7/15/2012

القاعدة باليمن: عودة للكر والفر

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : يوليو 15, 2012

بعد ما يقارب عامًا كاملاً من سيطرة أنصار الشريعة على مدن: لودر وجعار وزنجبار وعزان، وإعلانها إمارات إسلامية، استطاع الجيش اليمني أخيرًا بالتعاون مع اللجان الشعبية استعادة السيطرة على هذه المدن مرة أخرى. أنصار الشريعة اعترفوا بالهزيمة وقالوا: إن خروجهم من هذه المدن ليس نهاية المعركة، وبأن الحرب سجال، وأن انسحابهم جاء -كما يقولون-
بدافع الحرص على حياة المدنيين، وحفظ المدن من التدمير. لكن الواقع أن الجماعة تجنبت الدخول في مواجهة غير متكافئة قد تكون ماحقة بالنسبة لها، وفضّلت الانسحاب محتفظة بما لديها من قوة. وتفرقت في مناطق أخرى أكثر أمنًا، دون أن تتكبد خسائر كبيرة في الأرواح والمعدات. ويبدو أنه انسحاب تكتيكي لإعادة ترتيب صفوفها، واستئناف حربها بأساليب حرب العصابات في الكرّ والفَرّ، واغتيالات لكبار القادة والمسؤولين، تُفقد الحكومة توازنها.
الإمارة الموعودة
على حين غفلة من الآخرين قررت القاعدة بداية مايو/أيار 2011، إحداث نقلة نوعية في استراتيجيتها في اليمن، بالانتقال خطوة إلى الأمام، والخروج من مخابئها في الجبال والمناطق النائية، إلى السيطرة على المدن وتحقيق حلم طالما راودها، في إقامة نوع من الحكم الإسلامي في قطعة من الأرض تخضع لسيطرتها. واستطاعت القاعدة فعلاً بواسطة أنصار الشريعة السيطرة في وقت قياسي على مدن: زنجبار وجعار ولودر في محافظة أبين، ومدينة عزان في محافظة شبوه، وتحويلها إلى إمارات إسلامية تُحكَم بالشريعة مستغلة حالة الصراع السياسي الدائرة في البلد والانقسام بين وحدات الجيش، وانشغال القوات الخاصة وقوات مكافحة الإرهاب، الأكثر تدريبًا وتأهيلاً لمحاربة القاعدة، في حماية نظام صالح المتهاوي في العاصمة. ولا يستبعد البعض أن يكون هناك توظيف من بعض أطراف النظام السياسي السابق للورقة الأمنية، من خلال ابراز خطر القاعدة المتنامي لتغطية عمليات قمع الثورة الشعبية ثم محاولة عرقلة استكمال إجراءات نقل السلطة.
وأنصار الشريعة في الواقع تتكون من نواة صلبة تضم خليطًا من خلايا القاعدة المؤدلجة والمنظمة،  إضافة إلى تيار واسع من الشباب الإسلامي المندفع نحو إقامة خلافة إسلامية بالسلاح.
وكان من اللافت للنظر التوسع المطرد لنفوذ أنصار الشريعة في المناطق التي سيطروا عليها؛ فالشعور بتحولهم إلى سلطة سياسية تسيطر على مساحة واسعة من الأرض، أغرى مزيدًا من الشباب بالانضمام إليهم والانخراط في صفوفهم، سواء كانوا من الإسلاميين المتحمسين، أو من الساخطين على الأوضاع وعلى الحكومة المركزية في صنعاء. فضلاً عن تدفق العشرات بل المئات من عناصر حركة الشباب المجاهدين الصومالية ودول عربية مجاورة، ومن جنسيات باكستانية وأفغانية وشيشانية وغيرها، لمناصرة ودعم المشروع الاسلامي الوليد.
وتعاظمت جرَّاء ذلك مخاطر تحول اليمن إلى منطقة جذب للمقاتلين الإسلاميين المتحمسين من كل المنطقة، وإقامة فضاء جديد للقاعدة في جنوب الجزيرة يكون بمثابة مركز انطلاق يعوضها عن تراجع موقعها في أفغانستان وباكستان والعراق. مع ما يشكِّله ذلك من خطورة على الاستقرار في اليمن في وقت تمر فيه بمرحلة انتقال حساسة، وكذلك على الأوضاع الأمنية في دول الخليج، والمصالح الغربية في المنطقة والعالم.
ولخطورة الأوضاع التي تتشكَّل على الأرض، لجأت القيادة اليمينة إلى قرار المواجهة العسكرية مع القاعدة لإخراجها من المدن التي تسيطر عليها قبل أن تتزايد قوتها ويشتد عودها. وهو قرار أعاقته لبعض الوقت حالة الانقسام والتفكك بين وحدات الجيش، علاوة على أنه بالنظر إلى طبيعة الحرب مع القاعدة التي هي أشبه بحرب العصابات فإن استمرارها لوقت طويل ليس في صالح القوات النظامية، فكان من المبرر الدفع بما يقارب 25 ألف جندي (عشرة ألوية عسكرية مدرعة) تساندهم مجاميع من اللجان الشعبية، في مواجهة ما يقارب 3000 من عناصر أنصار الشريعة. وكانت المعركة محسومة سلفًا بسبب الفارق الكبير في ميزان القوى بين الطرفين؛ ففضّل أنصار الشريعة الانسحاب للحفاظ على ما بأيديهم من قوة.
نصر جزئي وانسحاب تكتيكي
لا يمكن التقليل من أهمية الانتصار الذي حققه الجيش واللجان الشعبية في هذه الجولة؛ فقد خسرت القاعدة مدنًا ومناطق حافظت عليها لأكثر من عام، وتم توجيه ضربة قاصمة لمشروعها في إقامة سلطة سياسية على الأرض تكون نواة لمشروع إسلامي، انطلاقًا من أبين تحديدًا. ويبدو أنها غير قابلة للتكرار في المستقبل القريب؛ فالنظام السياسي تجاوز مرحلة الخطر وفي طريقه إلى التماسك، والحكومة الجديدة أكثر جديةً وحزمًا في محاربة القاعدة. بالإضافة إلى عامل أخر أكثر أهمية ويتمثل في خلخلة الأساس المعنوي لهذا المشروع؛ فقد اعتمدت القاعدة على البعد الديني المرتبط بالمكان، في الحشد والتعبئة المعنوية للمقاتلين، استنادًا إلى حديث الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم "يَخْرُجُ مِنْ عَدَنِ أَبْيَنَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ هُمْ خَيْرُ مَنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ"، والحديث رواه الإمام أحمد في مسنده. وهذه الانتكاسة للمشروع قد تدفع جزءًا من مقاتلي أنصار الشريعة إلى مراجعة حساباتها في جدوى القتال في صفوف القاعدة، خصوصًا عناصرها التي يدفعها الحماس الديني دون أن يكون لها ارتباط بالتنظيم. والعامل الأهم قد يكون تنامي حالة العداء بين المجتمعات المحلية والقاعدة في هذه المناطق، فقد اضطرت الأخيرة خلال الصراع إلى الدخول في مواجهات مباشرة مع سكان هذه المناطق، واستهدفت بالقتل والاغتيال عناصر اللجان الشعبية والوجاهات الاجتماعية الرافضة لسيطرة القاعدة. وهو مالم يكون موجودًا بهذه الصورة من قبل.
لكن في المقابل القاعدة لم تخسر تمامًا، فقد انسحبت محتفظة بجزء كبير من قوتها، ولم تتكبد  خسائر بشرية جسيمة، وخلاياها عادت إلى مخابئها السابقة في الجبال وبعضها الآخر عاد ليذوب من جديد في مجتمعاته المحلية، ولا زالت -كما يبدو من عملياتها الأخيرة- قادرة على توجيه ضربات موجعة للحكومة، والوضع ينذر بجولات قادمة من الصراع أشد عنفًا من سابقتها.
حوار السلاح
التطور الحاصل في الصراع مع القاعدة في اليمن اليوم يأتي نتيجة متغيرين: يتمثل الأول في تأثير الصراع السياسي الدائر، وحالة السيولة في النظام السياسي، على الوضع العام، وتماسك أجهزة الدولة وفاعليتها في مواجهة الجماعات الجهادية التي انتهزت الفرصة فزادت من التمدد والانتشار وكسب القوة. وفي المقابل -وهو المتغير الثاني- تتبلور إرادة سياسية جديدة تميل إلى تعامل مختلف مع مشكلة الجماعات الجهادية، مقارنة بأسلوب النظام السابق الذي تعامل معها أحيانًا كورقة لابتزاز الخارج من أجل الحصول على مزيد من المساعدات. وكان الحوار والتفاوض أحد الأدوات التي اعتمد عليها النظام السابق لاحتواء القاعدة. وهذا الوضع في طريقه إلى التغير مع وصول رئيس جديد، يبدو أكثر جديةً وحزمًا في التعامل مع هذه المشكلة.
وكانت بعض الأطراف المحلية قد طرحت في الآونة الأخيرة فكرة الحوار والتفاوض مع أنصار الشريعة ودعوتهم للاشتراك في مؤتمر الحوار القادم أسوة بباقي القوى الأخرى كالحوثيين وفصائل الحراك الجنوبي، وتشير تقارير إلى أن أنصار الشريعة أبدوا موافقتهم المبدئية على ذلك. إلا أن الاتجاه الغالب أن حدوث هذ الأمر مستبعد في ظل الظروف الراهنة، بسبب أن الجزء الأعظم من القوى الرئيسية ترفض هذا الخيار، وتعتبر هذه الجماعات متورطة في جرائم جنائية تقع تحت طائلة القانون، وبالتالي لا وجه لمقارنة وضعها بالأطراف الأخرى المدعوة للحوار. من جانب آخر، فإن رفض الأطراف الخارجية، الشريكة لليمن في محاربة الجماعات الجهادية، التفاوض من حيث المبدأ مع الجماعات الجهادية، يمثل عاملاً محددًا أيضًا.
المستقبل: حرب متقطعة
أظهرت الأحداث الأخيرة الوزن الفعلي لقوة القاعدة في اليمن، وقدرتها على السيطرة على مدن، وإقامة حكم ذاتي فيها استمر لأشهر عديدة. ويرى البعض أنها أظهرت قدرة على الإدارة والتنظيم لا يُستهان بها. مع ملاحظة أن هذه القوه لا زالت باقية على حالها، ويمكنها الظهور من جديد والضرب بشكل أكبر. فما حدث أنها فقط تراجعت خطوة للخلف ولم تخسر الكثير من قوتها المادية والبشرية. ومن المتوقع على المدى القصير أن تعود إلى تكتيكاتها التي تعودت عليها وتتقنها جيدًا في القيام بالتفجيرات والعمليات الانتحارية. ومن المحتمل نقل المواجهات إلى مناطق أخرى من اليمن، كما هددت قيادات في جماعة "أنصار الشريعة"، بالانتقال إلى ما أسمته عمليات (الذئاب المنفردة)، والتي تعني القيام بعمليات انتحارية فردية انتقامية، تستهدف مسؤولين كبارًا في الدولة كوسيلة لاستعادة صورتها بعد الهزيمة المعنوية التي مُنِيت بها.
وعلى المدى البعيد، من المتوقع أنها ستعود إلى استراتيجيتها السابقة في التمدد البطيء إلى أن تحين الفرصة مجددًا للخروج والسيطرة على أرض تنطلق منها لبناء سلطة سياسية. مع الاستمرار أيضًا في استراتيجية اعتمدتها سابقًا، في إفراغ مناطق واسعة من سيطرة الحكومة، وجعلها مناطق فوضى وعدم استقرار، عبر الضربات الخاطفة والعمليات الانتحارية لمواقع الوحدات العسكرية واغتيال المسؤولين الأمنيين. وربما أيضًا تشجيع الاتجاهات الانفصالية في بعض مناطق الجنوب لإضعاف سلطة الدولة فيها، فيكون من السهل السيطرة عليها لاحقًا وملء الفراغ.
وعلى الأرجح أن الحكومة اليمنية ستدخل حربًا عنيفة ومستمرة مع القاعدة خلال الفترة القادمة، فلا توجد نقاط تقاطع يمكن أن يلتقي عندها الطرفان كحلول وسط. في المقابل، فإن اعتماد الحكومة اليمنية على الاستعانة بالتدخلات العسكرية الأجنبية، سيمنح القاعدة وحلفاءها شرعية تجعلها أقدر على الاستمرار فيما تعتبره جهادًا ضد عدو خارجي يستهدف أرض المسلمين.
لكن رغم ذلك، فإن الاعتماد على الحلول الأمنية والعسكرية فقط رغم أهميتها لن يكون مجديًا بدرجة كافية لمواجهة مشكلة متشعبة ومعقدة كالجماعات الجهادية، ذلك أن قوة هذه التنظيمات المادية والبشرية ليست سوى أحد جوانب المشكلة، بينما الجانب الأكثر أهمية يتمثل في البيئة المحيطة الحاضنة لنموها، خصوصًا مع ضعف الحضور الأمني والخدمي للدولة في كثير من المناطق، وتزايد السخط الشعبي إزاء أداء أجهزتها، وانتشار السلاح، وبيئة الفقر والبطالة المنتشرة بين الشباب التي تسهِّل على القاعدة عمليات التجنيد وشراء ولاءات شيوخ العشائر.
والخلاصة أن القتال سيستمر بين الحكومة اليمنية والقاعدة وحلفائها، وإن كان بشكل متقطع، لكن الحل على المدى البعيد سيتمثل في قدرة اليمنيين على إنشاء دولة ديمقراطية، تُشعر الساخطين بقدرتهم على التغيير دون لجوء إلى السلاح فتنزع، من جانب، الشرعية عن كل الجماعات التي تراهن على السلاح لتحقيق أهدافها السياسية، وتفتح، من جانب آخر، للمترددين، وهم في العادة القطاع الأكبر، باب المشاركة في المنافسة على السلطة بطرق سلمية.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير