8/26/2020

نكبة الوهابية.. هل استنفذت الدعوة النجدية أدوراها؟

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : أغسطس 26, 2020


عبد الغني مزوز---

في الفترة الماضية عادت الدعوة الوهابية لتصدر واجهة الاهتمام والجدل مجددا، وبشكل لم يحدث مثله من قبل، ففي ذروة عنفوان حملة جور بوش الابن ضد الإسلام الراديكالي لم تجد الدعوة الوهابية نفسها في زاوية الإدانة والرغبة في تجاوز موروثها كما هي عليه في هذه الأيام. والملاحظ أن معظم الفاعلين الذين وجدوا في الدعوة الوهابية في لحظة من اللحظات رافدا أيديولوجيا لتكريس رؤيتهم وفرض وجودهم ومواقفهم صاروا اليوم يرون فيها عبئا ثقيلا يحاولون بطريقة أو بأخرى التحرر منه. وإن كانت هناك أيضا تيارات وكيانات ماتزال متمسكة بتعاليم وأفكار محمد بن عبد الوهاب، رافضة المساس بها أو الحط من قدرها.
النفط بديلا عن الدعوة ومكوس الدرعية
تؤكد الوجوه الجديدة التي برزت في المشهد السياسي والفكري السعودي أن التخلص من إرث الوهابية يندرج في صميم الأجندة السياسية والدينية للعهد السعودي الجديد، ويعتبر تصريح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان واضحا إلى درجة تثير الدهشة والاستغراب، عندما قال: " أن انتشار الفكر الوهابي في بلاده يعود إلى فترة الحرب الباردة عندما طلبت دول حليفة من السعودية استخدام أموالها لمنع تقدم الاتحاد السوفييتي في دول العالم الإسلامي. " وقال في مناسبة أخرى: " ليس هناك ما يسمى بالوهابية! نحن لا نؤمن بأن لدينا وهابية. ولكن لدينا في المملكة العربية السعودية مسلمون سنة وكذلك لدينا مسلمون شيعة"  وهي تصريحات تندرج في سياق العلاج بالصدمة الذي انتهجه محمد بن سلمان منذ أن أزاح عمه من ولاية العهد وفرض سيطرته على المفاصل الاقتصادية والسياسية والعسكرية في المملكة؛ مستعينا بنخبة من المفكرين السعوديين الناقمين على الوهابية ومؤسساتها ومقولاتها التي شكلت لسنوات طويلة عماد الدولة السعودية. 
ثمة إشكالية في قراءة واستيعاب المشروع "التحديثي" الذي يقوده محمد بن سلمان، فهو وان ركز أساسا على إبرام قطيعة حدية مع الموروث النجدي الذي وسم بلاده لسنوات إلا أنه لم ير في السلفية الإصلاحية أو الإسلام السياسي المعتدل بديلا، بل تعامل مع الجميع بنفس المستوى من النبذ والصرامة، في أفق تشييد منظومات سياسية علمانية تسود المنطقة على المدى المتوسط كما أعترف بذلك السفير الإماراتي في الولايات المتحدة يوسف العتيبة.  
نشأت الدولة السعودية إثر الاتفاق الشهير بين محمد بن عبد الوهاب التميمي ومحمد بن سعود حاكم الدرعية في الثامن عشر الميلادي والذي روى ابن غنام جزء منه في كتابه تاريخ نجد، المصدر التاريخي الأهم الذي تناول إرهاصات قيام التحالف بين الرجلين وفصول من " جهادهما " المشترك من أجل نشر التوحيد في ربوع نجد والحجاز، يقول ابن غنام:" فخرج الشيخ (أي ابن عبد الوهاب) من العيينة إلى بلدة الدرعية سنة سبع أو ثمان وخمسين ومائة وألف.. فلما سمع بذلك الأمير محمد بن سعود قام من فوره مسرعا إليه ومعه أخواه.. فأخبره الشيخ بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وما دعا إليه، وما كان عليه صحابته رضي الله عنهم من بعده، وما أمروا به وما نهوا عنه وأن كل بدعة ضلالة، وما أعزهم الله به بالجهاد في سبيل الله واغناهم به وجعلهم إخوانا. ثم أخبره بما عليه أهل نجد في زمنه من مخالفتهم لشرع الله وسنة رسوله بالشرك بالله تعالى والبدع والاختلاف والظلم.. فلما تحقق الأمير محمد بن سعود معرفة التوحيد، علم ما فيه من المصالح الدينية والدنيوية قال له: يا شيخ إن هذا دين الله ورسوله الذي لا شك فيه، فابشر بالنصر لك ولمن أمرت به، والجهاد لمن خالف التوحيد، ولكن أريد أن اشترط عليك اثنتين: نحن إذا قمنا في نصرتك والجهاد في سبيل الله وفتح الله لنا ولك البلدان أخاف أن ترتحل عنا وتستبدل بنا غيرنا؛ والثانية: أن لي على الدرعية قانونا (مكوسا) آخذه منهم في قوت الثمار، وأخاف أن تقول لا تأخذ منهم شيء. فقال الشيخ: أما الأولى فابسط يدك الدم بالدم والهدم بالهدم، وأما الثانية فلعل الله أن يفتح لك الفتوحات فيعوضك الله من الغنائم ما هو خير منهم. "  كان هذا هو الاتفاق و" تقسيم العمل" الذي حكم العلاقة بين الدعوة الناشئة والقائد السياسي الطموح طيلة الحقب التي توالت على منطقتي نجد والحجاز بعد ذلك، ثم استمر هذا التقليد إلى اليوم حيث يمسك (آل الشيخ) من درية محمد بن عبد الوهاب بالسلطة الدينية ويتولون شؤون الإفتاء والدعوة بينما يمسك (آل سعود) بالسلطة السياسية وتدبير الشأن العام.
عندما نتأمل الشرطين الذين اشترطهما محمد بن سعود حاكم الردعية على محمد بن عبد الوهاب فسنجد أن هاجس بن سعود كان تكريس نفوذه وسلطته وألا تتعارض الدعوة الجديدة مع بعض الامتيازات التي كان يحظى بها، وألا يكون التحالف بينمها ظرفيا بحيث " يستبدله" ابن عبد الوهاب بغيره لاحقا. قد يكون محمد بن عبد الوهاب هو من استغل حاكم الدرعية في نشر دعوته في ربوع نجد كما يجادل الكثير من أتباع الدعوة الوهابية، وقد يكون محمد بن سعود أكثر المستفيدين بتوظيفه الحركة الناشئة في بناء دولة متماسكة على أنقاض القبيلة المتصدعة كما يزعم مناوئو الوهابية. لكن الثابت من كل ذلك أن الدعوة النجدية كمنظومة أفكار وقناعات مرتبطة بالقضايا الكبرى في الدين الإسلامي (التوحيد، الشرك، الولاء والبراء) استطاعت تأمين شرعية دينية وعقائدية للدولة السعودية على امتداد أجيال. لا نريد الخوض في ذلك الجدل الذي استغرق كتبا واطروحات حول سياقات نشأة الوهابية والدولة السعودية، وهل كان ذلك نتيجة طبيعية لتحولات سوسيولوجية عرفتها بنية المجتمع البدوي في الجزيرة العربية في القرن الثامن عشر الميلادي، أم استجابة لفكرة إصلاحية دينية رامت تجديد ما اندرس من معالم الدين والعقيدة، وتحرير الجزيرة من مظاهر الشرك والخرافات المستشرية.
بما أن الدعوة الوهابية كانت بهذه الأهمية الحيوية للدولة السعودية منذ نشأتها الأولى فلماذا يجري الآن الطلاق منها، وشيطنتها من قبل الدولة ومؤسساتها الفكرية والتربوية والإعلامية، وتجريدها من مكانتها وامتيازاتها التي ظلت تتمتع بها على مدار عقود طويلة. الإجابة على السؤال تحيلنا على التحولات التي طرأت على المجتمع والدولة في نجد والحجاز (السعودية) بعد الطفرة النفطية وصعود مجتمع الرفاه ودولة الريع والإكراميات. الذي حدث أن النفط والثروة والانفاق بسخاء يمكن أن يضمن ولاء أفراد المجتمع تماما مثلما يمكن للخطاب الديني أن يفعل، فلطالما كانت الغنيمة والعقيدة محددان من محددات العقل السياسي العربي كما كتب الجابري. و " يبدو أن قدرة العلماء على حماية سيادة الشرع في الدولة السعودية المعاصرة أضعف بكثير مما كانت في الدولة الإسلامية التقليدية، والاختلاف هو أن العلماء أقل فائدة بكثير للحكام مما يكونون عليه في دولة ليس لها ثروة نفطية هائلة".  وقد انتبه المفكر الجزائري مالك بن نبي مبكرا إلى ما يمكن للنفط أن يحدثه من تأثير على حاضر ومستقبل الدعوة النجدية مبرزا أن " النفط أحرق الفكرة الوهابية". 
مجتمع الرفاه يخشى على امتيازاته ومستويات العيش الرغيد التي يحياها، ومظاهر التدين عند شريحة عريضة منه تكاد تكون جزء من الإتكيت فقط وليست عاملا محددا للمواقف السياسية. ماذا يمكن للخطاب الديني أو أي خطاب ثوري آخر أن يصنع في بيئة استهلاكية متسمة بالرخاء، حتى مؤسسة العلماء كمؤسسة رقابية مستقلة ومزعجة للسلطة على امتداد التاريخ الإسلامي ستتحول إلى طبقة اجتماعية تسعى خلف الحوافز والإكراميات والاستزادة من " طيبات الحياة الدنيا" في كنف أوليا الأمور؛ ظلال الله في أرضه. طبقة اجتماعية تلعب دور الوسيط بين السلطة وطبقات المجتمع الأخرى، من خلال الاستحواذ على الهامش المتاح من الفضاء العام ووسائل الإعلام المختلفة، والترويج من هناك لأخلاق الطاعة والولاء للسلطان، كل ذلك يتم ضمن سوق خاضع لشروط وإكراهات أي سوق: عقود ومناقصات وعرض وطلب ومنتج وتنافس .. إلى غير ذلك.  فالسلطة استطاعت رسملة الخطاب الديني وتحويل رجال الدين إلى متعهدين يجرون – كما غيرهم- خلف تحصيل المصالح وحصد الامتيازات. لذلك لم يعلق أي من علماء الوهابية الكبار سواء في الخليج أو غيره على الإجراءات التي مست "جناب الوهابية" في مسقط راسها، خصوصا أولئك الذين يحظون بمتابعة الملايين بل واصلوا نشاطهم الدعوي بشكل طبيعي مع اهتمام شبه منعدم بقضايا الشأن العام.
من جهة الأخرى لم يعد توظيف الأفكار الوهابية وتعاليمها حكرا على السلطة ومؤسساتها الدينية الرسمية، لقد باتت الوهابية سلاحا ذا حدين، تستخدمه الدولة لشرعنة وجودها باعتبارها "دولة التوحيد والسنة"، ويستخدمه خصومها في إثبات عكس ذلك. فشيوخ التيار السلفي الجهادي وجدوا في كتب وتراث الدعوة النجدية كل ما يحتاجون إليه من أجل تبرير أطروحاتهم الصدامية، وتكفيرهم لنظام الحكم في السعودية. ولو تفحصنا مثلا كتاب "الكواشف الجلية" لأبي محمد المقدسي باعتباره أول عمل تنظيري يرى كفر الدولة السعودية لوجدنا أنه اعتمد بشكل أساسي على مقولات محمد بن عبد الوهاب وأحفاده. وبالتالي لم يعد الخطاب الوهابي بتلك الأهمية بالنسبة للسلطة في السعودية مادام خصومها أشد تمسكا به وولاء لأفكاره. معظم أدبيات تنظيم القاعدة في جزيرة العرب نجدها تنهل من المعين الوهابي، وهو ما جعل دوائر صنع القرار في الغرب تحث السلطة السعودية على تعاون أكثر فعالية في مجال تجديد المناهج الدراسية وتخليصها من الرافد الوهابي كما اعترف بذلك ريكس تلرسون وزير الخارجية الأمريكي السابق .
الخطاب الجهادي.. القطيعة مع الرافد النجدي
لم يكن أحد يتوقع أن تخضع الدعوة النجدية للنقد والمحاكمة داخل المجال التداولي الجهادي وهي التي شكلت عماد أطروحاته الصدامية. لكن مع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية وانتشاره وما صاحب ذلك من فظاعات تم ارتكابها في كثير من البلدان خصوصا في سوريا والعراق باسم "الجهاد" و"الشريعة" و"التوحيد"، بدأت أصوات جهادية تنادي بضرورة إعادة النظر في الرافد النجدي الذي طغى على الفكر الجهادي منذ أواسط تسعينيات القرن الماضي. وكانت أهم الكتب التأسيسية في التيار السلفي الجهادي عبارة عن مزيج من النصوص الدينية ونقولات مستفيضة من تراث الحركة الوهابية، خصوصا تلك التي كتبها أبو محمد المقدسي، وشيوخ آخرين من الجزيرة العربية مثل حمود العقلاء الشعيبي وسليمان العلوان وناصر الفهد وفارس الزهراني وغيرهم. 
منذ هجمات 11 سبتمبر وأصوات من داخل التيار الجهادي تنادي بأهمية مراجعة علاقة التيار بالأفكار الوهابية لكنها كانت دوما أصوات هامشية عديمة التأثير،  حتى المراجعات التي انخرطت فيها جماعات وشخصيات جهادية قبل سنوات لم تشر إلى مسؤولية الرافد الوهابي في بلورة القناعات الجهادية المتشددة، بل إن بعضها اتكأ على نصوص من الدعوة النجدية نفسها للرد على بعض المواقف الشرعية المتشددة، وهو ما أفسح المجال في سياق الردود المتبادلة لطرح حشد آخر من النصوص الوهابية المناقضة للنصوص السابقة. 
رأينا في ما سبق العوامل التي تقف خلف محنة الوهابية في عقر دارها، وقلنا إن أهمها يرجع إلى استعاضة السلطة عن الخطاب الوهابي بفوائض الثروة، والرغبة في وضع حدود فاصلة بينها وبين ايديولوجية باتت تستخدم ضدها وتضع شرعيتها على المحك أو على الأقل في موضع التساؤل، وأيضا استجابة لضغوط دولية ضاقت درعا بمقاتلين عقائدين صعاب المراس يتخذون من الموروث النجدي زادا أيديولوجيا لهم. وسنتحدث في الفقرة التالية عن الاسباب والعوامل التي جعلت التيار الجهادي يعيد النظر في تراث الدعوة النجدية، ويبدي إرادة غير مسبوقة في إجراء مراجعة طوعية لبعض القناعات المبنية على أطروحات محمد بن عبد الوهاب وأحفاده.
مع اندلاع ثورات الربيع العربي عمت حالة شعبية من الرفض العميق للأنظمة الحاكمة ومؤسساتها، وخرجت جماهير غفيرة من الناس على الحكام وتمردت على السلطة، ولم يعد هذا " الخروج" يستلزم فتوى شرعية أو موقفا من العلماء، بل إن العلماء الذي أيدوا الحكام ورأوا حرمة الخروج عليهم بالمظاهرات أصبحوا حالة معزولة وشاذة، يتم التندر والسخرية من مواقفها على البرامج الحوارية ومنصات التواصل الاجتماعي. هذا التحول في الوعي الجمعي انعكس على التيار الجهادي خصوصا مع انتقال الحراك الشعبي السلمي إلى طور العسكرة في كل من ليبيا وسوريا واليمن، فالتيار الجهادي وشيوخه ومنظروه لم يعودوا في حاجة إلى سرد الأدلة الشرعية على جواز "الخروج على الحكام وجهادهم" لأن ذلك غدى ثقافة شعبية عمت أرجاء الوطن العربي، ولم يعودوا بحاجة إلى المسوغات الشرعية التي تسعفهم بها الدعوة النجدية لتبرير مواقفهم الراديكالية من الأنظمة الحاكمة لإقناع الناس بها.
كان من دواعي اقتباس الجهاديين من التراث النجدي حرصهم على محاججة الخطاب الديني الرسمي الذي يرى حرمة الخروج عن الحكام، وكان كتاب "ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين" أول كتاب جهادي يؤصل لمسألة الخروج على الحكام اعتمادا على زخم من النصوص الوهابية. فما هو جدوى الدعوة النجدية اليوم وقد صار "جهاد الحكام" والخروج عليهم حالة شعبية لا تستدعي أي تسويغ أو تبرير؟ كان منظرو التيار الجهادي يقومون بالتنقيب في المدونة العقدية الإسلامية بحثا عن أي نصوص وآراء تدعم مواقفهم من الحكام، وكانت الموروث النجدي يقدم منها الكثير، وهو ما لم يعودوا بحاجة إليه بعد ثورات الربيع العربي.
شكل صعود تنظيم الدولة الإسلامية بعد عامين على الربيع العربي صدمة امتدت تداعياتها لتصيب صميم العقل السلفي الجهادي. صعود سلط الأضواء على التصدعات والثغرات التي اعترت البنية الأيديولوجية للتيار الجهادي، ودفعته إلى مراجعة فورية لبعض الأسس التي شيد عليها قناعاته، ولم تكن هذه الأسس سوى تلك الأفكار التي استقاها من تراث الحركة الوهابية، خصوصا المرتبطة منها "بنواقض الإسلام العشرة". لقد كانت بلا شك بعض أفكار الدعوة النجدية مسوغا استند إليه تنظيم الدولة الإسلامية في فرض نموذجه الجهادي الموغل في التشدد، حتى أنه أخيرا وقع هو نفسه ضحية هذه الأفكار فانقسم التنظيم على نفسه إلى قسمين، تبعا لموقف كل طرف من مسالة عقدية مثيرة للجدل وهي "العذر بالجهل أو الناقض الثالث" من نواقض الإسلام العشرة التي قررها محمد بن عبد الوهاب. واللافت أنه في مناضرة مسجلة بين طرفي الصراع داخل التنظيم اشترط أبو بكر القحطاني وهو أحد كبار شرعيي " الدولة" ألا يتم الاستشهاد بأي نص من نصوص الدعوة النجدية والاكتفاء فقط بنصوص القرآن والسنة. 
أبو محمد المقدسي من أشد المدافعين عن الحركة الوهابية ويرفض كليا أي مساس بتراثها لكنه يعترف أنها تضمنت "إطلاقات نبتت عليها في كثير من الساحات نابتة الغلو"  ويرى أن كثير من الجماعات والشخصيات المتشددة في بيشاور والعراق والسعودية بنت تشددها على تلك الإطلاقات التي تحتاج للنقد والمراجعة. أما أبو قتادة الفلسطيني المنظر الجهادي المعروف فقد مضى بعيدا هو وتلميذه أبو محمود الفلسطيني في نقدهما للدعوة الوهابية وتحميلها الجزء الأكبر من مسؤولية الانحراف والغلو الذي وسم الفعل الجهادي من خلال الرغبة " في استنساخ تجربة محمد بن عبد الوهاب"  وانشغل أبو محمود الفلسطيني وهو كاتب وناشط جهادي معروف في بيان اخطاء الدعوة النجدية والرد على كتابات ومواقف أبي محمد المقدسي بعدما توسع الخلاف بين منظري التيار الجهادي على خلفية التطورات التي جرت في سوريا والمرتبطة أساسا بموضوع قطع جبهة النصرة علاقتها بالقاعدة، وتشكيل حكومة الإنقاذ في الشمال المحرر.
التحولات التي مست الخطاب الجهادي بعد ظهور الثورات العربية وصعود تنظيم الدولة الإسلامية أفرزت صيغا جهادية جديدة حاولت النأي بنفسها عن المقولات الجهادية الكلاسيكية التي أطرت الحركة الجهادية لسنوات، والتأسيس لفعل جهادي بديل يتوخى المرونة والاعتدال، ويعيد النظر في مفاهيم " الإمارة" و "الولاء والبراء" و"الردة".. ويعمل على احتواء مختلف شرائح المجتمع، وتحويل الفكرة الجهادية من فكرة نخبوية مغلقة إلى حالة شعبية واسعة الانتشار. وهو ما يمكن رويته متجسدا في "هيئة تحرير الشام" الكيان الجهادي الأبرز في سوريا، الذي رعى ما يسمى بمشروع الإدارة المدنية للمناطق المحررة من خلال الدعوة إلى مؤتمر سوري عام وتكليف هيئة تأسيسية منبثقة عنه بتشكيل حكومة كفاءات مدنية تضطلع بمهمة تدبير الشأن العام في المناطق المحررة.
الإسلام السياسي والوهابية.. الوصل والقطيعة
لازال الجدل حول الدعوة النجدية محتدما بين مختلف أطراف المعارضة السياسية في الخليج، خصوصا بين المحسوبين على حزب التجديد الإسلامي برئاسة محمد المسعري وحزب الأمة الكويتي برئاسة حاكم المطيري. محمد المسعري معروف بمقارباته الجذرية للمفاهيم التي تأسست عليها الدعوة النجدية، وقد خصص حيزا كبيرا من نشاطه الفكري والسياسي لنقض مقولاتها، وإبراز مخالفاتها لصريح وصحيح النصوص الإسلامية كما يعتقد. ويرى المسعري أن انحراف الوهابية كامن في فهمها الخاطئ لمفاهيم " العبادة" و" الألوهية" و"الربوبية" و" التوحيد" و"الشرك" وهي كما تبدو مفاهيم مركزية في الإسلام وليست من القضايا الجزئية التي يسوغ فيها الخلاف والاجتهاد، بل ويمتد نقد المسعري ليصل إلى ابن تيمية لأن مفهوم العبادة الخاطئ عنده –حسب المسعري- هو الذي شيد عليه ابن عبد الوهاب أفكاره ومقولاته. ما يمز قراءة المسعري لتراث الوهابية أنه لا يراها انحرفت نتيجة سوء فهم نصوصها أو توظيفها من قبل الدولة السعودية أو الجماعات السلفية بل يراها منحرفة منذ طورها الأول، وقد كتب كتاب " التوحيد" ردا على "كتاب التوحيد" لمحمد بن عبد الوهاب.
إذا كان محمد المسعري يصر على تسمية الدعوة الوهابية بالكنيسة النجدية، ويجادل على كونها فرقة من فرق الخوارج، وواظب على تفنيد أطروحاتها في معظم كتبه ومحاضراته، فإن حاكم المطيري وحزب الأمة بصفة عامة دشن في المرحلة الماضية حملة في مختلف مواقعه ومنصاته من أجل إعادة الاعتبار لأهم حركة إصلاحية شهدتها الجزيرة العربية. فالمطيري وعدد من مفكري الحركة الإسلامية في الخليج يرون أن الوهابية دعوة إصلاحية دشنها " الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب" وكان لها دور كبير في حفظ العقيدة الإسلامية من عوالق الشرك والخرافة، والقضاء على عبادة القبور والتوسل بالأولياء، وتجديد عقيدة الولاء والبراء وغيرها.
يؤكد حاكم المطير أن:" الوهابية التجديدية الإصلاحية لم يعد لها وجود حقيقي منذ وفاة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي كان بيده الحل والعقد وكانت الأمور تجري في حياته وفق أحكام الشرع، فقد تحولت بعد وفاته من حركة إصلاحية دينية تخضع لها السلطة، إلى حركة سياسية أصبحت الدعوة فيها تابعة وخاضعة للسلطة، وتراجع دورها الإصلاحي أمام الصراع السياسي من أجل السلطة وتوارثها كما المهدية في السودان والسنوسية في ليبيا"  فالمطيري متمسك بمفاهيم وأفكار الدعوة الوهابية لكنه متحفظ على توظيفها من قبل السلطات الحاكمة في ترسيخ حكمها وهيمنها. ويعتقد المطيري أن الحرب على الوهابية هي جزء من الحرب على الإسلام التي تصاعدت حدتها مع وصول الرئيس دونالد ترامب إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة.
الخلاف حول الدعوة الوهابية والجدل حولها لم يعد منحصرا فقط حول أصالة ووجاهة أفكارها مفاهيمها المجردة ومدى اتساقها مع نصوص ومقاصد الإسلام والشريعة بل وصل إلى قضايا تاريخية بحتة من قبيل "خروج " الحركة الوهابية عن الخلافة العثمانية. فخصوم الحركة يعتبرونها فرقة من فرق الخوارج أولا: لأنها ضمت بين أفكارها أفكارا غالية تكفر المسلمين بسبب مخالفات وبدع مرتبطة بالقبور والتوسل بالأولياء وهي في أشد صورها بدع مغلظة تستوجب التوبة وليست أعمالا كفرية يرتد مرتكبها عن الإسلام، وثانيا: لأن الحركة الوهابية خرجت عن طاعة الخلافة العثمانية باعتبارها خلافة شرعية. بينما يؤكد الطرف الآخر أن الحركة الوهابية لم تخرج عن الخلافة العثمانية ساردين نصوصا ومبرزين وثائق أن نجد كانت دوما تابعة للخلافة العثمانية ولم يحدث أن تمردت الوهابية عليها. 
لم يخفت السجال حول الوهابية بين مختلف قوى الإسلام السياسي في الخليج، بل أخذ في التصاعد والاتساع حتى وصل إلى منصات التواصل الاجتماعي ما أفسح المجال لأصوات وآراء أخرى تراوحت بين التسليم بالوهابية كفكرة إصلاحية ولحظة تجديدية ووجوب التصدي للحملات التي تستهدفها وبين يراها وجها آخر من وجوه الانحطاط الإسلامي واستقالة العقل المسلم.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير