضروري، والوالي فيه ضروري، والعدالة فيه مكملة للضروري، والمكمل إذا عاد على الأصل بالإبطال لم يعتبر، ولذلك جاء الأمر بالجهاد مع ولاة الجور".
وقد يقع التعارض لأجل مصلحة الدين والمقاصد الصالحة، بين ضرر قد يقع بالنفس، ومشارك للكفار في هديهم الظاهر، فاستجاز ابن تيمية عدم مخالفة الكفار في الهدي الظاهر إن ترتب ضرر في المخالفة. فقال رحمه الله: "لو أن المسلم بدار حرب، أو دار كفر غير حرب، لم يكن مأموراً بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر، بل قد يستحب للرجل، أو يجب عليه، أن يشاركهم أحياناً في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية، من دعوتهم على الدين والاطلاع على باطن أمورهم، لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضررهم عن المسلمين، ونحو ذلك من المقاصد الصالحة".
كذلك تمكنه من تحقيق الضرورات بالتدرج، فقد روى البخاري بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: "إنما نزل أول ما نزل منه سورة المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر لقالوا : لا ندع الخمر أبدا. ولو نزل لا تزنوا. لقالوا: لا ندع الزنا أبدا).
وبالجملة، فإن المنكرات التي تصنف في باب الضرورات أوجب وأولى بالاحتساب من المنكرات التي تصنف في باب الحاجات، وفي حال التعارض، يقدم الضروري منها على الحاجي والحاجي على التكميلي"، فالحاجيات كما يقول الشاطبين كالتتمة للضروريات، وكذلك التحسينات كالتكملة للحاجيات، فإن الضروريات هي أصل المصالح".
وأما الشواهد والتطبيقات في إعمال الاحتساب المدني بناء على مراعاة الأولى فالأولى وما قد يتعارض ما يلي:
* الاحتساب المدني من أجل بناء مشروع "الأممية الإسلامية"، والتصدي للقطرية، فالهيمنة الدولية على دول الإسلام لا يمكن مقاومتها من خلال "الانخراط المتزايد للتيارات الإسلامية في الأجندة المحلية القطرية":
ويجب لأجل ذلك أن نكرس مبدأ الغاية التي تبرر كل وصول لتحقيق ضرورة الوحدة الإسلامية، فالضرورات تبيح المحظورات، وقد أباح الشرع التلفظ بكلمة الكفر، وقتل النفس لغايات متعددة، فوحدة الصف واتحاد المسلمين ضرورة شرعية كلية قطعية، ويجوز لها ما لا يجوز للمصالح الخاصة، فإذا تعلق الأمر بالمصالح العامة اتسع الحكم الشرعي.
فلا فائدة من نقض الديمقراطية كأداة من أدوات الدولة الحديثة، لنكتشف في نهاية الأمر أن مفسدة الاستبداد أشد من مفسدة الديمقراطية، وأن فساد أصل كلي بسبب الديمقراطية قد يكون أقل مفسدة من ضياع أصول أخرى أشد كلية وقطعية، فإذا كانت الديمقراطية أو أي أداة من أدوات الدولة الحديثة، تحقق مصالح الإسلام العظمى، من خلال إنشاء مؤسساتها وأنظمتها...، فالاحتساب فيها احتساب مدني في مكمل ضروري، وبذلك يصبح الدين سبباً في إصلاح الدنيا من خلال بناء مؤسسات سياسية يتبعها تطور في الأنظمة والقوانين ..، والدنيا التي تم استصلاحها صارت مؤثرة في قيام الناس لله رب العالمين، وهو ما ثبت عملياً في تجربة حزب العدالة والتنمية في تركية، فهي تحارب العلمانية الكمالية بالعلمانية الغربية لتحمي هويتها الإسلامية! والغريب أن تجد لتأييد الأنموذج التركي جمعاً من الشخصيات الإسلامية المعاصرة التي تقرأ الواقع التركي من زاوية، وتحرم الديمقراطية وأدوات الدولة الحديثة لذاتها من زاوية أخرى!
على الرغم بأن الأنموذج المستبد، سواء كان باتجاه العلمنة الفوقية أو الأسلمة القسرية، يثبت في الغالب عكس إرادة المستبد، ففي الحالة الإيرانية "قوبلت وما زالت تقابل عملية الأسلمة الصارمة التي تبنتها الثورة الإيرانية الإسلامية سنة 1979م بنوع من التململ الخفي بين قطاعات اجتماعية ليست بالقليلة، خصوصاً بين المثقفين وفئات الشباب والنسوة الأكثر انجذاباً لمظاهر الحياة الغربية" ( في العلمانية والدين .. ص 121، 128).
وأما المنكرات التي ترافق التحديث، فإن كانت لا تشغل عن الغاية الكبرى، فالاحتساب واجب، وإن كانت تؤثر، فالأهم يقدم على المهم في حال المزاحمة. ويجب التنبه لدوائر صنع القرار السياسي، فهي لا تكف عن إنتاج الصراعات التي تعمي عن الغايات الكبرى، بل الاحتساب في كشف مكر الكبار يلحق بالمكملات الضرورية، وأولى من الانشغال بالمنكرات الناشئة.
* الاحتساب المدني لإقامة العدل والشورى والحرية: فهذه ضرورة كبرى (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب ليقوم الناس بالقسط).
والناس في ظل الدولة الظالمة لا يعيشون في حالة حرج ومشقة، بل يفقدون المعنى الإنساني، ويصبحون كالأنعام بل هم أضل، والنبي عليه السلام جعل أعظم مقامات الشهادة في سبيل الله حمزة ورجل قام إلى ذي سلطان جائر، فأمره ونهاه فقتله، والشريعة لا تدفع الإنسان ليقتل نفسه إلا في ضروري من الضرورات، ولو كان ما ينشأ عن الظلم لا يحدث إلا الضيق والحرج، لم يكن لقتل النفس أمام جبروت السلطة معنى، بل الحديث يحث على الفناء في دفع جور الحكام.
وهذه الضرورة لا يمكن تحقيقها إلا من خلال منظومات الإصلاح التشريعي، والنهضة القانونية، وفصل السلطات... وهو عمل يجب أن يحتسب له حملة الشريعة والقانون والنظام، ومؤسسات القضاء ومن في حكمهم.
ولا يجوز أن يرتهن العدل بسبب بعض المفاسد الناشئة عن عمليات التطوير والتقنين، بل يجب التنازل عن كل ما يؤثر على تحقيقه مهما تعاظم ولو كان أصلاً كلياً، لأن مقام العدل في الشريعة أصل كل شيء.
إلا أنه من المهم التنبه إلى أن هذه الضرورة ليست في مقام الضرورة الأولى وهي مشروع الأممية الإسلامية، فهي بالنسبة له، تعد مكملاً للضرورة الأم، وطريقاً إليها، ولا يصح أن تجعل غاية كلية، ولكنها في فقه التدرج، تعد ركيزة أولى ومنتهى لدولة الإسلام الكبرى التي يتحد في ظلها كل دول الإسلام.
* استهداف المنكرات التي تعد أصلاً يتفرع عنها منكرات أخرى، أولى بالعناية من المنكرات المتولدة عن المنكر الأكبر، فالمنكرات المتولدة تعد مكملاً للمنكر الأعظم:
فالهدر في المال العام ينشأ عنه بطالة تتزايد بقدر الهدر الدائم من بيت المال، ومن البطالة تتوالد منكرات السرقة والمخدرات...، فاستقصاد المنكر الأعظم أولى بالاشتغال من ملاحقة ضحاياه. وكذلك الحال في ملاحقة المنكرات السلوكية الأخلاقية، فهي متولدة عن منكرات لم يُحتسب فيها، فنشأت المنكرات الصغيرة وتركت أمهاتها.
فأيهما بالعناية أحرى وبإنفاق الأموال أولى توجيه الاحتساب إلى رؤوس الفتنة لقطع دابرها، أم الاستكثار من تسجيل المخالفات الصغيرة التي تعد من المكملات في جانب أصولها الضرورية أو الحاجية.
كما أن بعض المجتمعات التي فشت فيها المنكرات السلوكية، قد تحتاج لبذل المعروف في شكله المادي والتقني أثناء القيام بالواجب، فالقاعدة الأصولية تنص على أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وقد جاء عن عمر بن عبدالعزيز قوله: "ما طاوعني الناس على ما أردت من الحق حتى بسطت لهم من الدنيا شيئاً". فالناس في عهده في خير القرون ومازالوا قريبين من مشرب النبوة، ولم يكل إصلاحهم إلى قوة إيمانهم. ومما قاله ابن تيمية في هذا المعنى: "إذا كان في البدعة من الخير، فعُوض عنه من الخير المشروع بحسب الإمكان، إذ النفوس لا تترك شيئاً إلا بشيء، ولا ينبغي لأحد أن يترك خيراً إلا إلى مثله أو إلى خير منه".
* المدخل المادي والجهد التغريبي:
قد لا يبدو التغريب خطراً في ظل تنامي الثقافة المادية التي بمقدورها تحويل القيم إلى سعر ورقم وعرض وطلب، وهو ما يبدو جلياً في السنوات الأخيرة، التي تشهد تحولاً فكرياً لم يكن للجهد التغريبي تأثير يماثل تأثير الثقافة المادية، فالفرائض والأركان والواجبات الدينية المقطوع بها مستعصية على الجهود التغريبية قديماً وحديثاً، لكنها تفقد المقاومة أمام المغري المادي.
وقد أحدث سوق الأسهم في الفترة الماضية ولعاً وتطلعاً مادياً أحل روحاً تتصرف على نحو قوانين المادة، وبأشد من كل ما فعلته الكتب والأفكار التي لا يتعاطى معها الفرد العادي إلا على سبيل الصدفة.
وإذا كان شيخ القبيلة في الصورة الذهنية عند بني قومه يمثل القوة والشجاعة والأمانة والثأر والاستمساك بالحق، فإذا به يعدل عن القصاص لابنه لأجل بضعة ملايين، فإن المادة هنا هي المحتكم المطلق في التنازل أو عدمه بسبب عدم الوفاء بالمبلغ .
ومهما يكن، فإن آثار التطلعات المادية الجامحة أصبحت تدير شؤون حياة أكثر الناس، وبها يشهد المجتمع تغيراً ملحوظاً في أخلاقه، ليس بسبب قناعات فكرية بقدر ما هي مؤثرات مادية. وقد صح عنه عليه السلام، أنه قال: (ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم).
أما الباحث الانجليزي، "إرنست جلنر"، فيشير إلى أن حركة العلمنة، وإن فرضت نفسها في أغلب مناحي المعمورة، إلا أن عالم الإسلام يمثل استثناء من القاعدة، ولذا تحرص بعض القوى العلمانية الجذرية على الاستنجاد بأدوات الدولة للتعويض عن انكماش قاعدتها الاجتماعية في محاولة لفرض نمط العلمنة الفوقية والقسرية عبر مؤسسات الدولة الرسمية، ويتوقع بعض الباحثين، كالدكتور رفيق عبد السلام، أن مستقبل الاستقطاب في العالم الإسلامي لن يكون بين معسكر العلمنة ومعسكر الأسلمة، ولكن بين خيارات مختلفة ضمن التوجهات الإسلامية، وذلك بالنظر إلى ضعف حركة العلمنة وهشاشة القوى الحاملة لها، إلى جانب اتساع حركة الأسلمة وتنوع تياراتها واختلاف أولوياتها.
إن أهمية هذه الاستنتاجات تكمن في توجيه حركة الاحتساب التي تتصدى للجهود الليبرالية والفكرية، من أجل التعبئة والحشد ضد تيار لا يجد سنده إلا من السلطة ومن دونه يبقى معلقاً في الهواء، فقد يكون من المرجح أن حركة الاحتساب القائمة ضد التيارات الليبرالية، من قبيل اشتغال بغير الأولى، فإن كان ولا بد من التصدي والثورة ضد الفكر الليبرالي فليكن ضد الليبراليات الحكومية، التي تصانع الفساد بكل صوره، فالمكون للتعبئة العامة الدين، ولكن الدين الفئوي والإسلام الخاص سيبقى خاصاً، لا يدفع باتجاه واحد، بخلاف التعبئة المستنيرة لأجل المصالح العامة.
فإذا كان اللاعب الحقيقي هو السلطة، وهي المحرك الفعلي في فرض النمط الفكري الذي تريد، فلا جدوى من التقارب مع الحكومة ضد بعض الشعب! بل أكثر أفراد التيارات الليبرالية غير الحكوميين يشتركون في الغايات الكبرى التي تطالب بالعدل والحقوق، فالاتحاد معهم في المطالب الضرورية أولى من التصدي الثائر لتحقيق مكاسب قد تكون ضرورية أو حاجية أو كمالية.
* تتزايد معدلات الفقر، ويزداد بتزايدهم الأثرياء الذين يصممون قوانين احتكار الثروة، فشركاتهم دول، والقرار السياسي هو قرارهم، وقصة الوقود الحيوي تشير إلى تنامي قوانين السيطرة على ثروات العالم، فبدل أن يتوجه العالم العربي للاستغناء عن استيراد غذائه وعدسه وبصله، باستصلاح أراضيه وزراعتها وتخفيف معدلات البطالة، أصبح معنياً بتنفيذ توجهات الشركات الكبرى التي اتجهت لإنتاج الميثانول من طعام الفقراء.
ففي مصر التي بدأت تستورد "بودرة" الفول، تتجه الأنظار لإحراق الأراضي الزراعية من أجل إنتاج وقود الطاقة الحيوية، الذي يستهلك خمسة آلاف لتر من الماء لإنتاج لتر من الوقود الحيوي.
هؤلاء الجوعى الذين يعدون بمئات الملايين أكثرهم في دول العالم الإسلامي. ترى ماذا تعني لهم المواعظ وبطونهم خاوية؟ فبدلاً عن الاستكثار من المواعظ الباردة، أو حوارات الترف الفكري، فلم لا يتجه الأمر بالمعروف لاستنقاذ من شارفوا الموت أو يكادون بإنشاء شركات الاستثمار، والمخترعات التي تحمي الفقراء.
وبالنسبة والتناسب، فإن جهود أكثر المصلحين تعمل في مكملات المعروف أو في الضروري "الجزئي المقيد"، فالجوعى والمرضى وهم الأكثر لا يستصلحون بالتذكير وهم لا يملكون ضرورات حياتهم ويموت بعضهم شهيداً لجوعه! يتبع الجزء الثالث والأخير.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير