7/15/2013

حجاب الرّؤية

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : يوليو 15, 2013
عبد الغني مزوز---

بالصدفة وأنا أبحث في أحد المواقع الالكترونية وقعت عيني على مقال للكاتب والمفكر السعودي عبد الله السفياني, المقال يعتبر فتحا سيكولوجيا وفقهيا بامتياز, وقد أخبرت الكاتب بذلك في دردشة لي معه على تويتر وقد أخبرني أن له كتابا بنفس الاسم والموضوع, مقال حجاب الرؤية, يحاول البحث عن المحددات الخفية للموقف الفقهي والديني وبالضبط المحدد النفسي, فكل صاحب رأي فقهي لا يسند رأيه بالضرورة لمسوغات فقهية وحجاجية نابعة من الكتاب والسنة, بل قد يكون البعد النفسي أو العاطفي أو العادة والطبيعة النفسية أكثر حسما في اختياره لهذا الموقف او هذا الرأي أو هذه الفتوى.فلنترك القراء مع المقال كاملا


قراءة في أثر الطّبيعة النّفسيّة والعادة على الخطاب الفقهيّ

حجاب الرّؤية


عبد الله السفياني

- إطلالة

في كتابه مع النّاس يقول الفقيه الأديب علي الطنطاوي: (أمّا حَلْق اللّحية فوالله لا أجمع على نفسي بين الفعل والقول السّيّئ ولا أكتم الحقّ؛ لأنّي مخالفه ولا أكذب على الله والنّاس، وأنا مقرٌّ على نفسي أنّي مخطئ، ولقد حاولت مرارًا، ولكن غلبتني شهوة النّفس وقوّة العادة، وأسأل الله أن يعينني على نفسي).

- مسافة بادئة

إنّ الدّراسات التي كُتبت وتُكتب عن النّفس البشريّة تكشف كلّ يوم عن جهل الإنسان بكثير من جوانبها؛ لأنّ اكتشاف كلّ شيء جديد في عوالمها ينبئك عن مدى الجهل العميق من جهة أخرى بهذه العوالم التي تستتر عنّا.

وهذا مدخل مبسّط يحاول أن يعبر إلى محيط له علاقة بإرادة الإنسان الحرّة، وفي جانب من أهمّ جوانبها وهو الاختيار.

فبعض علماء النّفس والفلسفة يعرّف الإرادة بأنّها حرية الاختيار دون إجبار أو إكراه.(1)

عمليّة الاختيار التي تنمّ عن حريّة الذّات البشريّة كيف تتمّ..؟ ولماذا يختار الشّخص هذا اللّون دون ذاك..؟ وهذا الأكل دون الآخر..؟ ولماذا يختار هذا الرأي ويرجّحه على غيره من الآراء؟

هل الإنسان حقًّا حرٌّ في اختياراته بدرجة لا يتطرّقها الشّكّ..؟ أم أنّ إرادة الإنسان خاضعة لضغوطات خارجيّة بيئيّة أحيانًا وداخليّة نفسيّة أحيانًا أخرى..؟ وأمام هذه الضغوطات التي لا يشعر بها أحيانًا كثيرة يظنّ نفسه حرًّا في اختياره وترجيحه!

هذه الأسئلة يمكننا أن نديرها على سلسلة الثّقافات والعادات التي تمايز الشّعوب والقبائل لنكشف لماذا يفضّل شعب ما طعامًا على غيره ..؟ هل لفائدته الغذائيّة..؟ وطعمه اللّذيذ..؟ وإذا كان كذلك لماذا لا تفضّله شعوب أخرى؟ أم أنّ الفائدة الغذائيّة والطّعم تخضع هي الأخرى لنوعيّة من المعايير تختلف من شعب لآخر ومن فرد لفرد؟!

ليس من مهمّة هذه المقالة أن تبتعد كثيرًا في دراسة تجليّات هذه الظّاهرة في سلوكيّات وعادات الشّعوب؛ لأنّ ذلك ليس مختصًّا بالأطعمة والألوان وطرائق الحياة، بل هو ممتدّ إلى عالم الأفكار والأخلاق والمذاهب والأديان!

يهمّنا هنا أن نخرج قليلاً لندخل من باب أضيق إلى منظومتنا الثّقافيّة الفكريّة الإسلاميّة، ونلج مباشرة إلى قضيّة الاختيارات الفقهيّة للفقهاء!

لماذا يختار فقيهٌ ما التّحريم ويختار آخر الإباحة أو الكراهة أو التوقّف في مسألة واحدة؟! هل النّظر العقليّ المحض هو دليل الاختيار وسببه؟ وإذا كان الأمر كذلك لماذا تتباين الآراء الفقهيّة بينهم حتى تصل إلى حدّ التّناقض؟ وتتعدّد حتى لا تكاد تحصيها كثرة؟

هل العقل والحقّ يتعدّد بحيث يصعب حصره؟ أم هناك قوى نفسيّة خفيّة تظهر حينًا وتغيب أحيانًا؟ هل تخضع نفس الفقيه لاعتبارات الضغوط النّفسيّة والبيئيّة التي ينتمي لها؟

هذا المقال يحاول أن يسلّط الضّوء على هذا الحيّز المهمل في المنظومة الأصوليّة الفقهيّة والفكريّة على حدٍّ سواء لاعتبارات عدّة، من ضمنها نظرة الإجلال والإكبار التي يُنظر بها عادة إلى أهل العلم والفقه، وتمكّنهم من العلم وطلبهم للحقّ وتوارث هذه النّظرة التي تصل في بعض الأحيان إلى حدّ التّقديس للأجيال المتعلّمة، بحيث انطفأت فكرة تأثير الدّوافع النّفسيّة والاجتماعيّة على اختيار الفقيه.

ومع أنّنا يجب أن ندعم فكرة حفظ مكانة أهل الفضل، ونعرف لهم قدرهم ونعتذر عنهم، لكنّنا في المقابل ضدّ ملائكيّتهم وإخراجهم من دائرة البشريّة التي من كمالها خضوعها لنزعات النّفس البشريّة الطّبيعيّة، ودخولها ضمن منظومة الطّبع الإنسانيّ المتغيّر والمتقلّب بكلّ ما فيه من نزعات خير وشر.

- اقتراب

في بداية المقال صَدَرْنا عن كلمة الشّيخ علي الطنطاوي -رحمه الله- وهي بداية معتمدة، ولو تكرّم القارئ وعاد مرّة أخرى لنصّ الاقتباس لظهر له بعض الكلمات التي هي مدار هذه المقالة ومنها: (النّفس – القول – الفعل - الشّهوة - العادة).

نحن أمام فقيه لديه إشكالية أُخِذت عليه وهو عدم إطلاقه للّحية، وهي مسألة فقهيّة خلافيّة تدور بين الوجوب والاستحباب.

وأمام هذا الإحراج السّلوكيّ لماذا لم يختر الطنطاوي القول بالاستحباب ليخرج عن الحرج الاجتماعيّ الذي شكله له حلْقه لِلِحيته في فترة من فترات عمره؟!

لقد وقع الطنطاوي -رحمه الله- بين نارين: نار القول الذي يراه سيّئًا، وهو القول بإباحة الحَلْق، ونار الفعل السّيّئ وهو الحَلْق.

وقد اختار رحمه الله أن لا يجمع بين النّارين فيكون سيّئًا في قوله وسيّئًا في فعله!

الطنطاوي في هذا النّصّ كان منفتحًا على ذاته قادرًا على مصارحتها، وهزّها من الدّاخل؛ فاعترف بوجود شهوة غالبة وعادة طاغية انتصر عليها بقوله وعجز عنها في فعله!

لكن، ماذا عن الذين لم يستطيعوا أن ينتصروا على هذه الشّهوة في مستوى القول، وبقي ذلك خفيًّا عنّا لا نملك عليه دليلاً قطعيًّا، واستتر هذا الضّعف ضمن اختياراتهم الفقهيّة التي لم يصرّحوا فيها بما صرّح به الطنطاوي؟!

هل كلّ هؤلاء العلماء والمفكّرين والفقهاء كانوا على هذا القدر من الانفتاح مع الذات، والتّصالح معها، والقدرة على مواجهتها، بحيث إذا تعارضت عنده الرّغبة مع الاختيار العقليّ انتصر للعقل والحقّ دون مبالاة وبكلّ شفافيّة، حتى لو ناقض ذلك سلوكه الظّاهريّ؟!

الحقيقة أنّ الانفتاح على الذّات والتّصالح معها ليس بهذه السّهولة التي يمكن لكلّ أحد أن يدّعيها لأسباب من أهمّها:

·        وقْعها الشّديد على النّفس خاصّة كلّما كان التّناقض بين الرّغبة والاختيار العقليّ صارخًا!

·        أنّ بعض هذا التّناقض خفيّ جدًّا ويمرّ عبر مسارات نفسيّة لا يكاد يشعر بها الفقيه والمفكّر، وتفرض عليه نمطًا من الاختيار يتلبّس عادة بالعلميّة وإرادة الحقّ والرّاجح والصّحيح من الأدلّة، مع أنّ الدّافع النّفسيّ وغلبة العادة تندسّ في تضاعيفها.

وليس من شرط أن يكون الاختيار الفقهيّ المتسرّب عبر رغبات النّفس في الجانب الأيسر الذي تنزع إليه الشّهوة الإنسانيّة في العادة، بل قد يكون كذلك وبنفس الدّرجة في الجانب الأشدّ من المعادلة، فيختار أعسر الأقوال وأشدّها؛ لأنّ النّفس لها في ذلك منزع سنسلّط الضّوء عليه.

- الأنا العليا

لو أردنا أن نستعين بمدرسة التّحليل النّفسيّ وبآراء فرويد عن النّفس الإنسانيّة، مع علمنا بكميّة الانتقاد الذي قد يُوجّه إلينا في ذلك، لكنّنا سنتحمل ذلك في سبيل الحصول على نظرة نفسيّة أكثر اقترابًا ممّا نحن بصدده.

يرى فرويد أنّ النّفس البشريّة تتكون من ثلاثة أقسام هي:

·        الهو (id ).

·        الأنا (ego ).

·        الأنا العليا (super ego ).

وهذه الثّلاثة الأقسام تتداخل فيما بينها في عمليّة ديناميكيّة للرّبط بين مستويين مهمّين في النّفس البشريّة هي الشّعور واللاشعور.

فيرى فرويد أنّ (الهو) هو المنطقة التي تختزن عالم الرّغبات والشّهوات، وما تطلبه النّفس البشريّة من غرائز طبيعيّة بغض النّظر عن واقعيّتها أو قانونها، بل يعمل على مبدأ جلب اللّذة ودفع الألم، لذلك هو منطقة لاشعوريّة وعمياء، وتختزن التّجارب الإيجابيّة والسّلبيّة والعمليّات العقليّة المكبوتة.

أمّا (الأنا) فهي منطقة تلعب الدّور المنظّم بين (الأنا العليا) و(الهو)؛ فهي تقبل بعض طلبات (الهو)، ولكن وفق رؤية اجتماعيّة مقبولة، وتربط بين غرائز (الهو) وقوانين وعادات المجتمع، لذلك يمثّل الإدراك والتّفكير والحكمة والاتّزان، ويعتبره فرويد مركز الشّعور، ولكنّ كثيرًا من عمليّاته تتمّ في منطقة يسمّيها ما قبل الشّعور، لذلك غالبًا ما تكون واعية وواقعيّة.

و(الأنا العيا) -وهي ما يهمّنا هنا- منطقة واعية جزئيًّا، وهي تشكّل الضّمير الأخلاقيّ والوازع الذي يفرض القانون والتّشريع، وهي صورة الشّخصيّة في تحفّظها وعقلانيّتها المتناهية حيث تتحكّم الأخلاق والقيم، بعيدًا عن الشّهوات والغرائز، لذلك هي مثاليّة، وتتّجه للكمال وليس للّذة، ويعارض (الأنا) في واقعيّتها و(الهو) في اتّجاهه لِلّذة.

ويمكننا أن نقول ما قال به عالما النّفس هول و لندزي (Hall & Lindzey ) إنّ (الهو) هو المكوّن البيولوجي الحيويّ من الشّخصيّة، و(الأنا) المكوّن النّفسي، و(الأنا الأعلى) المكوّن الاجتماعيّ.

والسّؤال هنا: كيف تتشكّل (الأنا العليا)؟

تتشكّل (الأنا العليا) عبر التّربية والتّنشئة الاجتماعيّة والقوانين التي يتلقّاها الفرد من مجتمعه، ويتمّ تغذيتها باستمرار من خلال المدرسة والمناهج واللّقاءات والحوارات، وبِقدْر ما تتلقّى من مثاليّات وقوانين تؤمن بها بِقدْر ما تتضخّم ويكون لها قوّتها وتأثيرها.

- الأنا العليا .. الرّقيب الصارم

إذا تشكّلت (الأنا العليا) بالصّورة التي ذكرناها فإنّها تملي مثاليّتها على (الأنا) الذي يقوم بتنظيم رغبات (الهو)، ويحاول (الأنا) أن يكون تنظيمه واقعيًّا يربط بين الحاجات الفعليّة لـ(الهو) وبين القيم التي تفرضها (الأنا العليا)، ولكن كلّما زادت مثاليّة (الأنا العليا) وقوّتها تخلخلت (الأنا) وضعفت أمام مثاليّتها وقمعها، وكذلك إذا ضعفت (الأنا العليا)، وكان سقف المثاليّات منخفضًا وقوّة القوانين أضعف كان ضغط (الهو) أكبر وأقوى، وتسرّبت عبر (الأنا) المنظّمة بعضًا من هذه الرّغبات في صور يشعر بها الفرد أو لا يشعر بها، خاصّة إذا كانت مرتبطة بتجارب سابقة تختزنها (الهو) في اللاشعور.

إنّ (الأنا العليا) ومدى قوّتها وتنشئتها ومثاليّتها قد يفسّر لنا مثلاً اختيار بعض الفقهاء لقاعدة سدّ الذّرائع على فتح الذّرائع أو فتْحها على سدّها، أو كشف الوجه على تغطيته، أو الغناء على حرمته والعكس.

فالفقهاء كغيرهم من البشر مرّوا بتنشئة اجتماعيّة معيّنة زوّدتهم بكثير من القيم والأخلاق والرّؤى والأفكار، تتفاوت هذه القواعد والرّؤى من بيئة لأخرى، ومن مجتمع لآخر تبعًا لِما يُشاع فيه من قول فقهيّ أو مذهب معيّن، هذا بالإضافة إلى نوعيّة التّنشئة التي خضع لها الفقيه وعلاقتها بالشّدّة والرّفق، والقسوة واللّين، وما مرّ به من تجارب شخصيّة تجاه أفكار أو آراء أو ماديّات معيّنة كوّنت هذه التّجارب لذّة أو ألمًا انطمس في الجزء المغيّب من اللاشعور الإنسانيّ، يتسرّب في كثير من الأحيان، دون أن تدركه النّفس، فيجد نفسه يميل لقول أو يقف ضدّه، دون أن يدرك في الحقيقة سرّ هذا الانجذاب أو النّفور حتى وإن ظهر في صورة دليل علميّ.

وتفّسر هذه النّظرة أيضًا نزوع بعض الفقهاء إلى القول بالأحوط والتزامه به في كثير من فتاواه، بينما يرى آخرون أنّ الأحوط ترك الأحوط، ويفسّر توقف بعض الفقهاء في مسألة معيّنة؛ لأنّه يرى خفاء الدّليل فيها، بينما تكون في حقيقتها تعارضات بين المناطق الثّلاثة وعدم الشّعور بالارتياح النّفسيّ في ذلك، وربّما عمد بعض الفقهاء للأخذ بالأحوط في حقّ نفسه فقط، مع فتح الباب لغيره وهكذا.

- أنماط الشّخصيّة

يلعب الشّعور واللاشعور والعلاقات الدّيناميكيّة بينهما عبر الأقسام الثّلاثة السّابقة دوارًا كبيرًا في تشكيل نمط الشّخصيّة، ولا تتشكّل هذه الأقسام والأنماط إلاّ عبر الوسائط التّربويّة والاجتماعيّة المختلفة، بالإضافة إلى العامل الوراثيّ الذي يرى بعض العلماء أنّ له مساهمة لا يُستهان بها في تشكيل النّمط.

والدّراسات التي تجري حول تحليل الشّخصيّة تأخذ حيّزًا كبيرًا في علم النّفس، والذي نودّ الإشارة إليه هنا أنّ نمط الشّخصيّة (انطوائيّة – انبساطيّة – عدوانيّة – خجولة - عقلانيّة - مفكّرة عاطفيّة – حسيّة – حدسيّة – ثوريّة – متمرّدة - مستقلّة ...الخ)، له أيضًا دور في نوع الاختيار والنّزوع النّفسيّ الإراديّ والعقليّ والانفعاليّ نحو شيء دون الآخر.

ولذلك قد نجد الشّخصيّات ذات النّمط المتشدّد الحاسم والمتصلّبة في آرائها تميل تلقائيًّا إلى الأقوال والآراء التي تتّسم بالشّدّة والاحتياط والتّحفّظ لتناسبها مع طبيعتها النّفسيّة، وفي المقابل قد تجد الشّخصيّة المنفتحة والانبساطيّة تتّجه للأقوال الأقلّ تشدّدًا وأكثر تسامحًا وهكذا.

هذا الذي ذكرناه من الأنماط الشّخصيّة يفسّر التّنوّع الذي نجده في ساحة الحركات الإسلاميّة؛ فالذين يتمتّعون بشخصيّات قويّة وشديدة تميل للعدوان يجدون أنفسهم يتأثّرون بالأطروحات التّكفيريّة أو الجهاديّة ذات البعد المتطرّف، وينساقون إليها، ويمارسون ما يناسب نمطهم النّفسيّ، ولكن في قالب مشرعن، وإن كانوا لا يشعرون بفكرة النّمط!

وإذا قدّر لشخص صاحب نمط غير متشدّد ومنبسط، ويتمتّع بقدر كبير من الانفتاح مثلاً أن يعيش في وسط منغلق ومنكفئ ومتشدّد فإنّه -وإن بقي فترة في هذا الوسط الذي لا يناسب نمطه- سرعان ما ينقلب على هذا الوسط بشكل شبه ثوريّ في أقرب فرصة نفسيّة مواتية، ويكون ارتداده أكثر تطرّفًا؛ لأنّ النّفس التي ظلّت خارج نمطها الشّخصيّ تحاول تعويض ما فات.

وقد يفسّر لنا هذا ما يحدث من بعض الذين خرجوا من تيارات إسلاميّة محافظة أو متشدّدة إلى أجواء أكثر ليبراليّة وتحرّرًا ليثوروا على الكبت الذي كانت تعيش فيه أنماطهم الشّخصيّة ..! خاصّة أولئك الذين أصبحوا متديّنين من فترة مبكّرة في طفولتهم ومراهقتهم، وحرموا أنفسهم أو حُرموا بموجب تربيتهم من كثير من احتياجات مراحلهم العمريّة، وعاشوا حياة أكثر صرامة وجدّيّة، ولم يعيشوا طفولتهم ومراهقتهم بكامل تجلّياتها الطّبيعيّة المقبولة.

وعليه يمكننا أن نقول أيضًا إنّ أصحاب الشّخصيّات ذات الطّابع المتمرّد والثّوريّ والمستقلّ يرفضون عادة البقاء ضمن أطر الحركات الإسلاميّة، وإن بقوا فترة معيّنة فإنّه لا يطول بهم البقاء؛ لأنّ النّفس لا تجد ما يناسب نمطها الطّبيعيّ!

ولو قُدّر لباحث أن يقدّم دراسات تحليليّة لشخصيّات المنتمين إلى التّيّارات الإسلاميّة أو الأحزاب السّياسيّة مستخدمًا مقاييس نفسيّة شخصيّة معتمدة كمقياس (آيزنك EPQ-R )، ثم يقارن بين هذه الأنماط ومدى ملاءمتها للأفكار والأجواء التي توفّرها هذه الأحزاب لربّما وجد كثيرًا من التّوافق على مستويين:

الأوّل: توافق بين هؤلاء الأفراد وتشابه كبير في أنماطهم.

الثّاني: توافق بين هذه الأنماط المتقاربة وبين ما تقدّمه الحركة أو الحزب من برامج وأفكار.

مع العلم أنّ أكثر هؤلاء لا يدخلون ضمن هذه الحركات والأحزاب من قبيل المعرفة بفكرة النّمط الشّخصيّ، ولكنّ النّفس تقود صاحبها عادة إلى ما يناسبها من غير شعور ووعي مسبق! وإن أخطأت المسلك فإنّها ما تلبث أن تبحث عن مخرج آخر يعود بها إلى سمْتها الأوّل، وقد تكون هذه العودة في صورة أكثر تطرّفًا!

خرج بنا القول عن فكرة الاختيار الفقهيّ إلى الاختيار للمذهب أو الحركة أو الحزب، ولكنّ الفكرة تكاد تكون متقاربة؛ فالنّمط الشّخصيّ يؤثّر على صاحبه في اختيار وترجيح قول دون آخر، ويشعر بقبول وارتياح له؛ لأنّه ألصق بطبيعته النّفسيّة! وليس هذا من قبيل الهوى والتّشهّي بل هو أثر قد لا يدركه الفقيه، ويعضده دليل وبرهان يستند إليه!

- الفكر والسّلوك

العلاقة بين الفكر والسّلوك هي علاقة تبادليّة، ويؤثّر كلّ واحد في الآخر ويساهم في تكوينه، والشّائع أنّ الفكر هو الذي يشكّل السّلوك ويدفعه، وهذا صحيح إلى حدّ كبير، ولذلك كانت دعوة الأنبياء قائمة على تغيير الأفكار التي ينتج عنها فيما بعد شرائع وسلوكيّات جديدة تتوافق مع دعوة الأنبياء إلى التّوحيد.

وفي المقابل فإنّ الممارسات السّلوكيّة قد تكوّن أفكارًا لتوجد لها مساحة جديدة في العقل البشريّ، ذلك أنّ الممارسة المتكرّرة للسّلوك المعارض لفكرة مسبقة يولّد لدى النّفس رغبة في إيجاد مسوّغ فكريّ ومخرج منطقيّ لهذا السّلوك الذي يؤرّقها تعارضه مع منظومة الأفكار المسبقة، ممّا يدفع العقل في عمليّة عكسيّة يقوم فيها باختيار فكرة كانت مرجوحة لتريح النّفس اللّوّامة من عناء التّصادم السّابق!

وقد يفسّر هذا كثيرًا من تغيّر بعض آراء الفقهاء من التّشدّد إلى ما يرونه يسرًا، فيختارون قولاً كان مرجوحًا عندهم إمّا بوعي تامّ ودافع نفسيّ واضح، أو بعمليّة نفسيّة لا شعوريّة مسوّغة في صورة دليل وحاجة وضرورة مجتمعيّة، والعكس كذلك ينطبق على هذه الحالة في حالة ممارسة الشّخص لفعل كان يراه تشدُّدًا بشكل دوريّ؛ نظرًا لانخراطه في مجموعة رفاق أو بيئة جديدة، فلا يجد بدًّا من تبريره باختياره قولاً راجحًا بعد أن كان مرجوحًا.

وعلاقة الأفكار العقلانيّة وغير العقلانيّة بعالم النّفس وتأثيرها عليها علاقة معروفة لعلماء النّفس تمامًا، وهناك مدرسة نفسيّة تعنى بهذا الجانب هي مدرسة العلاج العقلانيّ الانفعاليّ ومؤسّسها ألبيرت إليس (Ellis )، وأول مسلّماتها أن الفكر والانفعال توأمان، وهما مترابطان ومتفاعلان، ويؤثّران في بعضهما، وأنّ الفكر والانفعال والسّلوك أضلاع لمثلّث واحد.

ولذلك فإنّ دراسة السّير الذّاتيّة للفقهاء والعلماء والمفكرين قد تكشف كثيرًا من جوانب اختياراتهم الفقهيّة والفكريّة تبعًا لما عُرف من سلوكيّات وانفعالات كان لها أثرها في الاختيار والتّرجيح.

- العادة والبيئة

مرّ سابقًا في كلمة الطنطاوي واعتذاره بالعادة، وأنّها غلبته على سلوكه، وهي رؤية مميّزة منه رحمه الله، ويمكننا أن نقسّم العادات إلى خاصّة وعامّة، ونقصد بالخاصّة تلك العادات التي يتميّز بها شخص عن آخر، وتشكّل شخصيّته، وعادةً ما تنشأ عن ممارسات متكرّرة لنوع معيّن من السّلوك يشعر صاحبها بالصّعوبة في الخلاص منها.

أمّا العادات العامّة فهي التي تكون جزءًا من حضارة وثقافة بيئة من البيئات أو مجتمع من المجتمعات؛ وتتشكّل عبر الزّمن وتتوارثها الأجيال، وتنظر لها عادة بعين الإجلال والاحترام وعدم المساس.

وتنشأ العادات في بعض الأحيان حول قيمة من القيم كالكرم مثلاً، فتتموضع حوله عدّة ممارسات تحافظ هذه الممارسات على هذه القيمة المجتمعيّة، كطريقة استقبال الضّيف أو ما يُقدّم له في الضّيافة ووقت قيامه وجلوسه إلى غير ذلك.

والسّؤال هنا: ألا يمكن أن تتسرّب بعض العادات الاجتماعيّة إلى الدّين، وتشكّل رؤية فقهيّة حول قضيّة من القضايا القيميّة أو الشّرعيّة، كالمرأة أو العرض والشّرف والغيرة وغيرها من القيم والمعاني؟

لا أظنّ أنّ هناك عاقلاً ينكر تأثير العادة والبيئة في تشكيل منظومة القيم بل والمذهب والدّين الذي يؤمن به الشّخص فضلاً عن أمور هي أدقّ من هذه!

فالذين وُلدوا في ديار الإسلام هل كانوا سيكونون مسلمين لو وُلدوا ونشؤوا في الفاتيكان مثلاً..؟

يقول علي الوردي: "حين يدافع الإنسان عن عقيدة من عقائده المذهبيّة يظنّ أنّه يريد بذلك وجه الله أو حبّ الحقّ والحقيقة، وما درى أنّه بهذا يخدع نفسه. إنّه في الواقع قد أخذ عقيدته من بيئته التي نشأ فيها، وهو لو كان نشأ في بيئة أخرى لوجدناه يؤمن بعقائد تلك البيئة من غير تردّد" (2)

وهذا الكلام فيه جانب كبير من الصّحّة، وربما يكون حديث الرّسول -صلّى الله عليه وسلّم-  المتفّق عليه (كلّ مولود يولد على الفطرة؛ فأبواه يهوّدانه أو ينصّرناه أو يمجّسانه) يدلّ على هذا وغيره، وتظلّ هداية الله وتسخير أسبابها للأشخاص وراء كلّ هذا!

لذلك فإنّ فكرة الحرّيّة التّامّة والاختيار المجرّد في الفقه وغيره فكرة ليست دقيقة تمامًا؛ فالإنسان محاصر برؤى فكريّة مسبقة نشأ عليها، وبإطار نفسيّ داخليّ محكم يؤثّر عليه بشعور منه أو غير شعور.

- غناء المدينة .. نبيذ العراق.

شاع في المدوّنة الفقهيّة تلك المقولة التي تصف تساهل فقهاء المدينة في مسألة الغناء وإباحتهم له، وتصف أهل العراق بإباحة النبيذ، وأهل مكة بإباحة زواج المتعة!

ولا يهمّ هنا دراسة صحّة هذه النّسبة سندًا ومتنًا، بقدر ما يهمّنا دلالتها الرّمزيّة على ما نحن بصدده من تأثير العادة والطّريقة المألوفة في مجتمع معيّن على قولبة أفراده وتأثيره فيهم وفي اختياراتهم، التي يظنّون أنّها حقّ مدعّم بالدّليل.

يقول أبو زرعة رحمه الله: "نتجنّب من قول أهل العراق خمسًا، ومن قول أهل الحجاز خمسًا:

من قول أهل العراق: شرب المسكر، والأكل عند الفجر في رمضان، ولا جمعة إلاّ في سبعة أمصار، وتأخير العصر حتى يكون ظلّ كلّ شيء أربعة أمثاله، والفرار يوم الزّحف.

ومن قول أهل الحجاز: استماع الملاهي، والجمع بين الصّلاتين من غير عذر، والمتعة بالنّساء، والدّرهم بالدّرهمين، والدّينار بالدّينارين يدًا بيد، وإتيان النّساء في أدبارهن"(3).

وهذه المقولة التي وردت في ترجمته في السّير تشير إلى زوايا من النّظر منها:

- نسبة القول إلى أهل البلد دون شخص بعينه، وأنّها قول أهل العراق وأهل الحجاز، ما يعني ما أشرنا إليه من كون القول أو المذهب يخضع للتّدويل الاجتماعيّ ويتلبّس بعد ذلك بلبوس الشّرع، وقد يكون في أساسه شرعًا، ولكن ما جعل له الذّيوع على حساب غيره من الشّرع هو العرف والعادة.

- ترى لو كان الاحتكام في الاختيارات الفقهيّة مجرّدًا عن النّفس وعن العادة وعن الضّغوطات التي أشرنا إلى شيء منها، هل كانت هذه الأقوال متجنّبة عند أبي زرعة من جهته رحمه الله؟

- هل كان أهل العراق والحجاز يدركون أنّ ما قالوا به خطأ لا يوافقون عليه، أم كانوا يرون أنفسهم مع الدّليل والحجّة والبرهان؟

- هل كان قول أبي زرعة -رحمه الله- مجرّدًا عن النّشأة التي نشأ فيها والبيئة التي عاش فيها في الرّي، ولم يكن لها ولرحلاته إلى مصر والعراق والحجاز أثر في اخيتاره ودور في تجنّبه لهذه الأقوال؟

لا أشكّ إطلاقًا أنّ كثيرًا من أهل العلم اختاروا ما رأوه حقًّا، ولكن كيف تمّت عمليّة الاختيار وكيف تكوّنت، وهل مجرّد نيّة الحقّ وإرادته تمنع الباحث من محاولة الكشف عن اللّبوسات النّفسيّة والاجتماعيّة التي تحيط بالفقيه، وتؤثّر على اختياره وترجيحه.

يحدّثنا ابن تيمية -رحمه الله- عن غلبة العادة، وكيف كانت مسيطرة على أهل الكوفة في مسألة النّبيذ وموقف الإمام أحمد -رحمه الله- فيقول:

"وأهل الكوفة في باب الأشربة مخالفون لأهل المدينة ولسائر النّاس، ليست الخمر عندهم إلاّ من العنب... وصنّف الإمام أحمد كتابًا كبيرًا في الأشربة ما علمت أحدًا صنّف أكبر منه، وكتابًا أصغر منه، وهو أول من أظهر في العراق هذه السّنة حتى إنّه دخل بعضهم بغداد فقال: هل فيها من يحرّم النّبيذ؟ فقالوا: لا إلاّ أحمد بن حنبل دون غيره من الأئمّة "(4).

إنّ العادة بناء متراكم من السّنوات تتوارثه الأجيال، ولا يمكن كسر هذه العادات إلاّ ببناء عادات مضادّة عبر السّلوك العمليّ، ولذلك كان الإمام أحمد فطنًا لهذه القضيّة، فعمد إلى تأليف كتاب الأشربة، وذكر الرّواة أنّه كان يحمله معه لكلّ صلاة، ويقرؤه على جلسائه ليكوّن عادة جديدة تزاحم وتزيح عادة سابقة، لكنّها عادة ظهرت في حكم فقهيّ!

وهذه طريقة التّشريع الإسلاميّ الذي جاء على طريقة المزاحمة والاستبدال للعادات الجاهليّة المقدّسة، ويحدّثنا القرآن عن كثير من هذه العادات لكنّنا نجدها أكثر وضوحًا في قوله تعالى: (فلمّا قضى منها زيدٌ وطرًا زوّجناكها لكي لا يكون للمؤمنين حرجٌ في أزواج أدعيائهم).

لقد كانت العادة الجاهليّة معروفة في التّبنّي حيث ينتسب الشّخض إلى من تبنّاه، فحرّم هذا القرآن، ثمّ أكّد نقض هذه العادة الجاهليّة بممارسة عمليّة، يتزوّج فيها النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- طليقة زيد، الذي كان متبنّيًا له في الجاهليّة لكي لا يكون على المؤمنين حرج في ذلك!

يقول ابن كثير في هذا: "أبحنا لك تزويجها وفعلنا ذلك; لئلاّ يبقى حرج على المؤمنين في تزويج مطلّقات الأدعياء، وذلك أنّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- كان قبل النّبوّة قد تبنّى زيد بن حارثة، فكان يُقال له: زيد بن محمد" ، فلمّا قطع الله هذه النّسبة بقوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ. ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ)، ثم زاد ذلك بيانًا وتأكيدًا بوقوع تزويج رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بزينب بنت جحش لمّا طلّقها زيد بن حارثة)(5).

ولو عدنا للمدوّنة الفقهيّة والأصوليّة تحديدًا لرأينا وعيًا مميّزًا بقضيّة العادات وخطورتها في التّأثير على الفقيه وبين أيدينا نصّ للقرافي بحاجة إلى دراسة مستفيضة وأسئلة كثيرة، لكن سنكتفي بإشارات سريعة عليه.

يقول القرافي -رحمه الله- في الفروق: "ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تجرّه على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده، وأجره عليه، وأفته به دون عرف بلدك والمقرّر في كتبك، فهذا هو الحقّ الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدّين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسّلف الماضين"(6).

فمن الواضح أنّ العادات من خلال النّص تختلف وتتباين من بلد لآخر ومن زمان لآخر، وهذه العادات والأعراف التي ينبغي أن تُراعى كما يقول القرافي وغيره هي عادات وأعراف متّصلة بالفتوى والاختيار الفقهيّ، وهي في جانب الاجتهاد؛ إذ العادات الأصل فيها الإباحة مالم يحرّمه الشّرع.

وهناك أسئلة تثيرها العبارة، من مثل: ماذا لو كان الفقيه يرى عادة بلده هي الصّواب، وأنّ عادة غيره مخالفة للشّرع؟ وهل تعني عبارته الإبقاء على العادات دون تغيير بحيث يحتفظ كلّ بلد بعاداته وأعرافه ولا نظهر ما ينقضها بالفتوى؟

وبمعنى آخر هل النّص السّابق هو تكريس للعادات والتزامها ودوران الفقيه معها؟ أم مهمّة الفقيه أن يحاول تحرير المجتمعات من كثير من أغلال هذه العادات، حتى وإن بدت للنّاس على صورة مستحسنة؟ وماذا لو أراد قوم الخروج على هذه العادات بصفتها عادات وليست شرعًا، وإنّما قرّرها الشّرع لالتصاقها بالعادة العرفيّة، وأرادوا أن يستعيروا من بلد آخر عادة هي مباحة في ذلك البلد؟

هذه الأسئلة وغيرها وما هو مدوّن في كتب الفقه وأصوله توجب الاستمرار بحفريّات أكثر عمقًا حول العلاقة بين الشّرع والعادات ومحاولة إجراء عمليّات فصل سيامية بين ما هو شرعيّ وعرفيّ، وكيف تتمّ عمليّات التلبّس وأيّهما يطغى على الآخر؟ لأنّ ضررًا كبيرًا قد يلحق الفتيا والاختيار الفقهيّ من جرّاء ذلك، كما قال ابن عابدين:

" إنّ المفتي ليس له الجمود على المنقول في كتب ظاهر الرّواية من غير مراعاة الزّمان وأهله، وإلاّ ضيّع حقوقًا كثيرة، ويكون ضرره أعظم من نفعه"(7).

فهل ضاعت حقوق كثيرة حقًّا بسبب التباس العرف بالشّرع، وعدم التّفطّن لهذا الالتباس الذي يكون أحيانًا عميقًا جدًّا قد لا يفطن له بعض الفقهاء؟!

ولو أدرنا النّظر في بعض الفتاوى ضمن محيطنا الاجتماعيّ لألفينا بعضًا من ذلك الالتباس يثير جدلاً حولها، وهو ما يفسّر في بعض الأحيان تحليل ما كان بالأمس محرّمًا، وما هو محرّم اليوم وسيكون غدًا مباحًا إمّا لحكمة ورؤية فقهيّة أو لمجرّد عدم الإدراك بأثر العادة على التّرجيح والاختيار!

إنّ العلماء والفقهاء كانوا على دراية جيّدة بهذه الفكرة ومدى تأثيرها على فتوى المفتي واختيار الفقيه وترجيح العالم، ويتجلّى ذلك في صور منها:

·        تحذيرهم المتكرّر من الهوى والتّعصّب وهو درجة أعلى وأظهر ممّا أشرنا إليه، ذلك لأنّ الهوى والتّعصّب يشعر صاحبه به، ويعلم في قرارة نفسه أنّه ما قال بهذا القول ولا رجّح هذا الرّأي إلاّ لهوى في نفسه أدركه وشعر به، ونحن نتحدّث عمّا هو أدقّ وأخفى ممّا لا يشعر به الفقيه رغم تورّعه. فحديثنا ليس انتقاصًا منهم وتقليلاً من شأنهم، وإذا كانوا حذّروا من الهوى وتبعاته، فكيف بما هو أدقّ وأخفى؟!

·        أنّهم حاولوا التّقليل من التّسلّط النّفسيّ الانفعالي وتأثيره على اختيار قول دون قول والتّمذهب به دون الآخر، وذلك بوضعهم قواعد للتّرجيح، وهذا الجهد المشكور رغم أهمّيّته ونبل هدفه،  إلاّ أنّنا يمكن أن نقول إن اختيار قاعدة دون أخرى في عمليّة التّرجيح وجعلها من قواعد المذهب أو ممّا يتمسّك به المجتهد دون غيرها، هي الأخرى خاضعة لنفس العمليّة النّفسيّة الاجتماعيّة، وإن كانت تحدّ منها في تطبيقاتها الفرعيّة على بقيّة المسائل الأخرى.

- جبريّة جديدة ..!

لسائل أن يقول الآن: هل هذه جبريّة جديدة، يفقد فيها الشّخص حريّته في الاختيار، ويظلّ خاضعًا للمنظومة النّفسيّة والعادة والنّشأة؟!

وهو سؤال له حظّ كبير من الوجاهة وإن كنّا لا نقول بهذه الجبريّة، ذلك لأنّ الجبريّة تعني فقدان الشّخص التّامّ للحريّة وشعوره بالإكراه والغصب، وذلك ما لا يتمّ هنا، والجبريّة تقوم على وجود مؤثّر قسريّ خارجيّ له سلطة لا تُطاق على المكلّف، يفقد بها إرادته بالكليّة ويكون كالرّيشة في مهبّ الرّيح كما يعبّرون.

إنّ الفقيه والعالم والمفكّر في اختياره الذي قد يكون مبرمجًا عليه بطريقة ما لا يشعر بأيّ إكراه بل يجد أنّ هذا هو صوت حرّيّته وإرادته؛ فهي جبريّة حرّة إن صحّت التّسمية!؛ لأنّه يملك الاختيار إلى حدّ كبير، ولكنّه يكون أحيانًا اختيار موجّه بطريقة ذاتيّة.

وكلّما كان الإنسان أكثر انفتاحًا على ذاته وواعيًا بدور العادات والبيئة متنوّعًا فيها، أفلت بشكل أو بآخر من خيوط هذه الجبريّة، وإن كان لا يستطيع الخلاص منها بالكليّة؛ لأنّها طبيعة بشريّة وحكمة إلهيّة، وليست هي بصفة نقص محض كالجبريّة المعروفة أو الخضوع للهوى المحض، فهذه شيء وتلك شيء آخر.

على أنّنا لم نتطرّق هنا إلى مسألة الوراثة أيضًا وتأثيراتها الأخلاقيّة، وما يدور في فلكها من بحوث خطيرة حتى لا نشتّت ذهن القارئ، ونخفّف من حدّة الاصطدام الذي قد تسبّبه هذه الأفكار عنده.

نقطة!

في نهاية مطافنا أملي ألاّ يقع في نفس القارئ أنّ المقال ينتقص من الفقهاء والعلماء؛ فلديّ وعي تامّ بأنّهم أهل العلم والفضل والمكانة العالية، وحسن الظّنّ بهم يدعونا إلى القول إنّ الغالب في اختياراتهم إن لم يكن جميعها كان مبناها على الحجّة والدّليل الذي بلغهم وفهموه، ووضعهم للقواعد وطرائق الاستدلال والاستنباط يشير إلى حرصهم على العلم وبقائه حيًّا نقيًّا.. وهم إلى ذلك بشر يعتريهم ما يعتري البشر، لا عصمة لهم، وأنفسهم لا يملكون عليها سلطانًا مطلقًا، وتنشئتهم التي نشؤوا عليها لم يكن لهم اختيار فيها، وهذا المقال هو أقرب إلى الاعتذار عنهم عمّا لا وسع لهم به ولا طاقة لهم فيه.

وعلى كلّ حال فإنّها محاولة لسبْر جانب كان مهملاً لفترة كبيرة، وربّما يقيّض له من الدّارسين من يتوسّع فيه، وذلك بالحديث عن الدّوافع النّفسيّة الإنسانيّة والدّوافع الاجتماعيّة المختلفة على الاختيار العلميّ والفقهيّ والفكريّ، مع مراعاة مكانة الأشخاص ونزْع القدسيّة عنهم، والتّعامل معهم كبشر، مع عدم إغفال الجانب الأخلاقيّ والدّينيّ الذي هو الشّائع في تفسير الاختيارات والتّرجيحات.

وصلّى الله وسلّم على محمد وآله وصحبه.

المراجع:

(1) للعلماء في الإرادة وتعريفها وعلاقتها بالحريّة والاختيار آراء كثيرة تعرّض لها الكاتب في بحث الماجستير تحت عنوان تربية الإرادة في الفكر الإسلاميّ بجامعة أم القرى.

(2) علي الوردي: مهزلة العقل البشريّ، ص:51.

(3) الذهبي: سير أعلام النبلاء: 7/132.

(4) ابن تيمية: الفتاوى:12/7.

(5) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم: 6/426.

(6) القرافي: الفروق (1/716).

(7) ابن عابدين: نشر العرف:121 منشورة ضمن رسائل ابن عابدين.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير