2/10/2012

ربيــع القاعــدة

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : فبراير 10, 2012

عبد الرزاق الجمل--

وجدتني وحيدًا حين كنتُ أقول إن الثورات الشعبية العربية لن تؤثر على رؤية تنظيم القاعدة للتغيير، لكن قناعتي بما أقول أو أعتقد، كانت كبيرة، ليس لإيماني بأن هناك فوارق في الأهداف تقتضي أن تكون هناك فوارق في الوسائل، ولا لأن أصحاب الرأي الآخر لهم مواقف من التنظيم أوجدت مقارنة على ذاك النحو، ولكن لأن ما أحدثته ثورتا مصر وتونس كان بالإمكان أن لا يحدث إن وجد مغامر كالقذافي يعمل بعيدًا عن حسابات المقدمات والنتائج، وواحد زائد واحد لا يساوي شيئا بالنسبة له.

كنت أدرك أن الأشياء تحدث خارج منطقها، رغم التغيير الكبير الذي أحدثته، بل تحول اللامنطق إلى منطق في ظلها. أخطأ زين العابدين بن علي ـ وهو ديكتاتور كبير ـ حين خرج عن طبائع المستبدين وفر من تونس، فأخطأنا في الاعتقاد بأن ما كان مستحيلا بات ممكنا بأسهل الوسائل، وبنينا على هذا الاعتقاد كل ما حدث بعد ذلك إلى الآن، حتى الحكام الطغاة شاركوا الشعوبَ هذا الاعتقاد في البداية، قبل أن يعيد العقيد الدموي معمر القذافي الأمور إلى نصابها.

انتشاء الشعب المصري بانتصار الشعب التونسي، وصدمة حسني مبارك بهروب بن علي، خلق المشهد المصري بعد ذلك، كما كان لتأثر الجيش المصري بموقف الجيش التونسي، بالإضافة إلى عدم عائليته، دور كبير في خلق ذلك المشهد.


بعد ثورتي تونس ومصر وجد الليبيون أنفسهم أمام الثورة الحقيقية، أعني أمام ما تتطلبه الثورة من وسائل، لكنهم كانوا أقل قدرة على القيام بها، كما لم يكن بإمكانهم أن يتراجعوا عنها، فمصير الاستمرار لن يكون أكبر كارثية من مصير التراجع، لهذا قبلوا بالخارج كمخرج من ورطة الثورة. التدخل الخارجي في ليبيا، وإن كان ضروريا تفاديا لمذبحة كانت ستحدث في بن غازي، إلا أنه يناقض أهداف الثورة، فرفض الوصاية الغربية على المنطقة العربية سيكون مرحلة تالية للثورات الشعبية إن لم يُسلِّم الغرب بالأمر الواقع ويتعامل مع البلدان المحررة من أنظمتها المستبدة بطريقة أخرى.

امتصاص النظام السوري والنظام اليمني لصدمة الثورات السلمية أعاد الاستبداد إلى طبيعته، بالنسبة لهذين النظامين، لكن الشعبين، اليمني والسوري، لم يعودا إلى طبيعتهما بعد، الطبيعي في ظل أنظمة مستبدة أن تثور الشعوب ثورة مسلحة أو ترضى بالاضطهاد.

الثورات الشعبية العربية إذن ليست ظاهرة تستحق التأمل والدراسة، ولا هي براءة اختراع تُسجل للشعوب العربية، كما اقترح البعض، هروب الرئيس بن علي هو الأمر الذي يستحق التأمل والدراسة، لخروجه عن المألوف، ولأن ما حدث في الوطن العربي بعد ذلك كان من نتائج ذاك الهروب وليس من نتائج ثورة الشعب التونسي التي لم نسمها ثورة إلا بعد هروب الرئيس، بل لم يكن أكثرنا يتابعها، فهي مجرد احتجاجات مغامِرة ضد نظام ديكتاتوري إما أن يقمعها وتنتهي وإما أن يقمعها وتنتهي. هكذا كانت نظرتنا لها في البداية. لا أقلل هنا من قيمة الثورات، لكن المبالغة في تمجيد سلمية الثورة على أنظمة مستبدة ليس منطقيا.

إذن.. الذين قارنوا بين الثورات الشعبية العربية وبين منهجية تنظيم القاعدة في التغيير، لغرض إدانة التنظيم ووسائله، أقروا، وإن بشكل غير مباشر، بأن لتنظيم القاعدة هدفا نبيلا ومشروعا، فهو يحارب أنظمة مستبدة ويسعى إلى إسقاطها، تماما كما تفعل الشعوب العربية، خصوصا بعد أن خرجت بعض من ثورات الشعوب العربية عن طابعها السلمي إلى العمل المسلح. والسؤال الأهم الآن هو: الذين قالوا إن ثورة الشعوب العربية السلمية أثبتت فشل أو خطأ روية القاعدة للتغيير، هل ستتغير قناعتهم بعد هذا التغير في مسار الثورات الشعبية؟!.

شخصيا، أعتقد أن الثورات العربية السلمية بررت العنف في مواجهة العنف الآخر أكثر مما أدانته، وبالتالي فإن ما كـان تنظيم القاعدة يُدان ويُحارب بسببه فـي السابق، أصبح اليوم ضرورة ملحة.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير