قبل ثمانية أعوام كتبت مقالا بعنوان "الجولاني فوبيا" دافعت فيه عن أحمد الشرع في وجه حملات التشويه الافتراء التي كان يتعرض لها، وكان حينها مجرد كتابة كلمة إنصاف في حق الرجل - وليس والإشادة بجهوده وشخصيته القيادية- يُعد خروجا عن النص، وقدحا في بصيرة وحصافة الكاتب، فضلا عن كونه جريمة قانونية يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام.
اجتاح وسم #الجولاني_فوبيا منصات التواصل الاجتماعي، وأجج حالة الاستقطاب الحاد بين أنصار أحمد الشرع الذين يؤيدون خطواته في توحيد الفصائل الثورية بالقوة، وتشكيل إدارة مدنية مستقلة ممثلة بحكومة الإنقاذ، والقطع مع أفكار الغلو والتشدد، وبين خصومه الذين رأوا فيه راعيا لمشروع يقوم على التغلب وتقويض مكاسب الثورة، وفرض أفكار متطرفة دخيلة على المجتمع الادلبي.
بعد تحرير دمشق نسي الكثير من الناس أعظم انتصارات أحمد الشرع، واختزلوها في مشهد دخول دمشق، أو جهوده السياسية العظيمة التي أعادت سوريا إلى مكانتها اللائقة بين الأمم. في هذا المقال القصير سنُذكر أكبر المنجزات التي أحرزها أحمد الشرع والتي أفضت إلى فتح الثامن من ديسمبر، وما تأسس عليه بعد ذلك من مكاسب.
توحيد المحرر
منذ بداية الثورة السورية ودخولها طور العسكرة، كان هاجس أحمد الشرع إيجاد صيغة ناجعة لتوحيد الفصائل في جسم واحد، شارك في عشرات المبادرات، والتحالفات، والغرف الموحدة، لكن سرعان ما تنتهي إلى الإخفاق، وتزداد مع كل إخفاق حالة التشظي والفصائلية، إذ غالبا ما يسفر الاندماج عن انشقاقات في الفصيل الواحد بسبب تضارب مواقف القادة بين من يؤيد البقاء في الكيان الموحد وبين من يريد الخروج والاستقلال.
كان أحمد الشرع حريصا على إنجاح مشاريع الاندماج، وقدم من أجلها تنازلات كثيرة، فك ارتباطه بالقاعدة عندما طالبته الفصائل الأخرى بذلك كشرط للاندماج، ثم تنازل عن قيادة هيئة تحرير الشام لصالح قيادي ينتمي لفصيل منافس، ومع ذلك لم تصمد مبادرات الاندماج طويلا، وكان آخرها تشكيل هيئة تحرير الشام في يناير 2017 والتي سرعان ما تعرضت هي الأخرى لهزات انشق على اثرها شيوخ وشخصيات وفصائل منها فصيل حركة نور الدين زنكي.
في لحظة ما طفح الكيل بأحمد الشرع وقرر إنهاء حالة الفصائلية المستشرية، وهو الذي ترسخت لديه القناعة أن نجاح الثورة لا يمكن أن يتم إلا بوحدة حقيقة بين الفصائل. شكل على إثرها غرفة "عمليات الفتح المبين" وألزم كل الفصائل في محافظة إدلب على الانضواء تحتها، وحظر العمليات العسكرية العشوائية، وجعل من "الغرفة" الجهة الوحيدة المخولة بتدبير المجهود الحربي في الشمال المحرر.
كان مضطرا للتعامل بحزم مع كل المحاولات التي تسعى لخلق "غرف عمليات" موازية أو تأسيس فصائل جديدة، وبدأ بأقرب المقربين إليه فقام بحل "غرفة عمليات فاثبتوا" وفصائل مستجدة مثل لواء المقاتلين الأنصار الذي أسسه صديقه القديم أبو مالك الشامي. وتحت قيادة وإشراف غرفة عمليات الفتح المبين انطلقت عمليات التحرير التي بدأت بأرياف حلب وانتهت في القصر الجمهوري في دمشق.
الإدارة المدنية
فكرة الإدارة المدنية للمناطق المحررة التي بلورها أحمد الشرع والتي تكللت بتشكيل حكومة الانقاذ في نوفمبر 2017 تعتبر من أهم الأفكار التي وضعت الثورة السورية على سكة الظفر.
قبل تطبيق مبادرة الإدارة المدنية، وما تمخض عنها من توحيد للمرافق الخدمية والإدارية والقضائية والأمنية، وصولا إلى تشكيل حكومة الإنقاذ، وترسيخ الطابع المدني لكل المرافق ذات الصلة المباشرة بالمواطنين؛ كانت المناطق المحررة عبارة عن مناطق نفوذ يتقاسمها قادة الفصائل، وحكومات بعدد هذه الفصائل، فلكل منها سجونها ومؤسساتها القضائية والأمنية الخاصة، وحواجز تتبع لها، ومساحات نفوذ خاضعة لها.
كانت فوضى الحواجز من أكثر مظاهر الانقسام الفصائلي إثارة للمشاكل والأزمات. يقع شطط أو سوء معاملة في أحدها بحق عنصر تابع لأحد الفصائل، فيرد فصيله باعتقال أو إهانة عناصر الفصيل الآخر في حواجزه الخاصة، يتبعها إعلان حالة الاستنفار بين الفصيلين، فتنتشر ما تُسمى "الحواجز الطيارة" على الطرقات، وتتدخل الفصائل الحليفة، وتحتقن الأوضاع وغالبا ما تنتهي باشتباكات تستمر أياما، يسقط على إثرها عشرات الضحايا، ويتكرر هذا السيناريو مع كل أزمة تطرأ عند حاجز.
الإدارة المدنية التي فرضها أحمد الشرع على المناطق المحررة قطعت مع هذه الفوضى، فتفرغ العسكريون لمهام الإعداد والرباط، وأدار المدنيون شؤون الناس، وتم توحيد المؤسسات الأمنية والقضائية والسجنية وغيرها. فكانت فكرة الإدارة المدنية بمثابة حجر الزاوية في مسيرة الفتح.
هزيمة داعش
كانت حملة أحمد الشرع سواء عندما كان قائدا لجبهة النصرة أو هيئة تحرير الشام من أنجع الحملات الأمنية والعسكرية التي قوضت تنظيم داعش في داعش سوريا، إضافة إلى نجاح المقاربة الفكرية التي اعتمدها في تفكيك البنية الأيديولوجية للتنظيم، وعزل العناصر المتطرفة عن تجمعات الجهاديين وكتلهم، وتوظيف العناصر المعتدلة في مشروع التحرير والبناء.
خاضت جبهة النصرة في المنطقة الشرقية وفي كل مناطق سوريا معارك ضارية ضد تنظيم داعش، ورصدت هيئة تحرير الشام موارد كبيرة في صراعها المرير ضد التنظيم، وكان أداء جهاز الأمن العام مذهلا في تفكيك خلاياه، وتحييد قادته الكبار.
شكل نوفمبر 2017 منعطفا مهما في حرب هيئة تحرير ضد داعش في سوريا. كانت الهيئة منخرطة بكل قوتها في معارك السيطرة على منطقة " أبو دالي" في ريف حماة الشمالي التي كان يسيطر عليها نظام الأسد، كانت المعارك في منتهى الخطورة لأن فشلها يعني تقدم النظام نحو مناطق إدلب، في خضم هذه المعارك فتح النظام ممرا لعناصر داعش للمرور بكامل عتادهم من مناطق سيطرتهم إلى المناطق المحررة.
أراد التنظيم استغلال انشغال الهيئة وارهاق مقاتليها من أجل التوغل عميقا في المناطق المحررة، حينها أصدرت الهيئة بيانا بعنوان " دينهم الغدر ومصيرهم الدحر" توعدت فيه بالقضاء المبرم على تنظيم داعش، وقد نجحت بعد أيام في صد تقدمه وأسرت العشرات من مقاتليه، وأبانت عن نهج جديد في التعامل معه، تمثل في اعتماد مقاربة أمنية بالغة الحزم والصرامة.
نجح جهاز الأمن العام بعد ذلك في تفكيك "ولاية إدلب" التابعة لداعش بشكل كامل، وضبط معظم خلاياها النشطة، واعتقل عددا من كبار قادتها ابرزهم الناطق الرسمي السابق "أبو عمر المهاجر" ولم يستطع التنظيم تنفيذ أي عملية دون أن ينجح جهاز الأمن في تتبع خيوطها واعتقال المسؤولين عنها، وكان آخرها اعتقال الخلية المنفذة لعملية اغتيال القيادي في الهيئة أبو مارية القحطاني في أبريل 2024.
أحجم تنظيم داعش منذ الحملات الأمنية والعسكرية الناجحة التي قادتها الهيئة ضده عن تبني أي عملية في مناطق نفوذها، حتى لا يستفزها ذلك وترد بحملات انتقامية. ومنذ سقوط النظام يتفادى تنظيم داعش القيام بعمليات ضد القوات الحكومية أو عمليات تفجير مميتة كما هي عادته، واكتفى بنشاطات محدودة جدا، مركزا عوضا عن ذلك على المنطقة الشرقية الخاضعة لقسد.