8/26/2020

الوحش على تخوم العاصمة

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : أغسطس 26, 2020


---عبد الغني مزوز

من منظور عسكري بحت لا معنى لإلقاء اللوم على اللواء المتقاعد خليفة حفتر لعناده ورفضه لأية حلول سياسية تعرقل سعيه للسيطرة على طرابلس. فالرجل قطع أشواطا كبيرة في خططه الرامية لوضع يده على كامل التراب الليبي. ولم يبق له في واقع الأمر سوى "جيب" طرابلس الذي قد لا يصمد طويلا أمام إصراره على الحسم واستعداده لارتكاب ما يلزم من الجرائم في سبيل ذلك. العتاب يجب أن يوجه إلى أصحاب التقديرات الاستراتيجية الخاطئة والنظرة السياسية القاصرة الذين واكبوا تمدد نفوذ حفتر، وتحوله من متمرد دبر انقلابا تلفزيونيا فاشلا إلى زعيم حرب يكاد يبتلع كل ليبيا.
إلى حد الآن وما لم يطرأ تطور استراتيجي يعيد صياغة الواقع العسكري ويحدث انقلابا في موازين القوة وهذا ما لا تبدو بوادره في الأفق فإن حفتر قد كسب الحرب في ليبيا حتى وإن اضطر للمكوث على تخوم طرابلس لسنوات، فالمعركة التي تجري وقائعها في ليبيا اليوم هي "معركة طرابلس" وليست معركة طبرق أو بنغازي بمعنى أنها باتت في قلب المعسكر المناوئ لحفتر، ومهما بدت المعركة طويلة ومكلفة ومدمرة فإنها لن تكون بذلك السوء بالنسبة لحفتر مقارنة بطرابلس وأهلها والقوات المتحصنة بداخلها.
حشود حفتر التي تطبق الآن على العاصمة طرابلس لم تهبط من السماء فجأة ذات مساء، ولم تحملها الرياح وتلقي بها هناك بمحض الصدفة، وإنما وصلت إلى مشارف العاصمة في سياق حرب بدأها الجنرال حفتر قبل سنوات، وكان يدرك تماما أهدافه منها، وكانت عقيدته القتالية بينة واضحة. الخطأ الاستراتيجي الفادح الذي ارتكبته طرابلس أنها تركت خطوط دفاعها المتقدمة تسقط واحدا بعد آخر دون أن تتحرك التحرك المطلوب، وأهم خطين دفاعيين استراتيجيين هما مدينتا بنغازي ودرنة. ثم وعوضا عن إمداد جيوب مقاومة حفتر في الشرق بما تحتاجه من الدعم، تورطت في معركة استنزاف مميتة في مدينة سرت ضد الدواعش المسيطرين عليها. لا شك أن المعركة ضد الدواعش لها ما يبررها من كل النواحي باستثناء التوقيت فقط. فمشكلة الدواعش هي مشكلة الجميع وعندما يحين الظرف المناسب لمواجهتهم بعد التخلص من التحدي الذي يمثله حفتر بإمكان حكومة الوفاق أن تطلب ما شاءت من الدعم من المجتمع الدولي ومن أوروبا على وجه الخصوص. وما جدوى استرداد مدينة سرت بعد معركة طويلة تكبدت فيها قوات الوفاق خسائر هائلة في الأرواح والعتاد والأموال ليأخذها حفتر بعد ذلك في ساعات ويمحضها لأيتام القذافي الذي رفعوا فيها الأعلام الخضراء.
شن حفتر حربه في ليبيا تحت شعار محاربة "الإسلاميين"، وراح يجمع جيشه تحت هذا الهدف الواضح، وتبدو قواته وحشوده العسكرية كجيوش الملاحم الفنتازية التي تضم بين صفوفها مخلوقات غريبة، كالعمالقة والأقزام، والهياكل العظمية الحية، والمخلوقات التي لها جسد حيوان ورأس إنسان، والتنانين التي تنفث النار، والسحرة والكهان وغيرها.. لقد حوى جيش حفتر ميلشيات القبائل، ومرتزقة الشركات الأمنية الخاصة، وتشكيلات شبه نظامية، وكتائب سلفية، وفلول نظام القذافي، وضباط من دول أوروبية وعربية، ومجموعات شيعية قادمة من دمشق، وغيرها. ويبدو أن حفتر -أو من يقف خلفه- يمتلك من الدهاء ومن الموارد ما يكفي لجمع هذا الخليط العجيب والخطير وتنسيق تحركاته نحو أهداف محددة ومدروسة. وتؤكد بعض الأحداث والمواقف أن حفتر ليس مطروحا لديه التخلي عن أي من مكونات قواته مهما تكن الأسباب، فمحمود الورفلي مثلا وهو سلفي متشدد مطلوب للعدلة الدولية لارتكابه جرائم ضد الإنسانية، ما يزال على رأس عمله ضمن التشكيلات السلفية بجيش حفتر ولن يتوانى في ارتكاب مزيد من الجرائم.
يدرك حفتر جيدا أنه معفي من أي محاسبة مهما ارتكب من جرائم، وهو في الواقع النموذج المفضل لدى القوى الكبرى، وما يزعجهم فيه أن طبعه لا يخلو من تهور، ويمارس لعبته بخشونة زائدة ويفتقد إلى الحد الأدنى من الدبلوماسية وما تتطلبه من لياقة ولغة خشب. ومع ذلك فقد أمن لنفسه صوتين في مجلس الأمن (روسيا وفرنسا) يكفيان لإبطال أي قرار لا يكون في صالحه. والثابت الآن أن وثيرة الدعم الإقليمي والدولي لحفتر ستزداد خصوصا مع دخول مذكرة التعاون العسكري بين تركيا وحكومة الوفاق حيز التنفيذ، وتتجلى بواكير هذا الدعم في مؤتمر برلين الذي انعقد قبل أيام والذي استُبعدت دول معنية بالشأن الليبي من المشاركة فيه لأن حضورها لن يكون وفق ما يشتهيه المحور المؤيد لحفتر. إن استبعاد تونس وهي الدولة التي لها حدود مشتركة مع ليبيا واستبعاد المغرب الذي رعى اتفاق الصخيرات والذي يفترض به أن يكون اتفاقا مرجعيا لحل المعضلة الليبية؛ إن استبعاد هذه الدول لا يمكن أن يفهم إلا في سياق الرغبة في شراء مزيد من الوقت لحفتر حتى ينتهي من مهمته في طرابلس.
لم يكن مؤتمر برلين في حقيقة الأمر سوى محطة لتزويد حفتر بما يلزم من الشرعية ومن الغطاء السياسي الذي بدده في مغامراته المتهورة. فالمسألة واضحة جدا، ثمة اتفاق سياسي وقعه الفرقاء الليبيون وحظي بتزكية دولية وأممية، وانبثقت عنه حكومة وفاق وطني. والمتوقع من المجتمع الدولي أن يبادر إلى دعم هذه الحكومة ومواجهة كل ما من شأنه أن يقوض الاتفاق الذي تشكلت على أساسه، لكن الذي حصل أن القوى الفاعلة في المجتمع الدولي لم تبدل لهذه الحكومة سوى الكلام الدبلوماسي الفارغ من أي معنى مقابل تزويدها لخصمها حفتر بكل ما يحتاجه من الدعم العسكري والتقني واللوجستي والخبراء حتى يتمكن من إطباق سيطرته ليبيا بقوة الحديد والنار.
لقد تابع الجميع كيف تحركت القوى الدولية فورا عندما تحرك الدواعش باتجاه كردستان العراق، مباشرة ومن دون أية ترتيبات مسبقة حلقت أسراب من الطائرات وصبت حممها على مقاتلي تنظيم الدولة وأوقفت زحفهم إلى مناطق الاكراد في شمال العراق. لا شك أن الدواعش سيرتكبون جرائم فضيعة هناك، سيقتلون ويغتصبون وينهبون الآثار والمتاحف ويفجرون المآثر التاريخية، لكن ثمة نسخة مروضة من الدواعش الآن تتجه صوب العاصمة طرابلس ولا أحد يتحرك لإيقافهم بل منحوا ما يلزم من الغطاء الجوي والسياسي أيضا. من ذا الذي يستطيع أن يقنعنا أن دواعش السلفية المدخلية يختلفون عن نظرائهم من دواعش السلفية الجهادية، إن سجل جرائم السلفية المدخلية حافل بالفظاعات والانتهاكات، لقد شاهدناهم يعدمون العشرات من المدنيين ميدانيا، وتواترت القصص عن عمليات الاغتصاب والتعذيب والنهب التي ارتكبوها في كل من درنة وبنغازي. كما قاموا بتفجير عدد من المساجد والمزارات الصوفية استنادا إلى ذات التأصيلات التي يستند إليها الدواعش، النقطة التي فاقوا فيها الدواعش هي أنهم يقومون بنبش القبور ويستخرجون الجثث للتمثيل بها وتمزيقها وحرقها اشباعا لروحهم النهمة إلى اجتراح كل جرم، وهي درجة أخرى من الانحراف والبغي لا ينالها إلا من جمع خسة الطبع ولؤم النفس وفساد الروح واختلال العقل وفائضا من المقولات الجامية المتهافتة. فأين المجتمع الدولي من هذه الوحوش الضارية والمروضة التي باتت على تخوم العاصمة طرابلس، فإذا كان الدواعش وحوشا برية منفلتة فالمدخلية وحوش ضارية مروضة يتم توظيفهم في إطار حرب قذرة لن تكون قطعا في صالح الشعب الليبي. 



ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير