4/30/2018

المقاومة العراقية.. فصول من قصة الظفر

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : أبريل 30, 2018
الجهاد العراقي


عبد الغني مزوز---

خلال الأشهر القليلة الماضية بدأ زحف الغزاة يمتد إلى المساحة المحررة في الشمال السوري، فسقطت عشرات القرى في غضون أيام؛ ما يهدد آخر معاقل الثورة السورية بالسقوط. تكرر نفس السيناريو في ليبيا حيث باتت عين زعيم الحرب خليفة حفتر على مدينة درنة بعد سيطرته على بنغازي، ولن تكون طرابلس بعيدة عن طموحاته ومغامراته قياسا إلى ما يحظى به الرجل من دعم ومساندة من مختلف القوى الإقليمية والدولية كوكيل معتمد في الحرب ضد الحركات الإسلامية الناشطة في ليبيا. هذه التطورات الجديدة كشفت عن إمكانية حدوث تحولات جذرية في أنماط وأساليب الفعل الثوري في المرحلة القادمة. إن الحشود الهائلة لخصوم الثورة وتفوقهم النوعي يجعل من انتقال الثوار من أسلوب المواجهة المباشرة والجبهات الثابتة إلى أساليب حرب العصابات خيارا غير مستبعد. 

لا شك أن الأوضاع في بلدان الثورات خصوصا ليبيا واليمن وسوريا مرشحة إلى مزيد من التصعيد. ففي سوريا لم يعد الحديث عن ثورة تواجه نظاما طائفيا مستبدا حديثا ذا مصداقية، لأن الذي تواجهه الثورة هناك هو في الحقيقة احتلال أجنبي توزعت قواته على امتداد الخريطة السورية، حيث انتشر عشرات الآلاف من الجنود الروس والأمريكان والإيرانيين على طول البلاد وعرضها وأقاموا قواعد عسكرية ضخمة في عدة مناطق بشمال وشرق وجنوب سوريا[1]

إن الحديث عن احتلال غازي ومقاومة تسعى إلى تحرير الوطن والإنسان يحيلنا إلى عدة تجارب ونماذج على مدار عقود بل قرون مضت، لكننا سنتحدث في هذه المناسبة عن تجربة غضة طرية لم تأخذ حضها من الدراسة والتوثيق، وهي المقاومة العراقية للاحتلال الأمريكي، وكيف تمكنت من تجريد القوة الأمريكية الجبارة من عناصر السطوة والتفوق، وحولت الترسانة الحربية المكلفة التي استقدمها الغزاة إلى أجسام معدنية عديمة الجدوى والفاعلية. 

المقاومة العراقية في لحظة من اللحظات لم تستطع فقط خلق توازن للقوى مع قوات الاحتلال والكيانات الرديفة له؛ بل تفوقت عليه حتى غدا هاجس المحتلين ينحصر في إيجاد طرق وأساليب للتعامل مع ما تستحدثه المقاومة من أدوات ووسائل في الحرب والمواجهة. لقد أمضت القوات الغازية معظم وقتها في العراق وهي في حالة دفاع، وقد أظهرت آلاف المقاطع المصورة (المنشورة) جزء من هذا. 

إذا كانت المقاومة الفيتنامية قد ابتكرت أساليبها وتقنياتها في الكفاح والمقاومة وتألقت في توظيف تكتيكات الأنفاق الحربية والشراك الخداعية التي أحكم الفيتكونغ نصبها في غابات الفيتنام الكثيفة فإن المقاومة العراقية انتهجت أساليب وتكتيكات حربية أشد فتكا وأبلغ اثرا وأقل تكلفة. من الخطأ مقارنة المقاومة العراقية بالمقاومة الفيتنامية فهذه الأخيرة كانت تحظى بدعم كبير من الإمبراطورية السوفياتية حتى أن بعض الأسلحة التي زود بها السوفييت مقاتلي الفيتكونغ كانت متطورة وفعالة أكثر من تلك التي بحوزة الأمريكيين.[2] كما أن التضاريس الفيتنامية تعتبر بيئة مثالية لإطلاق حرب عصابات ناجحة ومستدامة، عكس الجغرافيا العراقية المكشوفة والمنبسطة والخالية من أية موانع أو سواتر طبيعة يمكن الاعتماد عليها في عمليات الكر والفر، أو تحييد بعض الأسلحة كسلاح الطيران والدبابات والآليات الثقيلة، إضافة إلى أن المقاومة العراقية لم تتلق أي دعم أو مساعدة من أية قوة إقليمية أو دولية، بل كان اعتمادها على مخزون النظام السابق من الأسلحة ومعظمها أسلحة خفيفة ومتوسطة، وخبرات الضباط السابقين ومن التحق بالساحة العراقية من الكوادر الجهادية المدربة. 

كل شيء يوحي –حسب قراءة الغزاة لأوضاع العراق- بمقاومة يائسة واحتلال طويل الأمد، إلا أن المقاومة العراقية اعتمدت على تقنيات وأساليب أدهشت العالم وأربكت الغزاة. ولعل من أهم هذه التقنيات والأساليب: (الألغام والعبوات الناسفة؛ الاشتباكات الخاطفة؛ القنص؛ السيارات المفخخة؛ الرمانات الحرارية) سنتحدث في هذه المقالة عن العبوات الناسفة وتوظيف المقاومة العراقية لها، وسنرجئ الحديث عن الأساليب الأخرى إلى مناسبات قادمة. 

ظهر سلاح العبوات الناسفة في الأيام الأولى من الاحتلال وسرعان ما تحول إلى نمط كفاحي عم معظم أرجاء العراق. سلاح بدائي فتاك وغير مكلف. لقد أحس رجال البنتاغون بالغيظ والمرارة وهم يشاهدون ترسانتهم الجبارة تتحول إلى فتات يتناثر في الهواء. 

زرع رجال المقاومة العراقية عبواتهم في كل الأماكن التي يغلب على الظن أن آليات الاحتلال ورجاله سيمرون فيها، وتم تمويهها بطرق مبتكرة لا تخطر على بال، بطمرها تحت التراب أو وضعها في كيس بلاستيكي لتظهر ككيس قمامة مرمى على قارعة الطريق، أو دسها في جوف الحيوانات النافقة كالكلاب والقطط وغيرها. وأحيانا تعمد المقاومة إلى وضع عبوة تمويهية بارزة ووضع أخرى مخفية على مقربة منها، وعندما يجتمع الخبراء لتفكيك العبوة التمويهية يفجرون العبوات المخفية. أحيانا لا ينتظر رجال المقاومة مرور الآلية العسكرية على عبوتهم، بل يحملونها إلى أماكن تمركز هذه الآليات، حيث أظهرت عدد من المقاطع المصورة زحف هؤلاء بحذر حتى الوصول إلى تحت الدبابة المأهولة وزرع العبوة تحتها ثم تفجيرها عن بعد. 

الإحصائيات الرسمية التي نشرها البنتاغون تظهر أن أكثر 70 في المئة من خسار قوات الاحتلال في العراق ناجمة عن سلاح العبوات الناسفة، وأن معظم حالات الانتحار والأمراض النفسية التي أصابت العائدين من الحرب كانت بسبب رعب العبوات. كما أن جل الإصابات الخطيرة وحالات بتر الأطراف والتشوهات الحادة تعود إلى نفس السبب. عجز جيش الاحتلال بما راكمه من خبرات وما طوره من تقنيات على مدار عقود عن التعامل مع التحدي الكبير الذي تمثله " قنابل المقاومة". بعد مقتل الآلاف من جنود الاحتلال دفع البنتاغون بتقنيات متطورة إلى ميدان المواجهة بهدف كشف العبوات وتعطيلها، فظهرت كاسحات الألغام وهي عربات مزودة بأجهزة استشعار وتقنيات تقوم بالتشويش على الموجات الراديوية التي يتم بواسطتها تفجير العبوات عن بعد. بعد أشهر من وصول هذه الكاسحات إلى العراق أظهرت أفلام مصورة كيف غدت هذه الآليات صيدا سهلا لعبوات أشد فتكا وتطورا، وقد أعلنت فصائل المقاومة آنذاك تطويرها لأجهزة تحكم عن بعد لا تخضع للتشويش، وهكذا ذهبت ملايير الدولارات التي تم انفاقها على مشاريع الكاسحات أدراج الرياح. 

مثلت العبوات الناسفة كابوسا مؤرقا للاحتلال. وسلاحا مدمرا عجز عن تطوير ما يردعه أو يحد من تأثيره، تماما مثلما تمثل الطائرات بدون طيارا وسلاح الجو عموما كابوسا مؤرقا للثوار اليوم. هكذا قلبت المقاومة العراقية موازين القوة، وبنت لنفسها قوة ردع ذاتية فعالة وغير مكلفة. في دراسة لخدمة أبحاث الكونجرس صدرت في 25 سبتمبر 2006 حول العبوات الناسفة في العراق فإن ما تم إنفاقه منذ 2004 إلي 2006 لتمويل محاولات يائسة لمكافحة العبوات الناسفة بلغ 6.1 مليار دولار، حيث تم تمويل عدة هيئات متخصصة في البحث عن التقانة التي تساهم في الكشف عنها، وعندما عجزوا قرروا تخصيص طرق مؤمنة خاصة لتحرك المعدات.[3] ولمواجهة التطور الذي عرفته عبوات المقاومة دعا البنتاغون إلى عقد مؤتمر في (فورت إيروين)، بصحراء كاليفورنيا، حيث ناقش مهندسون وخبراء وقادة كبار في الجيش الأمريكي المشاكل التي تفرضها التقنيات الجديدة للمقاومة المسلحة في العراق. وقد وصف الكولونيل بوب ديفيس، خبير المتفجرات في الجيش الأمريكي العناصر الجديدة في بعض المتفجرات، بأنها (مزعجة) على نحو (بارع).[4]

مع تصاعد عمليات تفجير المعدات على الطرق تم تأسيس صندوق للإنفاق على برامج تساعد في مواجهة العبوات الناسفة بداية من 2006، واستنزف ميزانية تقدر بـ 16 مليار دولار إلى حدود سنة 2010، دون أن يتم تقديم نموذج ناجع لتقنية قادرة على احتواء تهديد العبوات المتفجرة. وفي الأخير اضطرت قوات الاحتلال إلى تقليل تحركاتها والانكفاء في القواعد والثكنات المحصنة ثم الانسحاب الجزئي في وقت لاحق. إنه أمر يبعث على الجنون بالنسبة لمخططي البنتاغون ورجال السياسة في أمريكا أن يروا دبابة (أبرامز) البالغ ثمنها أكثر من 8 ملايين دولار تتحول في أجزاء من الثانية إلى فتات في الهواء بفعل عبوة ناسفة لا يتجاوز سعرها 50 دولارا. فضلا عن العربات الأخرى التي كلفت دافعي الضرائب الأمريكيين ملايير الدولارات مثل " الهامر" و " الهامفي" وأنواعا أخرى من الآليات حصدتها العبوات بالمئات والآلاف. 

جدير بالإشارة في سياق الحديث عن العبوات الناسفة واستنزافها لميزانية الاحتلال أن أكبر قضايا الفساد المالي في العراق مرتبطة باقتناء معدات مزيفة يفترض أنها تساعد على كشف العبوات، وقدرت قيمة العقود المبرمة في هذه الصفقات بمئات الملايين من الدولارات ابتداء من 2007، واستمر العمل بتلك الأجهزة المغشوشة عدة سنوات لأنها تجارة تدر على رجال المنطقة الخضراء ملايين الدولارات.[5]

مع الأسف لا توجد كتب أو ملفات توثيقية تتناول بالبحث والدرس تكتيكات المقاومة العراقية وتؤرخ لأيامها، وما يتوفر منها بالعربية لا يتجاوز الكتابين أو الثلاثة، والمواد الإعلامية والتوثيقية التي كانت تصدر عن فصائل المقاومة معظمها اختفى من الشبكة. بينما تقوم الولايات المتحدة عبر صروحها الإعلامية الضخمة بتزييف التاريخ وإعادة كتابته لترميم ما تداعى من هيبة "القوة العظمى"، وإعادة الاعتبار لرجال المارينز "الخارقين"، فقد انتجت هوليود عددا من الأفلام بميزانيات ضخمة حول العراق والمقاومة، أحدها يتحدث عن "بطولات وذكاء" خبراء نزع العبوات الناسفة بعنوان (the hurt locker)، وفيلم آخر يتحدث عن بطولات قناص أمريكي في العراق بعنوان (American Sniper) للتغطية وحرف الأنظار عن ملاحم القناص العراقي الشهير "قناص بغداد". وقد بلغ عدد الأفلام الأمريكي التي تناولت الحرب على العراق أكثر من 30 فيلما روائيا طويلا، أما إجمالي الأفلام الأمريكية التي تناولت تلك الحرب حسب بعض الإحصائيات فهو يتجاوز 200 فيلم بما فيها الأفلام القصيرة والوثائقية والأفلام الروائية الطويلة التي تناولت الحرب بصورة ثانوية.[6] ورغم أن بعض هذه الأفلام أشاد بالأصوات المعارضة للحرب إلا أنها تقاسمت الرأي ذاته حول الطبيعة الإرهابية والهمجية لأولئك الرجال الذين يقاتلون الجنود الأمريكيين في العراق. وكما صنعت هوليوود من الجنود الأمريكيين في فيتنام أبطالا مخلدين عبر سلسلة أفلام RAMBO تريد أن تفعل الامر نفسه مع الجنود الأمريكيين في العراق. فهل يبادر أهل الكفاءة والاختصاص من أمتنا لتقديم خدمة للتاريخ والإنسانية والأجيال القادمة بتدوين ونقل الحقيقة قبل أن يبددها وهم هوليوود. 




[1] الرافد، القواعد الأجنبية في سوريا، http://www.alraafed.com/2017/07/19/10833/ 


[2] الجزيرة الوثائقية، الكلاشنكوف في مواجهة إم 16، https://www.youtube.com/watch?v=PVBhPJDYNcY 


[3] عامر عبد المنعم، حصاد المقاومة العراقية في 8 سنوات، http://muslimaabdu.blogspot.com/2014/06/8.html 


[4] د. محمد العبيدي، خسائر قوات الاحتلال الأمريكي في العراق وعمليات المقاومة، http://alarabnews.com/alshaab/2005/08-07-2005/11.htm 


[5] الجزيرة، فضيحة أجهزة كشف المتفجرات في العراق، http://www.aljazeera.net/programs/newsreports/2016/7/4/%D9%81%D8%B6%D9%8A%D8%AD%D8%A9-%D8%A3%D8%AC%D9%87%D8%B2%D8%A9-%D9%83%D8%B4%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D9%81%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%B3%D8%AF%D8%A9-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82 


[6] إيهاب التركي، 30 فيلما عن الوحل الأمريكي في العراق، https://www.masress.com/dostor/13002

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير