7/17/2012

هل ينتهي الربيع العربي بالمصالحة مع المشروع الجهادي ؟

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : يوليو 17, 2012




عبد الغني مزوز---



لعل السمة البارزة التي تميز الحراك العربي الراهن هي أن لا أحد يستطيع أن يتنبأ بأحداثه ووقائعه المتسارعة، فمن كان يتوقع أن ينتهي الأمر بحسني مبارك بسجن طرة ومن كان يضن أن القدافي سيقتل شر قتلة،وان تندلع في سوريا ثورة هي الأطول نفسا والابهض تكليفا .
كان استدعاء كوفي عنان كمبعوث أممي لحل "الأزمة السورية" بمثابة ضوء اخضر للنظام ليوسع من نطاق جرائمه ومجازره،فعنان عندما كان امينا عاما للأمم المتحدة كانت المجازر والإبادات الجماعية ترتكب على قدم وساق عبر ربوع الكرة الأرضية في البوسنة والشيشان  ورواندا والعراق ولم يسجل له أي موقف لصالح الضحية بقدر ما كانت مواقفه متناغمة مع سادية الجلاد ووحشته.
الغرب عندما يقول بأنه يسعى إلى حل" الأزمة" في سوريا فهو ليس بكاذب في ذلك لأنه ينظر الى ما يحدث في سوريا على أنه "ازمة ومشكلة" إذا أخدنا بعين الاعتبار مصالحه المهددة في المنطقة.وحله لهذه المشكلة سيكون وفق مصالحه وأجندته هو وليس بما تقتضيه مبادئ العدل والانتصار للمظلوم، ولذلك فما آلت إليه سوريا الآن من مجازر و تقتيل بالجملة وتفكك جغرافي وديمغرافي وإطالة لنفس النظام المجرم ومد في عمره هو بمثابة " الحل " الذي ينشده الغرب والمركز عموما, لأن أساس المشكلة بنظر الغرب هي الثورة وليس طريقة تعاطي النظام معها المشكلة هي الروح الثورية القابلة للتمدد أكثر فأكثر وما من حل لها سوى باستنزافها وإرهاقها بفواتير الدم والمجازر.
لكن الشيء الذي لا يدركه الغرب هو أنه يبيع أو بالأحرى يخسر أسهمه الوهمية في الربيع العربي والتي كان قد استحوذ على حصة منها خلال فعاليات الثورة في ليبيا,مكنته من أن يتطفل على الحراك العربي بعد ذلك ويحاول تحريف مساره وتقرير مصيره,
في مقابل انحسار دور الغرب وتراجعه وانفضاح برغماتيته ونواياه وأنه لا يتدخل في أي ثورة إلا ليحرف بوصلتها وليضمن صعود ديكتاتوريات أخرى "معدلة "ترعى مصالحه وتبقي على حالة التبعية أو تعززها _مثال النموذج اليمني_هذه التبعية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي كانت عاملا رئيسيا من عوامل التخلف والانحدار العربي،في مقابل هذا الانحسار يممت الشعوب وجهها شطر المشاريع والبدائل الأخرى ومن ضمنها المشاريع الجهادية التي كانت موجودة بالساحة لكنها لم تحضا بالتأييد اللازم لتصبح خيارا شعبيا وجماهيريا يمكن الاعتماد عليه لكسب التحديات التي تواجهها الشعوب .
استدعاء الخطاب الجهادي والاستعانة به في سياق تحول الربيع العربي من ربيع سلمي إلى ربيع دموي في ليبيا وسوريا سبقته مجموعة من الخطوات التي يمكن أن تقرأ على أنها بوادر تطبيع ومصالحة مع التيار الجهادي ثمتلت في إطلاق سراح قادته ورموزه التاريخيين من السجون, وتمكينهم من العمل الدعوي والفكري والسياسي والتنظير ,ففي مصر أطلق سراح العشرات من منظري ورموز التيار الجهادي  من الرعيل الأول مثل : محمد الظواهري والأخوين عبود وطارق الزمر والدكتور سيد إمام وغيرهم وفي ليبيا خرج جميع أبناء التيار الجهادي وانخرطوا بفعالية في مجريات الثورة الليبية, في المغرب كذلك أفرج عن شيوخ التيار السلفي الجهادي مثل: حسن الكتاني وأبو حفص وعمر الحدوشي وأبو أويس بوخبزة وغيرهم  في تونس ظهر أنصار الشريعة ذوو التوجه السلفي الجهادي ونظموا ملتقيات وأنشطة علنية  ووجهوا دعوات حضور لعدد من شيوخ التيار السلفي الجهادي عبر العالم.
ولعل الخطوة الكبيرة والجريئة في هذا السياق هي تعهد الرئيس محمد مرسي بتحرير الشيخ الأزهري الضرير من سجون أمريكا في أول خطاب جماهيري له رغم التداعيات التي يمكن أن تنجم عن هكذا تصريح, وعمر عبد الرحمن هو أمير الجماعة الإسلامية وأحد الرموز التاريخية والروحية للتيار الجهادي ويقبع بسجنه بأمريكا مند بداية تسعينيات القرن الماضي.
¨جهاديون في ميدان التحرير
غير أن الذي يجب الإشارة و التنويه إليه أن بعض حالات" الارتماء" على الخطاب الجهادي وتوظيفه في سياق الاستقطاب والتوتر الطائفي الذي تشهده عدد من المناطق الساخنة لا يبتعد عن المنطق البرغماتي المصلحي الذي تمارسه عدد من الدول الخليجية, لحماية كياناتها من التمدد الشيعي القادم من إيران مما يعيد إلى الأذهان المناخ الجهادي الذي كان سائدا إبان الغزو السوفيتي لأفغانستان والرعاية الرسمية الغربية والعربية التي كانت تغذيه و تمده بعوامل البقاء والصمود للحيلولة دون وصول الخطر الشيوعي إلى صلب المصالح الغربية في الخليج.
ويمكن النظر إلى الفضائيات الإسلامية الاخدة في الانتشار  والتي تبث مواد جهادية ضمن هذا الإطار, فالأناشيد والإصدارات الجهادية والخطب الطافحة بمفاهيم التكفير والولاء والبراء والجهاد والخطر الرافضي التي كان مجرد الولوج إلى المواقع التي ثبتها تهمة يؤخذ عليها بالنواصي والأقدام في السابق باتت تعرف طريقه اليوم إلى بعض الفضائيات الممولة بأموال البترول.
وحتى بعض الشيوخ الذين عهدت إليهم مهمة مناظرة "الإرهابيين الجهاديين " وإقناعهم بالعودة إلى جادة الصواب والابتعاد عن سبيل العنف والتكفير أصبحوا الان أبواقا تستحث الهمم وتتغنى بفضائل الجهاد ,وتسهب في سرد الأدلة على وجوب قتال الرافضة الكفار والمجوس الحاقدين وإسقاط النظام السوري الكافر ،ليجد هؤلاء الشيوخ أنفسهم  مجبرين على العودة للأدبيات التي كانوا يحذرون منها ومن خطرها لينهلوا منها علوم الجهاد والمقاومة, وربما تجدهم يستمعون خلسة وعلى استحياء لمحاضرات أبي مصعب الزرقاوي ليوسعوا من ثقافتهم الجهادية.
إذن فنحن بصدد إنهاء حالة القطيعة والصراع مع الخطاب الجهادي في أفق توظيفه في معارك كبرى قد تشهدها بعض بؤر التوتر الطائفي خصوصا في الشام والخليج، ونقطة مهمة ينبغي الإشارة إليها وهي أن حالة الاحتقان والاصطفاف الطائفي التي حتمت استدعاء الخطاب الجهادي ستكشف عن نوعين من هذا الخطاب : الخطاب الأصيل والخطاب المصطنع فالخطاب الجهادي الأصيل هو الذي تكون في سياق تاريخي احتلت فيه مواجهة الأنظمة العربية والقوى الغربية الداعمة لها مكانة كبيرة وصاغ مفاهيمه ونظرياته على أساس شرعي  بعيدا عن توجهات نفعية برغماتية ، وكان هدفه إقامة "خلافة إسلامية" ولم تنجح معظم محاولات الترويض والمواجهة والاحتواء من إنهائه ونفيه من الساحة رغم شدتها وباسها.
موازاة مع هذا الخطاب الأصيل سينشأ خطاب آخر مصطنع بمعنى أن الظروف الراهنة اقتضت "طبخه" على عجل لتوظيفه في مواجهة الأخطار المحدقة بالمصالح, وسيتم إعادة تدوير ماكينات الفتوى الرسمية  في الاتجاه المعاكس لتنتج خطابا جهاديا يستلهم من الخطاب الأصيل أدبياته ومن تم استغلاله والاعتماد عليه في الحروب الوشيكة . وسيقف الخطابين على مسافة غير قريبة من بعضهما على اعتبار أن الخطاب الأصيل صعب المراس وغير قابل للترويض كما أنه لا يستطيع أن يتخلى عن أمميته وراديكاليته في مقابل برغماتية ومحلية الخطاب الموازي.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير