6/06/2017

الجولاني فوبيا

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : يونيو 06, 2017
أبو محمد الجولاني

عبد الغني مزوز---

مع دخول اتفاق البلدات الخمس في سوريا حيز التنفيذ، وجد أبو محمد الجولاني القائد العسكري لهيئة تحرير الشام نفسه مجددا في مرمى النقد والاستهداف، ولم يكن ذلك بالغريب فالرجل ومند الشهور الأولى لجبهة النصرة وهو يكابد مواقف وفتاوى جاهزة حشرته في زمرة الخوارج المارقين، حيث انتشر آنذاك مقطع فيديو مسرب لأحد الشرعيين في الساحة يصف فيه الجولاني بالمجهول والخارجي ويحذر منه ! المستجد في عاصفة النقد الراهنة أن هناك من يتهم الرجل صراحة بالعمالة المباشرة لنظام الأسد، بينما دعا آخرون إلى عزله ومحاكمته. وعلى أثير سوريا تتقاطع بيانات التخوين وفتاوى الخارجية مع تقارير المخابرات وبرقيات الجواسيس، وفي أجوائها تتربص الوحوش المعدنية لعلها تظفر بطرف خيط يوصلها إلى عرين أخطر شخصية جهادية في المنطقة.

مفاوضات البلدات الخمس قادها جيش الفتح الذي يضم أكبر فصائل الثورة. وهو لم يفاوض على مستقبل الثورة ومصير الوطن، بل تحدث باسم أهالي مضايا والزبداني الذين أرسلوا تفويضهم لجيش الفتح مصحوبا بنداءات استغاثة تنذر بأن صبرهم على الحصار قد نفذ، ومخرجات الاتفاق لم تكن أفضل المتاح فقط، بل أفضل ما يمكن جنيه سياسيا في سياق العداء الكوني للثورة ومكوناتها الفاعلة.

فرغت كثير من البلدات والمدن السورية من سكانها السنة، ولم يتحدث أحد حينها عن تغيير ديموغرافي، بل كان الحديث عن انتصار سياسي كبير يُحسب لذكاء وفطنة المعارضة السياسية ! لكن تأمين خروج العزل والجياع المحاصرين في بضع مئات من الأمتار المربعة في مضايا والزبداني وتحرير آلاف المعتقلين وتفريغ ثكنتي الفوعة وكفريا المواليتين للنظام وإدخال المساعدات الغذائية والطبية للمحاصرين في مخيم اليرموك كل هذه الانجازات عدت في قاموس البعض تغييرا ديمغرافيا من تدبير القاعدة وإيران ! النقطة الأكثر أهمية التي لم ينتبه لها الكثيرون؛ أن المفاوضات تمت مع إيران رأسا، في اعتراف واضح ليس بفقدان نظام الأسد لشرعيته فقط بل بعدم وجوده حتى، وهذا ما يفسر محاولات النظام عرقلة الاتفاق ولو على حساب المئات من حلفائه الذين قتلهم في منطقة الراشدين بحلب. لا شك أن جيش الفتح حقق مكاسب سياسية كثيرة للثورة في هذه المفاوضات، فقد تجاوز بأشواط ومراحل سخافة المفاوضات التي يشرف عليها خصوم الثورة سواء في جنيف أو استانة. إذ من العبث أن يجلس وفد المعارضة الذي لا يمثل سوى مجموعات هزيلة و ضعيفة الفعالية داخل الثورة ليفاوض نظاما هلاميا عديم الرأي والقرار. 

الضخ الإعلامي الممنهج ضد الجولاني لا يخلو من الطرافة في أحيان كثيرة، فقد تحدث عنه أحدهم في سياق واحد كقاعدي وخادم لإيران وعميل للمخابرات الأجنبية، وفي فقرة لاحقة من نفس المقال انتقد تفاوض الجولاني مع إيران، واستهجن استعداءه للخارج ورفضه لإقامة علاقات ودية مع القوى الأجنبية ! المثير أكثر أن سهام النقد لا تطال الجولاني فقط بل كل من لم يناصبه العداء أو اتخذ لنفسه موقع المحايد أو رفض أن يزج بنفسه في أتون المعارك الدعاية ضده، فقد تعرض أحمد منصور مقدم برنامج بلا حدود في قناة الجزيرة لهجوم شديد من بعض المحسوبين على الثورة لأنه استضاف الجولاني في برنامجه ولم يقاطعه في حديثه أو يعقب على أقواله ! فجأة تحول الإعلامي الكبير الذي أمضى حياته في المقابلات الإعلامية مع زعماء العالم وقادته ومفكريه إلى تلميذ تنقصه الكفاءة والخبرة في عرف خصوم الجولاني. ثم تكرر ذات السيناريو عندما صاغت قناة الجزيرة خبرا عن إحدى المعارك في سوريا، اعتبر خصوم الجولاني الصياغة انحيازا إلى هذا الأخير، فانبروا للهجوم على الجزيرة ودشنوا وسما لهذا الغرض ووصفوها بالقناة القاعدية المشبوهة والمغرضة، وهو الوصف الذي لم يصفه بها جورج بوش حتى وهو يفضي لطوني بلير بنيته قصف مقرها الرئيسي في الدوحة.

لم يحدث في تاريخ الحركة الإسلامية مند نشأتها وإلى اليوم أن أسس أحد ما جماعة قوية وممكنة ثم تنازل عن قيادتها - بمحض إرادته - وهي في عز عنفوانها وتألقها، الجولاني فعل ذلك عندما فكك جبهة فتح الشام وضمها إلى فصائل أخرى ثم تنازل عن قيادتها لشخصية ثورية أخرى لم تكن محسوبة على الخط الجهادي الذي انتمى إليه.

اتهم الرجل بالتغلب ومحاولة توسيع نفوذ جماعته على حساب الفصائل الثورية الأخرى. قد تصدق فكرة التغلب على معظم الفصائل الكبيرة في سوريا باستثناء الفصيل الذي كان يقوده الجولاني، ففي الغوطة الشرقية سقط مئات القتلى من الثوار لأن فصيلا سلفيا يريد أن يكون صاحب الأمر والنهي هناك، كما حاصر فصائل صغيرة وفكك بعضها حتى لا يدب فصيل آخر غيره على تراب الغوطة، ولا يزال يمارس تغلبه الدموي "المحمود" إلى اليوم.

ثم أعلن فصيل كبير آخر عن مشروع تشكيل نواة جيش نظامي للثورة، وفتح باب الانتساب إليه، وأصر على أن ينفرد بالساحة وأفشل كل محاولات توحيد الفصائل، ورفض تقديم تنازل ولو شكلي في سبيل إمضاء مشروع الاندماج الذي دعا إليه الشعب السوري وخرج مطالبا به في مظاهرات كثيرة، وأعترف أخيرا أن تصوره لاندماج الساحة يتمثل بذوبان مكوناتها ضمن تشكيلاته وكتائبه. 

أما فصائل الجيش الحر أو بعضها على الأقل فقد انخرطت في مشروع تغلب سياسي، يتمثل في مشاركتها في المحطات التفاوضية (استانة وجنيف) وتوقيعها على قرارات تمس مصير الثورة، دون أن يفوضها أحد بذلك ودون أن تستشير المكونات الكبرى في الساحة، والأنكى أن بعض هذه القرارات تنص على إدانة أكبر فصيل ثوري وتقر بتصنيفه في خانة المنظمات الإرهابية وتتوعد بمحاربته.

كل ما سبق وغيره الكثير مما يمكن توثيقه بعشرات البيانات والشواهد والمقاطع الصوتية والمرئية ليس تغلبا وليس استحواذا وتوسيعا للنفوذ وإقصاء وافتئات على الآخرين حسب منطق خصوم الجولاني أو بالأحرى المصابين ب "الجولاني فوبيا" وإنما هي خطوات وقرارات ثورية عادية و حكمة سياسية ونضج دبلوماسي. ولو أردنا أن نستقصي نزعة التغلب عند الجماعات الإسلامية في معظم الأقطار الإسلامية لاستغرقنا في التفاصيل والاستطراد حد السأم، خصوصا عندما يكون المنافس آخرا "إسلاميا"، ولعل إقصاء الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل من الترشح للانتخابات الرئاسية في مصر، والدفع بمرشح "إسلامي" لينافسه مثال على ما نريد إثباته.

أزعم أنه لو كان هدف الجولاني مد النفوذ وبسط السيطرة لبقي على ولائه للبغدادي وتنظيم دولة العراق الإسلامية، فإذا كان أتباع البغدادي قد سيطروا على نصف سوريا أو أكثر وجبهة النصرة منشقة عنهم، فهذا يعني أن بقاءها معهم سيمكنهم من وضع يدهم على كل سوريا، وستكون كلمة الجولاني مسموعة من شمال سوريا إلى جنوبها. لكنه اختار التضحية بفصيلة وجنوده وموارده ومقدراته ليعرقل مشروع الامتداد الذي أمر به أبو بكر البغدادي. 

لو تتبعنا قرارات الجولاني ومواقفه الثورية لوجدناها الأقرب لروح الثورة وقيمها من تحرر واستقلال وسيادة، أما ما يصر البعض على وصفه بالتغلب فهي إجراءات ثورية ملحة فرضتها مسؤولية صيانة المنجز الثوري؛ ولاحقا أثبتت منعرجات مسار الثورة ضرورتها وجدواها، وهي في جوهرها ذات الإجراءات التي اتخذها آل زنكي وأيوب قبل التوجه صوب بيت المقدس.







ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير