10/03/2016

العلم المستقيل..عندما يتسكع العلماء!

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : أكتوبر 03, 2016

عبد الغني مزوز---

وأنا أتابع المشهد الأول من مشاهد الانقلاب العسكري في الثالث من يونيو حين خرج السيسي في زينته، وخطب في الناس وصاح؛ ذروني أقتل مرسي " وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد" في مشهد زاخر بالدلالات، ومغرق في الرمزية، حيث جمع السيسي ما تيسر من رؤوس الناس وعلية القوم، ليوزع دم الإخوان بين أكبر عدد ممكن من طوائف المجتمع و قبائل السياسة. وأنا أستمع للسيسي وهو ينكث غزل الثورة، بصدر منقبض وعين شاخصة، حولت المحطة إلى إحدى المحطات الإسلامية التي يرابط فيها أبطال غزوة الصناديق لأستطلع ردة فعلهم عن نازلة الانقلاب، فأصابتني الدهشة عندما وجدت شيخا مرحا ضحوكا، لا تكاد الابتسامة تفارق وجهه كمندوب مبيعات لحوح أو موظف علاقات عامة ناجح، يلقي موعظة عن الأسرة السعيدة أو الزوجة الصالحة؛ لا أذكر بالضبط لكن حديثه قطعا لم يكن عن عدوان العسكر على إرادة الشعب والحشد العلماني الكنسي ضد هوية الأمة ودينها.

القطيعة المهولة بين واقع الأمة وبين علمائها لا تعبر عنه فقط لحظة الانقلاب العسكري في مصر، بل هي حالة مطردة تكاد تكون حاضرة في معظم المحطات المصيرية التي مرت بها الأمة. وهو ما يفرض إعادة النظر في مفهوم "علماء الأمة" وطرح أسئلة جذرية في منتهى الجرأة الشجاعة وإن كانت ستستتبع لا محالة إعادة للتعيين والتصنيف، ورسم خطوط واضحة فاصلة بين من يجوز تسميتهم بعلماء الأمة وبين أصناف آخرين من الناس تصادفت معرفتهم بالشريعة مع سوق عمل واعدة وطلب متصاعد على الخدمات الدينية من وعظ و فتيا وخطابة. وإلا فكم نحن ظالمون عندما نحشر الإمام أحمد و بن تيمية وعبد الله عزام وعمر عبد الرحمن مع من أفتى ببيعة بول بريمر الحاكم المدني الأمريكي للعراق أثناء الاحتلال لأنه ولي أمر تجب طاعته، ومن رأى في السيسي رسولا من رسل الله، واعتبر بشار وليا من أولياءه الصالحين، ومن وقع لبوتين على صك إبادة المسلمين في الشام لأنهم ليسوا من الإسلام والسنة في شيء، عندما نحشر كل هؤلاء تحت مسمى علماء الأمة وملحها وسادتها وصمام أمانها إلى غيرها من الأوصاف التي تليق بعلماء الأمة العدول.

هناك خرافات كثيرة يجب تجاوزها عندما تُطرح للنقاش القضايا المرتبطة بالعلماء، وهي خرافات وتصورات وجدت لتصادر حق الأمة في مسائلة علمائها ونقدهم، وكشف من يتاجر بقضاياها ومآسيها لحساب مجده الشخصي ومصالحه الذاتية أو المذهبية. ومن هذه الخرافات أن لحوم العلماء مسمومة، وكم بث بعض العلماء هذه الكلمة بين الناس وأشاعوها بينهم، حتى تحرج الناس من ذكر عالم بنقد أو مراجعة مهما استطال ضلاله وذاع شره، لأن تلك العبارة الماكرة رفعتهم إلى مراتب القداسة و العصمة، فلا ينطقون عن الهوى ولا يتكلمون إلا " من أذن له الرحمن وقال صوابا"، بينما في الحقيقة إن كانت لحوم بعض العلماء مسمومة فلكثرة ما رموا في جوفهم من السحت ولكثرة ما حاموا على موائد الحرام، إذ العلم لا يعصم أهله من النقد، بل هم أولى الناس بالمراجعة والتخطئة فهم حملة فقه، والفقه مذاهب ومدارس وقراءات ما يجعل المشتغل به في موضع النقد والجدال والنقاش المستمر. أما الشتيمة و السباب فلا ينبغي أن يكون أي إنسان عرضة لها سواء أكان عالما أو أميا.

في العقد الماضي تصاعدت ظاهرة جديرة بالتأمل وإن أصابها اليوم ما أصابها من ضمور وخفوت وهي ظاهرة " الشيخ الفضائي "، إنهم مجموعة من الشيوخ الأنيقين المفوهين الذين يظهرون على فضائيات بعضها إسلامية خالصة، وبعضها الآخر ذات طابع منوعاتي، يقدمون فيها وصلاتهم الوعظية ضمن برنامج إرسال حافل لا يخلو من سهرات فنية و أغاني مصورة و وصلات رقص شرقي، و ما حدث بعد ذلك؛ أن ما يقدمه هؤلاء الشيوخ يلقى رواجا واسعا ويحقق نسب مشاهدة عالية وقبولا متزايدا عند الناس، وبما أن المحطة الفضائية في أساسها مشروع اقتصادي يتوخى الربح والمردودية، فقد عمد ملاك هذه المحطات إلى إحداث تغييرات شاملة عليها، فحولوها من محطات غنائية إلى قنوات دينية بحتة، بما يعنيه ذلك من فسخ للعقود مع المطربين ومنشطي برامج المنوعات، وإبرام عقود جديدة مع النجوم الجدد من شيوخ ووعاظ و متحدثين بارعين في مواضيع تنمية الذات أو المنجمنت الإسلامي. وبالتالي كان عامل ظهور أو على الأقل انتعاش الطلب على خدمات " الشيخ الفضائي" مرتبط في أساسه بضرورات اقتصادية. و لم يكن بمقدور هذا الشيخ أن يتجاوز حدود الوعظ والقصص والفتاوى الشخصية في حديثه، و إلا فإن اقترابه من السياسية مثلا -على فرض أنه ملم بها- قد يجلب المتاعب للمحطة وهو ما لا يتمناه مالكها الذي لا يريد لمشروعه الناجح أن يتعثر.

عاملان أساسيان يقفان خلف المجد الذي صنعه " الشيخ الفضائي " لنفسه؛ الأول: مرتبط بشيوع الثقافة التلفزيونية أو ثقافة المشاهدة كمرحلة من مراحل تطور أنساق التعبير من الشفهي إلى الكتابي إلى المرئي، هذا التطور في أنساق التعبير والتلقي، انعكس على الخطاب الديني الذي انتقل من المنبر و الحلقة والكتاب إلى الشاشة التلفزيونية، هذا الانتقال وسع من شريحة المستقبلين للخطاب الديني لأن استهلاك الصورة التلفزيونية لا يفرض شروطا ثقافية أو معرفية أو لغوية. والثاني: ارتفاع الطلب على الخطاب الديني الوعظي موازاة مع حرص المستثمرين في قطاع الإعلام على توسيع مشاريعهم التجارية، فتم استقطاب هؤلاء المشايخ و إبرام عقود مجزية معهم، ومضى مشروع الفضائيات الإسلامية يحصد النجاحات حتى نافست شهرة بعض الشيوخ شهرة أساطين عالم الفن و الرياضة. 

هنا لا بد أن نشير إلى أنه لا يجب الخلط بين بعض العلماء الكبار الأجلاء الذين يظهرون على بعض القنوات وبين ظاهرة الشيخ الفضائي؛ الشيخ الفضائي يمكن أن نصنفه كظاهرة تجارية خاضعة لمعايير السوق وشروط العرض والطلب، ولعل أنسب وصف له هو ذلك الذي اختاره باثريك هايني "المتعهدون الدينيون"، ولذلك اختفى معظمهم الآن من المشهد ورجعت بعض محطاتهم إلى سيرتها الأولى كمحطات للرقص والغناء، بعدما انتعش مجددا سوق الطرب والفيديو كليب. 

في خضم الإبادة الممنهجة التي تطال المدن السورية الثائرة، وبينما معمموا الشيعة ومراجعهم يصلون الليل بالنهار، وهم يستحثون أبناء دينهم ويدفعون بهم إلى سوريا والعراق واليمن لإتمام مخطط السيطرة على الحواضر الإسلامية الكبيرة، وخلق خريطة ديمغرافية جديدة يكون فيها المسلمون السنة أقلية خاضعة للنفوذ الفارسي، في مخطط واضح لم تعد تخفى حتى أدق تفاصيله على المتابعين، في خضم هذه الأحداث الرهيبة وما صاحبها من عدوان أمريكي- روسي على الأمة؛ أذاعت إحدى القنوات الإسلامية برنامجا على حلقات يجمع بعض مشاهير " علماء الأمة " في خيمة مفروشة، بغرض "السولفة" وتزجية الوقت وتبادل المجاملات والشعر والطرائف، مادين أرجلهم مستأنسين للهو والحديث، والأمة تعيش تحديات وجودية، ومنعطفات مصيرية. أما حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي التي يصل متابعوها إلى الملايين فلا تغرد إلا بأذكار الصباح والمساء، وفضل رجب وصيام عاشوراء ومعايدة أصحاب السمو و أولياء النعمة. 







ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير