2/29/2012

بعد إيصال القاعدة رسالتها لهادي.. مخاوف من أن تصل إلى صنعاء

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : فبراير 29, 2012

ضجت قاعة البرلمان بالتصفيق حين قال الرئيس عبد ربه منصور هادي إنه سيحارب القاعدة، ذلك لأن القاعدة ارتبطت بصالح في نظر خصومه، وهذا الكلام من هادي يعني أن عهدا جديدا بدأ لا مكان فيه لصالح وأدواته، في نظرهم أيضا، لكن القاعدة أفسدت على الجميع تلك الفرحة سريعا.

فخبر التنصيب أو خبر أداء اليمين الذي من المفترض أن يكون الخبر الرئيسي الرئاسي في اليمن يوم 25\2\2012م، تحول إلى خبر ثانوي على هامش خبر العملية التي نفذها تنظيم القاعدة في منطقة فوة بمدينة المكلا أمام مبنى القصر الرئاسي وأودت بحياة العشرات من الجنود.

لقد تناولت وسائل الإعلام، وعلى رأسها قناة الجزيرة، خبر العملية على هذا النحو: تبنى تنظيم القاعدة العملية الانتحارية ..... الخ..، ثم واصل الخبر: وجاءت العملية بعد لحظات من تنصيب منصور رئيسا للبلد خلفا للرئيس المخلوع علي عبد الله صالـح. حتى برنامج ما وراء الخبر اليومي، وهو البرنامج الذي يهتم بأهم حدث لأهم خبر، كان عن هذه العمليـة.

ويأمل تنظيم القاعدة الذي نجح في سرقة الأضواء من الرئيس الجديد عبد ربه منصور هادي في أهم أيامه، أن يكون هادي قد استوعب الرسالة كما ينبغي، ذلك لأن تصريحات هادي التي سبقت العملية، سواء خلال أدائه القسم أو أثناء لقائه بالسفير الأمريكي قبل أسبوعين، كانت تؤكد على خيار الحل الأمني في التعامل مع تنظيم القاعدة، وهو الخيار الوحيد الذي تتعامل به الولايات المتحدة الأمريكية مع التنظيم.


*رسالة قوية في توقيت مهم

لا تكمن قوة الرسالة في حجمها التدميري ولا في خصوصية مكان تنفيذها، كونها تمت في منطقة محصنة وطالت هدفا في أكثر أماكن تلك المنطقة تحصينا، وأودت بحياة ما يقرب من ثلاثين جنديا تابعين للحرس الجمهوري، بالإضافة إلى عشرات الجرحى، وإنما تكمن قوتها في توقيتها الزمني، حيث جاءت بعد يوم واحد فقط من تصريحات مذلة للسفير الأمريكي، وبعد لحظات قليلة من تصريح مشابه لرئيس الجمهورية الجديد.

وكان السفير الأمريكي قد قال إنه سيعمل على تجنيد اليمن كلها لمحاربة الإرهاب، بينما تحدث الرئيس هادي عن الحرب على تنظيم القاعدة كأولوية أولى في المرحلة القادمة. وسبق ذلك تصريح لهادي أثناء لقائه بالسفير الأمريكي يؤكد بأن لا حوار مع الجماعة الإرهابية، وتصريح للسفير الأمريكي في حوار مع صحيفة 26سبتمبر يقول الأمر ذاته. بالإضافة إلى أن الحوار الذي كانت الحكومة الجديدة قد بدأته مع القاعدة فشل، ولهذا اضطرت وسائل إعلامها إلى نفي وجود حوار مع تنظيم القاعدة في أبين.

من هذا كله تبدو الصورة واضحة جدا أمام تنظيم القاعدة أو أمام أنصار الشريعة: المرحلة القادمة هي مرحلة ضرب التنظيم بقوة، وبمشاركة الجميع، في السلطة والمعارضة، بالإضافة إلى ما سيُخصص من دعم إقليمي ودولي لتلك الحرب في تلك المرحلة.

وبناء على وضوح تلك الصورة أراد تنظيم القاعدة من خلال العملية الأخيرة أن تكون صورة المرحلة القادمة أيضا واضحة جدا أمام الحكومة الجديدة وأمام الرئيس الجديد: إذا أقلقتم أمننا في مناطق سيطرتنا سنقلق أمنكم في مناطق سيطرتكم، وبمقدورنا أن نصل إلى قصوركم الأكثر تحصينا.

لكن الصورة الأكثر وضوحا هي تلك التي يراها من هم خارج دائرة أطراف الصراع: حملة عسكرية كبيرة للحكومة ضد القاعدة في أبين، وعمليات رد للقاعدة داخل العاصمة صنعاء أو في غيرها من المدن الحيوية، يعني أن اليمن كله سيتحول إلى ساحة لمعركة تبدو مفتوحة النهاية.

*لماذا الحرس الجمهوري

مؤخرا نفذت القاعدة أكثر من عملية ضد مسئولين ينتسبون إلى جهاز الأمن السياسي في محافظات عدن ولحج والبيضاء وحضرموت وذمار، لكن عملية يوم 25\فبراير\2012م كانت ثالث عملية تستهدف الحرس الجمهوري خلال شهر واحد.

وكان قد سبق هذه العملية عملية ضد قوات الحرس في مدينة رداع بنقطة دار النجد وقُتل فيها جنديان، كما تلتها عملية أخرى أودت بحياة قائد القطاع الخاص للحرس الجمهوري في محافظة البيضاء قبل أسبوعين من عملية المكلا. وهو الأمر الذي استدعى هذا السؤال.

ومع أن القاعدة في رسالة التبني لعملية المكلا الأخيرة قالت إن العملية جاءت ردا على جرائم الحرس الجمهوري، إلا أنها لم تحدد نوع تلك الجرائم والمستهدفين بها، لكن عودة الحرس إلى مدينة رداع، وما تلا تلك العودة من مواجهات بالإضافة إلى النقض لما تم الاتفاق عليه، تبدو أسبابا منطقة لتوجه القاعدة الجديد، غير أن احتفاظ أمريكا بقائد الحرس في منصبه، لأنه متجاوب معها أكثر من غيره في الحرب على تنظيم القاعدة، كما قالت، يبدو السبب الأكثر منطقية، والقاعدة تستهدف كل من تدعمه أمريكا في هذه الحرب.

فخلال الأعوام الماضية كان جنود الأمن المركزي في المناطق الجنوبية والشرقية من أهم أهداف تنظيم القاعدة، بعد المنتسبين إلى أجهزة المخابرات، ذلك لأن قوة وحدات مكافحة الإرهاب تتبع جهاز الأمن المركزي، وكانت أربع وحدات من هذا الجهاز قد أنشئت في أربع محافظات يمنية يتواجد فيها تنظيم القاعدة، هي شبوة ومأرب وأبين وحضرموت.

ونفذ تنظيم القاعدة عمليات عدة ضد هذه القوات في المحافظات الجنوبية والشرقية ضمن ما أسماه "سلسلة نفي الخبث". وهنا يتضح سبب توجه التنظيم لاستهداف الحرس الجمهوري مؤخرا.

*أين التشكيك في العملية؟

على غير العادة لم تُـقابل عملية القاعدة الأخيرة بحملة من التشكيك، كما كان يحدث في السابق، رغم تزامنها مع عودة صالح المتهم دوما من قبل خصومه السياسيين بالوقوف وراء عمليات القاعدة.

واكتفى بيان لأحزاب اللقاء المشترك بإدانة العملية كما اعتبرها محاولة يائسة لإعاقة الدخول إلى المرحلة القادمة وإيقاف عجلة التغيير، داعيا إلى ملاحقة المجرمين وتقديمهم للعدالة وفضحهم أمام الرأي العام.

وبيان المشترك الأخير من حيث اللهجة والمضمون يختلف كثيرا عن بياناته السابقة في هذا الجانب، فبعد حادثة انفجار (مصنع 7 أكتوبر) للذخيرة بمديرية خنفر في محافظة أبين قبل أشهر، حمل المشترك صالح مسئولية ما حدث واتهمه بالتواطؤ مع تنظيم القاعدة في ذلك. كما وصف بيان المشترك سلوك صالح وحاشيته بالإجرامي الخطير.

ويقول القيادي في التنظيم أبو عبد الرحمن العولقي لـ"الوسط" إن اللقاء المشترك، وحزب الإصلاح على وجه التحديد، سيضطرون في المرحلة القادمة إلى الإقرار بوجود قاعدة حقيقية في اليمن، حتى يحصلوا على دعم من الخارج.

*خيارات المرحلة القادمة

قُدمت الانتخابات الرئاسية الأخيرة للشعب على أنها محطة فاصلة بين مرحلتين، مرحلة نظام صالح والمرحلة التالية لها. لقد شارك الناس في الانتخابات على هذا الأساس: "لم نصوت لعبد ربه منصور هادي بل صوتنا لإسقاط نظام علي عبد الله صالح".

وسواء كان هذا حقيقيا أو تضليلا للشعب كي يشارك في انتخابات مفروضة من الخارج، فإن ما ينتظره الناس اليوم هو أن لا تتكرر ذات الذرائع والمبررات. لقد دخلنا فعليلا ـ بحسبهم ـ مرحلة جديدة، ولا مجال فيها ـ بحسب غيرهم ـ لاستدعاء أي شيء من الماضي.

مثلا، لا ينبغي، من وجهة نظر كثيرين، أن يحضر صالح في المرحلة القادمة كعذر أو مبرر لعجز أو لتجاوز ما، لأن نظام صالح انتهى بالانتخابات الرئاسية التوافقية، وإلا لما كان ينبغي أن تجري أصلا. لا مجال هنا أيضا للحديث عن سوء التقدير. سوء التقدير لا يكون في قضايا مصيرية كهذه.

لقد ذهب الرجل المتهم بالتفريط في السيادة الوطنية إلى غير رجعة، وجاء رجال الوصاية إلى سلطة لا يبدو أن لها سلطة حتى على الرغبة الأمريكية التي يجسدها سفير أمريكا في العاصمة صنعاء. ورغبة أمريكا لا تعطي اعتبارا لأية مصالح داخلية حين تحضر مصالحها.

لكن نجاحهم في خلق واقع تتقاطع فيها مصالح اليمنيين ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية، لا يعني أنهم سينجحون في تأمين تلك المصالح، فلكثير من اليمنيين مصالح خارج ذاك الواقع.

وبما أن الرئيس هادي أكد للسفير الأمريكي بأن لا تفاوض مع الجماعة الإرهابية، فإن علينا أن ننتظر ما سيحققه الخيار الآخر في التعاطي مع هذه الجماعة. خيار الحرب. فالسيطرة على محافظة أبين لن تعني السيطرة على تنظيم القاعدة، وعدم السيطرة على التنظيم تعني أشياء كثيرة جدا.

لقد سيطرة الولايات المتحدة الأمريكية على أفغانستان، بعد أن أسقطت حكومة طالبان المركزية، لكن طالبان والقاعدة بعد عشر سنين من الحرب، صارت تشكل خطرا أكبر من ذي قبل على الأمن القومي الأمريكي.

كما سيطرت العشائر وجماعات على صلة بإيران وأخرى على صلة بأمريكا "الصحوات" على محافظة الأنبار في العراق، بعد أن كان تنظيم القاعدة قد استعادها من أيدي القوات الأمريكية أواخر عام 2006م، لكن تنظيم القاعدة في العراق "دولة العراق الإسلامية" بات يشكل خطرا أكبر من ذي قبل.

وفي مكان آخر سيطرت القوات الأثيوبية قبل أسابيع على بلدة بلدوين الصومالية، ثم بلدة بيدوا، وقد تسيطر على كسمايو وغيرها من المناطق التي تتواجد فيها حركة الشباب المجاهدين، بعد أن عجزت الحكومة المحلية عن السيطرة عليها، لكن قد يكون على الصوماليين في ظل ذلك كله أن ينتظروا غدا صومالا أسوأ من صومال الأمس واليوم. فهل على اليمنيين أيضا أن ينتظروا غدا صنعاء أسوأ من مقديشو وبغداد؟!.

وهنا نقول.. قد لا يكون بمقدور الحكومة اليمنية الجديدة السيطرة على محافظة أبين وعلى ما يحكم التنظيم سيطرته عليه من محافظة شبوة القريبة، لظروف خاصة تتعلق بالوضع اليمني وبوضع القاعدة الخاص في اليمن، رغم رحيل نظام صالح المتهم تنظيم القاعدة بأنه صنيعته، لكن استعادة تلك المناطق، إن تم، سيعني بدء مرحلة جديدة قد تكون الأكثر عنفا. وربما قص تنظيم القاعدة شريطها بعملية المكلا الأخيرة.

وأن يعود التنظيم إلى وضعه السابق وهو بهذا العدد وبهذه الإمكانات ولا يعمل تحت ضغط أية مسئولية اجتماعية، لا شك سيكون إزعاجه أكثر. يكفي أن نعرف أن عدد من في قائمة المستعدين لتنفيذ عمليات "انتحارية" تجاوز الألف متطوع، لندرك مستوى الخطر.

وهذا يعني أن ما كانت تريده الحكومة الجديدة للوضع في مناطق سيطرة أنصار الشريعة قد تفقده في مناطق سيطرتها. ومع ذلك فالتنظيم لا يعول كثيرا على وجود أرض تحت سيطرته، لأن حربه لا تعتمد على الاحتفاظ بالأرض أصلا، ولأن أمر التوفيق بين إدارة حياة الناس في مناطق سيطرته وبين إدارة حربه مع خصومه قد يضاعف من مسئوليته بشكل كبير، وهو ما قد يفقده مكاسب حظي بها خلال فترة السيطرة.

*حوار شامل لا يستثني أحدا يستثني القاعدة!

بما أن الحكومة قالت ستحاور جميع الأطراف دون استثناء، فلماذا لا تحاور تنظيم القاعدة أيضا؟. والغريب أن الحكومة لا تعترف بالقاعدة كطرف، لهذا يتحدث مسئولها عن حوار وطني شامل ستشارك فيه جميع الأطراف بما فيها الحوثيون والحراك الجنوني دون أن يتحدثوا عن القاعدة حتى على سبيل أنها طرف مستثنى من الحوار.

وإذا كان الحوار مع تنظيم القاعدة في محافظة أبين قد فشل قبل الانتخابات، فلا يعني هذا أن يُلغى كخيار، لأن الحوار مع جماعة الحوثي ومع قوى الحراك الجنوبي فشل أكثر من مرة أيضا. أي أن تعامل الحكومة مع هذا الملف قد يكون جزءا من المشكلة.

لكن السيد محمد قحطان القيادي في حزب الإخوان وناطق أحزاب اللقاء المشترك السابق قال إن القاعدة إذا رغبوا في الحوار فلا مانع من محاورتهم، شريطة أن يلقوا السلاح، قبل أن يستدرك ويقول إن القاعدة لا يمكن أن تُعتبر طرفا، فليس لها مشروع وطني وهي ترى أن مشروعها دولي هدفه تحرير المنطقة أو العالم من الأمريكان.

وحين سألته الـ"وسط" عن مشروع الحوثيين والحراك، وعن إمكانية إلقائهم للسلاح، قال إنه لا يريد أن يدلي بتصريح حول هذه القضية في هذا الوقت، وتحدث معي فقط لأنني من البلاد، وخارج ما يمكن أن يُنشر.

ولأن القاعدة لن تلقي سلاحها، ولأن الحكومة لن تتخلى عن هذا الشرط إن قررت محاورتها، فسيكون على ما سيُفرض كأمر واقع لاحقا أن يقنع أحد الطرفين بشرط الطرف الآخر.

بضاعتكم ردت إليكم

بخصوص عملية المكلا قال مصدر في التنظيم لـ"الوسط" إن من ضمن المتفجرات التي استخدمت في السيارة أحد الصواريخ التي أطلقها الطيران على مدينة زنجبار ولم تنفجر. ويزن الصاروخ "أبو مظلة" أكثر من ثلاث مئة وخمسين كيلو. وكان ذلك سببا في إحداث قوة تفجيرية عالية.

والخلاصة أن القاعدة التي يتهمها بعض خصومها بأنها خرجت من القصر الجمهوري، دخلت القصر الجمهوري في حضرموت.. لكن على طريقتها.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير