10/03/2016

القاعدة بين الانكسار والانتصار

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : أكتوبر 03, 2016
تنظيم القاعدة

عبد الغني مزوز---

مرت الذكرى الخامسة عشرة لهجمات 11 سبتمبر ومازال الصراع الصفري بين تنظيم القاعدة و الولايات المتحدة محتدما، دون أن يلوح في الأفق أي مؤشر على إمكانية خفوته أو قضاء أحد الطرفين على خصمه، رغم لحظات الاشتباك المباشر وغير المباشر بينهما على امتداد العقدين الماضيين. و لو تأملنا مسيرة الصراع ومحطاته الكبرى لأمكن لنا ملاحظة إلى أي مدى استطاع تنظيم القاعدة تحقيق أهدافه وطموحاته، كما يمكن لنا القول أن بوسع تنظيم القاعدة الآن أن يتأمل مُنجزه الجهادي بكل فخر عندما تمكن أخيرا من حشد قطاع عريض من جماهير الأمة خلف أهم أطروحاته الصدامية، ووضع الولايات المتحدة في موقع العدو الذي اضطرا إلى الإفصاح عن نواياه العدائية تجاه كل قضايا الأمة؛ من قضية فلسطين إلى قضايا الثورة العربية الراهنة.

تشير التعليقات الكثيرة لقادة تنظيم القاعدة أن هجمات سبتمبر على الولايات المتحدة لم يكن الغرض منها إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا، وإلا فتعديل طفيف على بنك الأهداف المنتخبة آنذاك كفيل برفع حصيلة القتلى إلى عشرات الآلاف أو أكثر. حيث كان متاحا بسهولة تغيير مسار الطائرات الأربع إلى الملاعب الرياضية المكتظة، أو إلى أحد المفاعلات النووية، والاقتراح الأخير كان مطروحا للنقاش بين العقول المدبرة للهجمات، إلا أن أسامة بن لادن رفضه واستبعده لأن آثاره المدمرة لا يمكن التحكم بها، وستُخلد الإنسانية العملية كجريمة ضدها. لقد كان الهدف من هجمات سبتمبر –حسب القاعدة طبعا- إرغام الولايات المتحدة على تغيير إستراتيجيتها في إدارة الصراع، وحثها على دخول الحرب بجنودها وأموالها ومواردها، لا أن تكتفي بالقيادة من الخلف عبر دعم أنظمة وحكام يدينون لها بالولاء؛ يقومون نيابة عنها برعاية مشاريعها ومصالحها في البلاد العربية الإسلامية.

لقد كانت قناعة بن لادن الراسخة أن الحرب لا ينبغي أن تُشن إلا ضد الولايات المتحدة، والتي دأب على تسميتها برأس الأفعى، ويصر على أنه مهما بدا خيار الصدام معها مكلفا وغير متكافئ إلا أنه أجدى في جميع النواحي من المناوشات و المصادمات مع بعض الأنظمة البوليسية مهما تجسدت فيها الإرادة الأمريكية وأخلصت لها في الولاء والتبعية. كان بن لادن يدرك أنه دون جر الولايات المتحدة إلى ساحة حرب يختارها هو فلن يتمكن من إلحاق الهزيمة بها. من هنا جاءت فكرة 11 سبتمبر ، ضربات منسقة تصيب الكبرياء الاقتصادي والعسكري والسياسي الأمريكي في مقتل، وإرغام إدارة المحافظين الجدد المتهورة على اقتراف خطيئة التدخل المباشر في أفغانستان، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الأخيرة كانت خاضعة لحصار أمريكي وهجمات مباغتة منها بالصواريخ، وكان غزوها مدرجا في أجندة المحافظين الجدد حتى دون وقوع هجمات سبتمبر، عبر دعم قوات تحالف الشمال المعارضة لحكم طالبان، وكل ما فعله بن لادن أنه فرض توقيت المعركة وأسلوبها.

من بين العوامل التي جعلت بن لادن يسعى إلى إرغام الولايات المتحدة على كشف نواياها العدائية تجاه القضايا العربية و الإسلامية، عبر استدراجها للتدخل المباشر في البلاد الإسلامية، أنه يريد إظهار الولايات المتحدة على حقيقتها كقوة امبريالية مناهضة لتحرر الشعوب وناهبة لمقدراتها وثرواتها، وهي التي كانت حريصة على تسويق نفسها كقوة راعية للسلام ناشرة للديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان، بينما تقوم عبر الأنظمة الموالية لها بانتهاك حقوق الشعوب وسلبها و إفقارها، دون أن ننسى فضائع الاحتلال الإسرائيلي الذي يجد دوما خيار الفيتو الأمريكي واقفا إلى جانبه. وبالتالي رأت القاعدة أن إقدام الولايات المتحدة على غزو بلد إسلامي ما سيكون نقطة الانطلاق في مسار تحرير الأمة من هيمنتها؛ أولا لما سيتيحه ذلك من فرص النكاية بها وإنهاكها عسكريا عبر انتهاج أسلوب حرب العصابات طويلة الأمد، وثانيا لأن ذلك سيكون أدعى لاقتناع جماهير الأمة بأولوية الصدام مع أمريكا وحشد الطاقات خلف مشروع التحرر والإنعتاق من نفوذها وهيمنتها بما هي قوة احتلال وتوسع.

مضت خمس عشرة سنة على هجمات سبتمبر، وكانت القاعدة بعد التدخل الأمريكي في أفغانستان في حكم التنظيم الذي قُضي عليه قضاء مبرما، إذ تم تدمير معسكراته ومراكزه، وتوزع عناصره في الملاذات والمنافي، وحوصرت كل قياداته المؤسسة في جبال تورار بورا، وكان وجود عربي واحد في قرية أفغانية كفيل بمسحها من على وجه الأرض. لكن ما لبتت قيادة القاعدة أن أفلتت من حصار تورا بورا، وأعادت ترتيب صفوفها من جديد وشيدت لنفسها شبكة تواصل وإعلام في غاية التعقيد و الاحتراف، استطاعت بواسطتها توصيل رسالتها إلى العالم، واستئناف معركتها تماما كما خططت لها. ولم تمض سنوات قليلة حتى غدت القاعدة تنظيما لا يغيب عنه الشمس، ففتحت فروعا لها في غرب إفريقيا وشرقها وشمالها، وفي الجزيرة العربية والعراق والشام وجنوب شرق آسيا وشبه القارة الهندية، مع وجود تنظيمات في أماكن أخرى من العالم تدين لها بالولاء وإن لم تقدم لها البيعة.

جاءت لحظة ظهور تنظيم الدولة الإسلامية كفاعل جهادي جديد على ساحة الصراع في العراق، وقد انتاب قيادة القاعدة شعور بعدم الراحة من هذا الوافد الجديد وهو ما عبرت عنه بوضوح رسائل بن لادن التي عُثر عليها في بيته بأبوت آباد، فأرسل يستفسر عن خطوة إعلان "دولة العراق الإسلامية" و طلب معلومات مفصلة عن قادتها وأمرائها. تطورت الأحداث بشكل متسارع، لتسفر عن قطيعة حدية بين مشروع القاعدة ومشروع تنظيم الدولة، حيث تَعتبر القاعدة تنظيم الدولة نموذجا لحالة جهادية شاذة وامتدادا لفكر الخوارج وتنظيما سطا على قيادته مجموعة من ضباط البعث ورجال صدام كما صرح بذلك أيمن الظواهري بوضوح في آخر رسالة له حول العراق، بينما يعتبر تنظيم الدولة القاعدة جماعة مرتدة عن الدين. 

في سوريا، يمكن قراءة معالم نجاح إستراتيجية تنظيم القاعدة ومشروعها بكل دقة ووضوح، ساعد على ذلك وجود قيادة للقاعدة هناك على قدر كبير من الذكاء والمرونة، حيث استطاع الجولاني الذي كان قائدا للقاعدة في سوريا قبل أن يفك ارتباطه بها ويؤسس جسما جهاديا ثوريا يحمل اسم جبهة فتح الشام، استطاع أن ينتقل بالقاعدة من فكرة و أيديولوجية نخبوية محاصرة يتم تداول نصوصها سرا إلى ثقافة جهادية ثورية شكلت جزء لا يتجزأ من الحالة الثورية في سوريا، ورافدا مهما من روافدها. ولذلك عندما طالب المجتمع الدولي المعارضة السورية المسلحة بالانفصال عن جبهة النصرة لضمان عدم استهدافها، رأت في ذلك ضربا من ضروب المستحيل، فالنصرة في كل بيت وفي كل قرية وفي كل حارة وفي كل جبهة. وفوق كل ذلك جبهة النصرة كانت الفصيل الأكبر والأكثر فاعلية. وخرجت مظاهرات أكثر من مرة يعبر الناس من خلالها عن تأييدهم لها، ولسان حالهم ومقالهم يقول: إن كان مشروع القاعدة هو ما تقوم به جبهة النصرة فمرحبا بالقاعدة.

قبل أيام خرجت بيانات الفصائل الثورية ترفض استهداف جبهة فتح الشام، وقالت إنها لن تنسى من وقف مع الشعب السوري في محنته ودافع عنه. والرأي العام الثوري في سوريا مُجمع على عداوة الولايات المتحدة، ويراها خصما لئيما من خصوم الثورة. فهل انهزمت القاعدة؟



ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير