2/07/2012

ملامح تمركز جديد للمشروع الجهادي العالمي

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : فبراير 07, 2012


بدون أدنى ذرة من الشك فقد لاحظ المراقبون تطورات مذهلة طرأت على الساحتين الأفغانية والباكستانية خلال الشهور القليلة الماضية. وبدون أدنى شك فإن الصراخ الأمريكي والبريطاني في أفغانستان بات دويه يغطي على مثيله في العراق حيث يشعر الجنرال ديفيد بتريوس قائد القوات الأمريكية ببعض الأمن الذي توفره له الصحوات وبعض الأصدقاء الجدد وخاصة أولئك الذين يغمزون من قناة الحل التوافقي الوطني. لكن قدر الأمريكيين وحلفائهم أن يتجرعوا السم والعسل من كأس واحدة كلما حاولوا التظاهر أنهم في الطريق إلى تحقيق النصر، فإذا كانوا قد نجحوا في اختراق الساحة العراقية الممزقة أصلا وإضعاف المشروع الجهادي، إلى حين، ولأكثر من سبب إلا أنهم ظهروا عاجزين في بلاد الأفغان التي باتت بجدارة مركز المشروع الجهادي العالمي. فما هي ملامح هذا التمركز الجديد؟ وما هي عناصر قوته في ضوء صعود نجم طالبان باكستان؟


يبدو أن الربيع الساخن الذي هددت به طالبان قوات الإيساف في أفغانستان أوائل العام الماضي تأخر عاما كاملا لنشاهد أسخن وقائعه تتوالى منذ ربيع العام الجاري على الأقل. ولعل الأمريكيين اطمأنوا إلى تهديدات بدت لهم أقل مما توقعوا كلما مرت فصول العام الماضي دون أن تثبت الفعاليات المسلحة لطالبان صدق تهديداتها رغم أن مواجهات العام 2007 خلفت أكبر حصيلة من القتلى في صفوف قوات التحالف (232 قتيل) لدرجة اعتباره العام الأكثر دموية منذ عام 2001، لكن ربيع العام الجاري أثبت بما لا يدع مجالا للشك أن القوات الأمريكية ربما تكون قد تعرضت لما يشبه الخديعة العسكرية المؤلمة وهي تستفيق على سلسلة نوعية من الضربات لم تعهدها قبلهم سوى القوات السوفياتية في مرحلة الجهاد الأفغاني الأول، بل أن مدير هيئة الاستخبارات العسكرية، مايكل ماكونيل أكد، في جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ، بعد ست سنوات على الاحتلال، أن حركة طالبان وشيوخ القبائل الأفغانية يسيطرون على70 % من أراضي أفغانستان بشكل فعلي، في حين تسيطر حكومة حامد كرزاي بمساعدة القوات الأجنبية على 30% فقط.

والثابت أن صياح الأمريكيين والبريطانيين صمّ الآذان عن هزيمة جيوشهم في بلاد الأفغان، وشهدت وسائل إعلام البلدين زحمة مقالات وتحليلات وتصريحات للعسكريين والاستراتيجيين تطالب بضرورة الخروج من أفغانستان. فمن جهته اعترف الحلف الأطلسي بلا مواربة أن طالبان تحقق نصرا تكتيكيا، لكن الضباط وقادة الميدان كانوا أكثر صراحة في تقييم الوضع الميداني، ففي حوار مع صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية اعترف الجنرال دان ماكنيل قائد قوات الناتو السابق في أفغانستان أن التصدي لهجمات حركة طالبان الأفغانية بات: "أمرًا عسيرًا"، وبالمقارنة مع الحرب في العراق قال المقدم جون ناجل، المسؤول والخبير العسكري الأمريكي أن: "الحرب في أفغانستان هي حرب تستحق أن نقلق كل القلق بشأنها، وهي الحرب التي تحتاج الولايات المتحدة فيها كل مساعدة ممكنة من أصدقائها". وحتى وزير الدفاع الأسبق دونالد رامسفيلد الذي أنكر وجود طالبان على الأرض الأفغانية بعد احتلال البلاد عاد وكتب مقالة في الواشنطن بوست (8/10/2006) قال فيها: "إن كل الأخبار عن أفغانستان غير مشجعة وخاصة في جنوبها"، ومؤخرا اعترف ضابط أمريكي رفيع بأن: "هجمات طالبان زادت بمعدل 40% عن ذي قبل" وسط حصيلة من القتلى خلال الشهر الجاري هي الأعلى (39 قتيلا بينهم 19 أمريكيا وأحد عشر بريطانيا) منذ احتلال البلاد.

والحقيقة أن متابعة الشأن الأفغاني لم يعد سهلا أمام تدفق البيانات العسكرية لطالبان بشكل يبعث على الدهشة خاصة وأنها تفرض نفسها على كافة وسائل الإعلام العالمية بما يكفي لدق ناقوس الخطر إزاء ما تحققه طالبان من تقدم ميداني مذهل، هذا في وقت تبدو فيه وسائل الإعلام العربية أتعس من أن تتابع، بحيادية، حتى بيانات القوات الأمريكية ناهيك عن إغفال بيانات طالبان. إذ أن استقراء المضمون العسكري للبيانات تشير إلى استهداف شامل لم تستثن منه قوة معادية ابتداء بقوات الإيساف الأطلسية ومرورا بالقوات الأفغانية الهزيلة وانتهاء بالصحوات المحلية. والأطرف في الهجمات أنها على ذات الوزن من الشدة والقوة فضلا عن اتسامها بـ: "تعقيدات متشعبة" محسوبة استراتيجيا بدقة بالغة لدرجة أن التصريحات العسكرية على أعلى المستويات تعترف بأن خطط طالبان العسكرية تفوقت على مثيلتها الأطلسية، بل أن الأطلسي اعترف بـ "إعجاب" أن عملية سجن قندهار كانت ناجحة بكل المقاييس.

فقد تعرض الحلفاء لهجمات بالغة الشراسة في الجنوب الشرقي لأفغانستان أسفرت عن مقتل عشرات الجنود وتحولت آلياته إلى فرائس سهلة للعبوات النافسة فضلا عن الهجمات المباشرة على القواعد والثكنات وخطوط الإمداد والدعم فضلا عن إسقاط العديد من الطائرات العمودية والاستيلاء على ثلاث منها، وكلها أحداث فيها ما يكفي لإرهاق أية قوة احتلال ودفعها إلى الصراخ والعويل رغم أنفها حتى لو تجاهلت وسائل الإعلام ما يجري في ساحات القتال. ولا مفر من الاعتراف بأن أقوى الضربات وأشدها في ساحات الجهاد العالمي تقع اليوم في أفغانستان، بل وصل الأمر في طالبان إلى الإعلان جهارا، وبنوع من التحدي، عن إرسال فريق استشهادي إلى قلب قندهار لتنفيذ مهمات خاصة، وفريق مقاتل آخر قوامه 350 مقاتل متواجد في وسط العاصمة كابول، وعليه فلم يعد يفيد الأميركيين ولا غيرهم التكتم على ما يجري خاصة وأن ساحات المواجهة سجلت في أكثر من مناسبة فضائح مدوية وإهانات بالغة في نوعية العمليات التي تستهدف القوى المعادية لطالبان.

وعلى الطرف المحلي فلم يكن استهداف الحفل الرئاسي بحضور الرئيس الأفغاني حامد كرزاي، فيما اشتهر بعملية المنصة قرب القصر الرئاسي في كابول في شهر أبريل الماضي، مجرد ضربة تراكمية في سجل الجهاد والمجاهدين بقدر ما كان أبلغ إهانة تتلقاها القوات الأمريكية وليس الرئيس كرزاي الذي فرّ من البلاد على عجل تاركا قواته تتخبط بفوضى عارمة نجح في إحداثها بضعة مجموعات من مقاتلي طالبان، هكذا بدا مشهد ضباط الحرس الرئاسي بنياشينهم وبذلاتهم الأنيقة وكبريائهم وهم يتراكضون في كل اتجاه وتدوس بعضهم القادم هربا من الهجوم.

أما عملية سجن قندهار فكانت صفعة مدوية يحق لها أن تنسخ ما سبقها من صفعات قاعدة باغرام وسجنها مما لم تعد تحتمله لا القوات الأمريكية ولا الأفغانية، إذ نجحت طالبان في تحرير مئات السجناء في منطقة شديدة التحصين مخلفة تصريحا أغبرا لوالي قندهار قال فيه: "لم يعد في السجن أحد!"؟ فهل من فضيحة بعد هذه الفضيحة؟ والعجيب هو ما كشف عنه موقع الأمة الباكستاني عن هروب رئيس استخبارات طالبان الذي وقع كرزاي بحقه حكم الإعدام، والأعجب أن أحدا لم يتنبه لهروبه طيلة تسعة أيام! وإن صحت الحادثة فهي أشد أثرا من عملية السجن ذاته. فأية قوى جبارة هذه التي لا تستطيع الاحتفاظ بسجينها؟

ترى، هل ثمة قوى خارجية تساعد طالبان! نطرح السؤال لأن سبع سنوات من الاحتلال الأمريكي لم نشهد فيها أي عمليات لطالبان بهذه الشدة والدهاء في التخطيط والتنفيذ. والطريف أن البيانات التي تصدرها طالبان تغلب عليها الصفة الأمنية بحيث يصعب اعتبارها مادة كافية للتحليل أو للاطلاع على حقيقة الوضع في أفغانستان، ويكفي أن قراءة بعض العمليات بلغة أمنية ستخلف مائة سؤال وسؤال دون إجابة، ولولا بعض التصريحات الغربية والبيانات العسكرية لقوات إيساف لكان الوضع عصيا على الفهم إذا ما اقتصرنا على بيانات طالبان. لكن على الأقل سنلاحظ، بحسب ما يتوفر من معطيات أن:

• طالبان حققت اختراقات أمنية واسعة النطاق داخل الجيش والشرطة وفي قلب السجون وحتى داخل مؤسسة الرئاسة وإلا ما كان لها أن تصل إليها وهي تزهو في عرينها. وهو اختراق جاهرت طالبان نفسها بتحقيقه عبر تصريحات نقلتها شبكة "سكاي نيوز الأمريكية" عن هزار غل القائد الميداني لطالبان في منطقة كابول، وأكدها ضابط بريطاني برتبة مقدم مشيرا بأن: "الأفغان يعلمون بقضية الاختراق، ويبذلون قصارى جهدهم للتعرف إلى الذين انخرطوا في صفوف الجيش".

• كما أنها حققت تفاهمات اجتماعية أوسع نطاقا مع القبائل والقوى الاجتماعية الحاضنة لها وإلا ما كانت لتحقق كل هذه النجاحات بسرعات قياسية. والأهم في عملية سجن قندهار أنها تمت بالتنسيق مع القبائل وبتواطؤ من القرى المحيطة وسيطرة تامة على الطرقات ووسائل المواصلات، فضلا عن معرفة السجناء بالعملية قبل حدوثها.

• أن طالبان بدأت تنتقل من الهجمات الخاطفة إلى السيطرة على المناطق وتطهيرها وطرد القوى المعادية منها. وبحسب توصيات مركز الأبحاث الدولي (SENLIS) يبدو بأن طالبان عازمة على السيطرة فعليا على كابول خلال العام الجاري ما لم يجرِ تدارك الأمر قبل فوات الأوان.

إلى هنا سيكون من حق ضباط آخرين أن يزعموا بأن الحرب في أفغانستان قد تطول إلى أمد غير محدود بشرط أن تتحمل القوات الأطلسية ضراوتها. لكن من المؤكد أن طالبان ليست وحدها، وأن للقاعدة يد طويلة في عملياتها النوعية وخاصة في استراتيجياتها القتالية الجديدة غير المألوفة سابقا، وحتى في انتقاء الأهداف. ولا شك أن من تابع وقائع الهروب الكبير من سجن قندهار قد توقف طويلا عند شبح عمليات القاعدة في العراق من سجن أبي غريب إلى سجن بادوش ومستشفى الموصل وغيرهما وهو يلاحق القوات الأمريكية والأفغانية، بل أن أحدا لم يعد يشكك في التقارير والتصريحات والتحقيقات التي تتحدث عن أن بعض قادة طالبان زاروا العراق وأقاموا معسكرات وتدربوا على العمليات القتالية الدائرة فيه، وخبروا أحدث وأرقى الأساليب القتالية المتطورة، وتعلموا صناعة العبوات الناسفة وتطوير الأسلحة ووسائل إسقاط الطائرات، وأدخلوا إلى استراتيجياتهم أسلوب العمليات الاستشهادية غير المألوف لدى الطالبان سابقا لينفذوا قرابة 130 هجوما سنة 2006 وحده.

وفي السياق من الملفت للانتباه الإشارة إلى تصريحات الجنرال ماكنيل للواشنطن بوست وهو يتحدث عما يسميه بـ: "التواطؤ بين المسلحين المحليين والمقاتلين العرب، الذين يتخذون من إقليم شمال شرق باكستان ملاذًا لهم، مما يجعل التصدي لهم أكثر صعوبة".

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير