9/26/2012

خريطة العمل الإسلامي في ضوء المتغيرات الجديدة

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : سبتمبر 26, 2012

طارق عبد الحليم---
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم
رغم أن الآثار التي نتجت عن ثورة 25 يناير لا تزال غير محسوسة بالنسبة للمواطن العاديّ، بل وسلبية في جوانب الحياة الإقتصادية والإجتماعية، فقد كان إنعكاسها هائلاً على مسرح الحياة السياسية، وما يتعلق بها من تيارات فكرية دعوية دينية أو أيديولوجية لادينية، إذ إن الدعوات الحركية بشكلٍ عامٍ تتبع الخطّ السياسيّ في الغالب الأعم، إما دعماً أو مشاركة أو معارضة بمختلف صورها.
من الواضح أنّ زلزالاً قد هزّ ذلك المسرح السياسيّ والدعوىّ المصريّ، وأعاد ترتيب الأوراق بما يَستلزم إعادة النَظر في مكوناته واتجاهاته، ليتعرف كلّ طرف فيه على فكرِ من هم في سبيله. والأهم، أن يَتعرّف كلُّ طَرَفٍ على كيفية تقييم الآخرين له. فإن أبناء هذه الإتجاهات لا تعيش في فراغٍ تَعمل فيه منفردة، بل تتحرك كلها في وسطٍ واحدٍ، وتتفاعل وتتحاور وتتناوش في الهام حينا، وفي التافه أحياناً، بلل وتتخاصم وتتشاتم في بعض الأحيان، حين يكون أطرافها من الصغار المخدوعين عن أنفسهم. ومن ثم، فإنه من البدهيّ أن تتمايز مجموعاتهم قدر الإمكان، ليدرك كلّ طرفٍ ما عليه الآخر، فلعل في ذلك دعوة للتعقل تجد صدى عند بعضهم، وللمظر والتأمل والموازنة عند بعضهم الآخر.
وقد اعتمدنا في هذا المقال على ما عايشناه بأنفسنا في الوسط الإسلاميّ من ناحية، وعلى ما تتداوله الإخوة من محاورات على النت أساساً، من ناحية أخرى، وعلى ما تأتي به بعض المصادر الدعوية الإخبارية، أفراداً أو جماعاتٍ من ناحية ثالثة.
وعند الحديث عن تلك "الجماعات" أو "الإتجاهات" أو "التيارات"، أو "الحركات" أو "الجبهات"، يجب التنبيه على أمرين، أولهما الظهور الزمنيّ، والآخر الإنتشار العَدديّ. أما من ناحية الظهور الزمنيّ، والمقصود به التواجد على السّاحة ظهوراً، فإن منها ما هو قديم معروف مثل حركة الإخوان أو التيار السلفيّ أو جماعة الجهاد أو حزب التحرير أو ماشابه، ومنها ما ظهر قُبيل الثورة أو أثناءها مثل جماعة أهل السنة والجماعة لإحياء الأمة، أو جماعة الرايات السود، والتي هي فرعٌ عن السلفية الجهادية، أو التيار الإسلاميّ العام، أو التيار السُنيّ لإنقاذ مصر. أما من الناحية العددية، فإنه وبشكلٍ خاصٍ في تلك الكيانات التي ظهرت قبيل أو إبّان الثورة، فإنه من المفيد أن نلفت النظر إلى أن تلك التسميات، "جماعة" أو "إتجاه" أو "تيار"، أو "حركة" أو "جبهة"، لا تعدو توصيفا إرتضاه من أطلقه أول مرة، إذ تجدها عادة إما ذات عدد يؤهلها للوصف، أو لا يزيد أعداد منتسبيها عن أصابع اليدين، أو هي مجرد اسم علمٍ على فرد بذاته لا يتجاوزه إلى غيره.
ويمكن النظر إلى هذه الكيانات من عدة نواحٍ، لإستيفاء غرضنا المحدود بمساحة المقال هنا:
· الأفكار الرئيسة التي يحملها الكيان
وهذه الأفكار تتعلق أساساً بالتالي:
1. الديموقراطية، وهم يتراوحون فيها بين:
§ الإيمان المطلق بالديموقراطية ووسائلها، وإتخاذها غاية ووسيلة للعملية السياسية في المجتمع، ومثلها الإخوان.
§ الإعلان عن رفض الديموقراطية نظرياً وعقدياً، مع المشاركة في فعالياتها بشكلٍ كامل. وهؤلاء يحملون تناقضاً يصعب على الباحث فكّ طلاسمه، مثل حزب النور ومن يمثله علمياً ممن هم فيما يسمى جبهة الإصلاح، والجماعة الإسلامية وحزبها التنمية.
§ الإعلان عن رفض الديموقراطية نظرياً وعقدياً، ثم التعاون والتقارب مع من يؤمنون بها إيماناً مطلقاً، بل والسعي إلى إنشاء أحزاب سياسية في ظِلها وتبعا لمبادئها، كما في حالة جماعة إحياء الأمة، والتيار الإسلاميّ العام. وتختلف تبريرات كلا الكيانين في تبرير هذا التناقض بين النظريّ والحركيّ، ففيما يبرر أبناء جماعة إحياء الأمة أن هذا أمر تكتيكيّ للتغلغل في النسيج السياسيّ من ناحية، وإمكانية القيام بالخدمة المجتمعية من ناحية أخرى، إلى جانب تأصيلٍ جديد مخالفٍ لما كان عليه أمرهم من قبل بالكلية لتبرير هذا المشاركة وصحتها، فإنّ أبناء التيار الإسلاميّ العام يختلفون بينهم إختلافاً بيّناً، إذ هذا التيار هو توليفة من عدد كبيرٍ من الأحزاب والجماعات والإئتلافات والحركات، منها حزب الفضيلة ذو التأثير شبه المعدوم، ولعل أهمها وأوعاها بالأبعاد السياسية والشرعية هم "طلاب الشريعة"، وإن كانت السياسة المَحضة وما يرونه بالضرورة الحركية، قد تغلغلت في وسائلهم، من قبول مبدأ تكوين الأحزاب كأمرٍ "سائغ" شرعاً، في ظلّ هذه الديموقراطية الشركية. ولا نرى كبير فرق بينهم وبين جماعة إحياء الأمة في هذا الصدد، ولا ندرى مُسوّغ انفصالهما، ويجب على قيادتهما أن تسوّغ ذلك الإنفصال لأنفسهم ولأتباعهم.
§ رفض المبدأ الديموقراطيّ بشكلٍ كليّ وحاسمٍ، نظرياً وعملياً تحت أيّ تبرير، وهو الإتجاه الذي اتخذه التيار السنيّ لإنقاذ مصر. ويرى هذا التيار أنّ التطابق بين النظريّ العقديّ وبين الحركيّ الدعويّ أمرٌ يتعلق بالمصداقية العقدية أولاً، وبالفهم الشرعيّ لطبيعة الأحكام الشرعية ثانياً. ومن ثمّ، فإن إقامة الأحزاب في ظلّ هذه الديموقراطية أمرٌ خارج عن الشرعية الإسلامية، وإن كانت هناك شبهة تأويلٍ لأولئك الذين ينحون منحى التّعاون والتقارب مع أصحاب الأحزاب، كما أنّ هناك شبهةُ تأويلٍ لمن يدخل البرلمان بقصد إقامة الشريعة، وإن كان تأويلاً باطلاً.
وهناك بعض الإتجاهات الأخرى التي ترفض الديموقراطية، مثل السلفية الجهادية، وأهل الحق المعتبرون منهم من يجاهد فعلياً في سيناء، لا من يدعيها وهو يضاجع الكيبورد ليل نهار. ومنهم جماعات تتكون من شبابٍ يعوزه العلم الشرعيّ، والقيادات العلمية المحققة، يرفضون الديموقراطية، ومعها كلّ شئ آخر غير ما تمليه عليهم عقولهم البدائية.
2. نظر الكيان إلى تطبيق الشريعة:
وتتراوح الآراء في هذا الأمر إلى التالي:
§ من يرى أن تطبيقَ الشريعةِ في الأحكام والنص على ذلك في الدستور، هو أمرٌ تكميليّ، أو شكليّ، وليس أصلياً، وأنها أمر أخلاقيّ يلتزم به الأفراد في حياتهم دون تدخلٍ من سلطان. ويكفي في هذا الشأن أن تكون "المرجعية العامة" للشريعة، أو "الهوية الإجتماعية" هي الإسلام، أو "مبادئ الشريعة" هي الحاكمة، ومثل ذلك من تعبيرات لا يمكن تحديد معناها على وجه الحقيقة، بله تحويلها إلى واقعٍ مُعاشٍ. والإخوان المسلمون هم من يحمل لواء هذا النظر، وتبعهم في ذلك التيار السلفيّ الذى دخل مستنقع الديموقراطية، ودَرج على تقديم التنازلات من ساعتها، سيراً على هدى الإخوان، واتباعاً لطريقتهم.
§ من يرى أن الأحكام الشرعية واجبة التطبيق، لكنّ يتخذ من الظروف المواتية الحالية ذريعة للقول بعدم تطبيقها فورياً، مثل مشايخ السلفية التخاذلية بعد تراجعاتهم الأخيرة، كمحمد عبد المقصود الذي قال بأن من يقول بتطبيق الشريعة فوراً يجب معارضته والوقوف في وجهه http://www.youtube.com/watch?v=rXUZO258u-w.
§ من يرى أن إعلان الخضوع لشرع الله ودولة لا إله إلا الله في الدستور هو الحدّ الفاصل بين إسلام النظام وكفره، وأن تطبيق أحكام الشريعة يجب أن يُعلن فوراً بلا تأجيل، كتطبيقٍ لهذه الطاعة وتحقيقٍ لهذا التوحيد، ثم يكون بعدها التنفيذ خاضعاً للشروط والموانع التي يراها النظام القضائي الشرعيّ الموكل به كل قاضٍ شرعيّ على حدة، أو، إن لزم الأمر، أن يقوم وليّ الأمر الشرعيّ باستصدار حكمٍ برفع حدّ من الحدود، بصورة مؤقتة، لعموم البلوى في موضوعه، مع الإحتفاظ بحقِ كل قاضٍ شرعيّ في تحديد مناط كل حالة على حدة إن تعيّن دخولها تحت مَرسوم وليّ الأمر بشروطه. وهذا ما يقول به التيار السنيّ لإنقاذ مصر.
3. وسائل المواجهة والإصلاح:
وينقسم التيار الإسلاميّ في هذا الصدد حسب ما يراه في النقطة الأولى بشكلٍ عام
§ فمن اتخذ الديموقراطية وسيلة ورضى بها طريقاً، مثل الإخوان والسلفيون والجماعة "الإسلامية" المخذولة، فهؤلاء تنازلوا عن مطلب إعلان "لا إله إلا الله" في الدستور، ورفضوا أيّ أسلوب من أساليب المواجهة حالاً أو مآلاً، وشعارهم "السلام والمحبة والمسامحة" مع السلطات و مع النصارى زمع كلّ أعداء الله، وإن نكّلوا بخصومهم في التيار الإسلاميّ على أرض الواقع، كما نرى في الغدرة الشرسة البغيضة على مجاهدى سيناء، التي يقودها الإخوان ويتعاون عليها السلفيون والجماعة الإسلامية المخذولة. ونصنّف من هؤلاء من آثر التعاون التامّ مع أهل الديموقراطية، مثل جماعة إحياء الأمة، إذ النتيجة النهائية العلمية لتنظيرهم العقدي في مرحلته الجديدة، يؤدى إلى ذات النتائج التي يصل اليها سواهم في هذا القسم، دون تنظير أو تأصيل.
§ ومن رفضوا الديموقراطية، انقسموا أقساما:
i. قسمٌ اتخذ من البيان والحشد مرحلة أولى، يتلوها المواجهة، يتلوها الجهاد، ومن هذا القسم التيار السنيّ لإنقاذ مصر.
ii. وقسمٌ راحَ ينشرُ الدعوة إلى "الخلافة الإسلامية" خاصة، كحزب التحرير، وإن كان عدد من أفراده يلتزم بكثيرٍ مما يقوله أهل السنة، إلا أن ذلك لم ينعكس في المواقف الرسمية لقياداته، كما ظهر مثلاً في حديث مسؤول الحزب في مصر، عن إنه لا يُمانع في إقامة حزبٍ في مصر إن سمحت السلطات بذلك، رغم تصريحهم في عدد من منشوراتهم ببطلان الديموقراطية والحياة البرلمانية الحزبية في ظل الدستور العلماني، وهو حديث منشور في عدد من الصحف الإلكترونية.
iii. قسمٌ استعلن بالجهاد والمقاومة المسلحة ابتداءً، وإن عَجز عن تحقيقه على الأرض، لعدم توافر شروطه، وهو ما سيؤدى، فيما نحسب، إلى مواجهة في غير أوانها، وضرب للحركة قبل تمكنها من أساليب الردّ الرادع.
والقمسان الأخيران قد طلبا ما لا قدرة لهما عليه، ولا طاقة لهما به، فأحدهما جعل هَمه ومحور حزبه إقامة الخلافة الإسلامية، في كافة الدول التي يسكنها المسلمون.. هكذا! والقسم الآخر، تحدث عن الجهاد، وهو غير قادر على حماية نفسه داخل مسكنه! والمشكلة هنا، في كلا النظرين، هي في تبني آراء تدور عليها الفكرة الحزبية، وتتخذها محوراً، وكأنها أصلٌ من الأصول، لا فرعٌ واجبٌ كبقية الواجبات، وإن تحدثوا نظرياً بغير ذلك.
· التركيبة العضوية للكيان
وتتغير التركيبة الحزبية داخل هذه الكيانات، فتتراوح بين جماعة واحدة، وهو الأصل فيما سبق ثورة يناير، كالإخوان وحزب التحرير، أو هي كيانات مقسمة نشأت عن أتباع لأفراد ينتمون للسلفية، دون تأسيس جماعيّ وتجانس كالسلفيين، وما خرج من تحت عباءتهم، من الدعوة السلفية، والجبهة السلفية، وحزب النور، وحزب الإصلاح. أو هم كيانات صغيرة مُتنافرة غالباً، يضمها كيان واحدٌ يسمونه ائتلافاً، أو تياراً عاماً، أو ماشابه. والأهمية التي نوليها لهذه النقطة، تكمن في القدرة على الاستمرارية، فكلما تجانس الكيان، كلما قويت فرصة بقائه، وتنامى خطره حال انحراف فكره.
وسنوالي في مقالات قادمة إن شاء الله الحديث عن أسباب الفشل والنجاح في تلك الكيانات، وأمثلة منها مما هو قائم بالفعل.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير