1/29/2014

الحلقة السابعة :- (( معركة أتاتورك الأخيرة ))

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : يناير 29, 2014



م| المقداد جمال الدين

لم يخرج الاستعمار القديم من بلادنا إلا بعد أن ترك لنا نموذجاً كاملاً .. كان كفيلا وحده بأن يبقينا دوما في " حالة استعمار " ؛ وهو نموذج دولة الجنرال ..

قام هذا النموذج أول مرة في مطلع القرن التاسع عشر الميلاد في مصر على يد محمد علي، ثم عبّر عنه بعد ذلك في تركيا مصطفى كمال أتاتورك بشكل مثالي يستحق التأمل.

- مصطفى كمال أتاتورك .. الرجل الذي تأسست شرعية وجوده وحكمه من مقاومة " الكفار الغزاة " إبان الحرب العالمية الأولى ومابعدها .. حتى أطلق عليه الشعب العثماني تكريماً له إسم " غازي " وهو لقب لم يكن يطلق إلا على سلاطين آل عثمان، هو نفس الرجل الذي سينهي دولتهم إلى الأبد !



- ولأن أتاتورك هو حالة متكررة - كما سنلاحظ في هذا المقال - فإن تطبيقه لدولة الجنرال كان أكثر تطبيقاتها فجاجة وبجاحة، كما هو حال كل النماذج الأولية دائماً. التي تبدأ بدائية و" غشيمة "، ولكنها ماتبلث أن تتطور مع الوقت لتقوم بنفس منجزاتها ولكن بأساليب أقل صدامية وأقل تكاليفاً.

- ولهذا نلاحظ أن انقلاب أتاتورك الدموي وسيطرته على الحكم في تركيا والتي رسخها بكثيرٍ من المجازر والجرائم والقمع لثورات الشعب العثماني الرافض له ولحكمه .. تغيرت وأصبحت أقل دموية في انقلاب 1960 حيث لم يكن أكثر من انقلاب عسكري سيطر على أهم منشآت الدولة وألقى القبض على قيادات الحزب الديمقراطي وأعدم رئيس الوزراء عندنان مندريس وبعض وزرائه وغير الدستور وشكل النظام !!
ثم ولأسباب مشابهة " الحفاظ على المبادىء الأتاتوركية من عبث العابثين كما جاء في بيان الانقلاب الأول " حصل انقلاب 1971 .. ولكن هذه المرة دون أن تتحرك فيه دبابة واحدة !


تماما كما تغيرت صورة الاحتلال من سفنٍ عملاقة ضخمة ترفع على أشرعتها شعار الصليب، وترسوا على شاطىء الدولة وتحاصر أهلها .. إلى شركات عملاقة وقواعد عسكرية وعقود إذعانية وقروض تكرس للتبعية، ومعاهدات ذل وعار تضمن السيطرة على الجيوش أو على نخبة المجتمع المُستعمَر ..


دولة الجنرال :-
=======
- ودولة الجنرال - التي جسدها أتاتورك ومحمد علي وكل من حكم بلادنا من بعدهما - هي عبارة عن نظام حكم له 3 أركان :-
(( الجنرال في القلب - والأقليات المتساندة في المركز - والأغلبية في الهامش))

- الأقليات المتساندة هي: أقليات فكرية أو طائفية أو طبقية أو قبلية تعيش في البلاد .. تعاون الجنرال وتحرص على بقائه، ويلجأ إليها الجنرال دوما في أي لحظة يستشعر فيها للخطر، والجنرال لا يرى الخطر سوى في " تمرد الأغلبية المهمشة " !
- وتلك الأقليات "متساندة ": أي لايمكن لها الاحتفاظ بمكاسبها منفردة، فتتحلق حول الجنرال الذي تتشابك وتتساند مصالحهما دوماً في استبعاد وتهمييش الأغلبية.

- والأغلبية : بفهومها المحلي في عصر محمد علي كانت " المقاومة الشعبية الاسلامية بقيادة الشيخ عمر مكرم " وبمفهومها الواسع في عصر أتاتورك كانت " شعب دولة الخلافة "

وهكذا وبإيجاز ..هي دولتنا التي نعيش فيها في كل ربوع العالم الإسلامي تقريباً !
- وهذه الدولة ( ذات الـ3 أركان ) هي نفسها ركن من أركان النظام العالمي الذي نشأ بعد هزيمة الدولة العثمانية وتفتتها.

- ولذلك مايجعلنا نستشعر أمانة اللحظة التاريخية الحالية وأهميتها، هو أن هناك متغيراً رهيباً قد حدث، قد يغير كل هذا .. فقد تحركت أخيراً الأغلبية المهمشة " شعب دولة الخلافة " في الشام ومصر وليبيا وتونس واليمن وبنجلادش وباكستان وأفغانستان وتركستان والقوقاز.
وهو مايعني - إن تم واكتمل- كسر نموذج دولة الجنرال والتحرر منه، ومن ثمّ امتلاك القدرة على إعادة صياغة النظام العالمي كله!

وهذه فرصة قلما تتغير ..
تحتاج إلى وعي عالي قلما تحلينا به ..
وقيادات استثنائية قلما وجدت في منطقتنا !

- المهم .. مع الوقت تطور " نموذج دولة الجنرال " أكثر فأكثر .. وأضاف لنفسه خبرات التجارب المختلفة، مما عظّم تكاليف تغيره أو حتى محاولة ذلك !
فلقد هيمنت على دولة الجنرال القيم الغربية، وارتبط الجنرالات وجيوشهم في مصالح الغرب الاستعماري أكثر حتى صاروا حراساً لها، وتمددت الأقلية المتساندة لتتعاون مع البيروقرطية الموجودة في دولة الجنرال، وتزداد تعمقاً في الدولة على حساب الأغلبية.
كل ذلك مع حرصٍ دائم من قبل "دولة الجنرال" على تدمير أي ( نواة ) صلبة للمجتمع يمكن أن يتحلق حولها مرة أخرى أو تمثل له قيادة شرعية تتصدى لمشاريع التغريب أو تقود المجتمع نحو التحرر.

- ولكن ... لمّا كان الإسلام دينٌ وُجِـدَ ليُخضع البشر لرب العالمين، لا ليخضَع أتباعه لأحد من العالمين .. وكانت له منظومته القيمية الفريدة والتي تتجلى فيها السيادة بمعانيها التشريعية والسياسية والفكرية. فإن المقاومة الحضارية قد اندلعت منذ أول لحظة استشعر الناس بوعيهم فيها أنه لا فرق بين سلطة " الجنرال " وبين سلطة " دول الاحتلال " وبدأت تتكون أنوية جديدة في المجتمع تمثلت في التيارات والحركات الإسلامية، التي أصبحت فيما بعد رأس الحربة، والمقاومة الوحيدة لمشروع دولة الجنرال ..


مشروع الجنرال القديم الجديد
==================
- ولد المشروع الأتوتركي - في تركيا- أول مرة كاستجابة للتحدي الذي فرضه صدام الغرب في طوره الاستعماري مع الشرق الإسلامي منذ نهاية القرن 18.
كما كان المشروع الأتاتركي التجسيد الأول للنزعة القومية في الدولة العثمانية، بالرغم من سياسة الأسلمة التي حاول أن ينتهجها السلطان عبد الحميد الثاني الذي حكم من 1876 إلى عام 1909 ..غير أنه لم ينجح !
ونجح تيار القومية ( ثورة تركيا الفتاة في تركيا - والقومية العربية في العالم العربي - والحركة الصهيونية في إسرائيل )
ثم بعد انقلاب " منظمة الاتحاد والترقي" عام 1908 تجذرت القومية التركية مع العلمانية أكثر وأكثر.

- وهكذا فإن تاريخ 200 سنة من الاستعمار القديم والحديث بيننا وبين أعدائنا من الممكن أن يختصر في كونه صراع بين دعاة القومية، ودعاة الخلافة .. بين مشروع السلطان عبد الحميد، ومشروع مصطفى كمال أتاتورك !

أركان المشروع الستة
--------------------------
- في المؤتمر الأول لحزب الشعب الجمهوري في 15 أكتوبر 1927 ، أعلن أتاتورك أن مشروعه السياسي يقوم على 4 أركان وهي ( الجمهورية - الملية - الشعبية - العلمانية ) ، وفي المؤتمر الثاني الذي انعقد عام 1931 أضاف ركنان آخران وهما ( الدولتية - والانقلابية ).
وفيما بعد اعتُبرت هذه الأركان الستة من أهم دعائم الدستور التركي عام 1937 كما قال الزعيم المُلهم تماماً وفعل !

- فالفكرة الجمهورية : تطلبت منه إلغاء السلطنة للفصل بين السلطنة والخلافة، ثم إلغاء الخلافة كلها بعد ذلك.
والفكرة القومية " المليّة " : كرست للانفصال التركي ( قومياً ) عن الرابطة الإسلامية.
والفكرة الانقلابية : كانت تعنى الإطاحة بالنظام القديم القائم على أساس ديني عقائدي.
- يُمثل الانقلاب القسري القهري فلسفةً أتاتوركية أساسية في دولة الجنرال .. ولذلك لم يكن استصحابه كوسيلة لكل النماذج المشابهة في المنطقة من قبيل المصادفة، وإنما ذلك لأنه اقترن بطبيعة المهمة الموكلة إليه.

- وأخير "العلمانية" التي فرضت ، بواسطة أداة " الدولة " على المجتمع في مرحلة أولى عن طريق إخضاع المؤسسات الدينية للدولة، وفي مرحلة ثانية استهدفت كل نشاط ديني واجتماعي وإلغاء كل رمز ديني ( مثل الطرق الدينية والزوايا والتكايا .. وصولاً لحروف الكتابة واللباس ) حتى أصبحت العلمانية نفسها ديناً وضعياً للدولة يُفرض على المجتمع اعتناقه بواسطة قوة الدولة وأجهزتها القهرية ( الجيش أساساً )

- إن نظرة واحدة على تلك المبادىء تجعلك تدرك إلى أي مدى مازال أتاتورك حياً بيننا، متجسدا في جنرالات الاستعمار الذين يحكموننا ويتحكمون في مصائرنا، فالمبادىء الستة تلك التي كتبت في دستور تركيا .. وإن كانت غير مكتوبة في دساتيرنا إلا أنها - هي وحولها - يتجسد المشروع السياسي لكل الجنرالات الذين حكموا ويحكمون الأمة المحمدية.


المعركة الأخيرة
=========

- نستطيع أن نقسّم مقاومة الأتاتوركية التي انبعثت عقب استبداد مصطفى كمال بالبلاد ومحاربتة للإسلام وإلغاءه للخلافة في مدرستين لا ثالث لهما :-
الأولى :- هي المدرسة الجذرية الثورية، والثانية :- هي المدرسة الإصلاحية.
وبإمكاننا أخذ تجربة الشيخ " سعيد بيران الكردي " نموذجاً للأولى رغم تعدد النماذج، وتجربة " الشيخ سعيد النورسي" نموذجا للثانية رغم تعددها كذلك.

- ثورياً : نجح الشيخ سعيد بيران الكردي شيخ الطريقة النقشبندية في شرق تركيا أن يجيش الناس ويقوم بحركة معارضة كبيرة ضد أتاتورك، ويتحرك بأتباعه المسلحين ليحتل مناطق واسعة، ويصل إلى ديار بكر التي كان أن يحتلها، ولكن قوات أتاتورك استطاعت الإيقاع به وهزيمته، وتم إلقاء القبض عليه وإعدامه شنقاً أمام الجامع الكبير في ديار بكر.

- أما الشيخ سعيد النورسي فقد اختار طريقاً ثانياً، فكتب رسائل النور، داعياً الناس للعودة إلى القرآن ومحاربة للإلحاد، ومجمعاً أتباعه الذين باتوا يعرفون " بالنورسيين ".
تدريجياً .. انتشرت دعوة الشيخ سعيد وتتمددت حتى أصبحت بعد ذلك من أهم روافد تيار الإسلام السياسي .. الذي وصل للحكم عدة مرات في تركيا وانقلب عليه الجيش في كل مرة فيها !!

- لقد حاربت الأتاتوركية المشروعين معاً .. وألحقت بهما ضرراً كبيراً، لكنهما مازالا مستمرين إلى هذه اللحظة في كل مكان وجد فيه المشروع الأتاتوركي.
- إلا أنه مع الوقت وبحكم التجرب حدث اشتباك بين المشروعين - الإصلاحي والثوري - .. لاسيما بعد سقوط الجماعات والتيارات الإصلاحية عن الحكم بواسطة الأتاتوركيين عدة مرات وفي عدة بلدان !
ونحن الآن نشهد اندفاعاً جماهيرياً قسرياً إلى مدرسة الشيخ سعيد بيران الكردي، ونشهد دخول العالم الإسلامي فيما يبدو أنه حسم لهذا الاشتباك عملياً!

- إن اختيار العناوين الصحيحة للمعركة ، وفهم حقائق الصراع، وأبعاده الكاملة ، هو الذي يؤهل الشعوب في محنها التاريخية لأن تنحاز للخيارات الصحيحة.

- إن الثورة على أتاتورك وعلى مشروعه القومي العلماني وعلى دولته الجنرالاتية..بدايةً من قيمها الحاكمة وانتهاءً ينظمها السائدة .. هي خطوة على الطريق الصحيح في اتجاه التحرر والاستقلال، وهي - أي الثورة - وحدها الإجابة الصحيحة على سؤالات التخلف والتقدم التي مازالت تطرح منذ 200 عام !

- إن المعركة الدائرة الآن في بلاد الأمة المحمدية الثائرة وبين جمهوريات الضباط - وإن كانت في تعبير من تعبيراتها معركةٌ بين المجتمع وبين مؤسسة مهيمنة عليه، أو معركة بين طين الأرض الأصيل وبين غُربة العقول والقلوب، أو معركة بين التحديث والتغريب .. أو معركة بين دعاة القومية ودعاة الخلافة - .... إلخ
إلا أن أن هناك قيمة واحد، وكليةٌ واحدة تظلت هي الوحيدة القادرة على جميع كل تلك المعاني تحتاه.

وهي كونها معركة بين "الإسلام والعلمانية" .. الإسلام القادم في أنقى صورهِ بعد أن جرب كل شيء، وخسر كل شيء، والعلمانية الراحلة في أسوأ صورها بعدما جربت كل شيء، ووصلت إلى كل شيء.

- إن الذين سيحاولون ترويض الإسلام سيفشلون، والذين سيحاولون "توفيق" أوضاعه ليتكامل مع العلمانية أو مع دولة الجنرال الاستعمارية سيفشلون ، وإن مهمة الشعوب المسلمة اليوم هو أن تبقى مسلمة، وأن تقاتل أتاتورك والأتاتوركين حتى النهاية. .. فهذه هي معركتهم الأخيرة، ويجب عليهم أن يخسرها.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير