11/08/2017

حاجة الثوار إلى التدوين

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : نوفمبر 08, 2017

عبد الغني مزوز ---

شرعت قبل فترة في كتابة مقال عن حصار مدينة حلب، والملاحم التي خاضها الثوار من أجل كسره وإنهائه، واستغربت عن شح المواد التي كتبها الثوار في هذا الصدد، بل حتى عندما قمت بالبحث بواسطة غوغل عن تفاصيل المعارك التي أطلقتها الفصائل المقاتلة واختارت لها أسماء مميزة لم أجد ما يكفي من المواد التي يمكن لأي باحث أو كاتب أو مؤرخ الاطمئنان إليها وهو يتناول أهم وأخطر المراحل في تاريخ الأمة الحديث. فعندما تبحث مثلا عن " غزوة أبو عمر سراقب " أو " غزوة إبراهيم اليوسف" فإن النتائج الأولى للبحث ستأخذك إلى موقع قناة العالم وقناة المنار وقناة الميادين الإيرانية وغيرها من المواقع المنصات الإلكترونية المؤيدة لنظام الأسد. 

من الأخطاء الكبيرة التي يرتكبها الثوار والناشطون والكتاب المؤيدون للثورة السورية وغيرها من الثورات -ولا زالوا يرتكبونها- هي اعتمادهم على مواقع التواصل الاجتماعي في الكتابة وتوثيق الأحداث وتسجيل المواقف، مع حرص تلك المواقع على حذف معظم موادهم وإيقاف حساباتهم دون وجود أية إمكانية لاستعادتها من جديد ما يعني الضياع النهائي لكل ما نشر عليها من مواد قد يكون بعضها في غاية الأهمية، إذ يحدث كثيرا أن تمر على مقالة أو شهادة لأحد الثوار أو الناشطين يسرد فيها معلومات ومعطيات مهمة وعند عودتك إليها لاعتمادها كمصدر لموضوع تشتغل عليه تتفاجأ باختفاء الحساب المعني بما انطوى عليه من معلومات قيمة.

لا شك أن الاستخدام المفرط لمواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر ويوتيوب) سينعكس سلبا على مهمة توثيق فصول الثورة وتأريخ أحداثها، فبقدر ما ساهمت هذه المواقع في الامتداد الأفقي والانتشار اللحظي لقضايا الثورة؛ بقدر ما ستكون سببا في انحسارها من صفحات التاريخ وذاكرة الشعوب. إن الوتيرة التي يتم بها حذف حسابات الثوار مع مزيد من التوجه نحو تشديد الرقابة وشروط استخدامها والنشر عليها ستجعل الثورة السورية -وغيرها- في غضون عدة سنوات ثورة محدودة التوثيق وقد لا تعثر على رواية مكتوبة لأصحابها ومن عايش أحداثها إلا بشق الأنفس، بينما خصومها ومن يكيد لها يوثقون روايتهم لما يجري في آلاف الكتب والمجلات والدوريات المتخصصة. في هذه المقالة سنحاول تقديم مقترحات عملية لحفظ التراث الفكري والتوثيقي للثورات وصون أرشيفها من الضياع والاندثار.

العودة إلى المدونات 

انتعشت ثقافة المدونات الإلكترونية في أواسط العقد الماضي، ولم تكد تظهر مواقع التواصل الاجتماعي حتى تم هجرها وإهمالها لحساب الوافد الإلكتروني الجديد؛ لما تتيحه هذه المنصات من سهولة في الاستخدام وسرعة في الانتشار ولطبيعتها التواصلية التي توظف أكثر وسائط الصوت والصورة والفيديو، لكن تبقى للمدونات الإلكترونية ميزاتها الفريدة، وهذه الميزات هي ما يحتاج إليه الثوار وكتابهم ومثقفوهم، فهي خدمات مجانية تقدمها عدة مواقع أفضلها blogger.com وتمكن من إنشاء مواقع شخصية، مع التحكم التام في محتواها وواجهتها وتصميمها، مع مساحة نشر غير محدودة وسهولة في إدارة لوحة تحكمها، كما أنها نادرا ما تتعرض للحذف والإغلاق. 

الكتابة والنشر في المدونات يعني أن تبقى موادك محفوظة ومتاحة للباحثين والمهتمين دائما مع إمكانية طبعها أو تخزينها بصيغ متعددة مثل pdf و html وغيرها، وهناك خصائص أخرى تمتاز بها المدونات كإضافة القائمة البريدية التي تمكن متابعيك من التوصل على إيميلاتهم بكل جديدك فور قيامك بنشره. وبالتالي ينبغي على كل كتاب الثورة ومن يهتمون بتوثيق أحداثها ومساراتها-والثوار أنفسهم- أن ينشئوا مدونات إلكترونية، و لابأس بعد ذلك في فتح حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي لنشر روابطها والإحالة إلى مواضيعها لكن يجب أن تبقى المدونة في صدارة العناية والاهتمام.

عشرات الآلاف بل مئات الآلاف من الحسابات التي أنشأت وتم حذفها على مواقع التواصل الاجتماعي، لو أنشئ مقابلها ألف مدونة إلكترونية نشيطة فقط لشكل ذلك ثروة فكرية وتوثيقية لا يُستهان بها، وخدمة عظيمة للباحثين والمراقبين وأجيال الأمة القادمة.

جاءت مواقع التواصل الاجتماعي فحملت معها ثقافة الإيجاز وبلاغة الصورة والاقتصاد اللغوي، فيما توارت المدونات والمنتديات وتوارت معها ثقافة التدوين المسترسل والكتابة المطولة، ما انعكس سلبا على المحتوى المعرفي العربي على الشبكة، وأثر أيضا على عادات القراء الذين باتوا يستثقلون النصوص الطويلة ويفضلون عليها التغريدات والمنشورات القصيرة. وإذا كانت هذه المواقع قد نجحت في حشد الناس ضد الحكام المستبدين، وأتاحت للجماهير تداول الأخبار والمعلومات وتحدي رقابة السلطة المحلية وتجاوز الروايات الرسمية المتهافتة، فإن ذلك لا يعني جدارتها بالتأريخ والتوثيق وائتمانها على إرث الثوار وذاكرة الثورة. وبالتالي لا بد من البحث عن بدائل لها تُمكن الباحثين من اعتمادها كمصادر لأبحاثهم ومواضيعهم، وتحفظ أرشيف الثورة وتصونه من الضياع، إذ لا يُعقل أن يصل إلينا ما كتبه هوميروس عن معارك اليونانيين والطرواديين في القرن التاسع قبل الميلاد ولا نجد مادة جديرة بالقراءة كتبها الثوار عن معارك حلب قبل سنة أو أقل ! 

المجلات والدوريات

كانت المجلات والنشرات سائدة خلال النصف الثاني من القرن الماضي وبفضلها وصل إلينا جزء من تراث الحركة الإسلامية، وعلى صفحاتها حُفظت تجاربها وأفكارها ومواقفها. مجلة الفجر والنداء والرسالة ونشرة الأنصار.. مازال بعضها إلى الآن في متناول الباحثين والمهتمين بقضايا الحركات الإسلامية، حيت بوسعهم نقد تجاربها ورصد مكامن الخلل والقصور في أدائها.

لقد تطورت اليوم برامج التصميم والجرافيك بما يسمح بإخراج مجلات ونشرات احترافية بموارد وإمكانيات أقل، وميزة هذه المجلات أنها سهلة الطبع والحفظ والنشر والتداول، كما أن تعطيل روابطها لا يعني ضياعها حيت يمكن إعادة رفعها في بضع دقائق، أو جمع كل أعدادها في رابط واحد، وبضغطة زر تكون قد حصلت على مادة غنية لأبحاثك ودراساتك. ومع الأسف لم يسع أي فصيل في الثورة السورية –وغيرها- لإصدار مجلات ونشرات دورية خاصة، باستثناء تنظيم الدولة الذي تألق في هذا الجانب.

وينبغي الإشارة في هذا السياق إلى التجربة المدهشة لتنظيم القاعدة في مجال النشرات والدوريات والإصدارات المكتوبة بصفة عامة؛ تجربة نوه بها كبار الباحثين في شؤون الجماعات الإسلامية مثل الباحث النرويجي توماس هيغهامر الذي قال :" وقد نشر تنظيم القاعدة في جزيرة العرب كما مدهشا من الوثائق عن نفسه بين عامي 2003 و 2004 ما يجعله أكثر جماعة عنفية وثقت أنشطتها على مر التاريخ"(1) فخلال عقد ونصف أصدر تنظيم القاعدة آلافا من الكتب والمجلات والدوريات(2) واستطاع حفظها وأرشفتها عبر تقنيات مبتكرة فشلت معها كل أساليب الحذف والرقابة، كالموسوعات والأسطوانات التجميعية والحقائب الإلكترونية، ففي ملف واحد مضغوط جمع التنظيم معظم إنتاجه الفكري وأرشيفه الجهادي والتوثيقي ورفعه على شبكة الانترنت بحيث يتسنى لأي باحث تنزيله بنقرة زر واحدة.

المثير أكثر في تجربة تنظيم القاعدة أنه ما من كلمة ينطق بها أي من قادته إلا وتقوم مؤسساته الإعلامية الرسمية والرديفة بتفريغها على شكل نص مكتوب ومتاح للتحميل بصيغ متنوعة وأحجام متعددة، بل حتى بعض أفلامه المهمة يتم تفريغها كنصوص مكتوبة معززة بصور ومشاهد من الفيلم. كما أن كتابه البارزين مازالت مقالاتهم محفوظة إلى اليوم في كتب إلكترونية بصيغة pdf أو exe مع أن بعضهم توقف عن الكتابة قبل 10 سنوات كلويس عطية ويمان مخضب وعبد الرحمن الفقير واليافعي وأبو دجانة الخرساني وغيرهم.

فلو أن لكل فصيل ثوري مجلة شهرية ونشرة أسبوعية لكان ذلك أدعى لحفظ فكره تراثه ومواقفه السياسية والشرعية، فبعض فصائل المقاومة العراقية مثلا اختفت من المشهد العراقي قبل سنوات لكن مجلاتها ونشراتها باقية تشهد على وجودها وتضحياتها ومواقفها من الاحتلال وأدواته . وما يقال عن هذه الفصائل يقال أيضا على كل الجماعات الإسلامية التي اختفت ولم يعد لها وجود على مسرح الأحداث لكن تراثها يأبى أن يطويه جناح النسيان.

وأنا أتساءل بعد 15 سنة كيف يمكن لأي باحث أن يدرس الثورة السورية وفصائلها ويقيم تجربتها عندما يكتشف أن كل حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي قد تم إغلاقها وحذفت معها كل منشوراتها وبياناتها وتغريداتها.

المذكرات والسير الذاتية

درج السياسيون والقادة في الغرب على إصدار مذكراتهم وسيرهم الذاتية في مراحل معينة من أعمارهم؛ يسجلون فيها انطباعاتهم ومواقفهم حيال مختلف الأحداث التي مروا بها في حياتهم وأثناء أدائهم للمسؤوليات التي أنيطت بهم، وغالبا ما تكون اليوميات التي يدونونها المادة الأساسية لهذه المذكرات.

ورغم ما يعتري هذه المذكرات من مبالغة في تمجيد الذات وجنوح أصحابها عن الحياد والموضوعية والحضور الطاغي لخلفياتهم الأيديولوجية، إلا أنها تتسم بالأهمية والوجاهة لمن أراد أن يحيط بالأحداث والوقائع على نحو أعمق.

ثقافة كتابة المذكرات وتدوين اليوميات لم تنتشر كما ينبغي بين قادة وشباب العمل الإسلامي والثوري مع أنهم كانوا شهودا على مراحل خطيرة ومفصلية جديرة بتدوين وتخليد تفاصيلها، فبعضهم عايش ويلات اللجوء والمنافي والحصار وبعضهم شهد حروبا ومعارك وبعضهم مر بأهوال السجن والاعتقال، ولو سجل كل واحد ما شهده من أحداث ومواقف لتم إغناء المكتبة الثورية والأدبية، إضافة لكون هذه السير والمذكرات صكوك إدانة لجلاديهم وأعدائهم. فهل يمكن مثلا دراسة الثورة الكوبية دون الإطلاع على اليوميات التي كان تشي غيفارا يدونها. 

تسجيل اليوميات والمذكرات لم يكن تقليدا خاصا بقادة الغرب وزعمائه، بل سبق إليه قادة المسلمين وفرسانهم، فقصة الفارس أسامة بن منقذ مع الكتابة والتدوين تثير الإعجاب والتقدير، هذا الفارس المثقف الذي كانت له بصمة مشرفة إبان الحروب الصليبية، ورغم كل ما قيل عن شخصيته المثيرة للجدل إلا عددا من المؤرخين أثنوا عليه وأشادوا به منهم الإمام الذهبي في "سير أعلام النبلاء". خلف أسامة بعد وفاته أكثر من ثلاثين كتابا بعضها يقع في عدة مجلدات، ومن بينها كابته الشهير " الاعتبار" وهو عبارة عن مذكرات شخصية تحدث فيها بن منقذ كشاهد على حقبة الحروب الصليبية، " ويبدو الكتاب وثيقة حية من وثائق حروب الإفرنج.. لا نعرف لها شبيها"(3) و " أغلب الظن أنه جمعه مما كان يدونه من الحوادث والأخبار في جزازات ودفاتر"(4)، كان أسامة بن منقذ فارسا نبيلا محبا للمغامرة ومولعا بالقراءة والكتابة، وقد أورد في كتابه " الاعتبار" قصة عجيبة عن اعتراض الصليبين لمركب أهله وهم سائرون من مصر إلى الشام فنهبوا ما فيه من مال وحلي وجواهر، ولم يفجع بذلك كفجعه بسرقتهم لكتبه التي تربوا على أربعة آلاف مجلد من الكتب الفاخرة وقال بأن: " ذهابها حزازة في قلبه ما عاش (5) وقد استفاد وليم الصوري وهو مؤرخ صليبي يتقن اللغة العربية من كتب أسامة بن منقذ المنهوبة ونسبها إليه في كتاباته (6). إن أسامة بن منقذ نموذج للفارس المسلم المحب للتدوين والكتابة والمخلص للكتب والقراءة، وقد ساهمت شخصيته المتفردة في كتابة أفضل بيان عن الحروب الصليبية في العصور الوسطى.(7)

الثورات والحروب ليست زخما من الأحداث والوقائع فقط بل أيضا تجارب نفسية وانطباعات شخصية وانفعالات وجدانية وهي من الأبعاد العميقة والمحددة لمعظم تلك الأحداث، ولا يمكن رصدها إلا من خلال المذكرات الشخصية والسير الذاتية التي تتضمن بوحا نزيها واعترافات صادقة من مبدعيها وكتابها. وجدير برجال وقادة العمل الإسلامي أن يدونوا يومياتهم وسيرهم الذاتية حتى لا يطوي النسيان تضحياتهم وحتى يساهم كل من جانبه في كتابة تاريخ هذه الأمة. 



هوامش

1)- توماس هيغهامر، الجهاد في السعودية قصة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، ص25

2)- أحصيت أكثر من 20 مجلة رسمية وشبه رسمية أصدرها تنظيم القادة خلال الـ15 سنة الماضية.

3)- أسامة بن منقذ، الاعتبار، تحقيق عبد الكريم الأشتر، ص20

4)- أسامة بن منقذ، الاعتبار، تحقيق عبد الكريم الأشتر، ص9

5)- أسامة بن منقذ، الاعتبار، تحقيق عبد الكريم الأشتر، ص96

6)- أسامة بن منقذ، الاعتبار، تحقيق عبد الكريم الأشتر، ص16

7)- أسامة بن منقذ، الاعتبار، تحقيق عبد الكريم الأشتر، ص16




ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير