2/03/2018

فكرة وستون بندقية.. حروب الجولاني ومقارباته

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : فبراير 03, 2018
أبو محمد الجولاني

عبد الغني مزوز---

ألقى أبو محمد الجولاني في آخر ظهور له كلمة مقتضبة أمام مجموعة من المقاتلين في قاطع حماة؛ كلمة مقتضبة لكن في غاية التركيز والكثافة وحافلة بالدلالات والإشارات المهمة. هدوء الرجل وحضوره الكاريزمي يعكسان عمقا لافتا في شخصته، ففي كل الكلمات المنشورة له واللقاءات الإعلامية التي أجراها يمكن رصد جوانب من التعاطي العقلاني مع مختلف القضايا والنوازل التي حلت بالثورة السورية. 

بإمكان من يحتفظ ببيانات جبهة النصرة منذ تأسيسها أن يقارن بين ما جاء فيها من مواقف وتعليقات وبين ما وصل إليه قطار الثورة حتى الآن. وسيكتشف دون كبير عناء أن الجولاني تحلى بنظرة أبعد وفهم أرسخ لكل ما تعاقب على الثورة من أحداث وتطورات. خذ مثلا: موقفه من تنظيم الدولة وإبرامه قطيعة صارمة معه فكرا وتنظيما في الوقت الذي استشكل فيه أمر التنظيم على كثير من المحسوبين على التيار الإسلامي؛ أفرادا وشيوخا، ترى من هو الجهادي الذي كان قادرا على الوقوف في وجه البغدادي آنذاك ويقول له: لا. صدرت كلمة البغدادي التي أعلن فيها دمج جبهة النصرة مع تنظيم دولة العراق الإسلامية وبعدها بساعات خرج الجولاني في بيان صوتي يرفض فيه قرار البغدادي بأوضح العبارات وأجلاها. ومثال آخر: موقفه من المسار السياسي بشقيه جنيف وأستانة، وما تمخض عنهما من هدن ومصالحات ومناطق خفض للتصعيد، فقد كان الرجل واضحا في رفضهما واضطر إلى التعامل بحزم وبشيء من القسوة مع انخرط فيهما داخل معسكر الثورة، فقام بتفكيك بعض الفصائل التي زعمت تمثيل الثورة في تلك المحافل، وأطلق معارك في مختلف مناطق سوريا لإرباك الهدن المعلنة، ولتخريب حدود مناطق خفض التصعيد سيطر فصيله على قرية أبودالي الاستراتيجية.

خاض فصيل هيئة تحرير الشام وحده معارك شرسة في ريف حماة لأكثر من أربعة شهر تمكن خلالها من إيقاف توغل قوات النظام إلى عمق مناطق شرق السكة مدعومة بغطاء جوي روسي كثيف، وكلما انكسرت حملة لقوات النظام تقوم بفتح ثغرة لعناصر تنظيم الدولة ليتقدموا بدلها بينما تعيد هي ترتيب صفوفها من جديد، وعند صد تقدم تنظيم الدولة وإرغامه على التراجع، تبادر قوات النظام إلى التحرك من جديد، في تبادل للأدوار فائق التنسيق والدقة مع "جنود الخلافة".

استماتت هيئة تحرير الشام في معارك ريف حماة الشرقي ووضعت جزء مهما من ثقلها العسكري هناك، لأن قادتها يدركون حجم التداعيات السياسية والاستراتيجية لتلك المعارك، ومدى تأثيرها في مسارات الحل السياسي التي يُراد للثورة أن تلجها قسرا. فكل اختراق لمنطقة ما من مناطق خفض التصعيد خصوصا تلك التي تم تفويتها للروس وإيران هو بمثابة مسمار آخر يتم دقه في نعش مشروع إعادة تأهيل النظام الطائفي. خسرت هيئة تحرير الشام بعض القرى نتيجة القصف الجوي الرهيب لها ولأن جغرافية المنطقة لا تمنح أي هامش للمناورة ولا تساعد على الكمون أو تحييد سلاح الطيران، فتقدمت ميلشيات النظام إليها. وفي هذه الأثناء ارتفعت عقيرة البعض تنديدا بما اعتبروه تسليم الجولاني مدينة إدلب لقوات النظام، واتهموه أيضا - ويا للطرافة – بتنفيذ توصيات أستانة! مع أن واقع الحال الذي لا يجرؤ أحد على إنكاره هو أن الجولاني لم ينشغل بشيء منذ تدشين مسار أستانة مثلما انشغل بضرب هذا المسار وإرباك مخرجاته بكل ما أوتي من قوة وحيلة. ولم تدفع قوات النظام ثمنا باهظا لقاء سيطرتها على مناطق الثورة كالذي دفعته في قرى ريفي حماة وإدلب، وهي التي اعتادت قضم معاقل الثورة كوجبات باردة في أكثر من مناسبة.

تقدمت فصائل المعارضة الأخرى لتحل محل هيئة تحرير الشام في تلك المناطق، وأعلنت موحدة عن معارك لاستعادة ما خسره الثوار، وفعلا تقدمت في بعض المحاور لكنها لم تلبت أن تراجعت عنها بعد ساعات من سيطرتها عليها بسبب القصف الجوي الكثيف وشراسة الحملة التي أطلقها النظام. فلم تستطع الفصائل مجتمعة الصمود لساعات في بيئة صمدت فيها الهيئة لعدة أشهر، رغم أن هذه الأخيرة عانت من مشاكل داخلية، نتجت عنها انشقاقات في قواطع التماس مع حملة النظام في ريف حماة، وعانت كذلك من هجمات تنظيم الدولة في بعض المحاور فضلا عن توترات أثارها أحد الفصائل في وقت مدروس بعناية مستغلا انشغال الهيئة في معارك ريفي حماة وإدلب.

الجولاني تعاطى مع هذه النوازل والتطورات بعقلانية وواقعية دون المس بثوابت الثورة والقضية وهذه هي المقاربة التي عجز الآخرون عن ضبط ايقاعها. رفض المسار السياسي الذي رعته أطراف كان لها دور فاعل في الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب السوري، في مقابل ذلك دعا إلى مسار سياسي يكون امتدادا للثورة ومستثمرا لمنجزاتها، ينطق من صلب ثوابتها، يبث في شكله وتفاصيله اهل الشأن والمعنيون بالقضية. هكذا تم الإعلان عن الإدارة المدنية للمناطق المحررة ثم المؤتمر السوري العام ثم حكومة الإنقاذ.

قبل أشهر اتفقت هيئة تحرير الشام مع تركيا على إقامة الجيش التركي نقاطا للمراقبة على حدود عفرين الجنوبية، بعض الجهاديين لم يدركوا أبعاد الاتفاق واعتبروه تطبيعا مع العلمانية بل وحلف الناتو. بغض النظر عن كون الاتفاق كان نديا، جنت بموجبه الهيئة مكاسب سياسية وعسكرية لا تُعد ولا تُحصى، وأفشلت به توجها دوليا راهن على غباء الجهاديين في إدلب لقدح شرارة حرب تعصف بما تبقى من الثورة في سوريا، بغض النظر عن كل هذا فقد كان الاتفاق فتحا ليس على الثورة السورية فحسب بل على الحركة الإسلامية برمتها، فلو حدث اشتباك بين تركيا وهيئة تحرير الشام فإن ذلك يعني حدوث شرخ تاريخي عميق بين مكونات المشروع الإسلامي. جدالات عقيمة ستنطلق حول حكم الجيش التركي ومن يسانده ماديا ومعنويا ومن يجادل عنه ويدافع عنه.. ومن المعلوم أن قادة العمل الإسلامي أكثرهم يوجد في تركيا ويحظون بحماية الجوار التركي أمام من يطالب برؤوسهم، وهؤلاء معظمهم يؤيدون التيار الجهادي خصوصا بعد موجة الثورات المضادة. ولو نشبت حرب بين الهيئة وتركيا فستكون بداية للتمايز وتجزئة ما تناغم وتقارب من مكونات الحركة الإسلامية، والفرز بين تياراتها سيكون تبعا لموقفها من تلك الحرب. فلماذا يتم إدخال الأمة في متاهة صراعات عقدية وعسكرية جديدة؛ هي في غنى عنها في الوقت الذي يمكن لجلسة حوار واحدة أن تعالج الأزمة وتبدد الشكوك وتخلق جوا إيجابيا من التفاهم بل وأرضية للتعاون.

هذه المواقف والمقاربات المركبة لنوازل الثورة السورية، زكت ما ذهبنا إليه في مستهل هذا المقال حول شخصية الجولاني، ومعالجاته الموضوعية التي تنأى عن الحماسة المفرطة وردات الفعل المتشنجة. إن انكفاء فصائل كبيرة واختفاء أخرى كليا من المشهد هو نتيجة طبيعية لفشل قادتها في التأسيس لفعل ثوري قادر على الصمود والبقاء ومواجهة التحديات، إنه نوع من " الانتخاب الثوري" -وسنخصص له مقالا مستقلا في قادم الأيام- قانون ثوري كقانون " الانتخاب الطبيعي" الكائنات الحية التي لا تستطيع التكيف مع إكراهات الطبيعة وظروفها القاسية تنقرض وتختفي مهما كانت عملاقة وعظيمة الجثة مثل الديناصورات. فصائل كبيرة استنزفت ميزانيات ضخمة أصابها نوع من التيبس الثوري جردها من الفعالية وأورثها عقما ثوريا أفقدها القدرة على العطاء والانجاز، لأن قادتها لم يكونوا في مستوى التحدي، ولم يستطيعوا التحرر من عقد الدونية، والاحساس بالذنب لأن بعض الغلاة خرجوا من أصلاب تياراتهم، وسيطر عليهم هاجس " الاعتدال" وتنزيه الذات من الغلو والتطرف.

الجولاني قال بأنه عندما قدم إلى سوريا كانت معه ستون بندقية فقط وزعها على مدن سوريا وقواطعها، فكان نصيب بعض القواطع خمسة بنادق أو أقل. لكن موهبة القائد تكمن في استثمار الموارد المتاحة لديه مهما شحت، وحسن استغلالها وتوظيفها، فأصبحت تلك البنادق خلال بضع سنوات جيوشا وكتائب، تتصدى لأعتى جيوش الأرض وتصمد أمام أفتك أسلحتها. والجولاني عندما قال بأن الحرب حرب أفكار وعقول وإرادة فإنه يعني ما يقول.

بعد انتهاء عرض اللقاء الصحفي الذي جمع بين الجولاني وبين موسى العمر وأدهم أبو الحسام وهادي العبد الله ومحمد الفيصل على شاشة أورينت؛ اتصلت القناة بصحافيها محمد الفيصل لتسأله عن ملابسات اللقاء وما أثار انباهه فيه، فأجاب بأنه استغرب من تضلع قادة " جبهة النصرة" في السياسة وفهمهم العميق لمنعرجاتها عكس الانطباع السائد عنهم كقادة لا يهتمون بها ولا يعترفون بالحلول التي تأتي عبرها. هذا الفهم العميق للسياسية من هؤلاء القادة هو الذي حال دون ممارسة بعض المعارضين السياسيين الأستاذية عليهم، فذهبوا إلى فصائل الجيش الحر لتقمص ذلك الدور. وقدر كبير من العداء والخصومة من هؤلاء السياسيين المولعين بدور "الأستاذية" اتجاه هيئة تحرير الشام يعود إلى هذا العامل.

الجولاني والشيوخ والقادة المحيطون به (أبو ماريا القحطاني، مظهر ألويس، عبد الرحيم عطون..) لم يؤسسوا فصيلا ثوريا جهاديا فحسب بل أسسوا مدرسة جهادية يمكن تسميتها بـ"المدرسة الشامية" إلى جانب المدرسة العراقية التي أسسها الزرقاوي و المدرسة الخرسانية التي أسسها أسامة بن لادن، وسنتحدث لاحقا عن هذه المدارس بالتفصيل.





ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير