11/05/2016

للثورة أيضا خطوطها الحمراء

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : نوفمبر 05, 2016
فتح الشام

عبد الغني مزوز ---


المتابع لتطورات المشهد الثوري في سوريا سيلاحظ أن كل المتدخلين في شأن الثورة لهم خطوطهم الحمراء، ومساحاتهم المحرمة، شيدوها وفق حسابات تتوخى جني المكاسب والأرباح، وتأمين مصالحهم الذاتية ومصالح شعوبهم، منهم من عينها بكل وضوح وصراحة وحشد دون الاقتراب منها كل إمكانياته السياسية و العسكرية، وثقله الإقليمي والدولي. ومنهم من يكتفي بالتلميح إليها، وبعث إشارات يُفهم منها أن هذا الموقف أو تلك الخطوة تتعارض مع مواقفه المبدئية من الأزمة وبالتالي على الآخرين أن يعو ذلك ويأخذوه في اعتبارهم. وحدها الثورة لا يراد لها أن تكون لها خطوطها الحمراء، وثوابتها الراسخة، ووحدهم الثوار من لا يجوز لهم أن يفكروا بمنطق المساحات المحرمة التي لا يجب على أي كان انتهاكها أو تجاوزها.

لقد وصلت درجة اللامبالاة الدولية بمواقف الثورة حد الوقاحة السياسية، وإلا كيف يُفترض أن نفهم عقد مؤتمرات و لقاءات يحضرها الكل باستثناء أهل الشأن، وآخرها مؤتمر لوزان الذي وجهت الدعوة لحضوره إلى كل من تركيا والولايات المتحدة الأمريكية وقطر والسعودية وإيران وروسيا، واستبعد المعنيون أولا وأخيرا بالقضية، والأنكى أن تخرج قرارات هذا المؤتمر متناغمة مع مخططات التهجير التي يتولى كبرها بقايا النظام والميلشياته الإيرانية الموالية لها بدعم روسي وضوء أخضر دولي. الجميع يُشهر خطوطه الحمراء راصدا ما تيسر له من وجاهة دبلوماسية وسطوة عسكرية، وحقوق للنقض والإبرام في المحافل الأممية، حتى يضفي عليها هيبة لا يجرأ معها أحد على الاقتراب منها.

تركيا تخاف على حدودها الجنوبية من دويلة كردية في طور الإنشاء، وكانت مواقفها واضحة حيال هذا المشروع المدعوم من الغرب؛ وقد دفعت بقواتها العسكرية إلى عمق الشمال السوري، لتضع حدا للمغامرات الكردية متخذة من محاربة تنظيم الدولة ذريعة لتحصين حدودها من وجود كردي وشيك. إنها جادة إذن فيما يتعلق بخطوطها الحمراء؛ فلا دويلة للأكراد في جنوبها، وطبعا لم تباشر تركيا إجراءات التدخل إلا بعد التوصل إلى تفاهمات وتسويات مع الطرفين؛ الروسي والأمريكي.

كل حلفاء النظام متفقون على أن الإطاحة ببشار الأسد خط أحمر، فوضعت إيران مواردها ومقدراها رهن إشارة من أناطت بهم مسؤولية إدارة قواتها في سوريا، كما عززت روسا وجودها العسكري في البلد المنكوب، رافعة من مستوى إجرامها وعدوانها، مستخدمة أنواعا و سلالات من الأسلحة الفتاكة و المدمرة، لدعم الوضع العسكري للنظام، موازاة مع رعايته أمميا وتقديم كل ما تحتاجه شرعيته المتهالكة من عون على الصعيد السياسي والدبلوماسي. الولايات المتحدة وإن بدت رؤيتها سائلة، لا ترسو على موقف، حتى تأتي عكسه، ولا تقدم مقترحا حتى تجترح نقيضه، إلا أن روح رؤيتها للمسألة السورية تتلخص في قضية واحدة؛ لا مكان للإسلاميين في مستقبل سوريا، ولا لسقوط نظام بشار قبل أن ينضج بديله الحفتري المناسب، وإلا فليس هناك أفضل من الوضع القائم الآن بالنسبة إليها؛ حرب استنزاف متواصلة، وميزان عسكري تميل كفته لهذا الطرف تارة ولذلك الطرف تارة أخرى، مع غياب أي مؤشر يدل على أن الحسم وشيك لصالح أحد الطرفين. يحدوها في مواقفها هذه هاجسها الأزلي من الإسلاميين عموما ومن الحركة الجهادية خصوصا، وخوفها على أمن إسرائيل.

لقد عبر الشعب السوري من خلال مظاهراته السلمية، والخطاب الثوري لفصائله المقاتلة، عن ثوابت قضيته، وأسس حركته التاريخية المجيدة، حتى اكتسبت هذه الثوابت طابع القداسة في وعيه الجمعي، كشرط محدد لوجوده، وعقيدة راسخة في وجدانه. وهي من الرسوخ بحيث لم تُفلح حتى الآن أشرس قوى الأرض في النيل منها حتى وهي تستعمل أقذر ما ابتكرته عقولها من أسلحة للقتل وآلات للتدمير. هذه الثوابت بمثابة الخطوط الحمراء للثورة، عنها تصدر مواقف الثوار ، وعليها مدار حركتهم؛ سلما وحربا، ولاء وعداء.

لو جاز لنا أن نعين بعض هذه الثوابت انطلاقا من استقراء الفعل الثوري بأبعاده العسكرية و السياسية والمدنية، وقراءة مضامين الرسالة الثورية في البيانات والخطابات و المواقف التي تعلنها مكونات الثورة على مدار سنوات مراغمتها للنظام الدموي القابع في عقر دار المؤمنين، لخلصنا إلى أن روح الثورة كامنة في عناوين كبرى، ولو اختلف رجال الثورة في بعض التفاصيل المبثوثة في منطقة العفو، حيث يسوغ الاجتهاد، ولا يُفسد النقاش للثورة قضية.

إسقاط النظام بكافة رموزه وأركانه وتفكيك منظومة حكمه الطائفية، والقضاء عليها قضاء مبرما كان ولا يزال العنوان الأبرز للثورة؛ كتبه أطفال درعا شعارا واضحا و مختصرا على جدران المدرسة، ليعلن القدر على أيديهم بداية حرب التحرر والإنعتاق من نظام طائفي مستبد مجرم. جثم على صدر أهل الشام عقودا من الزمن. ينظر الثوار على تباين رؤاهم واجتهاداتهم إلى أن أي مقترح للحل لا ينص بصرامة ووضوح على إسقاط النظام وتفكيك مؤسساته الأمنية والعسكرية على أنه مؤامرة ضد الثورة وعدوان عليه أكثر من كونه مقترحا للحل، بل إن أي حوار يقوم على أرضية لا تتضمن هذا الشرط هو خيانة مبينة للثورة وشهدائها. لقد قرر السوريون أن يمضوا في ثورتهم حتى النهاية مهما كلفهم ذلك، أما الحديث عن منع مؤسسات الدولة من الانهيار فهو خيار من يريد تأبيد مأساة الشام من خلال إعادة إنتاج النظام وبعثه في حلة جديدة، ليستأنف سيرة الإجرام و التنكيل بمسميات أخرى غير الممانعة والمقاومة.

كان لافتا جدا وواضحا جدا وناصعا جدا البعد الإسلامي للثورة، و لا معنى من حشد الشواهد على مسألة تجاوزت في بداهتها ويقينيتها كل ما يمكن رصده وجرده من أدلة وبراهين، فخطاب الثورة وشعاراتها ولغتها و مكوناتها وحضورها الرمزي مستمد من منهج الإسلام ومقرراته، والفعل الثوري منضبط بنصوص القرآن وقطعيات الشريعة، ولا يُبرم الثوار هدنة أو يعلنوا حربا إلا بمقتضى فتوى شرعية من علماء موثوقين عدول، و بالتالي فأي مقاربة لا تأخذ في اعتبارها الهوية الإسلامية للثورة، والمنبث الإيماني للفعل الثوري في الشام هي مقاربة تفتقد الجدية، وتحرم نفسها حتى من استحقاق المناقشة والنظر. وكل صيغ الحل التي تحاول الالتفاف على هذه البديهية لا تعدو كونها لغوا دبلوماسيا بلهجة أنيقة مهذبة لكن لا يُلزم الثورة في شيء. و معظم الاعتراضات و التحفظات التي أبدتها الفصائل الثورية على امتداد عمر الثورة كانت مبنية على قناعات شرعية، ولعل أبرزها رفض الفصائل الكبرى لمخرجات مؤتمر الرياض لأنها لا تنص بوضوح على الهوية الإسلامية للدولة والثورة.

يرفض الثوار رفضا قاطعا أي مساس بمكونات الثورة على اختلاف مشاربها وتنوع مدارسها، باستثناء من تلبس منها بغلو أو قارف عمالة كداعش وجيش الثوار ومن حالفهما، ولا يقبلون بأي نقاش يروم استبعاد أي فصيل ثوري أو عزله بنية استهدافه، مهما كانت الضغوط التي تمارس ضدهم، ولعل المظاهرات التي خرجت تأييدا لجبهة النصرة بعد إدراجها في قوائم الإرهاب أبلغ دليل على هذا، و أيضا بيان فصائل الثورة الذي رفضت فيه استهداف جبهة فتح الشام أو إخراجها من حلب، كل ذلك يأتي في سياق الوعي المتقدم بالمصير المشترك الذي يجمع الفصائل الثورية، وبأن أي استجابة لمطلب من ذلك النوع هو في أصله وفصله خيانة مكتملة الأركان، عدا عن كونه تطبيعا غبيا مع كيد دولي يسعى لتحييد المكونات الفاعلة في الثورة، وبتر أدرعها الضاربة، وعن أي ثورة نتحدث بعد ذلك لو فقدت مكامن قوتها ومقومات بقائها وصمودها أمام طوفان جارف من الأعداء والخصوم.

يعمل النظام الدولي على قدم وساق من أجل أن يمضي مشروع تقسيم سوريا إلى نهايته التي رسمها له، دولة للأكراد في الشمال، وأخرى للنصيرية في الساحل، و للمكون الدرزي في الجنوب، والمسلمون السنة في الوسط محاطين بغابة من الأعداء العقائديين الذين لا يؤمن جانبهم. لكن مضت عزيمة الثوار على محو أي" كانتون " يروم الاستقلال سواء باسم الفدرالية أو الحكم الذاتي أو غيرها من المسميات وبالتالي فلا مكان لبشار الأسد ونظامه في أي شبر من أرض سوريا، ونفس الحكم يسري على الأكراد في الشمال، أو أي مكون آخر يطمح للاستقلال واقتطاع مساحات من الأرض ليقيم عليها دويلته المتوهمة بمن فيهم الدواعش الذين سطوا على أجزاء من الشام على حين غرة.

إذن، فالعناوين الكبرى التي تؤطر الفعل الثوري في سوريا لا تخرج عن مطلب إسقاط النظام وتفكيك منظومة حكمه، وطرد قوات الاحتلال الأجنبي، وتسييد الهوية الإسلامية بما يستتبعه ذلك من إجراءات على صعيد الحكم وإدارة الدولة على أسس شوروية رشيدة، وتحصين الأرض السورية من النزعات الانفصالية، ومشاريع الدويلات المستقلة؛ القائمة منها بالفعل (دويلة داعش) والمزمع إقامتها في المستقبل (دويلة العلويين والأكراد)، والحفاظ على القرار الثوري مستقلا، ونابعا من الإرادة الحرة للثوار، ورفض كل التوصيات المشبوهة التي تريد دق الأسافين بين مكونات الثورة، والقناعة الراسخة بأن أي مساس بفصيل من الثورة هو في صميمه مساس بالثورة، وسعي مكشوف النية لوأدها وتجريدها من عناصر قوتها و فاعليتها.



.




ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير