7/06/2012

الجهاديون في سوريا المسار والمصير

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : يوليو 06, 2012
-->
عبد الغني مزوز---

لم تكن أي بقعة على امتداد المعمورة مهيأة لاستقبال واحتضان التيار الجهادي ومده بأسباب البقاء والاستمرار كما هو الحال في سوريا ألان, فالتيار الجهادي في سوريا على اختلاف التنظيمات التي تنضوي تحته وتمثله تعيش ربيعا جهاديا سيرجح كفة التيار الجهادي العالمي ويعيده إلى الواجهة من جديد، بعدما ضن الكثير من المراقين أن هذا التيار في ظل الربيع العربي عانى من التهميش والتجاوز ولفضت معظم طروحاته الفكرية
والعملية،بعدما اختارت الشعوب العربية التغيير السلمي ونادت بالديمقراطية التي يعتبرها التيار الجهادي كفرا بواحا،
فهل ستكون سوريا مجالا للانبعاث الجديد للتيار الجهادي؟ وما هو السياق التاريخي الذي نشأ وتبلور فيه الفكر الجهادي في سوريا .؟وما هي أبرز ملامح الخريطة الجهادية الجديدة في سوريا؟ وما هو مصيرها بالقياس إلى ما تشهده سوريا من استقطاب دولي واصطفاف طائفي في ظل نظام عالمي متعدد الأقطاب في طريقه إلى التشكل.؟

       بدأت ملامح الفكر الجهادي في سوريا خلال النصف الثاني من عقد الستينيات من القرن الماضي،فقد عاد الشاب الاخواني مروان حديد من مصر بعد دراسته للهندسة الزراعية جالبا معه أفكار سيد قطب الثورية، التي تمحور حول مفاهيم "الحاكمية" و"المفاصلة" و"مجاهدة الطاغوت" و"إقامة الحكم الإسلامي على أنقاض الحكم الجاهلي" ،نشط مروان حديد في الدعوة والخطابة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسعى إلى استقطاب شباب وأتباع ليشاطروه توجهاته وأفكاره خاصة شباب  الإخوان المسلمين, الذين استطاع إقناع قطاع منهم بضرورة المواجهة العسكرية مع النظام خصوصا مع سيطرة الضباط العلويين بقيادة حافظ الأسد على مقاليد الحكم في سوريا، واعتبار مروان حديد لذلك تسلطا للأقلية العلوية (النصيرية) على الأكثرية السنية.

بعد فشله في إقناع قيادة الإخوان المسلمين بجدوى المواجهة مع النظام قام بتشكيل تنظيمه الخاص، اسماه "الطليعة المقاتلة لحزب الله" نشط في كل من دمشق وحلب وحماة مسقط رأسه,لم يعترف التنظيم الدولي للإخوان المسلمين بجماعة مروان حديد وقام بفصل كل الأعضاء الذين شك في تعاطفهم معه.اعتقل مروان حديد عام 1970 وبقي في السجن خمس سنوات قبل أن يقضي نحبه تحث التعذيب ليعلن بعد ذلك تلامذته الجهاد ضد النظام عام 1979 تحث سم جديد "الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين" لتندلع موجة من  المواجهات عمت جميع أنحاء سوريا.
انتشر في سوريا أنداك مناخ جهادي غدته كتابات وأدبيات سيد قطب الوافدة،كما عرفت الساحة الفكرية السورية بروز كتابات الشيخ سعيد حوى الذي نظر للثورة السورية من خلال مجموعة من الكتابات التي كان لها أثر الكبير في تشكيل العقل الجهادي, وبناء منظومته الفكرية، غير أن كتابات سعيد حوى تميزت بكونها لم تتأثر بالفكر السلفي الوهابي بل كانت مزيجا من فكر سيد قطب وأبو الأعلى المودودي مع بعض التعاليم الصوفية.
عمت المواجهات بين النظام السوري والطليعة المقاتلة جميع أنحاء القطر السوري واستفادت الأخيرة من التسهيلات والملادات التي كان يوفرها النظامين العراقي والأردني بسبب خلافهما الشديد مع نظام حافظ الأسد.غير أن ذلك لم يحل دون حسم النظام للمواجهات لصالحه حتى بعد انخرط الإخوان المسلمون في المواجهات وقيادتهم لها,فقد استغل النظام بعض أخطاء الثوار لينقض عليهم فيما سمي بمدبحة حماة الرهيبة التي قتل فيها عشرات الآلاف من البشر.
   بعد هزيمة الطليعة في حماة أحكم النظام البعثي قبضته على سوريا وجعلها منطقة محرمة على الإسلاميين مهما بلغت درجتهم في الاعتدال ،فالدستور ينص على أن حزب البعث هو الذي يقود الدولة والمجتمع كما أن المادة 49 من الدستور نفسه تقضي بإعدام كل من ثبت انتمائه للإخوان المسلمين .ليعيش الإسلاميون خريفا طال أمده إلا من بعض الأعمال المسلحة البسيطة هنا وهناك التي قامت بها بعض الخلايا الصغيرة أو بعض الوافدين من خارج سوريا,غير أن الدروس التي استخلصها الجهاديون من التجربة السورية شكلت مادة دسمة أغنت مكتبتهم الفكرية والحركية ،كما أن رجالات تلك المرحلة تحولوا إلى أعمدة فكرية واستراتيجية للحركة الجهادية العالمية ومنهم على سبيل المثال عمر عبد الحكيم "أبو مصعب السوري" الذي يعتبر أكبر العقول المفكرة لتنظيم القاعدة,ولم تنجح محاولات هذا الأخير في إعادة بعث الحركة الجهادية في سوريا رغم الجهد التنظيري والتحريضي الذي بدله لأجل ذلك، بسبب تغول القبضة الأمنية للنظام في كل ثنايا , الحياة في سوريا وللتصور الذي كان يقيمه حول نفسه كقوة ممانعة ومناهضة لإسرائيل والغرب ،وهي الممانعة نفسها التي لم تحل دون التحالف هذا الغرب في الحرب على الإرهاب الإسلامي إذ يوجد بسوريا أكبر مراكز الاعتقال والتعذيب و يعتبر المعتقل الرهيب المسمى "فرع فلسطين" أحد أفظع الأماكن التي يمارس فيها التعذيب على أوسع نطاق ضد المتهمين بالإرهاب الذين تتسلمهم سوريا من الولايات المتحدة ألأمريكية وفي مقدمتهم عمر عبد الحكيم.
سوريا التي كانت أرضا مقفرة بالنسبة للجهاديين ولم ترتبط في أذهانهم إلا بالهزائم والنكسات وحفلات التعذيب المميتة, تتحول  إلى أرض للميعاد ومبعث للأمجاد .لا أحد ينكر أن الشام تبوأت مكانة كبيرة في وجدان وفكر الجهاديين وكان يسوئهم كثيرا أنهم لم يتمكنوا من إيجاد موطئ قدم لهم فيها, خصوصا وأن من يحكمها يعتبر بمثابة غريمهم التقليدي ويفضلون قتاله على من سواه إنهم الشيعة, لقد أعطيت (بضم الألف) النصوص النبوية والقرآنية التي تتحدث عن الشام وقدسيتها أهمية كبيرة في أدبيات التيار الجهادي فهي "عقر دار المؤمنين"وهي "مربض الطائفة المنصورة" وتعتبر من "أكناف بيت المقدس "لذلك مثل تخليهم عنها تخليا عن جزء كبير من الإرث الشرعي والعمق التاريخي الذي يعتبر جزءا لا يتجزأ من هويتهم الجهادية.

     اندلعت الثورة السورية في أدار مارس من عام 2011 كحدث تجاوز كل التوقعات وأربك كل الفاعلين ,ومن بينهم "الجهاديون " ومع بداية الثورة وشعاراتها التي تنادي بالحرية والديمقراطية ونبد "العنف" والسلمية,اقتنع "الجهاديون" أن أي  تدخل منهم سيشكل عبئا على الثورة كما سيعزز روايات النظام بوجود جماعات إرهابية مسلحة ,لذلك كانت التعليمات لهم واضحة بتجنب أي عمل ضد النظام لأنه في المحصلة سيكون في مصلحة هذا الأخير, هكذا أعلنت كتائب عبد الله عزام,لكن تسارع الأحداث وازدياد بطش النظام وغطرسته فتح الساحة السورية على خيارات أخرى وفاعلين جدد ، فبدأت فكرة سلمية الثورة بالتلاشي أمام إرهاب النظام المتزايد,كما تحولت شعارات "الديمقراطية "و"الوحدة الوطنية" إلى شعارات للاستهلاك السياسي يقتات منها بعض المعارضين في المحافل والملتقيات الدولية بعد أن أخذت الثورة السورية مسارا جديدا ألقى الاصطفاف الطائفي والمواجهة العقدية بظلالهما عليه,مسار يكاد يكون المناداة فيه بالعودة إلى سلمية الثورة ضربا من ضروب الخيانة والتولي , فلا بديل عن المواجهة مع النظام, لكن الخطير ليس المواجهة في حد ذاتها  بل التمثل الذي يقيمه طرفي الصراع لهذه المواجهة بمعنى الأيديولوجية المتحكمة في الصراع.
معظم التنظيمات المسلحة حتى المنضوية منها تحت لواء الجيش السوري الحر ترى أن الحرب مع النظام هي حرب عقدية بالدرجة الأولى ولذلك فهي تدبج بياناتها بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تعطي توصيفا عقديا للمواجهة،وهو ما يتجاوز كل السرديات الأخرى التي ظهرت مع بدايات الثورة "كالدولة المدنية "و"الديمقراطية" و"الوحدة الوطنية"..النظام من جانبه أيقن أنه إن كانت هناك نقطة قوة عليه أن يعتمد عليها فهي عمقه الطائفي وبها يستطيع  استقطاب نظرائه في الطائفية من الأنظمة والقوى الإقليمية ,إذن فنحن بصدد حرب طائفية عقدية لن تنتهي إلا بإبادة  أحد طرفي الصراع لخصمه أو على الأقل تجريده من عوامل البقاء والصمود وجعله يرضخ لشروط كمنتصر, فالحرب التي تقوم على أساس ديني هي الأشد ضراوة والأطول نفسا لأن كل طرف يرى في تراجعه خذلانا لعقيدته ونقصا في إيمانه كما أن صموده وثباته يقرأه على أنه نابع من صحة ما يعتقده ويدين به "نموذج الحروب الصليبية التي استمرت لعقود طويلة والصراع العربي الاسرائلي كذلك في مقابل الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتان قامتا على أسس توسعية واقتصادية بحتة لم تدوما سوى بضع سنين".
نقطة مهمة أشار إليها السوسيولوجي أكرم حجازي وهي أن:" المجتمع السوري خضع لعملية تجهيل متوحشة نجحت في تجريده من كل عناصر القوة وأدواتها. فهو لم يستفد من الأيديولوجيات والفلسفات الراديكالية التي كانت الحركات الوطنية العربية والفلسطينية تتمتع بها، كما لم يستفد من الوعي السياسي أو من أي تشكيل سياسي إلا بمقدار ما يعبر عنه خطاب « حزب البعث» بصيغته الأمنية المتوحشة"
إذن فنحن بصدد مجتمع غير مؤدلج مجتمع الفطرة عبر عنه شعار الثورة الخالد "يالله مالنا غيرك يا الله" إنها الاستجابة العفوية الفطرية من شعب نزل به بأس نظام لا يعرف غير لغة القتل والإرهاب وهو عين ما عبر عنه غلام سيرمين الذي أصيب في الثورة بحروق فضيعة فكانت ردة فعله ومشارط الطبيب تغزو جسده ذهابا وإيابا أن كان يصيح مصبرا نفسه:"في سبيل الله في سبيل الله في سبيل الله...استغفر الله استغفر الله اللهم احميني..." , انه تعبير عن فطرة الشعب الذي لم يعرف طوال حكم البعث إلا خطابا سياسيا أحاديا ربما لا يعبر عنه غير البيت الشعري لأحد ذهاقنة هذا الحزب:
أمنت بالبعث ربا لا شريك لهّ...***... وبالعروبة دينا ماله ثاني
دخول الخطاب الجهادي على خط الثورة السورية كان مسألة حتمية وحيوية في نفس الوقت ,لأن الثورة تحتاج إلى عمق شرعي عقدي لتحافظ على وجودها ولتكون في مستوى المواجهة التي اختار النظام مند البداية أن تكون طائفية,كما أن هذا العمق سيعطي هوية مميزة للثورة ينقلها من توصيفها "كحراك سياسي" إلى "جهاد وحرب مقدسة" لا مفر من خوضها والانتصار فيها, لأن ذلك سيكون أدعى للتضحية والصمود فيما لو بقيت "حراكا سياسيا" ما يلبث أن يخبو أو يجهض.

  يصعب الآن الحديث بالتفصيل عن خريطة الحركات الجهادية في سوريا لسبب رئيسي أن هذه الحركات تعرف دينامية متسارعة من حيث التشكل والتحالف والاندماج, وبالتالي صعوبة تحديد هويتها التنظيمية ففي كل أسبوع  تتشكل كتائب وسرايا وجماعات جديدة و القاسم المشترك بين كل هذه التنظيمات أو معظمها هو صيغتها العقدية, و توصيفها للصراع كصراع عقدي واستلهامها لأدبياتها من الموروث الجهادي الذي تشكل خلال مسار المواجهة الطويل بين الجهاديين والنظام العالمي الجديد.
ينشط الآن على الساحة السورية عدد من التنظيمات الجهادية أبرزها جبهة النصرة وكتائب عبد الله عزام وفتح الإسلام وجيش الصحابة وكتائب أحرار الشام ولواء الأمة إضافة إلى كتائب وسرايا منضوية تحث لواء الجيش السوري الحر ولا تخفي بعدها الجهادي والعقدي من خلال أسمائها وأعلامها وبياناتها المرئية والنصية.

جبهة النصرة هي أنشط هذه الجماعات ويمكن اعتبارها واجهة لتنظيم القاعدة في سوريا, لعدة اعتبارات ومؤشرات, فإضافة إلى بنيتها الفكرية التي يمكن اعتبارها امتدادا لفكر تنظيم القاعدة بالنقطة والفاصلة,فهي تتبنى نمطا من العمليات لا يمكن أن يكون مصدره إلا مدرسة أبو مصعب الزرقاوي في العراق حيث العمليات الانتحارية واعتماد السيارات المفخخة وتدمير البنايات الأمنية والحكومية,دون أن ننسى الإشارة إلى أن الجبهة تحضا برعاية دعائية من أدرع تنظيم القاعدة الإعلامية, فهي الوحيدة التي تنشر مؤسسات تنظيم القاعدة الإعلامية لأدبياتها وبياناتها.وأعلن عن ميلاد الجبهة في أواخر شهر يناير من عام 2012 ويقودها الفاتح "أبو محمد الجولاني".
أما لواء الأمة فقد أعلن عن تشكيله في 15 من يونيو 2012 وجاء البيان الأول له واضحا في رسم أهداف اللواء ودواعي تشكيله والتي تتمثل حسب البيان في "استجابة لله ونصرة للأبرياء وإقامة للواجب الشرعي ليشارك الشعب السوري كله في معركة تحرير الشام وتطهيرها من عصابات الظلم والإجرام حتى تعود أرضا للعدل والإسلام" وأضاف البيان أن "لواء الأمة" يعاهد الله والأمة على الجهاد في سبيل الله حتى تحرير سوريا والقضاء على الطاغوت وعصابته الإجرامية والوقوف مع الشعب السوري البطل حتى تحقيق النصر و إقامة حكم إسلامي راشد", والملفت في هذا اللواء أن مؤسسيه هم من قادة الثورة الليبية وهم المهدي الحاراتي وعبد الحكيم المشرى جاؤو إلى سوريا لمساندة ثورتها لخبرتهم التي اكتسبوها إبان الثورة الليبية.
اذن فالساحة السورية مثلت ميلادا جديدا للقوى الجهادية وسيكون لها تقلها في سياق ومسار الثورة السورية كقوة فاعلة لا يمكن تهميش دورها حتى وان همشت إعلاميا لان المعطيات الميدانية ستكون الحاسمة في تحديد مسار ومصير الثورة.
في المستقبل إذا لم يحدث هناك أي تدخل أجنبي ضد النظام ستتحول سوريا إلى شبه عراق أخرى ,نظام طائفي متمترس خلف ترسانة من الحديد والنار, يستمد قوته من بعده الطائفي  ومن دعم القوى الكبرى الإقليمية والدولية له, وجماعات للمقاومة تحاول النيل منه واقتناص رموزه وقد تنجح في إخضاع مدن ومناطق واسعة لسيطرتها دون أن تتمكن من القضاء على النظام نهائيا, إلا إذا رجحت قوتها التسليحية بدعم جاد بالأسلحة والمعدات الحربية الثقيلة والمتطورة تجعل ميزان القوة يميل لصالحها.
وفي المحصلة سواء حسمت المعركة في سوريا بسرعة أو طال أمدها فالرابح في كلتا الحالتين هو التيار الجهادي, لأن حساباته دائما تتخطى المعطيات القريبة والآنية إلى حسابات تأخذ في اعتبارها عالمية المعركة وأممية المواجهة وأبدية الصراع,وأنا أخشى أن يتحول التيار الجهادي كرافد من روافد الثورة من أداة للحل إلى جزء من المشكلة قد تحول دون بناء سوريا ,لأن العقل السلفي الجهادي ينطوي على أخطاء عميقة مرتبطة بطبيعة التفكير السلفي القائم على التمركز حول الذات والمفترض  وإلغاء الأخر واجتهاداته.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير