من "شوكة النكاية" إلى "التمكين".. قراءة في الحملة العسكرية لجماعة نصرة الإسلام في مالي

 

عبد الغني مزوز ---

في أعقاب الهجوم الواسع الذي شنته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بالتنسيق مع حركة تحرير أزواد على عدد من المدن والمواقع العسكرية والسيادية في مالي، أصدرت الجماعة بعد ساعات بيانها الأول بشأن ما جرى وسمته "بيان نصر" ونوهت إلى أن الهجوم تم بالتنسيق مع من سمتهم شركائها في "حركة تحرير أزواد" وأنه أسفر حتى لحظة صدور البيان عن سقوط مدن "كيدال" و"غاو" و"موبتي".

كان تطورا غير مسبوق، وإن كان متوقعا ذلك الذي حدث يوم 25 من أبريل/نيسان 2026 إذ هاجمت بشكل متزامن كتائب من جماعة نصرة الإسلام وحركة تحرير أزواد عددا من مدن شمال ووسط مالي، في الوقت تسللت خلايا الجماعة إلى العاصمة باماكو وقامت بعمليات تفجير استهدفت مقار سيادية ومنازل مسؤولين عسكريين رفيعي المستوى، أسفرت عن إصابة عدد منهم بينهم وزير الدفاع الذي قتل لاحقا متأثرا بجراحه.

البيان الذي أصدرته الجماعة عقب العمليات كان حافلا بالإشارات والدلالات، أعلنت الجماعة أولا مسؤوليتها عن عملية استهداف مقر الرئيس المالي "أسيمي غويتا"، واستهداف مقر وزير الدفاع "ساديو كامارا"، ومطار "موديبو كيتا" الدولي في العاصمة "باماكو"، والمواقع العسكرية في مدينة "كاتي" والسيطرة الكاملة على مدينة "موبتي"، وعلى معظم معاقل الجيش المالي في "سيفاري" و"غاو" و"كيدال".

كان واضحا تماما أن العملية لم تكن على غرار الهجمات اليومية التي تشنها الجماعة على امتداد جغرافيا الساحل، والتي يصل بعضها إلى شمال كل من توغو وبنين. تفاصيل الحملة العسكرية المنسقة تدل على أن الأمر يتعلق باجتياح مباغت لأهم المدن في شمال ووسط مالي، مع تحييد كبار المسؤولين في العاصمة باماكو وإطباق السيطرة عليها، بعد شل قدرة الجيش المالي وحليفه الفيلق الأفريقي على الاستجابة الآنية، نتيجة اغتيال كبار الضباط وارباك سلسلة القيادة في الجيش المالي.

كانت حملة طموحة وإن لم تنتهي بالنهاية المخطط لها، لكنها أسفرت عن تغير جوهري في خرائط السيطرة وموازين القوة في بلد منهك أمنيا واقتصاديا بعد 14 من التمرد الجهادي، تخللتها انقلابات عسكرية واضطرابات سياسية عدة. فجماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة في وضع عسكري أفضل وهي تأخذ بخناق العاصمة باماكو، وتضع يدها على المحاور الكبرى في البلاد، وتسيطر على مدن "كيدال" و"غاو" و"موبتي" و"تسيت" وتخضع قرار المتمردين الطوارق لوصايتها، ويوقع قادتها اتفاقيات إخلاء سلمي للقواعد العسكرية التي تتواجد بها قوات الفيلق الإفريقي، كل هذا يعكس حجم الحضور الميداني الذي تتمتع به، والأوراق التي تمسك بها.

الاشارات المهمة في بيان الجماعة أنها تحدثت بشكل غير معتاد في أدبيات الجهاديين عن التنسيق مع من سمتهم "الشركاء" في إشارة إلى حركة تحرير أزواد، وإن لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تحالف فيها تنظيم القاعدة مع الحركة، فقد حدث ذلك في 2012 عندما سيطر تحالف من الجماعات الجهادية بينها القاعدة على شمال مالي، لكنه سرعان ما تصدع بسبب نشوب خلاف تطور إلى اشتباك مسلح بين أحد الفصائل الجهادية (حركة التوحيد والجهاد) وبين جبهة تحرير أزواد، ثم بصم التدخل الفرنسي على نهاية الشراكة الظرفية بين الجهاديين والمتمردين الطوارق. "الشركاء" في بيان جماعة نصرة الإسلام يحيل إلى قناعة تولدت لديها أن لعبة الحكم والسلطة لا يمكن أن تتم دون مساهمة من "شركاء التمرد" وتعاون مع باقي المكونات الفاعلة في المجتمع، لذلك نجد أن القاعدة حرصت على هندسة تحالف متين جمع عددا من مكونات المجتمع المالي المختلفة مثل "الفلان" ممثلين بجبهة تحرير ماسينا، و"الطوارق" ممثلين بجبهة أنصار الدين بقيادة الزعيم البارز إياد أغ غالي، والسلفيين ممثلين في مجموعات جهادية مرتبطة تاريخيا بقادة في الجماعة السلفية للدعوة والقتال التي عرفت لاحقا بإمارة الصحراء، ثم تنازلت القاعدة عن قيادة هذا التحالف لصالح قيادة محلية وهي إياد أغ غالي، وإن بقيت صلاته بالقاعدة قائمة.

"الشركاء" في بيان الجماعة يشير إلى أنها خططت لفرض سيطرتها على البلاد، والامساك بزمام السلطة بالتعاون مع فصائل التمرد الأخرى لاسيما تلك المنضوية تحت لواء حركة تحرير أزواد وإن كانت أجندتها السياسية بعيدة عن أجندة التيار الجهادي، لكن؛ وكما أوضح قيادي في الجماعة فإن الحركة أقرت بمبدأ "تحكيم الشريعة" وبالتالي فهي ليست حركة علمانية لتسري عليها أحكام الكيانات العلمانية. وهدف الجماعة بالتأكيد هو إرساء "تحالف حكم" كما نجحت في إرساء "تحالف تمرد"، مستفيدة من تجربة 2012 التي لم تعمر طويلا.

العبارة المفتاحية الأخرى التي يمكن اعتبار حضورها في بيان جماعة جهادية موالية للقاعدة بمثابة سابقة تعكس عمق التحولات في خطاب الجهاديين هو اقتراحها تحييد الفيلق الإفريقي مقابل "علاقات متوازنة وفعالة مع روسيا" واللافت هنا أن هذه العبارات هي ذاتها التي بدأت بها هيئة تحرير الشام مسار تحولاتها، من جماعة محسوبة سابقا على القاعدة إلى سلطة حاكمة تحظى بقبول إقليمي وعالمي واسع. هل هذا يعني أن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تستلهم تجربة الهيئة في سوريا؟ الجواب: كلا؛ ليس تماما، فالجماعة دخلت منذ سنوات -حتى قبل هيئة تحرير الشام- في مراجعات نقدية صامتة، تخلت بموجبها عن عدد من الأفكار والممارسات المتشددة، وخاضت معارك ضارية ضد المجموعات الموالية لتنظيم الدولة الإسلامية في الساحل، وأصدر القائد السابق لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي الذي تتبع له الجماعة بيانا دعا فيه إلى عدم التسرع في التطبيق الحرفي للشريعة، والتركيز على التقارب مع كل فئات المجتمع الأزوادي وكل حركات التمرد التي تمثله، وعدم الهيمنة على المشهد السياسي والعسكري في مالي، وإشراك القوى الأخرى في عملية صنع القرار وإدارة المجتمع.

يمكن القول باختصار أن الظروف التي أنضجت هيئة تحرير تشبه إلى حد كبير الظروف التي أنضجت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، فإذا كانت سنوات الثورة التي سادت في ثناياها أفكار التكفير والاقتتال الداخلي، وسيطرة تنظيم الدولة على مساحات شاسعة من البلاد، وتطبيقه نموذجا بالغ التطرف في الحكم، قد ولدت وعيا في الوسط الجهادي يُحاذر أن يعيد إنتاج ذات التجربة، فإن عشرية الدم والتكفير والصراعات الجهادية البينية في الجزائر والساحل قد خلقت نفس الوعي لدى قطاع عريض من جهاديي الساحل وغرب إفريقيا. أتحدث هنا عن الاعتدال بمقاييس تم إنتاجها داخل الخطاب الجهادي نفسه، وإلا فجماعة نصرة الإسلام مازالت مدرجة على قوائم الإرهاب وقادتها يخضعون لعقوبات دولية، وتتهمها منظمات أممية بارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

بعد عشر سنوات من تأسيسها تعتقد جماعة نصرة الإسلام الآن أنها تستطيع أن تتولى زمام السلطة في مالي، وأن مرحلة "شوكة النكاية والإنهاك" أو مرحلة التوحش قد انتهت وبدأت مرحلة " شوكة التمكين"، حسب التقسيم الذي أرساه المنظرون العسكريون الجهاديون لحروب العصابات والتي يجب أن تبدأ في نظرهم بمرحلة النكاية والانهاك وتنتهي بالتمكين وإقامة نظام إسلامي مثل أبو بكر ناجي وعمر عبد الحكيم. فقد خاضت الجماعة حرب عصابات لم تتوقف فعاليتها منذ سنوات، وشنت مئات الاغارات والكمائن والعمليات الانتحارية وعمليات القصف بواسطة الصواريخ وقذائف الهاون ضد مواقع ومعسكرات الجيش المالي، وتحركت كتائبها المسلحة على امتداد التراب المالي، ومنه إلى دولة بوركينافاسو المجاورة وعدد آخر من دول الساحل وغرب إفريقيا مثل النيجر وتوغو وبنين وساحل العاج.

في صيف عام 2023 نجحت الجماعة في فرض حصار خانق على مدينة تمبكتو الاستراتيجية في شمال مالي، ولم يستطع الجيش المالي ولا قوات فاغنر فكه رغم محاولاتهم المستميتة من أجل ذلك، وتركت المدينة التاريخية تحت رحمة الجهاديين، وبعد تدخل أعيان القبائل ووجهاء المدينة أنهت الجماعة حصارها لبضعة أسابيع ثم عادت في شتاء العام ذاته وأحكمت حصارها على المدينة، كان ذلك بمثابة اختبار ناجح لورقة "حصار المدن" وقطع الطرق الاستراتيجية في البلاد.

في نوفمبر 2025 أشهرت الجماعة ورقة الحصار مجددا، لكن هذه المرة كانت العاصمة باماكو ضحية له، فقد قطعت الجماعة الطرق المؤدية إلى العاصمة وحظرت دخول شاحنات الوقود إليها، ما تسبب بأزمة وقود خانقة، انعكست على معظم مناحي الحياة في المدينة.

كان واضحا جدا من خلال البيانات العسكرية اليومية التي تصدرها الجماعة منذ سنوات، وكميات الأسلحة التي تستولي عليها، والمقاطع المصورة التي تظهر تحرك قواتها بقوام كتيبة كاملة باستخدام الدراجات النارية وسيارات الدفع الرباعي أن اجتياحها للمدن بات مسألة وقت ليس إلا.

يخاف العالم أن تسقط مالي في يد الجهاديين، لكن الذي يجب أن يخاف منه أكثر هو أن تكون مالي الحبة الأولى التي إذا سقطت كرت بعدها سبحة الدول التي ستسقط في يد الجهاديين في الساحل وإفريقيا عموما.


عبد الغني مزوز
عبد الغني مزوز
تعليقات