4/22/2013

من الحكومات الراشدة إلى الخلافة الراشدة

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : أبريل 22, 2013
حاكم المطيري---
تمثل التجربة الديمقراطية اليونانية في أثينا النموذج الذي يراود خيال دعاة الليبرالية منذ بداية عصر النهضة في أوربا إلى اليوم، وما زالت سهام النقد توجه للديمقراطية الحديثة، لكونها لم تصل إلى ذلك النموذج الذي كان قبل ألفي سنة، ولم يتجاوز حدود (الدولة المدينة) في اليونان، ومع كون حقوق المواطنة وحقوق المشاركة السياسية تقتصر على الرجال الأحرار، ولم تتجاوز مدتها في أفضل عصورها نصف قرن!
وتعد تلك التجربة هي النموذج، حيث كان الشعب في أثينا يمارس الحكم من خلال الديمقراطية المباشرة، لا الديمقراطية البرلمانية، فكان جميع الشعب في (الدولة المدينة) كأثينا، يجتمعون في الساحة العامة ليناقشوا قضاياهم ويتخذوا قراراتهم بالأغلبية، وقد نعى روجيه جارودي على الديمقراطية المعاصرة، التي لا تمثل إلا أصحاب رؤوس الأموال الذين يستطيعون بأموالهم خوض الانتخابات، وشراء الأصوات، فقال (كل نيابة هي تضليل فالديمقراطية تكون مباشرة أو لا تكون)!
فلم يمنع دعاة الديمقراطية والليبرالية من جعل الديمقراطية اليونانية نموذجا ومعيارا - يحتذى به، ويتطلع إليه – قصر مدتها التي لا تتجاوز نصف قرن، ولا قدم عهدها إذ لم تشهد أوربا منذ ألفي سنة إلا تلك التجربة، التي جاءت بعدها الدولة الرومانية العسكرية، فقضت عليها، ولا صغر مساحتها الجغرافية، حيث لم تتجاوز تلك التجربة حدود بعض المدن اليونانية، التي كان يسهل فيها جمع السكان في مكان واحد للتشاور والتصويت على القرارات فيها!
فقد ظلت التجربة اليونانية الديمقراطية مع كل هذه العيوب النموذج والمعيار الذي تقاس عليه التجارب الديمقراطية المعاصرة في أوربا، مع تطورها بما يتناسب وظروف العصر!
كما حاولت الشيوعية أن تجعل من المجتمع الإنساني الأول حيث المشاعية والمساواة هو النموذج التي كانت تطمح إلى عودته حيث تزول الملكية والطبقية والصراع بين الإنسان والإنسان!
ولم يمنع الإشكاليات التي تتعرض لها الديمقراطية والليبرالية والنقد الذي يوجه لهما من أن تصبحا واقعا سياسيا، وما زال مفكرو أوربا إلى اليوم لم يجيبوا عن أشد إشكال يواجه الديمقراطية والليبرالية، وهو كيف يكون النظام السياسي ديمقراطيا تتجلى فيه إرادة الأكثرية، ويحكم فيه الشعب نفسه بنفسه، وليبراليا في الوقت ذاته تتجلى فيه حرية الفرد، دون أي قيود نفرضها عليه الأكثرية، حتى قيل بأن دكتاتورية الجماعة أشد خطرا من دكتاتورية الفرد!
وما زالت أوربا إلى اليوم تتأرجح بين حكم الشعب واحترام إرادة الأكثرية كما تقتضيه الديمقراطية، ومحاولة احترام حرية الفرد وخصوصيتها كما تقتضيه الليبرالية، ولهذا تم مصادرة حق الطالبة المسلمة في ارتداء حجابها في فرنسا وبقرار من الأكثرية في البرلمان، دون احترام لليبرالية التي تحمي خصوصية الفرد الشخصية، فضلا عن حريته الدينية!
كما تم محاكمة روجيه جارودي وغيره من مفكري أوربا في باريس ولندن، لكونهم أثاروا الشك في الأرقام المبالغ فيها عن محارق اليهود في عصر هتلر، وخالفوا قوانين منع العداء للسامية، ولم تشفع حرية الرأي وحرية البحث العلمي، لهؤلاء المؤرخين والمفكرين في بلدان الحرية والليبرالية، من تطبيق القوانين التي تسنها الأكثرية في البرلمان!
إنها الأزمة الأشد تعقيدا في حل الجدلية بين حرية الفرد وحقوقه، وحرية الجماعة وحقوقها، وأيهما يقدم على الآخر عند التعارض، فكلما كان النظام أكثر ليبرالية كان أشد حماية ونزوعا لتعزيز حرية الفرد وحقوقه، وكلما كان ديمقراطيا كان أشد نزوعا لاحترام إرادة الأكثرية، ولا يمكن أن يكون النظام السياسي ديمقراطيا ليبراليا في آن واحد، إلا عند من لا يعرف الديمقراطية، ولا يعرف الليبرالية!
فإذا ما تم إضافة الإشكالات الأخرى ازداد الأمر تعقيدا، كتحديد طبيعة النظام السياسي الديمقراطي، وهل الملكية الدستورية في بريطانيا والنرويج وهولندا وأسبانيا وغيرها من الملكيات في أوربا تمثل أنظمة حكم ديمقراطية؟ حيث لا دستور في بريطانيا، وحيث تملك الملكة دون وجه حق أرض إنجلترا وتوابعها، وتمتاز الأسرة الملكية وأفرادها بحقوق مالية وأدبية وامتيازات دون وجه حق بما لا يتمتع به غيرهم من أفراد الشعب البريطاني، وهو ما يتصادم مع مبدأ العدل والمساواة بين أفراد الشعب!
ولماذا يكون ملك بريطانيا وحسب النظام السياسي فيها هو حامي وراعي الكنيسة البروتستانتية؟ وأين هي القيم الليبرالية التي تساوي بين جميع الأديان والمذاهب لكونها كلها تدخل في إطار الحرية الدينية للأفراد؟!
وكيف يعقل أن تعيش بريطانيا وأيرلندا صراعا دينيا وإلى اليوم بين الكاثوليك والبروتستانت!
ولماذا يتم تصنيف فرنسا وهي أول جمهورية ديمقراطية كدولة كاثوليكية تربطها علاقات خاصة بألمانيا وإيطاليا وأسبانيا، دون بريطانيا والولايات المتحدة البروتستانتيتين، ودون روسيا وصربيا والدول السلافية الأرثوذكسية!
إن كل هذه الإشكالات لم تمنع من قيام أنظمة حكم في أوربا تتمتع شعوبها بالحرية والعدل واحترام القانون، ولم ينتظر السياسيون حتى يحل المفكرون والمتفلسفون هذه الإشكاليات والتناقضات الفكرية بين الديمقراطية والليبرالية من جهة، والعلمانية والدينية من جهة أخرى، لأنه أصلا لا يمكن حلها، وما تزال أوربا منذ نهضتها تتأرجح بين توجهات الرأي العام من جهة، والقوى السياسية والاجتماعية المؤثرة من جهة أخرى، والأزمات الداخلية والأخطار الدولية من جهة ثالثة، فقد اضطرت الحرب العالمية أوربا وشعوبها للنزوع نحو النظم العسكرية، كما أدت الظروف الاقتصادية إلى الثورات الشيوعية، والنزوع نحو النظم الاشتراكية الاجتماعية، كما أدت أحداث 11 سبتمبر إلى نزوع حكومة الولايات المتحدة نحو الاستبداد وتقليص هامش الحرية الفردية لتحقيق الأمن الداخلي...الخ
هذه مقدمة ضرورية لتدرك القوى الإصلاحية في العالم العربي والإسلامي عدم الوقوف عند المشاغبات التي يثيروها أعداء الإصلاح وأعداء المشروع الإصلاحي، والأسئلة السفسطائية التي يريدون من القوى الإصلاحية الإجابة عنها قبل أن تصل إلى السلطة في عالمنا العربي، فلا يشترط أن يكون للقوى الإصلاحية برامج عمل سياسية في ظل أنظمة غير شرعية! إذ برامج العمل السياسي إنما تقدمها قوى المعارضة في ظل نظام سياسي تعددي يفتح الطريق للمعارضة أن تطرح برامجها وتصل من خلال الشعب وإرادته للوصول إلى السلطة، أما في ظل أنظمة غير دستورية أو غير شرعية فالمعارضة عادة تطرح تصورا عاما للإصلاح، لا برنامجا تفصيليا!
كما لا ينشغل الإصلاحيون الراشدون بالشبه الذي يثيرها المنهزمون والموسوسون الذين يظنون أن التاريخ توقف، فإن وعد الله حق، وسيعود الإسلام كما بدأ حتى يحكم الأرض وتفتح روما كما فتحت القسطنطينية، وسيعود المسجد الأقصى، وكل ذلك على يد الأمة نفسها بأبطالها ورجالها، فهم من صنع التاريخ منذ أبي بكر وعمر وصلاح الدين ومحمد الفاتح، وما زالوا يصنعونه إلى اليوم، والأمة هي المخاطبة بذلك، ولن تنتظر الأمة حتى يأتي المهدي قبل قيام الساعة في عهد نزول المسيح!
كما لا ينبغي الاشتغال بالهوس الذي يثيره الفارغون للجدل حول الخلافة وكيف يتم اختيار الخليفة؟ وهل تشترط له القرشية؟ ..الخ فإن الأمة التي سادت العالم ألف وثلاثمائة سنة بالخلافة ونظامها السياسي، وواكبت كل التطورات والتغيرات والتحديات، حتى عرفت كل أشكال النظم الدستورية كالخلافة المركزية العربية في العهد الأموي، والخلافة والسلطنة غير المركزية في العهد العباسي، والخلافة والوزارة، والخلافة غير العربية والصدارة والبرلمان في العهد العثماني، لن تعجز حين تتحرر إرادتها من الاحتلال الأجنبي، وعميله الاستبداد الداخلي، أن تعيد النظام السياسي الإسلامي من جديد بحسب ما يناسب العصر وتطوره!
إن على القوى الإصلاحية الراشدة في عالمنا العربي أن تولي أهمية قصوى لما يلي :
أولا تحديد الهوية والمرجعية السياسية للمشروع السياسي الإصلاحي :
فإن قوة أي مشروع سياسي تكمن في وضوح هويته السياسية، وقوة أساسه العقائدي من جهة، ومدى حاجة الأمة له من جهة أخرى، ولا شك بأن الأمة ومنذ سقوط الخلافة العثمانية، وهي تعيش أزمة هوية ومرجعية سياسية، إذ قام الاستعمار والاحتلال الأجنبي بتشكيل هذا الواقع السياسي، وخلق هوية وطنية مصطنعة، وقد وصلت الأمة بعد عقود من التيه إلى طريق مسدود في كل بلد، بعد أن جربت الأمة كل الأنظمة السياسية المستوردة الليبرالية والقومية والشيوعية والاشتراكية، ومن هنا كان لا بد من استدعاء الخطاب السياسي الإسلامي الراشدي لتمتعه بكل أسباب القوة والصلاحية وذلك للتالي :
1- كونه النموذج والمعيار الشرعي للحكم الإسلامي، كما في قوله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس} والمخاطب به ابتداء وأصلا هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض} وقد تحقق الاستخلاف للصحابة رضي الله عنهم كما وعدهم الله، وقوله {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}، والمقصود بهم أصحابه ابتداء، وكما في الحديث الصحيح (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، وللحديث الصحيح (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)، وحديث (إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا)، وحديث (خلافة النبوة بعدي ثلاثون سنة)، وحديث (تكون النبوة فيكم ما شاء الله لها أن تكون ثم يرفعها الله، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة..)، ولوضوح هذا الأصل العقائدي السياسي - وهو وجوب لزوم سنن الخلفاء الراشدين في الحكم وسياسة شئون الأمة إذ هي التطبيق البشري المحض للخطاب السياسي القرآني والنبوي - اشترط الصحابة رضي الله عنهم على عثمان وعلي حين تنافسا في الخلافة الالتزام بسنن الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر في سياسة شئون الأمة، فبايع الصحابة عثمان كما في صحيح البخاري (على الكتاب والسنة وسنة الشيخين أبي بكر وعمر)!
2- كما إن هذا النموذج محل إجماع الفقهاء والمصلحين على اختلاف عصورهم، فلا خلاف بين طوائف الأمة ومذاهبها وأئمتها في كون الخلافة الراشدة هي النموذج الأكمل الذي يجب الاقتداء به، بخلاف المحدثات السياسية سواء القديمة التي رفضها الصحابة أنفسهم، ثم رفضها من جاء بعدهم من الأئمة وعلماء الأمة، أو الجديدة سواء كانت بثوب إسلامي كولاية الفقيه، أو مستوردة كالديمقراطية والليبرالية والاشتراكية..الخ.
3- أن النموذج الراشدي له بريق وصدى في المخيال الشعبي عند عامة الأمة، فما يزال العدل يذكر إلا ويذكر عمر الفاروق! وما زالت الأمة تتوق لعدل الخلفاء الراشدين وسيرتهم وسننهم في سياسة الأمة، وهو ما يجعل النموذج الراشدي أقرب لمخاطبة وجدان الرأي العام الإسلامي من أي نموذج آخر، هذا في الوقت الذي لم يجد النموذج الديمقراطي الأثيني أي صدى في المخيال الشعبي الأوربي، بل ظل محصورا في دائرة المفكرين والسياسيين في عصر النهضة الأوربية!
4- كما إن النموذج السياسي الراشدي قام كنظام حكم على دولة قارية - امتدت في عهد الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان، من جزيرة العرب إلى حدود الهند في آسيا شرقا، ومنها إلى حدود المغرب الأقصى في أفريقيا غربا - ليسوس أمما وحضارات وشعوبا على اختلاف قومياتها وأديانها وثقافاتها ولغاتها، بينما لم تتجاوز ديمقراطية أثينا حدود أسوارها!
5- ثم إن النموذج الراشدي ظل هو المعيار طوال عصور الخلافة الإسلامية، الأموية والعباسية والعثمانية، ولم يستطع أحد أن يتجاوزه كأنموذج للحكم الإسلامي، ولهذا تكرر في كثير من العصور، كما في عهد عمر بن عبد العزيز، وعهد المعتضد العباسي الذي كان يعد من الخلفاء الراشدين، وعهد المستضيء العباسي وابنه الناصر، وكانوا خلفاء صالحين، وكان صلاح الدين الأيوبي هو السلطان في عصرهما، وكما في عهد نور الدين زنكي، وكما في عهد يوسف بن تاشفين المرابطي، ومحمد الفاتح العثماني، وغيرهم من الخلفاء والأمراء، ممن حاولوا الاقتداء بالخلفاء الراشدين وسننهم في سياسة الأمة، واشتهروا بالعدل والشورى، بينما لم تعرف أوربا في تاريخها منذ سقوط أثينا، وقيام الإمبراطورية الرومانية إلا الطغيان السياسي مدة ألفي عام تقريبا!
6- كما إن الانحراف السياسي في عصور الخلافة الإسلامية العامة، لم يتجاوز كل الأصول القطعية للخطاب الراشدي، وإن تراجع عن بعضها كالشورى ورقابة الأمة على الأموال، إذ ظل عامة الخلفاء والأمراء يلتزمون بالمرجعية القضائية والتشريعية للنظام السياسي الإسلامي، وهو أحد أسباب شيوع العدل في عامة العصور، حيث حد القضاء من طغيان السلطة، التي كانت تحرص على شرعيتها من خلال احترام القضاء، كما لم يفرط الخلفاء في سيادة الأمة واستقلالها وحماية بيضتها، ووحدتها، وحافظوا على (الرسالة) والمهمة للأمة والدولة والخلافة وهو إعلاء كلمة الله والدعوة إلى الإسلام والجهاد في سبيله، حتى في أضعف عصور الخلافة!
7- أن حاجة الأمة إلى بعث الخطاب الراشدي وأصوله أشد ما تكون في هذا العصر، حيث تعيش الأمة أزمات سياسية أدت إلى ضعفها وسقوطها على نحو غير مسبوق، وقد استطاعت شعوب العالم من حولها أن تستلهم تجاربها التاريخية لتعيد بناء نفسها من جديد، حتى أعادت أوربا اليوم تشكيل واقعها السياسي على أساس (الديمقراطية اليونانية)، و(القوة والوحدة الرومانية)، و(القيم الدينية المسيحية)، فجاء الاتحاد الأوربي اليوم ليستعيد وحدة أوربا التي وحدتها الإمبراطورية الرومانية، واشترط لوحدته أن يقوم على أسس الديمقراطية اليونانية، وأن تظل أوربا ناديا مسيحيا! بينما لا تزال الأمة الإسلامية اليوم تبحث عن هويتها وذاتها، مما يجعل الخطاب الراشدي هو الحل لمشروع سياسي جديد!
فالمشروع السياسي الإسلامي العقائدي يجب أن يقوم على هذا الأصل الشرعي، وهو الإيمان بضرورة سنن الخلفاء الراشدين - التي كانت التطبيق البشري المحض للخطاب السياسي القرآني والنبوي - واتخاذها النموذج والمعيار للحكم الإسلامي الراشد، ونبذ كل ما خالفها من سنن القياصرة والأكاسرة، والمحدثات السياسية على اختلاف ألوانها وأشكالها، سواء كانت دخيلة على الأمة، أو مما أحدثته الأمة نفسها وابتليت به من محدثات وانحرافات في عصورها المختلفة.
وليس المقصود بسنن الخلفاء الراشدين هنا اجتهاداتهم، بل المقصود الأصول والمبادئ والأحكام التي أجمعوا عليها، وأجمع الصحابة معهم عليها، فيما يخص سياسة شئون الأمة والدولة، ومن ذلك إجماعهم على:
1- أن نظام الحكم في الإسلام خلافة راشدة، وإمارة للمؤمنين واحدة، نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمته، فلا توارث فيها، ولا ملك ولا ملوك، ولا جبروت، ولا كسروية ولا قيصرية.
2- وأن دار الإسلام واحدة، والأمة واحدة، والإمارة والخلافة واحدة، كما قال تعالى {إنما المؤمنون أخوة}، {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}، وكما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح {إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الثاني منهما)..الخ.
3- وأن الخلافة والإمارة شورى بين المسلمين، وأنه لا تنازع فيها ولا اغتصاب، كما قال تعالى {وأمرهم شورى بينهم}، وفي حديث البيعة المتواتر (وأن لا ننازع الأمر أهله)، وكما قال عمر في خطبته بمحضر الصحابة (الإمارة شورى بين المسلمين، من بايع رجلا دون شورى المسلمين، فلا بيعة له ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا)، فلا شرعية لكل بيعة صورية، أو بيعة على الإكراه والخوف، أو بيعة بالقوة والسيف!
4- وأن الأمة رقيب على الإمام بعد اختياره بالرضا والشورى، فلا يقطع أمرا في شئونها دون إذنها، ولا يتصرف في أموالها ومصالحها دون رضاها، كما قال صلى الله عليه وسلم في الصحيح (أيها الناس إلا لا ندري من رضي منكم ممن لم يرض فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم)، وقال (والله ليس لي من هذا المال ولا هذه الوبرة، إلا الخمس، والخمس مردود عليكم)، فالأمة فوق الإمام تراقبه وتحاسبه، كما في حديث البيعة المتواتر(وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم).
5- وأن للأمة الاشتراط على الإمام وتقييد صلاحياته بما شاءت من الشروط الصحيحة، كما اشترطوا على عثمان عند البيعة فرضي بذلك، وكما اشترط من أنكر عليه من أهل العراق ومصر وكتبوا بينهم وبينه عقدا، وشرطوا عليه شروطا فرضي، وكان ذلك بمحضر كبار الصحابة.
6- وأن الأمة هي التي تفرض للإمام من بيت المال قدر حاجته، وأنه ليس له أن يشتغل بالتجارة، ولا أن يستخدم السلطة للإثراء له أو لأهل بيته.
7- وأن أهم واجبات السلطة وأعظمها إقامة الدين وأحكامه، والحكم بين الناس بما أنزل الله من العدل والقسط، وأن تكون كلمة الله هي العليا، فيقضي القضاة بحكم الله بالعدل لا سلطان لأحد عليهم، إلا سلطان الله وكتابه {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل}.
8- وحفظ البيضة وحماية الدولة ووحدتها الداخلية، والدفاع عنها وحمايتها من الأخطار الخارجية، وأن تكون الشوكة في دار الإسلام للأمة ظاهرة عزيزة منيعة {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا}.
9- وأن تقسم الأموال بالسوية، وتؤخذ الزكاة من الأغنياء وترد إلى الفقراء {خذ من أموالهم صدقة} {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم}، وتوفر الدولة للجميع على حد سواء الفرص للاستثمار، وإحياء الموات، واستخراج المعادن..الخ.
10- وأن تصان الحقوق والحريات الدينية والسياسية والفكرية والاقتصادية العامة والخاصة، للأفراد والجماعات، فلا إكراه في الدين، ولا إجبار في الرأي، ولا يؤخذ مال إلا عن طيب نفس من صاحبه..الخ .
فهذه الأصول والمبادئ للحكم وغيرها من الأصول والأحكام، بما في ذلك الأحكام التفصيلية الجزئية كمشروعية التصويت على الآراء عند الاختلاف، والترشح والترشيح للإمارة والخلافة، وحصر الترشيح بعدد، والترجيح بالأصوات، والأخذ برأي الأكثرية، وتحديد مدة فراغ السلطة بثلاثة أيام، وتحديد مدة الولاية على المناطق بأربع سنين، والاستفادة من النظم والوسائل لدى الأمم الأخرى..الخ كل ذلك مما ثبت عن الخلفاء الراشدين ثبوتا قطعيا كما فصلته في (الحرية أو الطوفان) و(تحرير الإنسان)، و(أهل السنة والجماعة والأزمة السياسية)، و(الفرقان)، فمنها ما هي أصول قطعية بإجماع الخلفاء والأمة معهم، فيجب لزومها ويحرم الخروج عنها، كحق الأمة في اختيار الإمام بلا إجبار ولا إكراه، وتحريم التوريث في السلطة..الخ ومنها ما هو اجتهادات من بعضهم فجائز ومشروع الأخذ بها، وسننهم فيها خير من سنن من جاء بعدهم.
وما من سنة من هذه السنن السياسية إلا والأمة اليوم في حاجة إليها بعد فساد أحوالها فسادا لا حل له إلا بنبذ المحدثات، وتغيير هذا الواقع، وإقامة أنظمة حكم راشدة قائمة على هذه الأصول السياسية، والأحكام الشرعية!
وكل ما سبق ذكره هي حقوق سياسية للأمة، لها أحكامها الشرعية، التي يجب إقامتها والمحافظة عليها سواء وجدت الخلافة أم لم توجد، وسواء أمكن تحقيقها كلها أو بعضها، أما آليات تحقيق ذلك ووسائله، فهو بحسب كل عصر وتطوره، وبالإمكان الاستفادة من تجارب الأمم الأخرى، كما استفاد عمر الدواوين والنظم الإدارية من فارس والروم عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم (أنتم أعلم بأمور دنياكم).
ثانيا : تحديد الرؤية السياسية لتحقيق المشروع الإصلاحي :
وإذا كان تحديد الهوية والمرجعية السياسية والعقائدية لمشروع الحركة الإصلاحية أمرا في غاية الأهمية، لإقناع الأمة بالمشروعية الدينية والأخلاقية للمشروع الإصلاحي وضرورته، لتتفاعل وتتجاوب معه، من أجل تحقيق التغيير المنشود، فإن تحديد الرؤية السياسية التنفيذية لا تقل أهمية وخطورة، إذ لا بد من المواءمة بين المثالية والأهداف النهائية من جهة التي تتمثل في (إقامة أمة واحدة وخلافة راشدة)، والواقعية السياسية حيث الأمة اليوم تقع تحت نفوذ الاحتلال الأجنبي، الذي قسمها إلى خمسين دولة وشعب، مما يصبح معه تحقيق الشعار والهدف النهائي ضربا من الخيال، ما لم تحدد الحركة الإصلاحية أهدافا مرحلية للمشروع يمكن تحقيقها من جهة، وتحقق الهدف النهائي في آخر المطاف من جهة أخرى، فيجب تجزئة المشروع على أساس نظرية (من الحكومات الراشدة إلى الخلافة الراشدة)، فالواجب قيام الحركة الإصلاحية في كل بلد بالعمل للوصول إلى السلطة من أجل إقامة الحكومة الراشدة فيها، ويكون المعيار للحكم عليها بأنها حكومة راشدة هو مدى التزامها بأصول الخطاب السياسي الراشدي، ومن ذلك :
1- أن تمثل الحكومة خيار الأمة في ذلك البلد، وأن تقيم نظامها السياسي على أساس حق الأمة في اختيار السلطة التي تحكمها وتسوس شئونها بالرضا والاختيار، بلا إكراه ولا إجبار، وأن تكون خيارا حقيقيا للأمة، لا خيارا صوريا.
2- أن تكون المرجعية الدستورية والتشريعية للدولة هي الشريعة كتابا وسنة، وتطبيقها وفق أصول الخطاب الراشدي، فلا تعطل النصوص، ولا تهدر المقاصد، فالغاية تحقيق العدل والقسط الذي جاء به القرآن على أكمل وجه، ورعاية حقوق الإنسان، وصيانة حريته وكرامته.
3- المحافظة في ذلك البلد على سيادة الأمة والدولة واستقلالها عن أي نفوذ أجنبي، وتعزيز قدراتها الاقتصادية والعسكرية لتتحمل مسئولياتها على مستوى الأمة حسب إمكاناتها.
4- تعزيز التكامل والوحدة والاتحاد مع الدول الإسلامية المجاورة، للوصول إلى توحيد الأمة، وتحقيق الهدف النهائي (أمة واحدة وخلافة راشدة).
5- تحقيق التنمية والنهضة الشاملة في جميع المجالات على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والدولة، وأن تثبت فاعلية سياسية متميزة، وأداء سياسيا ناجحا.
فكل حكومة تحقق هذه الشروط هي (حكومة راشدة)، والفرق بينها وبين (الخلافة الراشدة)، هو أن الحكومة الراشدة خاصة في القطر الذي تقوم فيه، بينما الخلافة الراشدة عامة تشترك الأمة كلها أو أكثر دولها في إقامتها، بعد أن تتحرر أقطارها، وتصل إلى السلطة فيها حكومات راشدة، أو إلى الدول الرئيسة المؤثرة فيها، بحيث تكون قادرة على توحيد الأمة وحمايتها، كما توحدت أوربا اليوم في الاتحاد الأوربي باختيار شعوبها وبإرادة حكوماتها المنتخبة، حتى استطاعت بعد حربين عالميتين بينها لم يمض عليها نصف قرن أن توحد عملتها وبرلمانها ودستورها!
وحين تقوم الحكومات الراشدة التي تمثل خيار الأمة في كل الأقطار، أو في أكثرها، أو في الدول الرئيسة المركزية فيها، فستكون قادرة على الإعلان عن اتحادها ووحدتها، واختيار مجلس رئاسة لدولها، يختار رئيسه بشكل دائم أو دوري، بحسب ما يحقق حكم الشارع ومصلحة الأمة، ويكون هذا المجلس الرئاسي هو مؤسسة (الخلافة الراشدة)، التي تشترك الأمة من خلال حكوماتها المنتخبة في اختيارها، لتستأنف الأمة حياتها السياسية من جديد في ظل (مؤسسة الخلافة الراشدة)، كما بشر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم حين قال (ثم تعود خلافة على نهج النبوة)، حيث سيأتي بعد عصر الطواغيت - الذي تغيب فيه الخلافة وهو هذا العصر - عصر جديد تعود فيه الأمة من جديد لوحدتها وقوتها وشريعتها وخلافتها في الأرض!
إن هذه التجزئة للمشروع مع كونها متوائمة مع الواقعية السياسية التي تفرضها الظروف الموضوعية، فإنها متوافقة مع الأحكام الشرعية كما قال صلى الله عليه وسلم (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم)، وكما قال النبي شعيب {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت}، فعدم قدرة الأمة اليوم على إقامة الخلافة الراشدة، لا يسقط وجوب إقامة الحكومة الراشدة في كل بلد تستطيع الأمة فيه إقامتها، كما إن عدم قدرتها على إقامة حكومة راشدة هنا أو هناك، لا يسقط وجوب إصلاح الأوضاع السياسية الحالية، وتقويم أود الحكومات القائمة الآن، إذ الواجب شرعا الإصلاح حسب الإمكان في كل حال، ولا تتعطل الواجبات الشرعية، والفروض الكفائية بدعوى عدم وجود الخلافة الراشدة، أو عدم وجود حكومة راشدة!
كما إن من الواقعية السياسية معرفة مكامن القوة في الأمة ومكامن الضعف، ويمثل العالم العربي الحلقة الأضعف في منظومة شعوب الأمة، حيث التشرذم بين دوله العشرين، وحيث النفوذ الاستعماري الذي يسيطر عليه ويتحكم في شئونه، وحيث الفساد والاستبداد الذي لا يوجد مثله في أي بلد إسلامي آخر، كما إن العالم العربي وفي الوقت ذاته يمثل الحلقة الأهم والأشد خطرا، فهو يمتاز بما يلي :
أولا : يمثل العرب أكبر قومية في العالم الإسلامي، حيث يقدر عددهم في العالم العربي وفي أطرافه المحيطة به كما في تركيا وإيران وإرتيريا وتشاد ومالي والنيجر ونيجيريا..الخ نحو أربعمائة وخمسين مليون نسمة تقريبا، وهو ما يعادل ثلث العالم الإسلامي تقريبا.
ثانيا : كما يمتد جغرافيا على مساحة عشرة ملايين ميل مربع، أو أربعة عشر مليون كيلو متر مربع تقريبا، تمتد من الخليج العربي شرقا، إلى المحيط الأطلسي غربا، ومن البحر الأبيض المتوسط شمالا، إلى المحيط الهندي والمحيط الهادي جنوبا حيث جزر القمر، كما يقع البحر الأحمر، والبحر الميت ضمن حدوده الجغرافية، ويسيطر على مضيق هرمز، وباب المندب، وقناة السويس.
ثالثا : يمثل العالم العربي حلقة الوصل بين العالم الإسلامي، فهو الرابط بين دول مسلمي آسيا، ودول مسلمي أفريقيا، كما إنه نقطة عبور بين الشرق والغرب، فلا يمكن تحقق وحدة أو اتحاد إسلامي عام دون العالم العربي.
رابعا : كما يمثل العالم العربي روح العالم الإسلامي، حيث مكة والمدينة والقدس، وحيث أماكن الحج والزيارة، وحيث تمثل لغة القرآن وهي اللغة العربية وعلومها وآدابها، الرابط الثقافي المشترك بين شعوب العالم الإسلامي، كما يكن المسلمون على اختلاف قومياتهم تقديرا للعرب لمكانتهم في الإسلام، كما يمثل تاريخ العرب الإسلامي تاريخا لكل المسلمين.
خامسا : يعد العالم العربي الأكثر ثراء بموارده الطبيعية ومعادنه ونفطه، وهو ما يؤهله لدور عالمي في حال حدوث التغيير السياسي فيه.
إن كل هذه الظروف تجعل من التركيز على العالم العربي أولى الأولويات للحركة الإصلاحية الراشدة، كما إن في العالم العربي دولا رئيسة مركزية في المشرق والمغرب، هي أكثر أهمية، ثم تأتي الدول الثانوية، ثم الدول الهامشية، وكلها يجب العمل على تحقيق الإصلاح السياسي فيها، إلا أن المشروع الإصلاحي بالنسبة للدول الرئيسة يجب أن يكون (مشروع أمة)، بينما المشروع الإصلاحي للدول الثانوية هو (مشروع دولة) فقط، حتى لا تحمل هذه الدول وشعوبها الصغيرة ما لا تطيق حمله من أعباء لا يستطيع القيام بها وتحقيقها إلا دول مركزية رئيسية، كما يمكن الاقتصار في الدول الهامشية على (مشروع سلطة)، بحيث تكون الحركة الإصلاحية فيها مشاركة أو مؤثرة في السلطة وتوجهاتها بما يخدم مشروع الأمة النهائي.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يراعي هذه السياسة في دعوته قبل فتح مكة، حيث كان يقبل من بعض القبائل الدخول في الإسلام، دون أي تكليف آخر، بينما كان يحمّل أهل المدينة ومن حولها من المسئوليات ويقيم لهم من الشرائع والأحكام ما هم له أهل، مراعاة لقدرة كل قبيلة وبلد، إلى أن تم الفتح ودخل العرب في دين الله أفواجا!
ومن هنا يجب على الحركة الإصلاحية أن تعمل من خلال تنظيم سياسي أممي راشد، يكرس وجوده في كل قطر عربي وإسلامي، من أجل الوصول للسلطة وفق رؤية راشدة، ليقيم حكومات راشدة، تعيدها من جديد كما أمر وكما بشر صلى الله عليه وسلم (أمة واحدة وخلافة راشدة)!

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير