1/01/2018

هيئة تحرير الشام.. أوهام الخصوم

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : يناير 01, 2018
هيئة تحرير الشام

عبد الغني مزوز---

في الحلقة الماضية من برامج الاتجاه المعاكس على الجزيرة تحدث معارض سوري (هكذا يسمي نفسه!) في سياق كلامه الكثير عن ضرورة التفاوض وجدواه للثورة السورية؛ تحدث عن معركة حلب، وقال بأن تنظيم القاعدة يقصد جبهة النصرة هي من سلمت حلب للإيرانيين، وأنها من يحول دون تحقيق الثورة لأهدافها بسبب استمرار سيطرتها على إدلب، وردد الرجل كثيرا عبارة (القاعدة في إدلب)، في تعبير صارخ عن الحالة المتقدمة من البؤس السياسي بل والوجودي الذي تردت فيه ما يسمى بالمعارضة السياسية السورية.

إذا كانت الجرأة قد اسعفت الرجل لينطق بكل ذلك القدر من الكذب والحقائق المقلوبة والمختلقة وهو على الهواء مباشرة وفي قضية تابع الآلاف من الكتاب والناشطين أطوارها، وقدمت الفصائل المنصفة روايتها لما حصل بالتفصيل؛ فكيف سيكون حاله في الغرف المغلقة وحيدا وهو يستجدي الضامنين ورعاة التسوية السياسية المزمعة مع النظام الطائفي. على أي حال فمناظر الرجل في البرنامج نفسه كشف بعضا مما يدور في تلك الغرف، وقال -وهو الشاهد على دسائس القوم- بأن ما يسمى بالمعارضة السياسة أدارت منذ سنوات برنامجا استثماريا مربحا يدر على المقاولين السياسيين أو المعارضين كما يحبون أن ينعتوا أرباحا صافية بملايين الدولارات، والثورة بالنسبة لهم موسم تجاري واعد، وهم حريصون تبعا لذلك على عرقلة أي مسار ينتصر للثورة وينهي معاناة الناس، وحريصون أيضا بالمقتضى نفسه على الكيد لأي مكون ثوري ملتزم وشريف لا يقبل بتمرير صفقاتهم الاستثمارية. وبالتالي فهم ليسوا في عجلة من أمرهم ولا يعنيهم ما يكابده الجوعى والمحاصرين والمشردين من مآسي؛ يشدون الرحال إلى جنيف ومنها إلى أستانة ولوزان والرياض، وقريبا سيساقون إلى سوتشي الروسية.

فكرت مليا في مهمة المعارضة السياسة في مؤتمر سوتشي لكنني لم أقف على جواب أطمئن إليه، فالمؤتمر عبارة عن مائدة مستديرة موسعة لمكونات المنظومة الطائفية الحاكمة، ما يجعل المعارضة السياسية في موقع المتطفل لا أقل ولا أكثر أو كالأطرش في الزفة كما يُقال، اللهم إن أراد هؤلاء "المعارضون" أن يصبوا الفودكا الروسية للمجتمعين، ويناولوهم معاطفهم الشتوية كلما هموا بالخروج من القاعات إلى منتجعات سوتشي الباردة. لكن لا ينبغي أن ننسى إكراهات عالم المال والأعمال، فالتاجر الناجح هو الذي يرقى بتجارته فوق الحساسيات السياسية والأيديولوجية، فتجده يستثمر هنا في المسابح وأعواد السواك وهناك في الحشيش والهروين. وإذا كانت تجارة المعارضة السياسية تلزمهم حضور هذا العام مؤتمرا في سوتشي الروسية والعام القادم مؤتمرا في قُم الإيرانية فيجب أن نتوقع حضورهم، إنها أبجديات البزنس الناجح يا سادة. 

سيكون لغوا وكلام زائدا لو أعدنا الحديث عن أسباب وعوامل سقوط حلب، فقد سجل الناشطون شهاداتهم وأدلى قادة الفصائل بأقوالهم في النازلة، وأجمع المنصفون كما تدل على ذلك مئات المقاطع المصورة أن جبهة النصرة هي من أخر سقوط حلب، وأن خصومها داخل حلب منعوا عنها الأسلحة والذخائر وكدسوها في مخازنهم وفضلوا سقوطها في يد النظام على أن تحصل عليها جبهة النصرة، كما قادت النصرة معارك فك الحصار عن حلب وقدمت في سبيل ذلك كثيرا من الشهداء والجرحى، ويمكن الاستماع لشهادة أبو العبد اشداء في هذا الإطار وهو قائد مدينة حلب المحاصرة وشهد مشاهدها كلها بما يجعله فوق كل المزاودات، وقد تحدث الرجل عن بلاء جبهة النصرة في حلب وتطرق لبعض الخيانات التي أدت إلى فاجعة خسارتها والخروج منها. 

الثابت أنه عندما أشرفت معارك فك الحصار عن حلب على تحقيق أهدافها (معركة إبراهيم اليوسف) انسحب مقاتلو بعض الفصائل من المعركة للمشاركة في عملية درع الفرات التي تقودها تركيا وكان من المفترض أن يسيطروا على منطقة معمل الإسمنت الاستراتيجية، وهو ما أعطى الفرصة لقوات النظام لتثبيت دفاعاته في منطقة معمل الإسمنت واستقدام تعزيزات ضخمة إليها وهي النقطة التي اعتمدت عليها قوات النظام لاحقا في إعادة حصار حلب بعد حوالي أسبوع كسره. ومعروف أن جبهة النصرة كانت تعارض عملية درع الفرات خصوصا في التوقيت الذي انطلقت فيه، لكن المعارضة السياسية اعتبرتها فتحا مبينا آنذاك. ولم يمنعها ذلك الآن من الادعاء بأن جبهة النصرة هي من سلمت حلب للنظام!! 

زعم المعارض السياسي المذكور في البرنامج التلفزيوني نفسه أن سبب ما آلت إليه أوضاع الثورة السورية اليوم هو استمرار سيطرة تنظيم القاعدة على مدينة إدلب، وكلامه هذا ينطوي على رؤية نصفها كذب ونصفها الآخر خيانة، أما الخيانة فهي ادعائه سيطرة القاعدة على إدلب وفي ذلك تأييد لرواية خصوم الثورة وهي دعوة صريحة لتدمير المدينة بحجة تخليصها من القاعدة، والرجل يعلم يقينا أن لا وجود للقاعدة في المدينة بل ويعلم بالخلاف الناشب بين قيادة هيئة تحرير الشام وبين قيادة القاعدة، لكنه يصر ضمن سردية يجري الترويج لها منذ شهور أن القاعدة تسيطر على مدينة إدلب لشرعنة أي إبادة قد تحصل –لا قدر الله- ضد أهلها في قادم الأيام. 

هناك حقيقة لا يستطيع أحدا انكارها أو القفز عليها مهما برع في لحن القول وحبك الإشاعات، وهي أن المساحة الخضراء الوحيدة والمتبقية على خريطة سوريا هي تلك التي يرابط على تخومها مقاتلو هيئة تحرير الشام، فالمساحات التي لم يفرض النظام وحلفائه سيطرتهم عليها بالقوة العسكرية الغاشمة أخضعوها بواسطة برامج المصالحات المزعومة، أو أبرموا صفقات سرية مع أمراء الحرب فيها كما هو الحال في بعض مناطق الغوطة الشرقية. وتبقى مدينة إدلب عذراء الثورة السورية شامخة بثوارها ورجالها تدافع عن البقية الباقية من شرف الثورة وكرامتها، عصية على التنازلات المساومات، ولذلك اتهمها من اتهمها بإيواء تنظيم القاعدة، حتى تلقى مصير جارتها حلب فيتسنى لمقاولي الثورة ساعتئذ تمرير صفقاتهم تحت أنقاض المدينة وغبار البراميل المتفجرة وصرخات المفجوعين والمنكوبين.

منذ شهور وهيئة تحرير الشام تقاوم منفردة هجوم الدواعش المنسق مع قوات النظام في محاور ريف حماة الشرقي، يعتقدون أن الثورة السورية في نزعها الأخير ولذلك بات لعبهم على المكشوف، يفر الدواعش تحت ضربات الهيئة فتتقدم قوات النظام، تتصدى لها الهيئة فيشاغلهم الدواعش في محور آخر. بينما الفصائل السورية الأخرى في عطالة ثورية مزمنة تأبى المشاركة في معارك الدفاع عن إدلب متدرعة بحجج متهافتة. كما تخوض هيئة تحرير الشام معارك شرسة مع فصائل صغيرة من الجيش الحر ضد قوات النظام التي تحاول التقدم في محاور ريف حماة الشمالي وغيرها سواء في الشمال المحرر أو غيرها من المناطق التي لا تزال صامدة وتقاوم.

مشروع هيئة تحرير الشام التحرري يهدد مكاسب مقاولي الثورة، ويقطع الطريق على رعاة التسوية مع النظام؛ عندما دشنت مسارا سياسيا موازيا بدأ بفكرة الإدارة المدنية للمناطق المحررة والمؤتمر السوري العام فحكومة الإنقاذ في أفق بناء منظومة سياسية ثورية ملتزمة بأهداف الثورة ومبادئها، وتسمع صوت قضاياها لشرفاء العالم وأحراره، وتقيم علاقات متوازنة مبنية على الاحترام المتبادل ورعاية المصالح المشتركة مع مختلف القوى المؤثرة، وليس علاقة تبعية ووصاية لا تليق بمن قدم مئات الآلاف من الشهداء فقط لينال حريته واستقلاله وسيادته. 





ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير