الصحفي أحمد الزيدان.. رسالتك وصلت

 


عبد الغني مزوز---

في عام 2008 قرأت مقالا للدكتور أحمد زيدان في منتديات الجزيرة توك، ولم تكن ساعتها وسائل التواصل الاجتماعي بهذا الصيت والذيوع، كان عنوان المقال " المخابرات السورية إذ تستأسد على عجوز كأمي" ولحسن الحظ وجدت أنه مازال متاحا للقراءة في أحد المواقع الإلكترونية، عبر فيه الدكتور عن مأساته الشخصية، ومأساة عائلته، لاسيما والدته التي بلغت من العمر حينها 84 عاما، وما تلقاه من مضايقات متصلة من مخابرات نظام الأسد البائد.

لازلت أتذكر شعور المرارة الذي غشيني عندما قال بأن والدته قد بلغت 84 سنة ولم يكن حظه من صحبتها سوى 18 عاما، ورغم المكالمات الهاتفية المؤثرة التي تربطه بها، وصوتها المتعب الواهن، الذي يهد كيانه من الداخل كلما تحدث إليها، إلا أن ذلك كله لم يزد  عزيمته سوى مضاء، وإرادته قوة، فجدد التأكيد على رسالته في هذه الحياة قائلا: "أقسمت منذ زمن طويل أنني لن أسكت عنهم وعن جرائمهم الماضية والراهنة والمستقبلية، لن أسكت ما دام الوطن كله برسم البيع لآل مخلوف وللصفويين ولغيرهم". قرأت بعض التعليقات على مقاله في المنتدى، وأتذكر منها تعليقا، اختار صاحبه أن تكون عبارة " سأثور في وجهك يوما بشار" بمثابة توقيع يديل بها جميع مشاركاته وتعليقاته، ولا أشك أن صاحب التوقيع قد أنفذ وعده. 

كان الدكتور صوتا معروفا ووجها مألوفا عرفنا من خلاله القضية الأفغانية، بتقاريره الموضوعية، وتحليلاته الرصينة، وقد غاص الرجل عميقا في تفاصيل المشهد الباكستاني-الأفغاني، واطلع على تاريخ وحاضر البلدين، فكان بمثابة موسوعة ضافية بالمعارف والتجارب، تجلى جزء منها في كتاباته الغنية لاسيما كتابه المهم "صيف أفغانستان الطويل".

قبل أن يثور الملايين من الشعب السوري، وتظهر عشرات الفصائل الثورية، ومنصات المعارضة، وتُعقد المؤتمرات، وتصدر القرارات من الهيئات الدولية، ويُطوق الأسد بحبل العقوبات.. كان أحمد زيدان يحفر بقلمه في جدار الاستبداد الأسدي بعناد أهل تفتناز، مثقلا بإرث المناضلين الذين مضوا ووصايا الشهداء الذين قضوا. كان يملك مدونة إلكترونية في موقع "مكتوب" حولها إلى مدفعية ميدان، يدك بها معاقل آل الأسد، المتوارية خلف سواتر وواجهات مضللة، فترفع حينا راية الممانعة المزعومة وحينا آخر راية العلمانية والحداثة الزائفة.

من بين عدد كبير من الصحفيين والإعلاميين والنخب المفكرة  السورية العاملة في المؤسسات الكبرى كان أحمد زيدان الإعلامي الوحيد، نعم الإعلامي الوحيد الذي آمن بفكرة توحيد المحرر، ودعم بدون تحفظ مشروع حكومة الإنقاذ، وأيد (الجولاني) أحمد الشرع رغم ما كان يمر به المحرر من فتن وتحديات. وكان يصفه في تعليقاته بقائد المحرر، وراهن على حكمته وشخصيته وتبصره في توجيه دفة السفينة إلى أن ترسو على شاطئ الحرية. اللافت أكثر في مواقفه أنها لم تكن مترددة، ولم يقبض العصا من الوسط، ولم يحاول في بعض اللحظات لاسيما عندما كان المحرر يغلي على وقع بعض الأحداث الأمنية، وبعض المظاهرات المفبركة، لم يحاول أن يبرر مواقفه أو يتملص منها، أو يصنع لنفسه مسافة آمنة بينه وبينها، وإنما كان يؤكد عليها في منشوراته وتعليقاته في عز الاضطرابات والخطوب التي تعصف بالشمال المحرر.

ورغم إيمانه بفكرة توحيد المحرر وقيادة أحمد الشرع، كان مقربا من كافة الفصائل العاملة في إدلب، ولم يكن مشدودا بحبل الأيديولوجيات، أو صادرا في آراءه عن حزبية أو عصبية ضيقة، كان منفتحا ومقربا من الفصائل والهيئات الإسلامية جميعها، منسجما في ذلك مع تكوينه وأصالته.

لاشك أن احتكاك أحمد زيدان بالمسألة الأفغانية على مدى عقود، وتمرسه في دروبها ومنعطفاتها، عمقت وعيه بقضايا الثورة، ورسخت فهمه لتحولاتها وأزماتها، فتبدى ذلك على تصوراته المسددة تجاه الثورة السورية بمكوناتها ورجالها وأفكارها.

كنت في أحد الأيام أجمع مادة تحضيرية لأحد المقالات، فكنت بحاجة إلى مراجعة مجلات قديمة تصدر في باكستان إبان الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، فوجدت بعضها وكان لأحمد زيدان مقالات وأعمدة فيها، وكان يكتب بذات الالتزام والتجرد الذي يكتب بهما في الوقت الراهن، وكانت كتاباته مسكونة -كما الآن- بهاجس ضياع الثمرة وهدر التضحيات، "ويبقى أن نقول بأن القضية في حالة مخاض عسيرة ومفترق طرق خطير، فإما إلى قطف الثمرة وإما إلى فقدانها وضياعها وما أكثر الثمرات التي فقدتها هذه الأمة وأضاعتها" هكذا عبر في خاتمة مقال كتبه في حزيران/يونيو 1991 مستشرفا المتاهات التي ستؤول إليها القضية الأفغانية بعد اندحار الاتحاد السوفييتي.

اليوم يدخل أحمد زيدان القصر الرئاسي بعد مسيرة طويلة من مراغمة نظام الأسدين، وقد بصمت الوقائع والتطورات على وجاهة مواقفه وسداد اختياراته. بعض الشخصيات الوطنية بتاريخها الحافل، وخبرتها الكبيرة، وحكمتها العالية، جديرة بأن تصير "ثروة وطنية" ثمينة، ومدرسة رائدة تتعلم منها الأجيال، وأحسب أن أحمد زيدان من هذه الرموز والقامات الخليقة بالتقدير والاحتفاء.


editor
editor
تعليقات