11/28/2016

عقاب داعية أم حصار قضية

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : نوفمبر 28, 2016
القاضي العام لجيش الفتح

عبد الغني مزوز---

أثار قرار وزارة الخزانة الأمريكية وضع الداعية الإسلامي المستقل في سوريا عبد الله المحيسني على قائمة العقوبات ردود أفعال منددة ومستنكرة من مختلف نشطاء الثورة وفصائلها، وقد عبر الآلاف من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي من كافة أنحاء العالم الإسلامي عن تضامنهم مع الداعية الإسلامي الذي قدم إلى سوريا في العام 2013، وتفاعلا مع القرار أطلق رواد موقع تويتر وسما تحت عنوان #العقوبات_لسليماني_وليس_للمحيسني محاولين لفت أنظار العالم إلى وجود إرهابي طليق في سوريا جدير بالعقوبات الأمريكية؛ في إشارة منهم إلى قاسم سليماني قائد فيلق القدس الذي يقود الميلشيات الشيعية في كل من سوريا والعراق. 

التعليقات الكثيرة على قرار الخزينة الأمريكية أعادت إلى الواجهة طبيعة الدور الذي يلعبه الدكتور عبد الله المحيسني في سوريا، وماهية العمل الذي يضطلع به، ولماذا أثار نشاطه قلق الإدارة الأمريكية إلى الدرجة التي استحق فيها شمله بقرار العقوبات مع قادة بارزين في جبهة فتح الشام الفصيل الأبرز في سوريا. 

لا نحتاج إلى التدليل على أن موقف الولايات المتحدة مما يحدث في سوريا يقوم على استراتيجية تأبيد الصراع، وتأجيل الحسم، والإبقاء على حالة الاستنزاف المتبادل بين معسكر الثورة من جهة ومعسكر النظام وحلفائه من جهة أخرى، وبالتالي فهي لم تكن لتسمح بأي تدخل أو إجراء يربك توازن المعادلة العسكرية في سوريا، فحرصها على عدم حصول الثوار على أسلحة نوعية نابع من خوفها من اضطراب هذه المعادلة الحساسة، كما أن استهدافها لجبهة النصرة سابقا (فتح الشام حاليا) يمكن قراءته أيضا في نفس السياق لما تتمتع به الجبهة من فعالية ميدانية وقدرتها على إحداث اختراق نوعي للوضع العسكري الذي يصل أحيانا درجة الركود في بعض مناطق سوريا، ما يعني التشويش على رؤية الولايات المتحدة للصراع وعرقلة تكييفها له وفق مصالحها ومصالح حليفتها إسرائيل بالدرجة الأولى.

الدكتور عبد الله المحيسني إضافة نوعية للثورة، ومكسب مهم لقضيتها، و قد استطاع لوحده أن يدير حربا ناجحة بكل المقاييس، حرب استشعرت الإدارة الأمريكية أخيرا خطورتها ولم تترد في إدراج الرجل على قائمة العقوبات، في انتظار كلمة " الدرون"؛ اللغة التي تخاطب بها الولايات المتحدة من يغردون خارج سربها. قرر الشيخ عبد الله المحيسني مند قدومه إلى سوريا أن يبقى مستقلا غير تابع لأي فصيل أو جماعة، إلى حين تأسيس كيان جامع موحد يضم كل الفصائل الثورية، ومن هذا المنطلق أعلن المحيسني في أكثر من مناسبة أنه يحمل هاجس الثورة في ملمحها العام، الثورة التي تقاتل النظام وتقف في وجه المد الشيعي وتقاوم الاحتلال الروسي، وليست الثورة كما يُجسدها فصيل أو يتمثلها تشكيل، ويقدم نفسه كخادم للجميع، محاولا التموضع على مسافة واحدة من جميع فرقاء الثورة متجاوزا حالة الاستقطاب التي لا تزال تخيم على فصائلها ونشطائها، 

كما حظرت الإدارة الأمريكية توريد أسلحة نوعية للثورة، فهي حريصة أيضا على تجريد الثورة من كوادرها النوعية، ولا شك أن دور المحيسني يكتسي أهمية كبيرة في ديمومة الثورة وحفاظها على زخمها، خصوصا وهو يركز نشاطه في جوانب تعتبر بمثابة الرافد الحيوي للفعل الثوري، كالتمويل وجمع التبرعات والإشراف على تسوية بعض النزاعات التي تنشب بين الثوار، والقضاء الشرعي، والدفع باتجاه توحيد الفصائل، وحث شباب المخيمات والشتات على الالتحاق بصفوف الثورة.. وغيرها من النشاطات التي ترفد الثورة ويصل ريعها إلى الجميع.

المحيسني من أكثر الوجوه الثورية حضورا في الفضاء الافتراضي وتحضا حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي بنسب متابعة كبيرة، ويقوم الشيخ بتوظيف شعبيته الواسعة في حشد الدعم والتأييد للثورة وجمع التبرعات للنازحين وسكان المخيمات والجرحى وأحيانا في تأمين التمويل اللازم لبعض المعارك، من خلال الإعلان عن حاجة الثوار إلى قدر من المال لتغطية تكاليف السلاح والذخيرة. 

لدى الشيخ عبد الله المحيسني موهبة خطابية متميزة، تجلت في عشرات الكلمات المرتجلة التي يلقيها في مناسبات مختلفة، لعل أهمهما وأكثرها تأثيرا تلك التي يلقيها في الخطوط الأمامية، أو عقب الانتصارات، وقد واكب الشيخ معظم معارك الثورة وأصيب في بعضها. ويرعى بمعية شيوخ آخرين عددا من المركز و المؤسسات الدعوية أبرزها مركز دعاة الجهاد الذي يضطلع بمهمة الدعوة والوعظ والإرشاد وقد أطلق أخيرا إذاعة خاصة به يُبث عبر أثيرها محاضرات وكلمات لعدد من الدعاة والعلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وتجمع أهل العلم في الشام الذي أُنيطت به مهمة إصدار الفتاوى في نوازل الساحة.

يقدم الشيخ بصحبة الإعلامي طاهر العمر برنامجا أسبوعيا بعنوان "الشام في أسبوع" وعبره يعلق الشيخ على مستجدات الثورة، وهو من أنجح البرامج وأكثرها متابعة على يوتيوب. وعلى امتداد أيام رمضان الماضي قدم الشيخ مع أحد الإعلاميين الشباب برنامجا يوميا بعنوان " دايمة" حيث تسجل كل حلقة قبل الإفطار بنصف ساعة. ويكون المحيسني ورفيقه في كل حلقة في ضيافة شخصية ثورية، أو مسؤول في فصيل، أو مكون من مكونات النسيج الثوري والمجتمعي كالمهاجرين أو شيوخ العشائر أو أبناء الشهداء أو نازحين.. ويعتبر برنامج " دايمة " من أهم البرامج لأنه استطاع تسليط الضوء على أبعاد مغيبة من الثورة السورية ومكوناتها ورجالها. فبعيدا عن التكلف وبمنتهى التلقائية والعفوية، يتحدث الضيوف عن قصصهم وأفكارهم وتطلعاتهم وأشواقهم..وفي كل حلقة من الحلقات يكون المشاهد على موعد مع "قصة" تختزل عظمة ونبل الثورة السورية وهذه نماذج لبعض الحلقات :

· حلقة التركستان عرضت قصصا عن هجرة التركستانيين إلى سوريا، وما لاقوه من أجل ذلك من صعاب، قطع بعضهم 20 ألف كيلومتر ومروا على سبع دول، واستغرقت رحلتهم أكثر من سنة، حتى ولدت زوجة أحدهم في سيارة دون أن يدري بها أحد، ودفع بعضهم 170 ألف دولار لعبور حدود الصين وحدها.

· حلقة العشائر: كشفت كم هي الثورة متجذرة في هذا المكون المجتمعي الهام، والحب الكبير الذي تُكنه العشائر للثوار خصوصا المهاجرين منهم، حتى خص أحدهم عبد الله المحيسني بأبيات شعرية، وبدت على وجوههم الفرحة الصادقة لاستضافتهم الشيخ المحيسني، وليس كما يفعل تنظيم الدولة في جلساته مع العشائر و مشاهد البيعات الممنتجة.

· حلقة القائد في جبهة النصرة المصاب بالشلل والذي ما زال يحتفظ بمنصبه كقائد عسكري يدير المعارك من فراشه.

· حلقة المهاجرين، وقصص مؤثرة عن لحظات وداع أمهاتهم..

· حلقة أبناء الشهداء وشوقهم إلى آبائهم..

· حلقة المراصد الثورية، وهذه من أهم الحلقات، لأنها تسلط الضوء لأول مرة على جنود مجهولين ربما يُسمع بهم لأول مرة، وهم المرابطون على القبضات يرصدون حركة الطيران الحربي في الأجواء ويبلغون الناس والثوار عن الغارات الوشيكة..

برنامج "دايمة" برنامج ناجح، يفيض بالمشاعر الإنسانية الصادقة، ويعرض بعدا آخر للثائر حينما يعود إلى بيته ويتناول طعامه البسيط ويتحدث بهدوء وانشراح وتلقائية، إنه البعد الإنساني من قصة الثورة السورية المجيدة.

أظهر برنامج " دايمة " وغيره من البرامج والمقاطع المصورة التي يظهر فيها الشيخ عبد الله المحيسني مع عامة الناس، أن للشيخ قبولا و محبة في قلوب السوريين لا توصف، فمع أنه كان يشترط على مضيفيه أن لا يتكلفوا في إعداد مأدبة الضيافة خصوصا عندما زار سكان المخيمات، إلا أن هؤلاء على شدة حاجتهم يصرون على حسن إكرام الشيخ تعبيرا منهم عن مكانته وقدره عندهم. وقد تحدث الشيخ أكثر من مرة أنه يتحاشى النزول إلى السوق لأن الباعة لا يريدون أن يقبضوا منه ثمن ما يشتريه ويصرون على أخذ ما يحتاجه بالمجان.

ما يزال الشيخ يشارك في فعليات الثورة رغم قرار العقوبات الصادر بحقه، وهناك مطالبات له بأن يعطي وضعه الأمني قدرا أكبر من الاهتمام، خصوصا والساحة في حاجة ماسة إلى وجوده، فهو يشغل منصب القاضي العام لجيش الفتح؛ التكتل العسكري الضارب الذي يراهن عليه الجميع في تحرير سوريا وإنهاء محنتهتا.







ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير