1/06/2016

"المعارضة المعتدلة" و " المقاومة الشريفة" ومكر النظام الدولي

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : يناير 06, 2016

عبد الغني مزوز---        



مع تصاعد صخب " الحل السياسي" في سوريا، ونجاح النظام الدولي في إحراز اختراقه الأول لمعسكر الثورة من خلال مؤتمر الرياض، تصاعد الطلب على "المعارضة المعتدلة" باعتبارها جهة مؤهلة لاحتلال المقعد المقابل للنظام على طاولة المفاوضات، في أفق الحل المنشود " للأزمة السورية" خصوصا وبشار الأسد لم يعد في عرف المجتمع الدولي جزء من المشكلة وبالتالي فحظوظه وافرة لحجز مقعده في "سوريا المستقبل" كما يحلو لساسة الغرب أن يسموها.



في هذه المقالة نريد أن نفهم ماذا يقصد الغرب بالمعارضة المعتدلة، وهل هناك نظراء لهذا المصطلح في تجارب سياسية وثورية سابقة، وهل الغرب جاد فعلا في مزاعمه اتجاه هذا الصنف من المعارضة أم أن المسألة لا تعدو أن تكون ترتيب أولويات ولا تلبث طاحونة "الصائل" أن تأتي على الجميع؛ معتدلين وغير معتدلين.

لا نريد أن نذهب بعيدا في استقصاء هذا المصطلح في محطات الإستعمار البائد، لنرى كيف كان عمر المختار مثلا إرهابيا يقابله معارضون معتدلون ومقاومون شرفاء، وكيف كان التهامي الكلاوي نموذجا للوطني المعتدل الذي يخدم قضية بلاده المغرب، مقابل إرهابيين غير محسوبين على الوطن كعبد الكريم خطابي و علال بن عبد الله. لن نذهب كل هذا البعد مع ثراء لحظات الإستعمار في كل الأقطار الإسلامية بتجارب تكشف أن "صائل" اليوم منسوج على منوال صائل الأمس مع تباين طفيف في بعض الوجوه وبعض الأسماء.

حتى تتضح الصورة من البداية سنضع مصطلح "المعارضة المعتدلة" في سياقه الصحيح مع نظرائه من المصطلحات. 

إن الغاية من " المعارضة المعتدلة" هي نفسها الغاية من " المقاومة الشريفة " أيام الإحتلال الأمريكي للعراق، وهي الغاية نفسها من " طالبان المعتدلة " مقابل طالبان غير المعتدلة، وهي نفس الغاية من إعلان باتريوس عن " معتدلين في تنظيم جبهة النصرة يمكن التعامل معهم" مقابل إرهابيين ومتشددين من نفس التنظيم ينبغي محاربتهم بلا هوادة. فتنوع الأسماء واختلافها لا يجب أن يحول دون الرؤية الواضحة والقراءة السليمة للخطاب الكولونيالي الحديث، وآليات اشتغاله، إنه ببساطة يعتمد مقاربتين في التعاطي مع تحديات " التمرد والمقاومة "، الأولى: هي المعالجة الخارجية من خلال موضعة الأزمة على مسافة بعيدة منه والتعامل معها بمنطق الحشد والهجوم، والثانية: هي المعالجة الداخلية، من خلال النفاذ إلى صلب "الأزمة" وتوظيف بعض أجزائها في محاربة الأجزاء الأخرى. وبالتالي سمعنا عن "مقاومة شريفة" في العراق قابلة للحوار والتفاهم، وسمعنا عن "معارضة معتدلة" في سوريا مؤهلة للدعم والتفاوض، وسمعنا عن معتدلين في طالبان لا مشكلة في الإستماع إليهم وإلى مطالبهم، وسمعنا عن معتدلين في جبهة النصرة يمكن التعاون معهم.. كل هذا يدخل في صميم المعالجة الداخلية للأزمة.

في العراق مع تنامي فعاليات المقاومة ضد الإحتلال الأمريكي للبلد عام 2003 بوتيرة لا تعطي للمحتل فرصة لالتقاط أنفاسه، حتى كان الإنسحاب المبكر خيارا مطروحا في دهاليز البانتغون، وكان إخماد المقاومة العراقية والنيل منها أشبه بالمهمة المستحيلة، فأصبح أقوى جيش حربي في التاريخ هشيما تدروه رياح الفلوجة والرمادي وديالى وغيرها من مدن المقاومة، أوعز الغرب لبعض الجهات الإقليمية أن تقوم بفرز المقاومة الشريفة عن المقاومة غير الشريفة لأنه على استعداد للتفاوض معها (نفس الجهات تقوم الآن بفرز المعارضة المعتدلة عن غير المعتدلة في سوريا) صدقت بعض فصائل المقاومة آنذاك، أن هناك جدية في مساعي التفاوض والحوار، بينما هي في حقيقتها محاولات من المحتل لالتقاط الأنفاس، وبعثرة جهود المقاومة، وتشكيل جيش رديف من أبناء البلد، يقاتل نيابة عنه.

حصل التصنيف والفرز، ووصم جزء من المقاومة بالتشدد، والجزء الآخر بالاعتدال والشرف، أشرعت أبواب الحوار والتفاهم والدعم الإقليمي للمعتدلين، وبعد سنين من هذا الفرز وما استتبعه من وعود وتفاهمات، أين هي اليوم ما يسمى بالمقاومة الشريفة في المشهد العراقي، اختفت تماما مجاميع عسكرية ضخمة كانت تضرب في طول العراق وعرضه، ولم يبق سوى ما كانت تسمى بالمقاومة غير الشريفة، بصرف النظر عما تقوم به الآن هذه المقاومة من جرائم باسم البيعة والخلافة. فالشاهد، أن من يصدق تصنيفات الغرب، ويسوق نفسه " كمعتدل " و " شريف " جدير بالحوار والتفاوض، إنما يضع نفسه في بداية سكة الفشل والإنهيار. لننظر إلى جيش "الشرفاء" من سنة العراق الذين شكلوا جيشا رديفا للإحتلال، عندما صدقوا وعود هذا الأخير في دعمهم وتبويئهم مكانة لائقة بهم في العراق، لقد تخلى عنهم الجميع وأتت عليهم طاحونة القتل والدمار، واستحر القتل في زعمائهم وقادتهم، وفر رموزهم، المطلوبين لمشانق المالكي وكواتم البغدادي. فأسدل الستار على المشروع الخياني الصحوي، وانتهى إلى نهايته الطبيعية المحتومة. 

مهندس هذا المشروع؛ الجنرال الأمريكي ديفيد باتريوس انتقل إلى أفغانستان، محاولا تأسيس ذات المشروع، منطلقا من النقطة نفسها التي انطلق منها في العراق، وهي تفكيك بنية المقاومة، فشاعت في الإعلام أخبار عن "طالبان المعتدلة وطالبان المتشددة"، وأن هذه الأخيرة هي فقط المعنية بالحرب والتصفية، أما المعتدلون فينبغي التحاور معهم ولما لا دعمهم ومساندتهم ! 

تأتي وعود الدعم والمساعدة للصنف المعتدل من المقاومة والمعارضة بعد كل حوار وتفاوض، لأنه ببساطة يكون أهم بند يتم الإتفاق عليه هو تعهد " المعتدلون" بمحاربة " المتشددين و الإرهابيين" أو على الأقل التعاون مع القوى الدولية في حربها معهم ( انظر البيان الختامي لمؤتمر الرياض، وبيان انسحاب أحرار الشام منه ). 

طالبان تجاوزت بجدارة رهانات باتريوس بالتفكك والتشظي، وحافظت على تماسكها، ودخلت لعبة الحوار والتفاوض بشروطها، ومن موقع المنتصر، ولم تقبل التنازل حتى عن بعض الجزئيات البرتوكولية، كرفع علمها فوق مبنى مكتبها السياسي في الدوحة، وكانت عقيدتها السياسية واضحة؛ فلا مساس بالشريعة والمهاجرون وسيادة أفغانستان ووحدتها، وصعدت من فعاليات المقاومة ضد الإحتلال وأعوانه على امتداد التراب الأفغاني، بالتوازي مع جولات الحوار التي يُخطب فيها ودها.

لو نظرنا إلى المشهد السوري وتأملنا في فسيفسائه الجهادية وخريطة ولاءاته، فسنكون مخطئين إن لم نلاحظ القواسم المشتركة بين سوريا اليوم وعراق الأمس؛ فبعض المجاميع الجهادية تحتفظ بأسماء مجاميع كانت تنشط في الساحة العراقية، ولو أسقطنا مصطلح "المقاومة الشريفة" على "المعارضة المعتدلة" لاكتمل المشهد. ولن يبق سوى انتظار نفس النهاية التي آلت إليها فصائل المقاومة العراقية.

عندما تحدث الجولاني قائد جبهة النصرة عن الذين يغامرون بالساحة من أجل حوارات وتحالفات تضر بالساحة أكثر مما تعود عليها بالنفع فهو يقول ذلك من موقع الخبير المواكب لتجربة العراق من بدايتها إلى اليوم، وعبارة " المغامرة بالساحة" معبرة وذات دلالة دقيقة. إنه يرى كيانات ثورية كبيرة تسير في نفس المسار الذي سارت عليه كيانات جهادية كبيرة في العراق وانتهت إلى نهاية لا تليق بحجمها وحجم تضحياتها وما عُلق عليها من آمال، وكان يمكن أن تكون رافدا من روافد بناء العراق وتحصين هويته السليبة وإعادته إلى حضن الأمة، غير أن انخراطها غير المحسوب العواقب في متاهات " الدعم والحوار " نزع عنها الفاعلية الميدانية لحساب جماعة صغيرة اعتمدت على إمكانياتها الذاتية فتحولت في بضع سنين إلى " تنين" يقضم الدول والأقاليم، ويثير الرعب في العالم. طبعا ليس مطلوبا أن تنفلت الثورة وتوزع الموت على أقطار العالم، المطلوب أقل من ذلك، تحرير الأرض والإنسان، وحكومة راشدة، يدين الناس فيها لربهم، ويستأنفون فيها مسيرة الحضارة الإسلامية المتعثرة.

لنسأل سؤالا مشروعا في هذا السياق، هل الغرب يعوزه حقا وجود جهات "معتدلة وشريفة" حتى يكون جادا في وضع حد لمشاكل المنطقة، بمعنى؛ هل يكفي مثلا أن تحقن نفسك بجرعة زائدة من هرمون "الإعتدال" حتى يكف الغرب عنك شروره، وتكون بمنأى من مكائده، ومن تم شريكا شرعيا في صياغة مصائر بلدك. أم أن الغرب غير جاد في التعاون معك بالمرة ، حتى ولو كنت أسطورة في الإعتدال، وبالتالي مصيرك لن يكون مختلفا عن مصير " المتشددين " إن لم يكن أسوأ، لنرى.

هل تستطيع أن ترفع مستوى " الإعتدال والشرف" إلى المستويات التي وصلها عند السيد طارق الهاشمي رئيس الحزب الإسلامي في العراق (الإخوان المسلمون)؟ فتجلس مع المحتل في طاولة واحدة، وتقبل بكل توصياته وقراراته، وتشكل جيشا رديفا له، ينوب عنه في الأعمال الصعبة (الصحوات)، وتأخذ على عاتقك مهمة إخماد مقاومة أهل بلدك، والإبلاغ عنها. هل تستطيع أن تفعل كل هذا كعربون على "اعتدالك" ونبذك للإرهاب؟ إذن، فنهايتك على منصة الإعدام، ليس على أيدي من خنتهم من أبناء بلدك، لا بل على أيدي من خدمتهم وأحسنت خدمتهم من المحتلين وأعوانهم. طارق الهاشمى وعلى ما تحلى به من " الشرف والإعتدال " شريد، طريد؛ محكوم غيابيا بالإعدام من محاكم الإحتلال في بغداد، ومجالس الصحوة التي أشرف على تأسيسها لم تكن نهايتها بأحسن حالا من نهاية عرابها، من نجا منها من محاكم المالكي، تلقفتها مفخخات البغدادي.

ما قيل عن الهاشمي ينسحب على كل من صدقوا أن الغرب يعوزه وجود طرف معتدل من أجل التعاون معه في حل مشاكل المنطقة وضمان استقرارها. فازت حركة النهضة في استحقاقات ما بعد الثورة، واختارها الشعب بحرية ونزاهة، لكن الغرب والساهرين على مصالحه في المنطقة، لم يعجبهم أن تكون النهضة في الحكم، مع أنها تنازلت عن كل شيء تقريبا، حتى غدت أيقونة جوفاء تزين المشهد السياسي في تونس ليس أكثر، ومع كل هذا نُحيت النهضة، وأُطيح بها في انقلاب أبيض نظيف، نال عليه مهندسوه جائزة نوبل للسلام.

المنطقة تشهد صراعا صفريا شرسا، صراعا وجوديا؛حضاريا؛ هوياتيا؛ رهيبا، لا يحتمل المساحات الرمادية، ولا الهويات الهجينة، لننظر إلى الإخوان المسلمون في مصر عندما حازوا على السلطة، وأرادوا مصر وطنا بهوية باهتة، وقالوا نشرك الجميع في الحكم، وفي صياغة الدستور، فشكلوا لجنة موسعة لصياغة بنوده، ومجلسا رئاسيا للحكم ضم جميع ألوان الطيف السياسي في مصر، مع أن الشعب اختارهم في جميع الإستحقاقات الإنتخابية، كل هذا لم يرق للمعسكر العلماني المدعوم من الغرب، فانقلبوا على الرئيس المنتخب، وسالت دماء " المعتدلين " أنهارا في رابعة وغيرها، وزُج بمن بقي منهم في السجون، وأعاد العلمانيون صياغة الدستور وأعلنوها هوية علمانية خالصة، بقوة الحديد والنار.

إذن لا يجب أن نصدق كثيرا أن التحلي بالإعتدال عاصم من قواصم النظام الدولي، إنه مجرد فرز لمكونات الأزمة، والتعامل مع أجزائها الصلبة والرخوة بمنطق الأولويات، وتوظيف بعض أجزائها للنيل من الأجزاء الأخرى.

لا ينكر أحد أن هناك طغمة غالية في الأمة أشاعت الموت والذبح في كل مكان، والأمة اليوم مرابطة على جبهات الخوارج، من موقع المسؤولية الربانية لا الوصاية الغربية، وأساتذتها ومفكروها ومربوها مرابطون على ساحة الفكر والكلمة، يجتهدون في نفي التأويلات الغالية والمنحرفة عن رسالة الإسلام الحضارية. 




ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير