2/27/2013

الثورات العربية والأنظمة الفرعونية

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : فبراير 27, 2013
مصطفى الحسناوي ----
لا شك أن الأنظمة الحاكمة إما أن تستمد قوتها وسلطانها من شعوبها، أو تستمدها من الدول الكبرى التي تدعمها، ولا شك أيضا أن جيوش هاته الأنظمة تكون في الحالة الأولى، درعا وحصنا يحميها من أطماع الدول الاستعمارية. وتكون في الحالة الثانية سوطا يلهب ظهور أبناء الشعب وبعبعا يخيفهم ويرعبهم. وهو في الحالتين سلاح النظام ضد أعدائه وخصومه.
هذه المسلمة، جعلتني أقف أمام الحراك الشعبي في بعض البلدان العربية، موقف المتوجس الحذر، مما يروج له الإعلام من حياد الجيش أو انحيازه للشعب، وكل تلك الشعارات الجوفاء التي لا يصدقها إلا البلهاء.
إن الجيش مكون رئيسي من مكونات النظم الحاكمة، له ما لها وعليه ما عليها، ورؤوسه تربطها بالرؤوس السياسية الحزبية والتقنوقراطية الحاكمة، علاقات لا حد لها ولا حصر، من مصاهرات ومشاريع وبرامج وأهداف وجرائم وفساد وخبايا وخفايا وأسرار. كما تربطها بالغرب علاقات تبدأ بالتكوين والدراسة، ولا تنتهي عند التعاون وتبادل الخبرات. كل هذا وذاك لا يمكن معه أن تقف هاته الرؤوس وهي ترى أصدقاءها وشركاءها ورؤساءها، تعصف بهم الثورات، متفرجة أو محايدة، متجردة من كل مشاعرها وأحاسيسها وآمالها وطموحاتها ومصالحها وتعهداتها والتزاماتها وارتباطاتها، وكأنها جيوش دول أخرى جيء بها للمراقبة وحفظ السلام، ثم الانصراف لحال سبيلها بعد إنهاء المهمة.
المتتبع لتلك الأحداث، قد يفاجأ بمواقف الجيش في كل من تونس ومصر، خاصة وأن الجيوش العربية ارتبطت في الأذهان بالقمع، بل بالإبادة في حق المحتجين والمتظاهرين، كما ارتبطت أيضا بالعمالة في بعض الأقطار، وقلما تجد بقعة من بقع وطننا العربي والإسلامي، غير محتلة، ومع ذلك فالجيوش تتبجح بأنها حامية الأوطان، رغم أن سجلاتها حافلة بكل أنواع الخزي والعار، فالجيش الأفغاني يتلقى الدعم والتدريب من محتليه، والجيش العراقي أيضا، والجيش الباكستاني يتولى إبادة القبائل الباكستانية بالوكالة عن الأمريكيين، وهي نفس مهمة الجيش اليمني، والجيش اللبناني لم يطلق رصاصة على اليهود، لكنه يستعرض عضلاته على نساء وأطفال مخيم نهر البارد، والجيش السوري الذي اقترف جريمته بحماة سنة 1982، والتي راح ضحيتها ما يقارب من 40 ألف قتيل، وهدم ما يقارب من 90 مسجدا، ثم ها هو الابن يعيد سيناريو الأب، وباسم الروح القدس يقتل أزيد من سبعين ألفا، بجيش يقف متفرجا على أراضيه المحتلة بالجولان.
وهكذا لا تفلح هاته الجيوش إلا في قتل المسلمين إما من مواطنيها أو في نزاعات بينية ( بين الدول الشقيقة المتجاورة )، ولا نجدها تطلق رصاصة على محتلي ترابها.
إذا أضفنا لكل ذلك، علاقة هاته الجيوش بأمريكا، من تأييد وتدريب وتمويل، فجيش السلطة الفلسطينية مثلا يتلقى من أمريكا 3 مليون دولار، وقدمت الولايات المتحدة للجيش اللبناني 720 مليون دولار كمساعدات خلال خمس سنوات، أما الجيش المصري فيتلقى مليار ونصف المليار دولار كدعم سنوي، أضف إلى ذلك، إجرائه مشاورات سنوية مع الجيش الأمريكي منذ 27 سنة، كانت آخرها في الأيام الأولى لانتفاضة مصر، حيث قطع مسئولون كبار مشاوراتهم عند اندلاع الاحتجاجات. وكل من تابع تصريحات الأمريكيين واليهود في بداية الثورة في مصر، يرى حجم الصدمة والارتباك والهلع والخوف من سقوط هذا النظام العلماني العميل العفن، فقد صرح لقناة الجزيرة مسئول أمريكي أن دعمهم وتعاونهم لن يكون إلا لنظام علماني ( وهذا اعتراف وفضح لكل من يتعاون معهم بأنه علماني )، وبكى اليهود الصهاينة على مصير أمنهم وحدودهم المهددة، ولا شك أن النظام المهترئ العميل لم يكن يسهر على أمن إسرائيل وحدودها، بجيش من المريخ، ولم تكن أمريكا لتدعم جيشا وتجري مشاورات معه طوال أزيد من ربع قرن، وهي ترى فيه ما يهدد أمنها أو أمن ربيبتها، وهذا الرئيس الفاسد العميل، ما هو إلا القائد الأعلى للقوات المسلحة. أبعد كل هذا يكون الجيش محايدا، ويدا واحدة مع الشعب.
لقد أصبحت هذه الأنظمة المهترئة العلمانية العميلة، تشكل عبئا على أسيادها، حيث أصبح الغرب من جهة محرجا أمام المنظمات الحقوقية مناقضا لنفسه أمام قوانينه ومواثيقه، جراء دعمه لأنظمة فاسدة، وسياسة الكيل بمكيالين التي يعتمدها.
من جهة أخرى قد يولد الضغط الذي أحدثته هاته الأنظمة والفساد الذي نشرته، وضعا غير محسوب أو مدروس، تكون فيه مصالح هذا الغرب مهددة، وأخوف ما تخاف منه دول الغرب أن تستثمر الجماعات المسلحة الإسلامية، أوضاع القمع والاضطهاد، لتجد لنفسها موطئ قدم، أو تجيش الشباب وتستقطبهم، لذلك فإن البدائل، أنظمة عميلة بأقنعة سميكة أو مموهة، يصعب اكتشافها بسرعة، وتنطلي حيلتها على أغلب الشعب لمدة طويلة.
إن تحقيق الهدف المذكور آنفا، يستدعي غض الطرف عن هاته الثورات، لإزاحة هاته الرؤوس العفنة التي انتهت صلاحيتها، وتأمين انتقال السلطة لآخرين قد يكون سقف الإملاءات عليهم أقل وعمالتهم أخفى لكنها مؤكدة، لأمور:
أولها أن الغرب لن يسمح بأنظمة ضد مصالحه، بل هو يشترط حكومات علمانية ليعترف بها.
ثانيها لأن هاته الشعوب لا تملك قوة ردع حقيقية، لتفرض ما تريد، فهي تحت رحمة الجيش، لذلك رأيناها تتدلل له وتغازله، وترد على تقطيبات الجنود ووجوههم العابسة، بابتسامات صفراء من الفزع.
وثالثا أن طبيعة المرحلة ونشوة الانتصار عند الشعب، تقتضي من الغرب مراعاة هذه المشاعر لخفض الشروط و الإملاءات.
إن تأمين هذا الانتقال لا يمكن أن يتم إلا عن طريق الجيش، الذي حسب اعتقادي تصبح الأوامر والتوجيهات، في مثل هاته الأوضاع، تأتيه من العواصم الغربية، ومن واشنطن على وجه الخصوص، فالمتابع لانتفاضة مصر، ولخطوات الجيش ومناوراته وبياناته، كدعوته الالتزام بحظر التجول، وإعلانه احترام مطالب المتظاهرين، والتعهد بعدم التدخل بقوة، ثم تهديد مغلف بالحب والتقدير والاحترام، بتفريق التظاهر، ودعواته لإخلاء ميدان التحرير، ووقوفه موقف المتفرج من الاعتداءات والقتل الذي تعرض له المحتجون على يد زبانية نظام مبارك. لا يمكن أن يفسر ذلك إلا بجس النبض، وكسب الوقت ومراقبة الوضع عن كثب، ليكون التدخل الحاسم وفق طبخة ووصفة يجري إعدادها في دهاليز البيت الأبيض، الذي كشفت وثائق ويكيليكس، كيف يمكر وكيف يكيد، وكشفت حجما خطيرا وسقفا مروعا للعمالة والخيانة من هذه الأنظمة الحاكمة وجيوشها ومخابراتها.
إن الجيش في تونس كما في مصر، لم يقف موقفا محايدا أبدا، بل هو يتصرف بما يملى عليه، فلو اقتضى الأمر إبادة الشعب عن بكرة أبيه، فلن يتوانى، وقد صرح لواء سابق في المخابرات الحربية، لقناة الجزيرة، أن ليس لمبارك أي مانع من إحراق البلاد بكاملها. ولن نغتر بإدانة أمريكا وغيرها، لأنهم يصرحون بشيء، ويتواصون سرا فيما بينهم بعكس ذلك. وأعتقد أن أي جيش من جيوش هذه الأنظمة الفرعونية يتصرف وفق السيناريو التالي:
مراقبة ميزان القوة على الأرض
إن كان لصالح النظام، حسم الموقف لصالحه، وأخمد الانتفاضة.
إن كان لصالح الشعب، ففي هذه الحالة احتمالين
احتمال أن تفرز الأوضاع نظاما مقبولا غربيا، في هذه الحالة يستمر الجيش على حياده
احتمال أن تفرز الأوضاع نظاما مناوئا للغرب، في هذه الحالة يتدخل الجيش بقوة، إما لتثبيت النظام القائم، أو للمجيء بنظام آخر لتخفيف الاحتقان وتضليل الشعب.
وهذا ما تقوم به هاته الجيوش التي هي جزء من هاته الأنظمة، التي يشكل فيها الرئيس الجزء الظاهر من جبل الجليد.
وفي القرآن الكريم يتحدث الله عز وجل، عن فرعون وجنوده، في محطات عدة، ولا يفرق بين فرعون ووزرائه وجنوده في الحكم عليهم بالبغي والظلم، حتى كانت الخاتمة كما يعلم الجميع، هلاك فرعون وجنوده، وكذلك الأمر بالنسبة لجالوت وجنوده.
لذلك فإن ما نراه مؤامرات لخطف هذه الانتفاضات، لا يمكن التفاؤل ولا الاطمئنان لها، فهي لا يمكن أن تكون في صالح هذه الشعوب وفق ما جاءت به شريعتهم، وستسقط الثمرة مجددا في يد العلمانيين هذا مما لا شك فيه، خاصة وأن من يقود هاته الانتفاضات، شباب غير مسيس أو مؤدلج أو متدين، وطموحاته لا تتعدى تأمين رغيف الخبز وهامش من الحرية، وليس في برنامجه نهضة الأمة وتوحيدها والتخلص من هيمنة الغرب وتحرير فلسطين وتحكيم الشريعة وبناء أمة عظيمة متقدمة ورائدة، إذ أن هذه الأهداف تقتضي ثورة جذرية وشاملة، على منظومة الحكم برمتها، من أكبر رأس إلى أصغر ذيل، بجيشها وأمنها وإعلامها ومؤسساتها.
والتاريخ يحفظ لنا نماذج من ثورات من هذا النوع.
فالرسول صلى الله عليه وسلم، لم يحقق النصر النهائي، بتغيير جزئي، بل بتغيير جذري شامل لكل منظومة الشرك.
وموسى عليه السلام لم تنتصر دعوته، ويتخلص شعب بني إسرائيل من الظلم والاضطهاد، إلا بهلاك فرعون وجنوده.
وأنجى الله تعالى صالحا والذين معه، بهلاك جنود ثمود عن بكرة أبيهم.
وفي قصة أصحاب الأخدود، يذكر القرآن مشاهد من ثباتهم واستشهادهم في سبيل عقيدتهم، موجها الخطاب لمؤمني مكة، ثم يختم بالتذكير بمصير جنود فرعون وثمود. قائلا : هل أتاك حديث الجنود فرعون وثمود. البروج: 17
وداود عليه السلام لم يجتمع له الملك والنبوة، إلا بعد هزيمة جالوت وجنوده. قال تعالى: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ. البقرة:250-251
وكذلك الأمر بالنسبة للثورات الأوربية، لعل أشهرها الثورة الفرنسية، عام 1789م. التي قامت لاجتثاث منظومة حكم بكاملها من جذورها.
نفس الشيء بالنسبة للثورة الإيرانية، حيث أنها اجتثت نظاما بكامله، ومنظومة قيم وترسانة تشريعات من جذورها، وأحلت محله نظاما آخر بمنظومته وقيمه وإعلامه ومؤسساته.
ولن نذهب بعيدا، فما قام به الليبيون من اجتثاث لنظام العقيد القذافي، بدءا من رأسه وقائده، وصولا إلى العلم والنشيد الوطنيين، مرورا بالجيش والمؤسسات والقوانين والأنظمة وغيرها، هو ما يمكن أن نسميه ثورة وتغييرا، إن تم تجاوز المشاكل والصراعات الداخلية، وهو ما ننتظره بالنسبة لسوريا.
لكن يبقى الجانب الإيجابي في هاته الانتفاضات، هو الفرح والشماتة، في زبانية هذه الأنظمة العفنة العميلة، ورفع قليل من الظلم عن هاته الشعوب المضطهدة. وتحقيق هامش للحرية للجماعات الإسلامية، إن أحسنت التعامل مع الأوضاع، بل تحقيق مكتسبات إن راجعت نفسها، وأساليب عملها. وستكون الأنظمة البديلة في كل من تونس ومصر أقل ضررا وأقل عمالة، حتى لو وافقت عليها أمريكا وإسرائيل.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير