12/18/2013

الحلقة الخامسة :- ( الثورة الفرنسية VS الرسالة المحمدية)

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : ديسمبر 18, 2013

المقداد جمال الدين---
 
" إن كان الفرنساوية - كما تزعمون - قاصدين أخذ بلادنا .. فإنا وإيّاهم نصطفل ..
هذه بلاد السلطان ..
ولا دخل للانجليز أو الفرنسيين فها"

- كان هذا هو رد الزعيم الشيخ محمد كريّم حاكم الاسكندرية .. في السابع والعشرين من يونيو عام 1798، عندما وصل أسطول من البحرية البريطانية شواطىء الاسكندرية بقيادة القائد " نلسن " ليعرض عليه حماية المدينة من الحملة الفرنسية القادمة إليه.

- لم يرد محمد كريّم - عليه رحمات الله - أن يُدنس تاريخنا المجيد بقبول الحماية الاروربية، واختار أن يقف بإمكانياته البسيطة مع شعبه ضد أعتى جيوش العالم، وأمام واحدٍ من أعظم القادة العسكريين في التاريخ ؛ الامبراطور نابليون بونابرت .. الرجل الذي أطلقت عليه أوروبا لقب " god of war " !

- كان الفارق الحضاري بين المعسكرين قد اتسع، وكانت نتيجة المعركة قد حسمت حتى قبل أن تبدأ، ودفع محمد كريّم رأسه ثمناً لموقفه البطولي الرافض للاحتلال وللحماية الأجنبية.. ليكون أول مسؤل مصري يُعدم بعد التعذب والحبس على يد من أنشدوا في شوارع باريس للحرية والإخاء والمساواة وحق الشعوب في تقرير مصيرها !

- كتب المؤرخ العظيم " الجبرتي " حاكياً عن تلك السنة التي نزل فيها الفرنسيس مصر قائلاً :- " هي أولى سني الملاحم العظيمة، والحوادث الجسيمة والوقائع النازلة ، والنوازل الهائلة وتضاعف الشرور، وترادف الأمور وتوالي المحن، واختلال الزمن، وانعكاس المطبوع، وانقلاب الموضوع، وفساد التدبير، وحصول التدمير، وعموم الخراب "

هكذا لم ير الجبرتي - وهو أحد أهم المؤرخين المعتمدين لهذه الحقبة - في الحملة الفرنسية وفي الثورة التي أنجبتها سوى " المحن والشرور والتدمير والخراب "، فلماذا تصر السلطات المتتابعة أن تحدثنا في مناهج التعليم المصرية عن مميزات تلك الحملة !

- أما " عن اختلال الزمن وانعكاس المطبوع وانقلاب الموضوع "
فهذه هي الحقيقة التي أفاق عليها الشرق الإسلامي بعد غيبوبة طالت لأكثر من 6 قرون، منذ أن طُردَ آخر الفرنجة من ساحل الشام، ومنذ أن أسر ملك فرنسا في إحدى القرى المصرية على يد المماليك!
ثم نام العالم الإسلامي على أن " المطبوع والموضوع " هو تفوقه غلى الغرب ، حتى ضربت مدفعية الثورة الفرنسية قلب الأمة المحمدية في مصر. ليكتشف الناس فجأة أن " المطبوع " قد انعكس، وأن " الموضوع " قد انقلب، وأن الخارطة بأكملها على وشك أن تتغير، وأن حرباً متجددة بين الأمة المحمدية برسالتها وحضارتها .. والغرب المسيحي بقيمه وحضارته قد بدأت بالفعل.

- ارتبك الشعب المصري قليلاً من هول المفاجأة .. ولكن الأمم التي تملك " ذاتاً حضاريةً " ورسالة خالدة، سرعان ماتستفيق من كبوتها، أما تلك التي لا تعلم من هي ؟ ولا ماذا تريد ؟ فإنه يُكتب عليها التيه، وتصير جزءً ثابتاً ومتكرراً من مخططات أعدائها.

- استجمع المصريون أنفسهم. وتوجهوا إلى الساحات قاصدين قيادتهم الشرعية التي كانت تقيم آنذاك في الجامع الكبير الشريف الزاهر الأزهر..
لتتفجر بعدها المقاومة الشعبية في كل مكان ..


المجتمع المقاوم
==========
رُفعت تقارير المخابرات والعملاء إلى قائد الاحتلال الفرنسي ساري عسكر نابليون بونابرته، واكتشف أنها جميعها يتكرر فيها كلمة واحدة .. وتشير كلها إلى مكان واحد
وهو " الازهر " !
بوضوح وبصراحة تتحدث وثائق وتاريخ تلك الفترة عن مقاومة " المسلمين " .. وعن طابعٍ " طائفي " لثورة القاهرة الأولى والثانية التي مثلت أعلى درجات رد الفعل الإسلامي المقاوم للاحتلال!
وإذا قال لك عدوك بأنك متطرف وارهابي وطائفي، فاعلم أنك تسير على الطريق الصحيح تماماً.

- أخرجت تلك الفترة نمطاً مقاوماً تلقائياً تمثل في 3 عناصر رئيسية وهي :-
" المجتمع الحي - الأمة الواحدة - والقيادة الشرعية"
* تجلت القيادة الشرعية في طلبة ومشايخ الازهر الشريف، الذي حافظوا على شرف العمامة، وأفتوا بوجوب جهاد المحتل، وقادوا بأنفسهم ذلك الجهاد.
* والمجتمع الحي الذي جُند كله - شيوخ وفلاحين وحرفين وعرب ... إلخ - لمقاومة الاستعمار، حتى تحولت الشوارع والحواري والدكاكين والمساجد إلى ساحات للعمل المقاوم المنظم ..
* والأمة العابرة للحدود، التي ظهرت في أعلى درجاتها في حادثة مقتل كليبر قائد الجيش الفرنسي على يد سليمان الحلبي ( السوري) بعد أن كان قد استفتى الشيخ محمد العزي (الفلسطيني) .. لكي يدافع عن الشعب (المصري) ضد الاحتلال ( الفرنسي)

لقد كان واضحاً للثورة الفرنسية القومية أنها تواجه " قيماً " بعينها غير موجودةٍ في أوروبا .. مصدرها " دين " أصحاب تلك القيم التي تخالفه أوروبا!!


منظومة الاستعمار
===========
- ليس الاستعمار واقعة احتلال أو فعل استبداد أو قهر شعبٍ وحسب، وإنما هو " فكرة " ومنظومة تتسم بالمرونة، وبقدر مايكون شعب ما او أمة ما منهزمة في داخلها. تائهة في معرفة نفسها، غير مقدرة لرسالتها؛ بقدر ماتصبح أكثر قابلية لأن تصبح مفعولاً به في التاريخ لا فاعل، حتى لو كانت تمتلك كل عوامل النهوض والقوة !

- يحدثنا تاريخ الاحتلال الفرنسي عن " الجنرال يعقوب " أو " المعلم يعقوب " ذلك الرجل القبطي العميل الذي عذب الشعب المصري، وأعان الحملة الفرنسية في الصعيد بقيادة الجنرال " ديزيه " في تأديب أهلها الثائرين !
ثم رقاه الجنرال" جاك مينو "فجعله جنرالاً .. وأمره بتأسيس " فيلق قبطي " شارك في إجهاض وحرب ثورة القاهرة الثانية !
ثم فيما بعد عهد إليه "كليبر" بمهمة اقتصادية أسماها بـ "تنظيم مالية مصر" .. ولكن الشعب المصري - بفطرته الحيّة - سمّى هذه المهمة الاقتصادية بـ " جمع الفِردة " ! لأنه جمع منهم ضرائب تقدر بـ 12 مليون فرنك على سبيل " الفِردة " أي رغماً عنهم !!
و12 مليون فرنك هو رقم خيالي بحسابات تلك الفترة، يفوق أضعاف تكلفة الحملة الفرنسية نفسها !

- " النخبة الفكرية المصنعة المزيفة التي تقول مايقوله العدو + والأزمات الداخلية الطاحنة + والتخلف المنظم + والاحتراب الأهلي + والفتن الداخلية + والاقتصاد المزيف + والنهب المستمر + والاعتداء على المقدسات والحقوق + والقادة العسكريون العملاء "
ذلك هو مزيج الاستعمار ومنظومتة التي أنشأتها الثورة الفرنسية أول مرة في بلادنا ... ومازالت قائمةً إلى اليوم !

- المعلّم يعقول هو " حالة " استعمارية .. لخص المؤرخ العظيم" الجبرتي " مهمته ورؤيته عن استعانة الفرنسيين به قائلاً أنه كان( يُـعرفهم الأمور ويـُطلعهم على المخبآت )
وهذا هو دور النخب العلمانية، وكبار المسؤلين، وقادة عسكر كامب ديفيد في بلادنا الآن.
يُــعرّفون القوى الاستعمارية العظمى أمور بلادنا، ويحافظون على مصالحهم فيها، ويُطلعوهم على مخبآت مواردها وخيراتها ومصادر قوتها .. كي لا تقوم لها قائمة أبداً،

الحرب التي لم تنتهي بعد
================
- انهزم الفرنسيون وورثهم الانجليز، ودخلوا مصر واستعمروها لعقودٍ طويلة، بعد أن نجح ( محمد علي ) في تدجين المجتمع وتغريبه ! ليتفاجىء التاريخ ويتعجب كاتبه من تلك الأمة التي استسلمت للبريطانين ! وهي بالأمس القريب فقط قد هزمت من هو أقوى منهم !

- ومنذ ذلك الحين تطورت الحرب بيننا وبين الاستعمار .. ومرت بمرحلتين رئيسيين :-
1- مرحلة الاستعمار المباشر :- على يد الفرنسيين والانجليز
2- ثم مرحلة الاستعمار غير المباشر :- على يد النخب وممثلي الأيدلوجيات التي أنتجها الاستعمار وحكمتنا من بعده، والتي كانت وظيفتها هي السهر على مصالح الأعداء وتنفيذ رغباتهم .. واغتيال أي محاولة للتحرر أو البعث الحضاري لتلك الأمة، بكل طريقة وبكل وسيلة، وتحت قيمةٍ واحدة وحيدة ظلت هي المشتركة بينها جميعاً؛ وهي " العلمانية "

- لقد اخترعت الثورة الفرنسية العلمانية، واستطاعت هزيمة الدين المسيحي، وسيطرت على أملاك الكنائس وأعدمت رجال الدين، وأتبعت كل شيء " مقدس " عند المسيحية ليتبع السلطة " المدنية " فيها .. وحددت هي ماذا يجب على الدين أن يفعل ؟ وماذا عليه أن لا يفعل ؟ ثم خرجت بمقاربة بين الدين والسياسية.. آمنت بها أوروبا كلها فيما بعد وصارت دينها الجديد.
ثم جائت إلينا تلك المقاربة عبر البحر المتوسط لتدخل أول مرة أراضينا المحروسة .. محشورةً بين قذائف مدفعية امبراطور أوروبا ساري عسكر نابليون بونابرتة.

- لقد كان ينتظر الإسلام في مصر مصيراً مثل مصبر المسيحية في فرنسا، وكان ينتظر المسجد مصيراً مثل مصير الكنائس في فرنسا، ولكن هذا مالم يحدث ، لأن " المسلمين " في مصر قرروا أن لايحدث هذا، ومازالت الثورة الفرنسية وعملائها في محاولاته، وعلى مايبدو مازال أبناء مصر الأزهر على قرارهم !

أخيراً أقول :-
لقد استعبدتنا العلمانية الفرنسية بالسلاح والقهر .. ومنذ ذلك الحين مازالت تستعبدنا بالسلاح والقهر. لم تحكمنا ابدا برضانا, ولم نسكن بيننا ولو للحظة واحدة باختيارنا .
قاومناها منذ اللحظة الاولى ولا نزال نقاوم .. جيلاً بعد جيل .. من محمد كريم وعمر مكرم الى ابنائهم واحفادهم .. ثوّارٌ ضد الانجليز او ضد الفرنساوية او ضد الحكام العلمانين العرب ..كنا ولا زلنا وسنبقى .. لم ينتصروا علينا نصرا كاملا ابدا .. ولم نهزم نحن هزيمة كاملة ابدا.

ومازالت الحرب المستمرة ..
بين الثورة الفرنسية العلمانية، وبين الرسالة النبوية المحمدية.



يُــــــتـــبع

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير