"علو عنتر".. حفرة في الأرض وندبة في الذاكرة

 


من على علو مرتفع يبدو منظر الشق الجيولوجي "علو عنتر" قرب تلعفر شمال غرب العراق فريدا، ومثيرا لفضول الاستكشاف، ويضفي على المكان مهابة وسحرا. كان ذلك قبل أن يحوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية ضمت رفات مئات الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ والرجال، ليتحول بذلك إلى واحدة من أسوء وأعمق الندوب التي خلفها التنظيم الإرهابي في جسد العراق.

حفرة الموت

باغت تنظيم داعش مدن وأقضية نينوى في  2014 وسيطر على مساحات كبيرة منها، ووجدت مكوناتها الاجتماعية المختلفة (تركمان، وكرد، وعرب، وأيزيديين، وسنة وشيعة..) نفسها وجها لوجه مع تنظيم ينشر الموت في كل زاوية يصل إليها.

أطلق التنظيم حملة إبادة ممنهجة استهدفت كل المكونات والفئات الاجتماعية، ووزع جثث ضحاياه على عدد من المقابر الجماعية كان من أبرزها حفرة " علو عنتر" التي تقع على بعد 6 كيلومترات شمال تلعفر، قرب قرية تسمى (بكَي قوط) على الطريق الواصل إلى ناحية العياضية.

سُجل أكثر من  1300  شخص من أهالي تلعفر في قوائم المفقودين، لكن حفرة "علو عنتر" لا تحوي رفات أهالي المدينة وحدهم، بل ضمت أيضا رفات أبناء الموصل وكثير من بلدات محافظة نينوى التي دخلها التنظيم. ويحكي شهود عيان أن  عناصر داعش إبان احتلالهم للمحافظة" اعتادوا الذهاب يوميا إلى الموقع إما بجثث ضحاياهم أو مع مدنيين يتم إعدامهم ميدانيا وإلقاء جثامينهم في الحفرة" ثم يعمدون إلى طمر التراب على الجثث باستخدام الجرافات أو عبر تفجير الأجزاء العليا من الحفرة، وتشهد الطلقات الفارغة المنتشرة في محيط الموقع على عمليات التصفية التي جرت هناك.

يبلغ قطر الحفرة 50 مترا وعمقها حوالي 100 متر، لكنه تقلص نتيجة ما تراكم في جوفها من تراب وجثث. وقد أشارات التقديرات وعمليات المسح الأولي التي أجرتها المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق  إلى أن الحفرة قد تحتوي على أكثر من 1000 جثة، بينها جثث نساء وأطفال، وجثث مقطوعة الرأس، وأخرى مكبلة بالأصفاد، بعضها يرتدي ملابس برتقالية، وبعضها الآخر ملفوف في أكياس بلاستيكية،  ويمكن تمييز أجزاء منها من أعلى الحفرة. مشهد رهيب يختزل بشاعة ودموية تنظيم داعش.

عوائق فنية وبيروقراطية

استعادت القوات العراقية وحلفائها المحليين والدوليين قضاء تلعفر في غشت 2017، ومنذ ذلك الوقت وأهالي تلعفر يناشدون الحكومة والمنظمات الدولية الشروع في فتح مقبرة "علو عنتر" لعل ذلك يساعد في تحديد مصير أبنائهم المفقودين. لكن كان عليهم الانتظار 7 سنوات قبل أن تخترق أصواتهم جدار البيروقراطية والعراقيل الفنية، وتبدأ مرحلة رفع الرفات ومطابقة العينات.

كان المركز العراقي لتوثيق جرائم التطرف سباقا إلى كشف المقبرة وتوثيق ما يتعلق بها، تبعتها زيارات ميدانية لفرق تابعة لدائرة المقابر الجماعية في مؤسسة الشهداء، ومراقبين أمميين (يونيتاد) ومنظمات محلية ودولية أخرى.

تمثلت أولى الصعوبات التي واجهت مهمة فتح المقبرة في تأمين محيطها من مخلفات الحرب، وتطهيره من الألغام التي زرعها تنظيم داعش، وتأمين الطرق المؤدية إليها. وقد استغرقت منظمة MAG الاستشارية للألغام  3 سنوات قبل أن تعلن نجاحها في تطهير المنطقة من الألغام والعبوات المتفجرة.

في يناير 2021 وبعد تطهير المنطقة من مخلفات داعش شرعت مؤسسة شهداء نينوى، بالتنسيق مع دائرة حماية المقابر الجماعية التابعة للحكومة الاتحادية، واللجنة الهندسية لشرطة نينوى في إجراء عمليات بحث أولية في الحفرة، الغرض منها تقييم حجم الجهود والموارد المطلوبة، ووضع خطة عمل متكاملة، ورفع تقرير بذلك إلى رئاسة مجلس الوزراء من أجل رصد الميزانية المناسبة لعمليات التنقيب، واستخراج الضحايا.

في منتصف عام 2022 شرعت دائرة الطب العدلي في جمع عينات الدم من أهالي مفقودي قضاء تلعفر، من أجل مطابقتها مع عينات الحمض النووي التي سيتم استخلاصها من رفات الضحايا.

ومن بين العراقيل أيضا أن مقبرة الحفرة ليست المقبرة الجماعية الوحيدة في العراق، بل ليست الشق الجيولوجي الوحيد الذي حوله تنظيم داعش إلى مقبرة جماعية. فقد كشف رئيس المركز الاستراتيجي لحقوق الإنسان في العراق فاضل الغراوي أن "العدد الكلي للمقابر الجماعية المثبتة في العراق يبلغ 215 مقبرة، تم فتح 130 مقبرة منها لغاية الآن وما زالت 85 مقبرة غير مفتوحة، كما تم رفع 7367 رفاة منها" منها "  120 مقبرة لضحايا الإرهاب فتح منها 51 موقعا وبقي 69" أما نظام البعث السابق فيؤكد فاضل أنه خلف " 95 موقعا فتح منها 79 وبقي  16". 

أما بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) ومكتب حقوق الإنسان في الأمم المتحدة فقد وثقوا في 2018 وجود 202 موقعا للمقابر الجماعية خلفها تنظيم داعش في الأجزاء الشمالية من البلاد وحدها أي في محافظات نينوى وكركوك وصلاح الدين والأنبار.

وعن الإجراءات البيروقراطية التي تؤخر فتح هذه المقابر فقد أشارت البعثة في تقريرها إلى أن أهالي المفقودين "عليهم أن يُبلغوا أكثر من خمس جهات حكومية منفصلة، وهي عملية تستغرق وقتا طويلا وتسبب الإحباط للأسر التي لا تزال تعاني من صدمة فقد أحبائها"

وتعد حفرة "الخسفة" أسوأ مقبرة جماعية لداعش وتقع في محافظة نينوى شمالي البلاد على بعد 20 كيلومترا جنوب الموصل، وتضم رفاة آلاف من ضحايا التنظيم.

فتح المقبرة

بعد مصادقة الحكومة على خطة العمل، ورصد الميزانية المطلوبة، بدأت مرحلة إعداد الحفرة، لفرق البحث والتنقيب، من خلال نصب السلالم، والاستعانة بخبراء صيد الأفاعي والعقارب وغيرها من الزواحف التي عششت في الحفرة من أجل تحضيرها لكوادر دائرة الطب العدلي، وخبراء فريق التحقيق الدولي لتعزيز المساءلة عن الجرائم المرتكبة من قبل داعش (يونيتاد)، والفرق المتخصصة في البحث والتنقيب.

في 28 من مايو الماضي تم رسميا فتح مقبرة " علو عنتر"  وشرعت الفرق المعنية في رفع الرفات، في مشهد مؤثر حضره أهالي المفقودين، وكلهم أمل في أن يتعرفوا على دويهم، ويجدوا لهم أخيرا قبرا كريما يليق بهم، بعد 10 سنوات من الألم والانتظار.

وصرح ضياء كريم مدير دائرة شؤون وحماية المقابر الجماعية في مؤسسة الشهداء التابعة للحكومة  العراقية في مؤتمر صحفي خلال مراسيم فتح المقبرة " إن المرحلة الأولى للعملية تتم على مساحة 20 الى 30 متر مربع، وبعمق يتراوح بين 10 و25 متر، وذلك بالتعاون مع جهات أخرى، من ضمنها دائرة الطب العدلي في بغداد، والقوات الأمنية، والدفاع المدني، ومديرية الصحة ومنظمات دولية". وواجهت فرق البحث مصاعب عديدة أثناء عملهم، منها صعوبة الصعود والنزول إلى الحفرة، وانهيارات التربة، وانتشار الأفاعي والعقارب وانخفاض نسبة الأكسجين في عمق الحفرة.

في 15 من يوليو الجاري أعلنت السلطات العراقية انتشال 139 جثة من الحفرة، وقال ضياء كريم: " حتى الآن، تم رفع رفات 139 ضحية بينهم شباب وفتيان ونساء وذكور" وأضاف أن "الضحايا بحسب إفادات شهود عيان هم من الإيزيديين والتركمان الشيعة، وبعض سكان الموصل في هذه المنطقة والذين كانوا ضمن القوات الأمنية".

ونقلت الجثث المستخرجة من الحفرة إلى دائرة الطب الشرعي لبدء إجراءات تحديد هويات أصحابها عبر مطابقة حمضها النووي، مع العينات المأخوذة من أسر المفقودين.

" علو عنتر" و " الخسفة" ومئات المقابر الجماعية الأخرى تظل شاهدة على دموية داعش، وثقل التركة التي خلفها وراءه، وسبقى ندوبا غائرة في ذاكرة العراق الحديث.


عبد الغني مزوز
عبد الغني مزوز
تعليقات