في 25 من أبريل/نيسان الماضي استيقظت مالي على وقع هجوم منسق واسع النطاق شنته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بالتعاون مع جبهة تحرير أزواد، كاد أن يطيح بالمجلس العسكري الذي يقوده الكولونيل أسيمي غويتا، الحاكم الفعلي للبلاد منذ انقلاب أغسطس/آب 2020، ويضع الدولة أمام أخطر تحد أمني منذ سنوات.
الهجوم المفاجئ أسفر خلال ساعاته الأولى عن السيطرة الكاملة أو الجزئية على مدن كيدال وغاو وموبتي وسيفاري، واستهداف عدد من المواقع العسكرية بينها مطار موديبو كيتا الدولي في مدينة كاتي المتاخمة للعاصمة باماكو، كما استهدف الهجوم عددا من رموز السلطة العسكرية الحاكمة بمن فيهم الرئيس، ووزير الدفاع ساديو كامارا الذي أعلن عن مقتله في وقت لاحق.
أرادت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أن تكون هجمات 25 نيسان/أبريل تتويجا ناجحا لعقد من معارك الاستنزاف المتواصلة، ولتوظيفها المثالي لمبادئ وتكتيكات حرب العصابات. ومع انقشاع غبار المواجهات برزت أسئلة تحتاج إلى أجوبة أعمق وأهدأ لفهم ما جرى واستيعاب ملابساته، ولعل من أهمها سؤال: كيف تقاتل جماعة نصرة الإسلام؟ ماهي الأساليب والتكتيكات العسكرية التي تستخدمها الجماعة وحولتها من مجموعات متشظية تتحرك في الأرياف والهامش إلى تكتل عسكري منظم يمسك بخناق مالي، ويمد أدرعه إلى بوركينافاسو والنيجر وتوغو وبنين وغيرها.
حرب العصابات.. فن الإنهاك البطيء
لا ينظر تنظيم القاعدة ومنظروه الاستراتيجيون إلى حرب العصابات باعتبارها أسلوبا عسكريا ناجعا لمواجهة الخصوم فقط بل يعتبرها أيضا جزءا من هويته الجهادية، وعقيدته القتالية التي أخلص لها منذ عقود، وقد حرص على تطبيق مبادئها في كل الساحات التي نشطت بها فروعه، سواء كانت داخل المدن مثل العراق والصومال أو الجبال مثل أفغانستان وإلى حد ما اليمن أو الصحاري والأرياف مثل مالي وبوركينافاسو والنيجر.
في وثائق أبوت أباد كانت توجيهات أسامة بن لادن لقادة الأقاليم (الأفرع) هي مواصلة حرب العصابات مهما بدت الظروف مواتية للانتقال إلى طور الصدام المباشر والتمسك بالأرض، ثم واصل أيمن الظاهري بعده التأكيد على ذات النهج، وكانت آخر التوجيهات التي أصدرها إلى فرع التنظيم في سوريا في 2017 هي "الانتقال إلى إستراتيجية حرب العصابات لأنها تؤدي إلى إنهاك الخصم واستنزافه" كما جاء في خطابه المعنون بـ" الشام لن تركع إلا لله"، أما سيف العدل الرجل الذي يُرجح أنه خلف الظواهري في قيادة القاعدة بعد مقتله في أغسطس/آب 2022 فقد كتب -وهو المتخصص في العلوم العسكرية والاستراتيجية- عددا من المقالات والدراسات طور فيه نظرية حرب العصابات الجهادية مستفيدا من تجاربه الميدانية في أفغانستان والصومال، وقراءاته وملاحظاته، وخلص إلى أن حروب العصابات ليست فقط أسلوبا حربيا ناجعا بل "علم سياسي عسكري، ونظرية اجتماعية، ورؤية اقتصادية، وابتكارا ً تكتيكيا ً وهي من زاوية ما سلاح قوي، سيف تحرير، وعدل اجتماعي." وقبل أن يخوض سيف العدل في شرح نظرية حرب العصابات من الناحية الاستراتيجية والتكتيكية، ويفصل في خصائصها ومقوماتها وعوامل نجاحها وفشلها، أكد أولا على أن خطورة حرب العصابات تكمن في كونها نهج " تنتج عنه تركيبة جديدة للبنية الاجتماعية والثقافية والأخلاقية في البلاد" أي أنه يراها مرحلة أولية لإعادة تشكيل المجتمعات وتغيير بناها الثقافية والاجتماعية، واختبار أنماط الحكم والإدارة على الجيوب والمناطق التي تتم السيطرة عليها بشكل مؤقت، قبل أن تخضع سائر الدولة لحكم رجال العصابات في مراحل لاحقة، عندما تستوفي مرحلة التوحش أو مرحلة النكاية والإنهاك زمنها.
يعتبر أبو مصعب السوري أول الجهاديين الذين نظروا لحروب العصابات وروجوا لها في أوساط الإسلاميين، تأثر الرجل بتجربة الطليعة المقاتلة في سوريا أوائل الثمانينيات، وشارك في ثورتها ضد نظام حافظ الأسد، وقادته مأساة حماة سنة 1982 إلى إعادة التفكير في أنماط المواجهة وأساليب التغيير العنيف، مستعينا بأفكار الحركات اليسارية وقادتها الكبار الذين كتبوا عن حروب العصابات مثل ماوتسي تونغ وتشي غيفارا وفون نجوين جياب. في 1989 صاغ فكرته عن حرب العصابات في ثلاث صفحات في معسكرات القاعدة، وفي أواسط التسعينيات شرحها في سلسلة مطولة من المحاضرات التي ألقاها في أفغانستان، وسجلت في أشرطة صوتية ومرئية بعوان "إدارة وتنظيم حرب العصابات" و"شرح كتاب حروب المستضعفين"، وفي 2003 حررها في كتاب ضخم بعنوان " دعوة المقاومة الإسلامية العالمية". شرع أبو مصعب السوري الباب أمام سيل من الكتابات والترجمات والنقاشات التي اهتمت بحروب العصابات داخل التيار الجهادي العالمي، حتى صارت من أكثر المواضيع تناولا في المدونة الجهادية.
يرى أبو مصعب السوري أن فشل معظم محاولات التغيير المسلح التي أشعلها الجهاديون في الثمانينات والتسعينات راجع في أساسه إلى عدم تبني أساليب حرب العصابات، وحرصها بدلا من ذلك على فتح جبهات اشتباك مباشرة مع الأنظمة السياسية، أو العمل وفقط نمط التنظيم السري الهرمي أو ما يسميه بـ" مدرسة التنظيمات القطرية السرية والهرمية"، وليس أسلوب الخلايا العنقودية المتفرقة، وتوقع أن تستمر دورة الفشل المتكرر إلى أن تتحرر هذه الجماعات من هذه فكرة التنظيمات الهرمية والجبهات المباشرة، وتتبنى تكتيكات حرب العصابات أو الإرهاب الفردي.
في 2004 ظهر كتاب "إدارة التوحش" لأبي بكر ناجي، الذي يعتبر واحدا من أهم الكتب التأسيسية في العنف الجهادي المنظم، وقد أحال كاتبه في كثير من فقراته إلى نصوص أبي مصعب السوري، ويرى أن مرحلة النكاية والإنهاك لابد أن تمر منها الجماعات الجهادية قبل أن تصل إلى مرحلة شوكة التمكين. أي أن التغيير الذي يسعى إليه الجهاديون لا يمكن أن يتم إلا من بوابة معارك الاستنزاف المستعرة المشفوعة بالدموية والعنف المفرط. وقد تأثر أبو مصعب الزرقاوي بالكتاب وظهرت تجليات ذلك في السيارات المفخخة التي هزت شوارع العراق وأسواقه، ومشهديات الذبح المروعة التي ورثها تنظيم داعش من بعده.
تنطلق نظرية حرب العصابات، التي بلورها أبو مصعب السوري وتبنّاها لاحقًا عدد من منظري التيار الجهادي، من إدراك الفجوة الهائلة في ميزان القوة بين الجماعات الجهادية وخصومها من الدول والقوى العالمية المهيمنة، سواء من حيث القدرات العسكرية أو الموارد الاقتصادية أو الإمكانات الاستخباراتية والتكنولوجية. وانطلاقا من هذا الإدراك، ترى النظرية أن السعي إلى حسم الصراع عبر مواجهة عسكرية تقليدية أو محاولة إسقاط الأنظمة المحلية في معارك فاصلة ضرب من المستحيل، لأن اختلال ميزان القوة يجعل مثل هذه المواجهة تنتهي سريعا بسحق الطرف الأضعف عسكريا وأمنيا في وقت وجيز. وبالتالي تطرح حرب العصابات بوصفها وسيلة استراتيجية لتعويض هذا الاختلال، لا عبر موازنة القوة بالقوة، وإنما عبر موازنة القوة بالزمن؛ أي نقل الصراع من ميدان التفوق العسكري إلى ميدان الاستنزاف طويل الأمد، حيث تتراجع أهمية الفوارق في الإمكانات لصالح القدرة على الصمود والاستمرار، والإنهاك البطيء للخصم.
من أفغانستان إلى الساحل
لم يكن تمسك جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بحرب العصابات خيارا فرضه اختلال موازين القوى وحده، بل جاء أيضا نتيجة تفاعل ثلاثة عوامل رئيسية، أسهمت مجتمعة في ترسيخ هذا النمط القتالي بوصفه العقيدة العسكرية الأكثر ملاءمة لبيئة الساحل. فعلى الرغم من أن الجماعة حققت خلال السنوات الأخيرة توسعا ميدانيا ملحوظا، وأصبحت في بعض المراحل قريبة من الانتقال إلى طور أكثر تقدما من السيطرة على الأرض أي الانتقال من شوكة النكاية إلى شوكة التمكين، فإنها فضلت الاستمرار في استراتيجية الاستنزاف والانتشار المرن، متجنبة التحول إلى قوة تتمسك بالمدن أو تخوض مواجهات فاصلة مع جيوش دول الساحل.
يتمثل العامل الأول في الخلفية الفكرية والعسكرية لقيادات الجماعة، ولا سيما القادة الجزائريين الذين قادوا العمل الجهادي في الصحراء الكبرى، مثل مختار بلمختار الذين يعتبر من أوائل من توغلوا في صحراء الساحل، وقد تلقى هؤلاء تدريبات عسكرية في معسكرات تنظيم القاعدة بأفغانستان في تسعينيات القرن الماضي. ولم تقتصر تلك التدريبات على الجوانب القتالية، بل شملت مبادئ حرب العصابات وإدارة الصراع وكان أبو مصعب السوري يقدم محاضرات ودورات في هذا الجانب، وهو ما عزز قناعاتهم بأن استنزاف الخصم على المدى الطويل أكثر فاعلية من السعي إلى حسم الصراع عبر مواجهات مباشرة. ثم تعمقت هذه القناعة بعد مبايعة الجماعة السلفية للدعوة والقتال لتنظيم القاعدة عام 2006، إذ أكدت المراسلات والتوجيهات الصادرة عن القيادة المركزية، على ضرورة الالتزام بحرب العصابات وتجنب التسرع في التمسك بالأرض قبل استيفاء "شروط التمكين".
أما العامل الثاني، فيرتبط بالدروس التي استخلصتها الجماعات الجهادية من تجربتها في شمال مالي عام 2012، عندما فرض تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، بالتعاون مع جماعة أنصار الدين وحركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا، سيطرته على مدن كبرى مثل تمبكتو وغاو وكيدال. فقد أتاحت تلك التجربة فرصة غير مسبوقة لاختبار نموذج الحكم والإدارة الذي ينشده التيار الجهادي، لكنها انتهت سريعا مع التدخل العسكري الفرنسي مطلع عام 2013، الذي أجبر الجماعات على الانسحاب من المدن خلال أسابيع قليلة. وأثبتت تلك التجربة أن السيطرة المباشرة على المراكز الحضرية قبل إنهاك الخصم واستنزافه ثم امتلاك مقومات الدفاع عنها تجعل الجماعات المسلحة أهدافا مكشوفة يسهل رصدها وتحييدها.
أما العامل الثالث فيتمثل في الخصائص الجغرافية والسياسية لمنطقة الساحل، والتي توفر بيئة مثالية لحرب العصابات. فامتداد الصحراء على مساحات شاسعة، وضعف سيطرة الدولة على مناطقها النائية، وهشاشة الحدود بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو والجزائر وموريتانيا، فضلا عن تداخل الامتدادات القبلية والاجتماعية عبر هذه الحدود، كلها عوامل تمنح الجماعة قدرا كبيرا من المرونة وهامشا واسعا للمناورة وإعادة الانتشار والانسحاب كلما دعت الضرورة إلى ذلك، مع الاحتفاظ بزمام المبادرة لصالحها.
ففي رسالة بعث بها أبو محمد صلاح المسؤول الإعلامي السابق لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي إلى القيادة العليا في أفغانستان اشتكى الرجل من ظروف صعبة يمر بها تنظيمه في الجزائر بسبب أن جبال الجزائر وإن كانت تؤمن غطاء لتحرك العناصر إلا أنها تعرقل الحركة السريعة والمرونة وتحرمهم من أبسط مقومات الحياة " حرمنا أنفسنا من كل شيء: تخففنا من الأزواج فلا زواج ولا أهل ولا زيارات وامتنعنا مطلقا من اللجوء للبيوت والمبيت فيها وامتنعنا من ركوب السيارات ومنذ سنوات كل تحركاتنا في الليل، حتى أنني نسيت منذ أعوام المشي في النهار ولم أر أهلي ولم تكتحل عيني برؤية والدتي أو أي أحد من إخوتي منذ أكثر من 12سنة وأنا في بلدي وداخل الجزائر صدق أو لا تصدق" يقول أبو محمد في رسالته.
كانت منطقة الساحل لاسيما شمال مالي قبل أن يبتلعها مارد الجهاديين مجرد ملاذ أجبر عناصر الجماعة السلفية للدعوة والقتال على الانحياز إليه تحت ضغط الجيش الجزائري، ثم أصبحت عمقا استراتيجيا لإلتقاط الأنفاس وترتيب الصفوف والبحث عن الموارد المالية من خلال " اقتصاد الرهائن" الذي راج في العقدين الماضيين، وكانت الصحراء الكبرى ساحة لاختطاف الرعايا الأجانب، والاحتفاظ بهم لسنوات بعيدا عن أدوات الرصد والمراقبة، قبل أن ترضخ دولهم لمطالب الجماعة.
ثم اكتشفت المجموعات الجهادية الهائمة في الصحراء أن فضاء الساحل يمكن أن يكون ساحة صراع واعدة، وهكذا أصبحت مالي والنيجر على رادارها، فأنشأ قادتها شبكات دعم وإسناد، واخترقوا المجتمعات المحلية، وشيدوا علاقات ولاء ومصلحة مع أعيان القبائل، واستقطبوا الجماعات المسلحة ذات الطابع العرقي والانفصالي، فتحولت منطقة الساحل وغرب إفريقيا في غضون سنوات قليلة إلى بؤرة توتر ملتهبة، ومنحت طبيعتها الجغرافية مسرحا مثاليا لإطلاق حرب عصابات طويلة الأمد على نحو فاق ما وفرته البيئة الجبلية في الجزائر، فالحدود المترامية والمساحات الشاسعة والأنظمة السياسية الهشة، كلها عوامل وظفتها الجماعات الجهادية وفي مقدمتها تنظيم القاعدة لشن حرب استنزاف تكللت بحملة الـ25 من أبريل/ نيسان التي كادت تطيح بالنظام في مالي.
كيف تقاتل جماعة نصرة الإسلام؟
تُعد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين من أكثر الجماعات المسلحة حرصا على توثيق نشاطها العسكري عبر بيانات شبه يومية، إلى جانب نشر حصاد شهري وسنوي لعملياتها يتضمن إحصاءات تفصيلية عن طبيعة الهجمات والأهداف والنتائج التي تزعم تحقيقها. ورغم أن هذه المواد تندرج ضمن أدواتها الدعائية، فإنها تمثل في الوقت نفسه مصدرا مهما لدراسة أنماطها القتالية، إذ تتيح تتبع تطور نشاطها العملياتي، واستنتاج التكتيكات التي تعتمد عليها، وقياس وزن كل نمط قتالي ضمن منظومتها التكتيكية العامة، فضلا عن تكوين صورة أوضح عن طبيعة تحركاتها الميدانية، ومستوى تسليحها، والأهداف التي تمنحها الأولوية، والعوامل التي تستند إليها في إدارة حرب الاستنزاف تبدوا في غاية النجاح ضد الجيش المالي وحلفائه، وضد الأنظمة العسكرية الأخرى في النيجر وبوركينافاسو.
واعتمادا على تحليل البيانات العسكرية التي نشرته الجماعة خلال الفترة الممتدة من مايو/أيار 2025 إلى أبريل/نيسان 2026، يتبين أن نمطها القتالي يقوم على مجموعة محددة من التكتيكات تتكرر بوتيرة لافتة، بينما تغيب أو تتراجع تكتيكات أخرى، وهو ما يسمح برسم صورة واضحة لعقيدتها العسكرية، والأساليب التي تعتمد عليها في عملياتها القتالية، وكلها أساليب تندرج ضمن تكتيكات حرب الغوار كما وردت في المراجع المتخصصة، وفي توصيات كبار المنظرين الجهاديين.
تكشف هذه القراءة أن التكتيكات الأكثر حضورا لا تخرج في جوهرها عن المبادئ المعروفة لحرب العصابات، القائمة على الحركة المستمرة، والاستنزاف، والمناورة، مع الاعتماد الأكبر على الإغارات والكمائن والعبوات الناسفة، والانتشار الميداني، والتفوق الموضعي، وهذا ما سنتناوله في الفقرات التالية.
مبدأ التفوق المحلي
يُعد مبدأ التفوق المحلي (أو التفوق الموضعي) أحد أهم المبادئ التي تقوم عليها حروب العصابات، ويعني قدرة الطرف الأضعف على تحقيق تفوق مؤقت في زمان ومكان محددين، رغم التفاوت الكبير في ميزان القوى العام لمصلحة الخصم. فبدل توزيع المقاتلين على جبهات واسعة أو خوض مواجهة مفتوحة مع جيش يفوقها عددا وعتادا، تعمل جماعات حرب العصابات على تركيز قواتها في نقطة اشتباك بعينها، بحيث تتمكن من خلق تفوق عددي أو ناري يسمح لها بحسم المواجهة بسرعة قبل أن يتمكن الخصم من استدعاء التعزيزات أو استثمار تفوقه العسكري. فإذا كان مثلا عدد أفراد مجموعة حرب العصابات 60 مقاتلا، فعليهم أن يبحثوا عن أهداف (نقاطا أمنية أو ثكنات أو تجمعات عسكرية..) تكون لهم فيها أفضلية التفوق العددي، ومن خلال تكرار هذا النمط من العمليات عبر فترات زمنية طويلة، تستطيع جماعات حرب العصابات إلحاق خسائر متراكمة بخصومها، واستنزاف مواردهم البشرية ومقدراتهم المادية، وفرض حالة دائمة من التفوق لصالحها.
وقد تحدث أبو مصعب السوري في محاضراته عن هذا المبدأ، ناقلا إياه من نصوص الزعيم الصيني ماوتسي تونغ قائلا:" التفوق المحلي يعني أنك بالنسبة للعدو في كامل البلد ضعيف في العدد والعدة، ولكن في المعركة الواحدة يجب أن تكون متفوق في العدد والعدة" وأضاف " في عملية الهجوم والإغارة يجب أن يكون عدد المهاجمين ثلاثة أضعاف المدافعين؛ لأن العدو متمركز ورشاشاته وراء الساتر ولديه حقول ألغام أمامه فهو متحصن؛ فلا يمكن أن تأتي وتخترق كل هذا وتهاجم بأعداد صغيرة، حتى لو فتحت ثغرة وأردت أن تهاجم فيجب أن يكون لديك تفوق محلي في هذه المعركة، فنسبة العدو لك في كل البلد ألف إلى واحد، بينما أنت نسبة وجودك في هذه المعركة ثلاثة إلى واحد أو خمس لواحد أو عشرة لواحد".
وقد طبقت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين هذا المبدأ بصورة واضحة في معظم عملياتها القتالية. ويظهر من تحليل بياناتها العسكرية، والمقاطع المرئية التي توثق هجماتها، أنها تحرص في أغلب الحالات على حشد قوة تفوق عدد أفراد القوة المستهدفة، بما يضمن لها تحقيق تفوق موضعي عند لحظة الاشتباك. ومن خلال نتائج العمليات التي تتبناها وصور ما استولت عليه من أسلحة ودراجات نارية ومتعلقات شخصية يظهر غالبا أن النقاط المستهدفة تضم عددا من العناصر لا يتجاوز في المعدل 20 عنصرا، أما المواقع الحصينة أو التي يتمركز فيها عدد أكبر فتزج الجماعة فيها بقوام كتيبة كاملة، تضمن لها تحقيق تفوق عددي وقوة نارية ساحقة.
الإغارة
يمثل تكتيك الإغارة التكتيك الأبرز الذي تستخدمه جماعة نصرة الإسلام في عملياتها الميدانية، وهو من التطبيقات العملية لمبدأ التفوق المحلي، وتعرف الإغارة في أدبيات حرب العصابات بأنها "الهجوم الخاطف والمباغت على هدف ثابت وفق خطة مدروسة بالاستفادة من التمويه والسرعة". ومن خلال مراجعة البيانات العسكرية للجماعة وحصيلة عملياتها في الفترة الممتدة من مايو/أيار 2025 إلى أبريل/نيسان 2026 يتبين أن تكتيك الإغارة هو الطاغي على غيره من التكتيكات، مع العلم أن النطاق الجغرافي المشمول بالدراسة يمتد على طول دول الساحل، لكن وجب التنويه إلى الجماعة قسمت منطقة الساحل إلى 10 مناطق عسكرية 8 منها تقع داخل مالي.
نفذت الجماعة، خلال الفترة الممتدة من مايو/أيار 2025 إلى أبريل/نيسان 2026، ما مجموعه 516 عملية إغارة، لتشكل بذلك أكثر تكتيكاتها القتالية استخداما، بنسبة تقارب 59% من إجمالي العمليات المعلنة. وقد ساعدت الخصائص الجغرافية لمنطقة الساحل على تعزيز فعالية هذا التكتيك، إذ توفر المساحات الصحراوية الشاسعة، والحدود المفتوحة، بيئة مثالية لتنفيذ الإغارات والانسحاب السريع، كما ساعد اعتماد مقاتلي الجماعة على الدراجات النارية في مضاعفة كفاءة هذا النمط القتالي، إذ تؤمن حركة سريعة، وقدرة على المناورة في التضاريس شبه الصحراوية.
ولا تقتصر أهمية الإغارات بالنسبة للجماعة على ما تحققه من مكاسب ميدانية وخسائر في صفوف الجيش المالي وحلفائه، بل تمثل أيضا أحد أهم مصادر تسليحها وتجهيزها. فاستهداف النقاط الأمنية والقواعد العسكرية يمكنها من الاستيلاء على الأسلحة والذخائر والآليات العسكرية والدراجات النارية ووسائل الاتصال والمتعلقات العسكرية الأخرى، والتي يعاد دمجها في بنيتها القتالية. وبذلك تتحول الإغارة إلى وسيلة مزدوجة، فهي من جهة تستنزف قدرات القوات الحكومية، ومن جهة أخرى تعزز الإمكانات اللوجستية والعسكرية للجماعة، وتقلل اعتمادها على شبكات التهريب أو الإمداد الخارجي.
العبوات الناسفة
بعد تكتيك الإغارة يأتي تكتيك العبوات الناسفة، الذي احتل المرتبة الثانية بين أكثر الأساليب القتالية استخداما من طرف جماعة نصرة الإسلام والمسلمين خلال الفترة الممتدة من مايو/أيار 2025 إلى أبريل/نيسان 2026. فوفقا للبيانات العسكرية التي نشرتها الجماعة، فقد أعلنت عن تنفيذ 278 عملية باستخدام العبوات الناسفة، بما يمثل نحو 32% من إجمالي التكتيكات القتالية المعلنة خلال الفترة محل الدراسة. ويعكس هذا الرقم المكانة المحورية التي تحتلها العبوات الناسفة في عقيدتها القتالية، إذ تمثل أداة فعالة لاستنزاف القوات الحكومية وحلفائها، وإعاقة تحركاتها، وفرض تهديد دائم على طرق الإمداد ومحاور التنقل، دون الحاجة إلى خوض اشتباكات مباشرة.
تتوافق كثافة استخدام هذا التكتيك مع مبادئ حرب العصابات، التي تقوم على إنهاك الخصم تدريجيا، ورفع كلفة تحركاته، وإجباره على تخصيص جزء كبير من موارده لتأمين طرقه ومحاور إمداد، وكل ذلك بواسطة تقنيات متدنية التكلفة ومنخفضة المخاطر.
يُعد تكتيك العبوات الناسفة أحد أخطر الأساليب التي تعتمدها حركات التمرد ومجموعات حرب العصابات، وقد أثبت فعاليته في عدد من ساحات الصراع، ولا سيما في العراق وأفغانستان، حيث شكل عاملا رئيسيا في الخسائر البشرية والمادية التي تكبدتها القوات الأمريكية وقوات التحالف هناك. وقد ساعدت المساحات الشاسعة الخالية في مالي من نجاعة هذا الأسلوب إذ من المستحيل مراقبة عشرات الطرق والمسالك التي تخترق الصحراء، وتصل الولايات والمدن المالية المترامية، ويعزز انتشار العبوات الناسفة أيضا انخفاض تكلفتها مقارنة بوسائل القتال الأخرى، إذ تعتمد الجماعات في كثير من الأحيان على المواد الأولية المتاحة في الأسواق، أو على إعادة تدوير الذخائر غير المنفجرة أو العتاد الذي تستولي عليه خلال الهجمات مثل قذائف الدبابات وقنابر الهاون الثقيل.
الكمين
يأتي تكتيك الكمائن في المرتبة الثالثة بين أكثر الأساليب القتالية استخداما لدى جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، إذ أعلنت الجماعة تنفيذ 77 عملية كمين خلال الفترة الممتدة من مايو/أيار 2025 إلى أبريل/نيسان 2026، بما يمثل نحو 9% من إجمالي التكتيكات القتالية المعلنة. ويعرف الكمين في العلم العسكري بأنه " هجوم خاطف على هدف معاد متحرك ثم الانسحاب بشكل منظم وسريع" ويُعد الكمين من أكثر تكتيكات حرب العصابات اعتمادا على عنصر المفاجأة، إذ يقوم على استدراج القوة المستهدفة أو ترصد تحركاتها، ثم مهاجمتها في المكان والزمان اللذين يضمنان للمهاجم أفضلية ميدانية. وغالبا ما يُستخدم هذا الأسلوب ضد الأرتال العسكرية والقوافل اللوجستية والدوريات المتحركة، حيث يسمح بإيقاع خسائر مؤثرة في وقت قصير، قبل الانسحاب السريع إلى مناطق آمنة، بما يتوافق مع فلسفة الاستنزاف التي تقوم عليها حرب العصابات.
يستغل مقاتلو الجماعة نقاط الاختناق الطبيعية التي تمر عبرها الأرتال العسكرية، ويستغلون معرفتهم الدقيقة بالتضاريس لتنفيذ الهجوم ثم الانسحاب قبل وصول الإسناد القتالي. وفي كثير من الحالات، لا يُنفذ الكمين بوصفه هجوما مستقلا، بل يأتي ضمن عملية مركبة تبدأ بعبوة ناسفة لإيقاف الرتل أو تشتيت حركته، ثم يعقبها إطلاق نار مركز من عدة اتجاهات، وهو ما يزيد من فعاليته ويحد من قدرة القوة المستهدفة على امتصاص الهجمة وتنظيم رد سريع، وهو الأسلوب الذي يتبعه أيضا تنظيم داعش في العراق وسوريا وحركة الشباب في الصومال.
معضلة التمركز والانتشار
ومن المؤشرات المهمة التي يمكن الاستناد إليها في قياس مدى نجاح حرب العصابات في تحقيق أهدافها، قدرتها على إيقاع القوات النظامية في ما يمكن تسميته بـ"معضلة التمركز والانتشار". وتعني أنه كلما اتسع نطاق نشاط الجماعات المسلحة وتزايد عدد الهجمات التي تنفذها في مناطق متفرقة، وجدت الجيوش النظامية نفسها أمام خيارين أحلاهما مر؛ فإما تركيز قواتها في القواعد والثكنات الكبرى لحمايتها، وهو ما يفسح المجال أمام الجماعات المسلحة لملء الفراغ الأمني في المناطق الريفية والنائية، وإما توزيع قواتها على عدد كبير من المواقع والنقاط العسكرية المتفرقة لتأمين أكبر مساحة ممكنة، وهو ما يؤدي إلى تشتيت قدراتها ومواردها وتوزيع قواتها بأعداد قليلة في عدد من المواقع وبالتالي وإضعاف كثافة قواتها في كل موقع، وجعلها أكثر عرضة للإغارات والكمائن.
تحدث أبو مصعب السوري في محاضراته المسماة " إدارة وتنظيم حرب العصابات" عن هذه النظرية وحث الجماعات الجهادية على تطبيقها، وقد استوحاها من الجنرال الشيوعي الفيتنامي "فون نجوين جياب" الذي طبقها في حرب الفيتنام، في مرحلة الصراع ضد فرنسا ثم الولايات المتحدة. يقول أبو مصعب عن استدراج القوات النظامية إلى مصيدة التمركز والانتشار :" تقوم بإيقاع العدو في مصيدة التمركز والانتشار، أنت بخلاياك الصغيرة تهجم على المواقع الصغيرة في معظم البلدات، تهجم هنا وهنا وهنا فتكون منتشر، فالعدو يشعر أن مراكزه الصغير ضعيفة فيها أعداد بسيطة، فيقوم بإفراغ المراكز الكبيرة من القوات وتوزيعها على كل البلد؛ لأنه يشعر أنه لا يسيطر على البلد، فينشر قواته في كل البلد، فإذا نشر قواته في كل البلد من أجل السيطرة ستجد أن عدد القوة في المكان الواحد بسيط" وأضاف " فالعصابات تلعب على إيقاع العدو في هذه المشكلة؛ أنه إما أن يفقد القوة لصالح السيطرة، أو يفقد السيطرة لصالح القوة".
وتكشف تطورات الصراع في مالي أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين نجحت إلى حد بعيد في فرض هذه المعضلة على الجيش المالي والجيش البوركيني أيضا، إذ أجبرته كثافة عملياتها واتساع رقعة انتشارها على نشر وحداته العسكرية في عشرات النقاط والقواعد الصغيرة لحماية المدن والطرق والقرى النائية، الأمر الذي وفر للجماعة فرصا متكررة لتحقيق التفوق الموضعي عند استهداف المواقع والثكنات المعزولة والارتال والدوريات المتحركة.
قبل تأسيس جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في مارس/آذار 2017، كان النشاط الجهادي في مالي يتركز بصورة رئيسية في أجزاء من شمال البلاد، ولا سيما أقاليم كيدال وغاو وتمبكتو، وهو ما سهل على القوات الفرنسية، خلال عملية "سيرفال" عام 2013، تركيز جهودها العسكرية في نطاق جغرافي محدود، واستعادة المدن الرئيسية في فترة وجيزة. فقد كان انحسار نشاط الجماعات المسلحة في رقعة محدودة يتيح للقوات الفرنسية والمالية حشد قواتها وتوظيف تفوقها الجوي والبري ضد أهداف محددة ومكشوفة ومعاقل ومقرات مرصودة، دون الحاجة إلى توزيع وحداتها على جبهات متعددة أو حماية مساحات واسعة من الأراضي.
بعد تأسيس الجماعة بدا واضحا أنها أرست استراتيجية جديدة تمثلت في توسيع نطاق نشاطها على المستوى المحلي (داخل مالي)، والإقليمي (في دول الساحل)، وخلافا للجماعات الأخرى ذات التوجهات العرقية أو القومية التي تنشط في المنطقة، لا تحصر جماعة نصرة الإسلام والمسلمين قتالها في منطقة محددة. فبعد تأسيسها بفترة وجيزة، امتدت إلى دولتين أخريين في منطقة الساحل الأوسط - بوركينا فاسو والنيجر - قبل أن تشن هجمات دامية في شمال ساحل العاج وبنين وتوغو منذ عام 2019. ففي يوليو/ تموز 2017 أي بعد 4 أشهر من تأسيسها أعلنت عن أولى عملياتها في النيجر، وفي الشهر ذاته أعلنت عن أولى عملياتها في بوركينافاسو.
كانت نقطة التحول الأساسية في استراتيجية التوسع هي نجاح الجماعة في احتواء جبهة تحرير ماسينا الناشطة في وسط مالي بقيادة أحمد كوفا، فتعزز بذلك حضورها في ولايتي موبتي وسيغو، وبعد تثبيت نفوذها في الوسط، اتجهت الجماعة إلى التمدد نحو غرب وجنوب مالي، حيث كثفت نشاطها في ولايتي كوليكورو وكايس، وسيكاسو في أقصى الجنوب، مسيطرة بذلك على على الطرق الريفية، ومستهدفة للثكنات العسكرية، والنقاط الأمنية، الأمر الذي مكنها تدريجيا من الاقتراب من تخوم العاصمة باماكو، وتحويل السيطرة على خطوط الإمداد وطرق النقل إلى أحد أبرز أدوات الضغط والاستنزاف.
هذا التوسع الجغرافي المتدرج أدى إلى إدخال الجيش المالي في"معضلة التمركز والانتشار"، فمع انتقال نشاط جماعة نصرة الإسلام والمسلمين من شمال مالي إلى وسطها وجنوبها، ثم امتداده عبر عشرات القرى والبلدات النائية، لم يعد في مقدور الجيش تركيز قواته في جبهة واحدة أو منطقة عمليات محددة. وأصبح مضطرا إلى توزيع وحداته على مسرح عمليات ممتد لمئات الكيلومترات من أجل حماية المدن والمراكز الحضرية، وتأمين الطرق، والممرات اللوجستية، وهو ما أدى إلى تشتيت قوته وتقليص كثافة قواته في كل موقع على حدة. واستغلت الجماعة هذا الواقع لتوجيه ضرباتها إلى المواقع المعزولة والأقل تحصينا، محققة تفوقا موضعيا في كل اشتباك تخوضه، رغم التفوق العددي للجيش المالي وحلفائه.
أصبحت عمليات الجماعة اليوم تغطي كامل التراب المالي من الشمال إلى الجنوب، وتصدر بيانات عن عمليات متزامنة في غاو وكيدال في الشمال وموبتي وسيغو في الوسط وكايس في الغرب وسيكاسو في الجنوب، مما يجعل جهود مكافحة الجماعة بالغة التعقيد، ولم يكن غريبا بالتالي أن تستيقظ مالي صبيحة 25 أبريل/نيسان على وقع هجوم منسق تحركت فيه كتائب الجماعة على كل التراب المالي.
الحصار
استخدمت جماعة نصرة الإسلام تكتيكات الحصار وقطع الطرق على نطاق واسع في مالي، وكانت من أهم أوراق الضغط التي تلجأ إليها لاستعراض نفوذها، وتستخدم الجماعة هذا التكتيك من أجل غايتين، الأولى: معاقبة القرى والبلدات التي تتهمها بالتعاون مع الجيش المالي وقوات فاغنر (الفيلق الإفريقي حاليا)، وأخذ تعهد منها بعدم تقديم أي شكل من أشكال المساندة لأي من خصومها مقابل رفعه، والثانية: إحراج الحكومة المالية والضغط عليها، من خلال قطع الإمدادات الأساسية عن المدن الرئيسية، ودفع الناس إلى التمرد عليها لعجزها عن توفير أساسيات الحياة لهم، وأيضا قطع إمدادات الوقود عن الآليات العسكرية التابعة للجيش المالي وحلفائه.
في 5 من أغسطس/آب 2022 أعلنت الجماعة فرض الحصار على قرية بوني وسط مالي " تضييقا منها على الجيش المالي ومرتزقة فاغنر وممن مد لهم يد العون من أهل القرية" حسب بيان صادر عنها، ورفت الجماعة في فترات متقطعة الحصار عنها لفترات محدودة ووفق شروطها إلى أن أعلنت رسميا رفعه بالكامل في 28 من مارس/ آذار 2025 " تحقيقا منها لمصالح الإسلام والمسلمين في المنطقة ووفق الضوابط الشرعية" حسب تعبيرها. وفي الأول من أكتوبر/ تشرين الأول أعلنت الجماعة فرض حصار جزئي على مدينة غاو تضمن " منع تزويد المدينة بالمحروقات، واعتبار منطقة ألمسترات هي آخر نقطة لإيصال المحروقات" كما جاء بيانها. كما فرضت الجماعة على عدد آخر من القرى حصارا ينتهي عادة بتدخل وجهاء المنطقة وأخذ تعهد من السكان بعدم التعاون مع الجيش المالي.
سريعا تحول هذا الأسلوب من أداة لعقاب القرى والبلدات الصغيرة، إلى تكتيك عسكري أثير لدى الجماعة ونهج لعزل المدن الكبرى وخنق المراكز الاقتصادية الرئيسية. فمنذ صيف 2023، عندما فرضت حصارا طويلا على مدينة تمبكتو، وقطعت الطرق البرية المؤدية إليها، واستهدفت الملاحة في نهر النيجر، وقصفت مطار المدينة، بدا واضحا أنها تسعى إلى إنهاك المدن اقتصاديا وإحراج السلطات الحاكمة، واستنزاف مواردها وفرض واقع ميداني جديد.
أدى تكتيك الحصار إلى نقص حاد في المواد الغذائية والوقود وارتفاع كبير في الأسعار، وأظهر أن الجماعة باتت قادرة على تعطيل الحياة في مدن كبرى دون الحاجة إلى اقتحامها أو استهدافها عسكريا. واستمر هذا النهج خلال عامي 2024 و2025 مع توسع ملحوظ في نطاق استهداف الطرق وتعطيل محاور النقل الرئيسة، وصولا إلى تحويل الحصار إلى أحد أهم تكتيكاتها الحربية نجاعة وخطورة.
يعد الحصار الذي فرضته الجماعة على مدينة كايس غرب البلاد في صيف 2025 تطورا نوعيا في هذا المسار؛ إذ انتقلت الجماعة من حصار المدن إلى استهداف الشرايين الاقتصادية للدولة نفسها. فكايس ليست مدينة حدودية فحسب، بل تمثل ثاني أكبر مركز اقتصادي مالي بعد باماكو، وتساهم بـ80 في المئة من الذهب الذي تنتجه البلاد، وتمر عبرها الطريق الوطنية رقم (RN1) التي تربط العاصمة باماكو بميناء داكار السينغالي، ويصل عبره جزء كبير من واردات البلاد من الوقود والمواد الغذائية والسلع الأساسية. لذلك ركزت الجماعة على تعطيل هذا الشريان الاقتصادي الحيوي، فهاجمت المواقع العسكرية على امتداده، وأعلنت في بيان لها حظر نقل الوقود القادم من السنغال وموريتانيا وغينيا وساحل العاج إلى داخل المدينة، كما هددت شركات النقل الكبرى مثل شركة Diarra Transport في حال تحركت على الطرق، واستهدفت الحافلات وصهاريج الوقود، في محاولة منها لعزل باماكو عن أهم منافذها التجارية وخطوط إمدادها الخارجية.
بلغ هذا التكتيك ذروته بعد فشل هجمات 25 من أبريل/ نيسان في السيطرة على العاصمة باماكو، إذ أعلنت الجماعة فرض حصار خانق على العاصمة، وركزت عملياتها على الطرق المؤدية إليها، واستهدفت شاحنات الوقود والبضائع، من أجل خنق المدينة اقتصاديا ولوجستيا، وقطع الإمدادات على قطعات الجيش المالي داخلها، وهو ما تسبب في أزمة اقتصادية ومعيشية ضاغطة.
تكتيكات مساندة
اخترنا تسميتها بالتكتيكات المساندة لأنها ليس تكتيكات رئيسية في فعاليات الحرب مثل الإغارة والكمين والعبوات الناسفة والحصار، وإنما أدوات تزيد من فعالية هذه التكتيكات وتضاعف أثرها وخطورتها، ويأتي في مقدمة هذه التكتيكات الاعتماد المكثف على الدراجات النارية، التي وصفتها مجلة جون أفريك في أحد تقاريرها بـ"دراجات الرعب في الساحل". فهي وسيلة تنقل رخيصة وسهلة الصيانة توفر لمقاتلي الجماعة سرعة عالية في الحركة، وتمكنهم من اجتياز الطرق الوعرة والمسالك الصحراوية التي تعجز الآليات الثقيلة عن سلوكها، كما تمنحهم القدرة على تنفيذ هجمات خاطفة، والمناورة، والانسحاب السريع قبل وصول التعزيزات، وهو ما يصعب على الجيش المالي تطويقهم أو استهدافهم، كما أنها تجعل عنصر المفاجأة غالبا في صالحهم.
تناسب الدراجات النارية الحركة السريعة لرجال العصابات، وتتوافق مع طبيعة تسليحهم الذي يتراوح بين الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، كما أنها مناسبة لبيئة الساحل وغير مكلفة، إذ تستهلك الدرجات الهندية والصينية واليابانية الرائجة في المنطقة حوالي 3 لترات من الوقود لكل 100 كيلومتر، وقد تحول تهريبها نتيجة القيود المفروضة عليها في منطقة الساحل وغرب إفريقيا إلى اقتصاد مربح، فأغلب الدراجات القادمة إلى مالي مصدرها نيجيريا وتمر عبر محاور حدودية مع النيجر قبل أن تصل إلى شمال مالي، وبعضها يأتي من التوغو عبر بوركينافاسو وصولا إلى وسط البلاد.
من التكتيكات المساندة أيضا العمليات الانتحارية والانغماسية، وإن كان استخدامها محدود من قبل الجماعة مقارنة ببقية الجماعات الجهادية لا سيما المحسوبة على تنظيم داعش. تلجأ الجماعة إلى العمليات الانتحارية لاختراق التحصينات وفتح ثغرات في دفاعات القواعد العسكرية أو المقار الأمنية، بينما تتولى المجموعات الانغماسية اقتحام الهدف واستكمال القتال داخله. وقد أثبت هذا الأسلوب فعاليته في عدد من الهجمات الكبرى، كان أبرزها الهجوم المنسق في 25 أبريل/نيسان 2026، الذي استهدف مواقع عسكرية في العاصمة ومحيطها، وأسفر في جزء منه عن مقتل وزير الدفاع المالي ساديو كامارا في عملية انتحارية استهدفت منزله.
من التكتيكات المساندة الأخرى تكتيك " المسيرات" فقد برز خلال الأشهر الأخيرة تطور لافت في القدرات القتالية للجماعة وتكتيكاتها، تمثل في توسيع استخدام المسيرة التجارية المعدلة. فبعدما اقتصر دورها في الفترة السابقة على الاستطلاع الجوي، وتصوير العمليات، ورصد تحركات القوات الحكومية، وتصحيح رمايات قذائف الهاون، أظهرت المقاطع المرئية التي بثتها الجماعة مؤخرا استخدامها في إسقاط ذخائر صغيرة على أهداف داخل القواعد العسكرية التابعة للجيش المالي والفيلق الإفريقي، وتحقيق إصابات مباشرة. ورغم أن هذه القدرات ما تزال محدودة لدى الجماعة مقارنة بالتنظيمات الأخرى مادون الدولة في العراق ولبنان واليمن، فإنها تعكس اتجاها واضحا نحو دمج الوسائل التقنية منخفضة التكلفة في منظومة حرب العصابات، بما يمنح الجماعة قدرة أكبر على جمع المعلومات، وتحسين دقة النيران، ومهاجمة الأهداف المحصنة دون تعريض مقاتليها لمخاطر الاشتباك المباشر.
تكشف القراءة السابقة أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لم تبن تفوقها الميداني على امتلاك أسلحة نوعية أو أعداد كبيرة من المقاتلين، وإنما على التطبيق المتقن لمبادئ حرب العصابات بما يتلاءم مع بيئة الساحل. فمن خلال مبدأ التفوق المحلي، الذي يقوم على تركيز القوة في نقطة الاشتباك، استطاعت تعويض اختلال ميزان القوى مع الجيش المالي، بينما شكلت الإغارات والكمائن والعبوات الناسفة والحصار تكتيكات عملية لاستنزاف الخصم، وتشتيت قواته، وقطع خطوط إمداده.
كما منحتها الدراجات النارية قدرة استثنائية على الحركة والمناورة والانتشار والانسحاب السريع في فضاء صحراوي مفتوح، وتبقى الهجمات الانتحارية والانغماسية تكتيكات استثنائية تلجأ إليها الجماعة في العمليات النوعية المركبة، أما التكتيك الصاعد المتمثل في الطائرات المسيرة، فقد أضاف بعدا جديدا إلى قدراتها القتالية، بعد انتقالها من مجرد وسيلة للاستطلاع والتصوير وتصحيح الرمايات إلى سلاح هجومي قد يكون له دور فاعل في مستقبل الصراع في الساحل.
