3/31/2018

"جون الورفلي".. الوحش المروض!

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : مارس 31, 2018
محمود الورفلي

عبد الغني مزوز

يستمر زعيم الحرب الجامح خليفة حفتر في تنفيذ جرائمه بحق الشعب الليبي بدعم سخي من غرف عمليات الثورة المضادة، وغطاء سياسي وعسكري متواصل من القوى الغربية، مع أن الرجل معاند للتسوية السياسية المزعومة، ويمثل طموحه السياسي عامل عرقلة لكل المقترحات التي تقدم بها وسطاء الحل منذ خروجه في يوليو 2014 معلنا نيته تطهير ليبيا من جماعات الإسلام السياسي وطرد "الإرهاب" من ليبيا. 

قد يبدو في بادئ الأمر أن الرجل خارج عن السيطرة، وأن مشروعه في ليبيا يعكس طموحه الذاتي الزائد وبالتالي فهو مصدر قلق وحرج للقوى الكبرى التي تحاول "بإخلاص" إيجاد معادلة توافقية ترضي كل الأطراف وتحافظ على الاستقرار والأمن في البلاد. لكن واقع الحال الذي تظافرت الشواهد والقرائن على تأكيده هو أن الرجل مجرد "وكيل أعمال" يقوم بوظيفته بإيعاز ممن لبث في كنفهم عقودا من الزمن. وما ينشره من دمار وفوضى في ليبيا موجود فعلا في دليل الاستخدام (الكتالوج) المرفق معه عندما تم شحنه إلى ليبيا ليقف في وجه الحركات الإسلامية. ولابد أن نتذكر أن كل معاركه الدموية التي خاضها ضد الثوار منذ إعلانه ما يسمى بعملية الكرامة خاضها وهو يتمتع بغطاء جوي من القوى الغربية، بل إن المستشارين الأجانب كانوا دوما إلى جانب قواته يقدمون لها التوصيات والمعلومات الاستخباراتية. 

عندما ظهر الداعشي محمد أموازي أو "الجهادي جون" كما هو معروف في الإعلام العالمي وهو يقتل الرهائن بدم بارد، تداعى العالم كله للتنديد بتلك المشاهد الفظيعة، ووقف الجميع محذقا بحزن إلى تلك المقاطع المفرطة في السادية، لقد تحول "الجهادي جون" إلى أيقونة من أيقونات الرعب ووحش دموي عديم الرحمة؛ تثير صورته الخوف والهلع، كان "جون" يظهر في المقاطع التي تنشرها داعش ملثما، يهدد ويتوعد ثم يظهر لاحقا وقد وفى بتهديده. استنفرت القوى الكبرى استخباراتها وبثت عيونها بحثا عن السفاح المقنع. وهو ما حصل إذ سرعان ما حُددت لكنة الرجل، ومن عينيه تم التعرف على هويته الحقيقية، وخلال مدة قصيرة زفت الولايات المتحدة بشرى القضاء "الوحش جون". 

في ليبيا يظهر من حين لآخر وحش دموي من طراز آخر، قاتل متسلسل فاقت ساديته سادية "السفاح جون" بمراحل، هو أيضا يحرص على توثيق جرائمه بأوضح صورة وبثها في الإعلام، فخور بعقيدته السلفية النقية، يقرأ دوما " تعويذة الموت" على ضحاياه قبل أن يرديهم صرعى بين رجليه. إنه المجرم محمود الورفلي الذراع الأيمن لخليفة حفتر. الفرق بينه وبين " السفاح جون" أن الورفلي يقتل بالجملة، وكل ضحاياه من المسلمين، وإذا كان "جون " يستحيي أو يخاف من إظهار وجهه وهو يمارس طقوس القتل فإن الورفلي على العكس منه تماما؛ يظهر وجهه ويتحدث بكل أريحية إلى الكاميرا ثم يشرع في القتل. فـ"جون" يخشى من افتضاح هويته، ويخشى أن يتم رصده واغتياله، لكن الورفلي لا يخاف من أي شيء، فهو يتمتع بغطاء جوي يتيح له اقتراف كل ما يشتهيه من جرائم دون أن يتحسس رأسه، وغطاء سياسي سيجعل سجله نظيفا كشرط لإمضاء أي مصالحة أو إتمام أي تسوية سياسية مزمعة. ضحايا " السفاح جون" يظهرون في أفلام داعش بملابس برتقالية اللون وهو تقليد دموي تم استلهامه من معسكر الاعتقال والموت البطيء في خليج غوانتانامو، لذلك يحرص السفاح الورفلي على إلباس ضحاياه ملابس زقاء حتى لا يُحرج الولايات المتحدة أو مستخدميه بالأحرى. 

لماذا لا يتم التعامل بحزم وصرامة مع الإرهابي محمود الورفلي كما يتم التعامل مع أقرانه وزملائه في مدرسة القتل والإرهاب. قد يقول قائل إنه مطلوب لمحكمة العدل الدولية، لكن لماذا لا يكتفي الغرب بإصدار مذكرة توقيف من المحكمة الدولية بحق " السفاح جون" ثم العمل على اعتقاله وجعله يمثل أمامها في لاهاي، لماذا تم استنفار جميع أجهزة الاستخبارات والجواسيس ووصل الليل بالنهار حتى تم القضاء عليه في فترة زمنية وجيزة. الجواب ببساطة هو أن وحشية الورفلي وحشية مروضة، خاضعة لمعايير الإرهاب المحمود، وتستجيب لشروط ممارسة القتل الجماعي في هذا العالم وبالتالي فليس هناك ما يدعو إلى القلق والانزعاج، فالرجل إذن جدير بالاحترام والتقدير إنه يقوم بوظيفته بكل إتقان وتفاني. فمادام إرهابك وساديتك موجهان للمسلمين حصرا فأنت في حل من أي لوم أو محاسبة مهما أسرفت في القتل وبالغت في الإبادة؛ أما وساديتك موجهة للثوار من المسلمين فأنت تستحق التنويه والإشادة. 

ينتمي الورفلي إلى فرقة إرهابية ظلامية تسمى المدخلية، ثلاثة أرباع دينهم محصور في طاعة ولاة الأمر أيا كانوا، باستثناء أولئك المحسوبين على التيار الإسلامي، فقد بايع " المدخليون" بول بريمر في العراق وأفتوا بوجوب طاعته، وحرمة الخروج عليه، لأنه إمام ثبتت ولايته بالتغلب! بينما خرجوا على الرئيس محمد مرسي وظاهروا الانقلاب العسكري عليه لأنه من خوارج الإخوان المسلمين المخالفين لعقيدة السلف! تم توظيف هذه الفرقة الظلامية من قبل زعيم الحرب في ليبيا خليفة حفتر، وكان لها دور كبير في الجرائم التي ارتكبها حفتر في الشرق الليبي خصوصا في مدينة بنغازي، إن المدخلية في ليبيا هم عبارة عن شركة أمنية خاصة تمارس القتل والإبادة إيمانا واحتسابا. فإذا كانت الشركات الأمنية مثل " بلاك ووتر " تستنزف خزينة الدول المتعاقدة معها مقابل عملها في البؤر الخطيرة في العراق وأفغانستان واليمن.. فإن القوى المعنية بالحرب ضد الإسلاميين وجدت أخيرا " شركات أمنية مدخلية" بإمكانها أن تقوم بما تقوم به " بلاك ووثر" وزيادة ولا تريد نظير ذلك جزاء ولا شكورا. 

لقد شاهد الجميع في مقطع منشور كيف تم اختطاف المواطن الليبي نزيه عبد الحميد الرقيعي من قبل الاستخبارات الأمريكية وقد توفي لاحقا في أحد سجونها متأثرا بالأسقام التي نهشت جسده، مع أن الرجل لم تثبت عليه أية جريمة، فلم يظهر في أفلام مصورة وهو يقتل ولا وهو يهدد بالقتل، كان عائدا إلى بيته من صلاة الفجر فاعترض سبيله مجموعة من الأشخاص، هاجموه وأدخلوه عنوة إلى سيارتهم وذهبوا به بعيدا. كما تم اختطاف المواطن الليبي مصطفى الإمام لضلوعه المزعوم في الهجوم على السفارة الأمريكية في بنغازي وقبله المواطن أحمد أبو ختالة لنفس التهمة. فضلا عن عشرات من عمليات القصف الجوي التي تنفذها طائرات أمريكية من حين لآخر ضد أعضاء مفترضين في تنظيم القاعدة. فلماذا يا ترى لا يتم استهداف مجرمي الحرب من المدخلية ممن ارتكبوا جرائم إبادة جماعية بشعة تشمل الأطفال والنساء بشهادة المنظمات الدولية والادعاء العام بمحكمة الجنايات الدولية ومئات الصور ومقاطع الفيديو التي وثقت جرائمهم وانتهاكاتهم؛ بينها تلك التي أظهرت نبشهم للقبور واستخراجهم لرفاتها. 

محمود الورفلي ومحمد أموازي وجهان لعملة واحدة، كلاهما احترفا القتل وإزهاق الأرواح البريئة، وكلاهما تفنن في عرض جرائمه أمام الكاميرا، وكلاهما استند إلى نصوص الدين لتبرير فظائعه، غير أن الأول يحظى بدعم عسكري وغطاء سياسي مكنه من مواصلة مشواره الدموي بأريحية والثاني أخذ على حين غرة. الأول يجسد الإرهاب المروض والمحمود والثاني يجسد الإرهاب المدان والمذموم. 







ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير