4/29/2012

جهاديو السودان.. هل تنحرف البوصلة؟

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : أبريل 29, 2012

وليد الطيب----

  بدأت صفحة جديدة للتيار الجهادي في السودان، قد يتحول فيها من طبيعة السودانيين الوادعة إلى السلاح وما يفرضه على حامله من روح وأفكار، فقد حكمت محكمة سودانية بالإعدام شنقًا على أربعة شبان إسلاميين، أدينوا بقتل دبلوماسي أمريكي وسائقه السوداني عام 2008م، ويأتي الحكم تأكيدا لحكم سابقا بالإعدام على الشبان الأربعة.
في يونيو 2009م، كان حكم بالإعدام على المتهمين الأربعة: محمد مكاوي إبراهيم ( 24) سنة - طالب هندسة في جامعة السودان، وعبد الباسط الحاج الحسن (29) سنة - تاجر، ومهند عثمان يوسف (29) سنة- مهندس وضابط متقاعد من الجيش
السوداني، وعبد الرءوف أبو زيد محمد حمزة - تخرج في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ووالده هو قادة جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان.
وقتل جون جرانفيل (33 سنة) الذي كان يعمل في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وسائقه عبد الرحمن عباس (40 سنة) بالرصاص، بينما كانا في سيارتهما في يوم الثلاثاء، الأول من يناير 2008 وقضت المحكمة بالسجن عامين للمتهم الخامس مراد عبد الرحمن عبد الله لقيامه بتوفير السلاح الذي ارتكبت به الجريمة.
وكانت هذه المجموعة قد أطلقت على نفسها اسم "جماعة أنصار التوحيد والجهاد" في بيان أصدرته يوم الجمعة 4 -1-2008م، بعد أربعة أيام من مقتل الدبلوماسي الأمريكي، وأعلنت فيه مسئوليتها عن الحادث.
وقبيل هذا الحادث الكبير بعام، انفجرت قنبلة تحت التصنيع تحت أقدام شباب أثناء التصنيع في ضحاية السلمة جنوب الخرطوم، وهم شباب في أعمار قريبة من أعمار المجموعة التي قتلت الدبلوماسي الأمريكي، ولكن لم تشر أي تقارير عن صلة بين المجموعتين.
ولم يشهد السودان من قبل مثل هذه العمليات من قبل الإسلاميين منذ ظهور الحركات الإسلامية الحديثة، مما يشي بتحولات كبيرة في كيمياء المكون الإسلامي في السودان، ودخول الحالة الإسلامية مرحلة (ما بعد الحركة الإسلامية).
والسلفية الجهادية في السودان، تعتبر آخر أنماط السلفية ظهورا، وتتمتع بوجود تيار كبير من الشباب ينتسب إليها ولكنها تفتقر حتى الآن إلى قيادة عامة سواء أكانت سياسية أو دعوية علمية، إذ لا تزال تمثل حالة شبابية أو طالبية محضة.
جذور الرفض
وتعود جذور المنتمين إليها، إلى الجماعات الإسلامية التاريخية، بالإضافة لرافد جديد هو الشباب الإسلامي المستقل، والأخير يتشكل من مجموعتين؛ الأولى هي مجموعة الشباب الذي نشأ في الداخل وهو يحمل بذور الرفض للحركات الإسلامية السودانية التقليدية، بشقيها: الإخوان المسلمون وجماعتهم، وأنصار السنة المحمدية الجماعة السلفية، والرافد الثاني هم الشباب السوداني الذي نشأ في الخليج العربي وفي المملكة العربية السعودية بصفة خاصة.. ودرس مراحله التعليمية الأساسية هناك، واطلع على الفكر السلفي السعودي الذي يعود في أصوله الأولى لمدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأحفاده وتلاميذهم.
وهذه الروافد تركت بصماتها على المنتمين لهذا التيار، فالذين وفدوا إليه من الإخوان المسلمين، أميل إلى الجهاد ولهم مواقف فكرية رافضة للحكومة السودانية وتوجهاتها العامة باعتبارها الترجمة العملية لأفكار الدكتور حسن الترابي العصرانية.
وتمثل فكرة الحاكمية المحدد الرئيس لأفكار هذه المجموعة بالإضافة لمصطلح الطاغوت ومحاولة توصيف الواقع القائم بموجب هذين المفهومين، وتعتبر كتب الشهيد سيد قطب بالإضافة لمؤلفات عبد الله عزام رحمه الله الملهم لها، بالإضافة إلى الذين جاءوا لهذا التيار من الجماعة السلفية، والشباب الذين درسوا في المملكة العربية السعودية لهم حساسية خاصة تجاه مفاهيم الولاء والبراء.
ويرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة ويستمنستر د. عبد الوهاب الأفندي المفكر السوداني المعروف أن "المشاكل التي اعترت النموذج الإسلامي في السودان، وما شاب التجربة من صراعات وانشقاقات واتهامات بالفساد والقهر وغير ذلك، دفع بكثير من الشباب إلى التوجه نحو الفكر السلفي، وهذا بدوره قرب الشباب من الحركات الجهادية"، ويمكن القول إن الانشقاقات التي ضربت جسد الجماعة السلفية الكبرى أنصار السنة المحمدية قد عمقت الإحساس بفشل النماذج الإسلامية الحركية والسلطانية القائمة في السودان، وكانت المحفز التالي لهذا الجيل الإسلامي للاقتراب من الحركات الجهادية.
وهذا التيار غير خاضع لتفسيرات الغربيين لظهور حركات العنف الإسلامي فمن بينهم أثرياء وطلاب جامعيون في تخصصات راقية وأبناء أسر عريقة مثلما فيهم البسطاء في مستواهم التعليمي وأبناء الفقراء، بمعنى أنهم لا يتحركون من حقد طبقي أو عنصري أو جهوي أو يندفعون في هذا السبيل لعقد اجتماعية وإنما تدفعهم حماستهم الدينية للجهاد.
يقول المفكر الإسلامي السوداني الدكتور حسن مكي: "إن هؤلاء الشباب تبدو عليهم سمات الصدق والإخلاص.. ويجب الانتباه لأن هؤلاء الشباب ينتمون إلى أسر سودانية معروفة كما أن هؤلاء الشباب شباب نابه، وقد زرت أسر بعضهم، وعلمت أن بعضهم كان مقبولاً في جامعة الخرطوم، ولكن لأشواقه الحركية والجهادية قطع دراسته في كلية الهندسة جامعة الخرطوم لينتمي للمؤسسة العسكرية".
ويلخص الدكتور حسن مكي رؤية الجهاديين السودانيين في أن حجتهم تتلخص في "أن أمريكا عدو صائل، ويجوز التعرض للعدو الصائل حيثما وجد، إذن فقضية هؤلاء الشباب ضد سياسة أمريكا الخارجية؛ لأنهم يرون أن سياسة أمريكا الخارجية أساس مشاكل السودان، وأساس مشاكل العالم الإسلامي، وأن تحالف أمريكا مع إسرائيل هو أس البلاء"؛ ولذا لا يستغرب القول أن هؤلاء الشباب يتمتعون بحب جارف للإسلام ورغبة صادقة في نصرته وفناء فيه، وعداء كامل لأعداء الإسلام، وتمثل الولايات المتحدة العدو الأول للمسلمين، عند هؤلاء الشباب، ويعتقدون أن المعركة الأساسية مع هذا العدو، الذي حددوا جريمته وتفاصيل معركتهم معه؛ وبحسب تعبير شاب جهادي لـ"الإسلاميون": (إن كل الجهود الجهادية ينبغي أن توجه إلى "رأس الحية" وليس لأذيالها في السودان ومصر والسعودية وغيرها من دول المسلمين).
ويرون أن الجهاد غير مقيد بأرض أو مكان، وإنما كل الأرض ميدان للمعركة المفتوحة مع أعداء الإسلام، ولهذا تسللت عناصر من الشباب السوداني للقتال في العراق من قبل، وفي الصومال بعد سقوط نظام المحاكم الإسلامية، وبقيت هذه المجموعات تتوافد على الصومال مؤخرا للقتال في صفوف حركة الشباب المجاهد، وتقول أخبار منشورة على المنتديات الجهادية إن ثلاثة شباب سودانيين قتلوا مؤخرا في المعارك التي دارت حول القصر الرئاسي في مقديشو في 12 يوليو المنصرم.
ومع توحد مشاعر هؤلاء الشباب فإنهم لا يمثلون تنظيما بالمعنى المعروف إنما هي مجموعات يجمع بينها الإيمان المشترك والأخوة، ولكن بلا تراتبية تنظيمية، أو التزام حركي جماعي، كما يفتقد التيار الجهادي في السودان وجود رؤى سياسية عامة، وهذه الحالة أفقدت هذه التيار فرص النمو والامتداد ويفتقدون وجود قيادة علمية، مما ألجأهم إلى الإنترنت لاستلهام الأفكار، وأشار بعض المتصلين بهم لـ "الإسلاميون" أن هؤلاء الشباب يعكفون بصفة خاصة على كتب أبو محمد المقدسي وهو أستاذ أبي مصعب الزرقاوي وكتب أبو بصير عبد المنعم حليمة ويستفيدون من كتابات شيخ الجهاد الأفغاني عبد الله عزام والمواد الصوتية لأسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة.
ويرى شباب هذا التيار أن علماء الداخل وفيهم المحسوبون على التيار السلفي قد بدلوا وغيروا بموالاتهم للحكومة السودانية سواء في الانتخابات الطلابية بالجامعات السودانية أو في المواقف العامة.
ويذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، ويصف الحكومة السودانية بأنها حكومة "مرتدة"، وأن الرئيس البشير هو "طاغوت"؛ وهو ما قد يدفع بالحالة الجهادية السودانية لأن تنعكس على سطح الداخل إذا تعمق هذا الاتجاه فيها وهو ما يزال محدودا في قلة قليلة، ويرى السواد الأعظم منهم أن المعركة ضد "رأس الحية": أمريكا.
الانكفاء على الداخل
ومن غير المستبعد أن يعمق إعدام الشباب الإسلاميين الأربعة على خلفية اغتيال الدبلوماسي الأمريكي هذا الاتجاه، اتجاه معاركة الحكومة السودانية، فقد حكمت بالإعدام على الجهاديين الأربعة محكمة سودانية صميمة في قضاتها وإجراءاتها وفي القانون الذي استندت عليه في إصدار حكم الإعدام يوم الإثنين 12 أكتوبر 2009م، وسينفذ الحكم على أيدي رجال النظام الإسلامي السوداني القائم، و"قتل مسلم لأجل كافر": أمر غير مقبول عند هؤلاء الجهاديين الأربعة ولقطاع عريض من السودانيين الذين ينتمون للفكر الجهادي والفكر الإسلامي على وجه العموم، وقد أعلنها الجهادي مهند يوسف في المحكمة صريحة "أنه لا يجوز أن يقتل مسلم بكافر سبه الله تعالى في كتابه".
مستقبل الجهاديين
مستقبل هذا التيار مرهون بصورة مباشرة بأزمات البلد، وقد يتسع هذا التيار ويتمدد إذا حدث تدخل أجنبي مباشر في السودان أو تعرض الإسلاميون لخسارة فادحة في الانتخابات القادمة، قد يصعد على أثرها التيار العلماني إلى السلطة في الخرطوم.
أو تحولت الإستراتيجية الأمريكية في تنفيذ سياساتها وخططها الإستراتيجية في السودان بصورة مباشرة وعدوانية.
المخرج.. الحوار
ويقترح الدكتور حسن مكي الحوار المباشر بين أمريكا وهذه التيارات باعتبارها هي الفاعل الرئيس ضد الإستراتيجية الأمريكية سواء في السودان وغيره، بدلا من التعامل معها من خلال المحاكمات القضائية؛ لأن أعمال هؤلاء الشباب القصد منها ليس الجريمة وإنما فعل سياسي؛ لأنه ليس المقصود منها نهب مال أو انتهاك عرض، ولكن توجيه رسالة حادة لأمريكا، ولكن مهند عثمان قال لـ"الإسلاميون": "إن أمريكا عرضت علينا تسوية القضية –قتل الأمريكي في الخرطوم– مقابل أن نقدم اعتذارا لأمريكا وهو ما لن يحصل، فقد بحثت أمريكا عن مسلم يُذل لها، ولم تجده في الصومال ولا في العراق ولن نكون نحن في السودان هذا المسلم الذليل".
وبإفادة مهند هذه يكون هؤلاء الشباب الجهاديون قد حددوا طبيعية الحوار المطلوب مع أمريكا وشروطه، فهم لا يريدون حوارا قائما على إملاء الشروط، بل قائم على انسحاب أمريكا من بلاد المسلمين بجيوشها ونفوذها، وأن تعاملهم أندادا لها، أو يقاتلونها في أرض السودان غير مبالين بالنتائج مهما كانت تلك النتائج.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير