1/18/2017

فتح الشام والقاعدة..جدل الارتباط والانفصال

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : يناير 18, 2017
أبو محمد الجولاني

عبد الغني مزوز---     رجاء تابعني على تويتر 

مند تأسيس جبهة النصرة في أواخر 2011 والجدل حول هذا الفصيل لم يتوقف لحظة واحدة؛ استقبلته الولايات المتحدة بإدراجه ضمن لائحة المنظمات الإرهابية، ونظر إليه فرقاء الثورة بريب وتوجس، بينما خرج الشعب السوري في أكثر من مناسبة هاتفا باسمه ومؤيدا لمسيرته. لقد استطاع جهادي مغمور قادم من العراق بحزمة أفكار وخطة أعدها بنفسه في عدة صفحات أن يبني نموذجا ثوريا فريدا، إنه لم يدشن حركة تصحيحية فقط لمسار الصحوة الجهادية، بل أعاد تعريف الفعل الثوري الإسلامي عندما أنهى حالة الاغتراب بين الخطاب الجهادي النخبوي وحركة الشعوب المنادية بالحرية والعدالة الاجتماعية.

في الأيام الماضية أخذ الجدل حول جبهة فتح الشام منحا آخر، حيث انتقل من الفضاء العام حيث يؤججه خصوم الثورة وخصوم الجولاني، إلى صميم البيت الداخلي الجهادي معيدا النقاش حول شرعية فك الارتباط بتنظيم القاعدة، ومدى موافقة القيادة العامة في أفغانستان على الخطوة التي أعلن عنها الجولاني في 28/07/2016، وجاءت كلمة أيمن الظواهري الأخيرة بعنوان :" رسالة لأمتنا: لغير الله لن نركع" في نفس السياق حيث استنكر فيها الدعوات التي تنادي بالابتعاد عن القاعدة حتى " لا تعتبركم أمريكا إرهابيين، وحتى لا تستهدفكم صواريخها، وحتى لا تتحملوا تبعة حربها مع القاعدة " وهي كلمات كما يبدو لا تخفى دلالاتها وإيحاءاتها. وفي خضم هذا النقاش تُطرح قراءات وتعليقات حول علاقة جبهة فتح الشام بتنظيم القاعدة، وهل يشهد التيار الجهادي تصدعا آخر، وهل نحن بصدد قطيعة أخرى بين نموذجين جهاديين، أم أن الحاصل لا يعدو أن يكون نقاشا عاديا حول وجاهة إجراء تكتيكي من عدمه.

لعل من أكثر التعليقات رسوخا في السخافة والسطحية؛ تلك التي ترى أن الجولاني استغل شعار القاعدة لغرض الترويج لجماعته الناشئة! وكأن الجولاني يدير شركة استثمارية وليس فصيلا ثوريا عسكريا يحفه القتل والاستهداف من كل جانب. ولفهم أعمق و أوسع لعلاقة فتح الشام بالقاعدة، لا بد من العودة إلى بواكير إعلان الارتباط وملابساته. 

تحدث القيادي في جبهة فتح الشام أبو عبد الله الشامي في الكتاب الذي أصدره قبل أيام بعنوان " في ظلال دوحة الجهاد" عن لقاء جمع قيادات جبهة النصرة مع بعض قيادات دولة العراق الإسلامية بينهم أبو بكر البغدادي شخصيا قبل المفاصلة بين التنظيمين وبالتحديد في العاشر من مارس 2013 واستفسر أبو عبد الله الشامي في هذا الاجتماع أبا بكر البغدادي عن إمكانية ارتباط النصرة مباشرة بالقيادة العامة للقاعدة، فأجاز لهم البغدادي ذلك حيث جاء في الكتاب :" كنت قد سألت البغدادي حينها وبحضور حوالي عشرة آخرين: هل الارتباط بخراسان مباشرة دون الرجوع إليكم يعد خروجًا عليكم؟ فأجابني: وهل أحد يقول بذلك؟! فقلت له: أنا غير متأكد.. وكان قد وصلني خبر غير مؤكد أن الأنباري يقول بذلك، وتأكد الخبر لدي فيما بعد، فأجابني البغدادي، والكل يسمع بمن فيهم العدناني: خذوها مني وأنا رأس دولة العراق الإسلامية.. الارتباط بخراسان مباشرة ليس خروجًا علينا، ولا مانع عندي من ارتباط الجبهة بخراسان مباشرة. وسألناه كذلك قبيل تجديد بيعتنا له بعد تشكيل مجلس الشورى الجديد يوم 13/03/2013 هل في عنقك بيعة لتنظيم القاعدة، بما يعني أن بيعتنا لك هي بيعة للتنظيم؟ فأجاب بالحرف مشيرًا إلى عنقه: أنا في عنقي بيعة للشيخ أسامة، ولما قتل تقبله الله، كتبت بريدًا جددت فيه البيعة للشيخ أيمن الظواهري حفظه الله، ونحن نسمع ونطيع لأمرائنا في خراسان وعلى هذا قمنا وبايعنا الرجل" هذا الاعتراف الصريح يكشف بوضوح أن علاقة جبهة النصرة بالقاعدة لم تكن وليدة الإعلان الذي فاجأ به الجولاني العالم في العاشر من أبريل من عام 2013 ردا على إعلان البغدادي للدولة الإسلامية في العراق والشام، بل الذي استجد هو عنصر الإعلان فقط وهو إجراء رمزي حال به الجولاني دون استحواذ البغدادي على الكوادر الجهادية ومنع به شباب الحركة الجهادية من الانحياز لتنظيم الدولة، وإلا فالجولاني عضو في القاعدة قبل سنوات من اندلاع الثورة السورية.

لو نظرنا إلى مواقف أبي محمد الجولاني وقراراته المصيرية الكبيرة لأمكن لنا رؤية إلى أي مدى يمكن اعتباره إضافة نوعية لمسيرة القاعدة، بل مؤسسا من مؤسسيها، فهو لم يحول خطاب تنظيم القاعدة النخبوي إلى شعارات ثورية شعبية تصدح بها حناجر السوريين في مظاهراتهم فقط، بل حرر القاعدة نفسها من شراك الغلو والتكفير التي زجها فيه تنظيم دولة العراق الإسلامية. ففي رسالة مفعمة بالغضب بعث بها القيادي الراحل في القاعدة آدم يحيى غدن المعرف بعزام الأمريكي إلى أسامة بن لادن عبر له فيها عن امتعاضه وعدم رضاه عن تصرفات تنظيم دولة العراق الإسلامية وأنها تسيء كثيرا إلى تنظيم القاعدة ودعاه إلى إعلان المفاصلة معه حيث قال :" ولا أرى بأسًا ولا مفسدة في أن يعلن تنظيم القاعدة عدم رضاه بهذا التصرف والتصرفات الأُخرى التي يقوم بها التنظيم المسمى بدولة العراق الإسلامية بدون أمر من تنظيم القاعدة ودون استشارة وأرى أنه لابد عاجلا أم آجلا –وحبذا أن يكون عاجلا- أن يعلن التنظيم قطع روابطه التنظيمية بذلك التنظيم، وأن العلاقات بين قيادة القاعدة والدولة مقطوعة عمليا مند سنوات، وأن قرار إعلان الدولة اتخذ بدون استشارة مع قيادة القاعدة، وأن قرارهم الاجتهادي قد أحدث عدة انشقاقات في صفوف المجاهدين ومحبيهم داخل وخارج العراق.. هذا هو الحل الوحيد أمام تنظيم القاعدة، وإلا فستتضرر سمعته أكثر وأكثر نتيجة أفعال وأقوال هذه الجماعة المنسوبة أو المنتسبة إلى تنظيمنا –المبارك- إن شاء الله " رسالة عزام الأمريكي لم تكن الوحيدة في هذا السياق إذ اعترف الدكتور أيمن الظواهري في آخر تسجيل صوتي له (لغير الله لن نركع) أنه راسل تنظيم دولة العراق الإسلامية وأمرهم "بعدم التفجير في الأسواق والحسينيات والمساجد" وأرسل لهم نسخة من وثيقة " توجيهات عامة للعمل الجهادي" قبل عام من نشرها في محاولة منه لوضع حد لتصرفات تنظيم الدولة، لكن يبدو أن ذلك لم يجد شيء، وأصر البغدادي والمحيطون به على سياساتهم الدموية.

الثابت يقينا أن القاعدة في أفغانستان تأكدت من انشقاق فرعها العراقي، وقد عبرت عن ذلك بوضوح كثير من المرسلات الداخلية التي كشف عنها لا حقا، وسافر الشيخ سليمان العتيبي قاضي تنظيم دولة العراق الإسلامية إلى أفغانستان ليضع قيادة القاعدة في صورة ما يحدث في العراق، ومدى الانحراف الذي وصل إليه فرعها هناك. والثابت أيضا أن القاعدة عجزت عن حل معضلة دولة العراق الإسلامية عن طريق الخطابات التي ترسلها إلى كل من أبي حمزة المهاجر وأبي عمر البغدادي و أبي بكر البغدادي الذين استمروا في سياساتهم المعاندة لتوجيهاتها وتوصياتها. من هنا يمكن لنا أن نقرأ الدور المهم الذي اضطلع به الجولاني عندما أبرم قطيعة صارمة بين تنظيم القاعدة وبين دولة العراق الإسلامية، وأجبر هذه الأخيرة على الظهور بوجهها الحقيقي، كمجموعة لا تتورع عن القتل والتدمير والتفجير دون أدنى مسوغ شرعي معتبر. وبالتالي استطاع تحرير القاعدة كتنظيم وكفكرة من براثن أيديولوجيا التكفير والغلو التي وصمت لحظة دولة العراق الإسلامية؛ خطابا و ممارسة. 

لا شك أن أبا محمد الجولاني يتمتع بمؤهلات قيادية نادرة، وهو شخصية على قدر كبير من الموهبة والذكاء، وتمكن رغم إكراهات الحصار الإقليمي والملاحقة الدولية من تشييد نموذج جهادي فريد في زمن قياسي، لكن، هل كان بإمكان الجولاني أن يمضي في مشروعه الثوري الجهادي الموسوم بالرشد والفاعلية، دون مباركة القاعدة، بمعنى هل سيصل الى النقطة التي يقف عليها الآن لو لم يكن محفوفا بشرعية القاعدة كسردية جهادية متماسكة وعريقة؛ الجواب بالتأكيد هو: لا. فهناك عشرات الجماعات التي تصنف في خانة السلفية الجهادية في سوريا ولم تصل إلى مستوى انتشار وتأثير جبهة النصرة، وولاء هذه الأخيرة للقاعدة هو ما منح لها تلك الأفضلية وذلك الامتياز، إضافة طبعا إلى مؤهلات قيادتها وتفانيها في العمل.

إذن، لا يمكن تصور وجود جبهة النصرة (فتح الشام) بقوتها وتماسكها وتأثيرها الراهن من دون الدعم المعنوي والرمزي الذي أمنه لها مسماها الثاني (تنظيم القاعدة في بلاد الشام)، ولا يمكن أيضا في المقابل الحديث عن تنظيم القاعدة بصورته الراهنة من دون الموقف التاريخي للجولاني عندما قطع علاقاته بتنظيم دولة العراق الإسلامية، وحرر القاعدة من قبضة مجموعة من ضباط البعث السابقين الانتهازيين، الذين مارسوا باسم القاعدة أبشع جرائم القتل والتفجير. ولو كان الجولاني قائدا ضعيفا ومدجنا لاستسلم لأوامر البغدادي ولكان للقاعدة كفل من كل الجرائم التي سيقترفها البغدادي في الشام بعد ذلك. وبالتالي فالقاعدة استفادت من الجولاني والجولاني استفاد من القاعدة، ولا يعني فك ارتباطهما استحكام الخصومة والعداء بينهما. ربما سيكون رفض الفصائل السورية الاندماج مع فتح الشام وتصاعد معدل الاستهداف الدولي لها في الآونة الأخيرة حافزا إلى التفكير في بناء صيغة أخرى للعلاقة بين التنظيمين، خصوصا وهناك من يجادل داخل التيار الجهادي بأن دعوات فك ارتباط جبهة النصرة بالقاعدة لم تأت إلا في سياق إرادة تفكيك النصرة وتوهينها في أفق القضاء على المشروع الجهادي في سوريا، وتسييد المشروع العلماني الطائفي على حساب الوجود الإسلامي السني هناك. 


ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير