2/10/2012

ما وراء الحملة الإعلامية الشرسة على أنصار الشريعة في اليمن؟

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : فبراير 10, 2012


عبد الرزاق الجمل--

يشكل تنظيم القاعدة خطرا على خصومه بحجم مساحة الأرض التي يسيطر عليها أو التي يمكنه التنقل فيها دون مضايقات، ذلك لأنه لا يحتاج في سبيل إلحاق الأذية بهم، أكثر من مكان يعمل فيه بحرية. وفي اليمن بات التنظيم يسيطر على مساحات جغرافية شاسعة. بل قد يكون الجهة الوحيدة التي تحكم سيطرتها على مناطق، في بلد القبيلة والسلاح، بهذا الشكل. كما أنه الجهة الوحيدة التي استطاعت أن تقدم نفسها للناس بشكل مقبول، رغم ما يحمله الناس عن التنظيم من تصورات مسبقة بسبب الحملة الإعلامية الكبيرة ضده. لكن ومع ما تحقق له منذ أشهر إلا أنه يسعى للحصول على المزيد من الأرض والمناصرين، وقد ساعدته الظروف التي مر ويمر بها البلد مؤخرا على ذلك. والمهم، بالنسبة للتنظيم اليوم، هو أنه لا يشعر بتراجع على أي مستوى، ويرى، من خلال ما بات يمتلكه من قدرات، أن القادم لن يكون أسوأ مما مضى، أو "لم تبق سوى ترتيبات طفيفة ليستوي مشروعه على سوقه" حد تعبير قادته.
غير أن أمريكا قائدة الحرب على الإرهاب، والتي اكتشفت مؤخرا أن عقدا من هذه الحرب بالشراكة مع نظام صالح مر دون أن تحقق خلاله شيئا، تراهن الآن على الحكومة الجديدة، التي يبدو أنها قطعت لأمريكا وعودا بتحقيق ما لم يستطعه الأوائل في نظام الرئيس صالح. أما الحكومة الجديدة، حكومة المعارضة، فتراهن على فكرة أن التنظيم سيضعف أو سينتهي تلقائيا بمجرد رحيل صالح، ذلك لأنه من صنعه أو مرتبطا به. وقد تكون هناك خطة متفق عليها لإدارة الحرب ضد التنظيم بشكل آخر.
وهذا الأمر جعل الولايات المتحدة الأمريكية تضاعف من ضغوطها على صالح بسرعة نقل السلطة، بعد أن اتضح لها أن سعيها لإطالة أمد الأزمة في اليمن، لغرض خوض حرب مباشرة مع تنظيم اليمن عبر طائراتها من دون طيار، وأحيانا الحربية، دون أن يعترض عليها المنشغلون بأمور السلطة، لن ينجح في الحد من خطر التنظيم.
وتبدو المراهنة الأمريكية على الحكومة الجديدة مراهنة على الغيب، وعلى افتراض صيرورة الأمور إلى ما هو مرسوم، وهي مراهنة لا تقل سطحية عن مراهنة حكومة المعارضة على ضعف التنظيم التلقائي بعد رحيل صالح أو على الجدية في العمل العسكري. كما يبدو أن عملية سيطرة أنصار الشريعة على مدينة رداع عززت من هذه الفكرة، خصوصا بعد تصريحات خالد الذهب التي ادعى فيها أن أخاه سيطر على المدينة بالتنسيق مع جهاز الأمن القومي المدعوم أصلا من الولايات المتحدة الأمريكية.
لكن المعارضة اليمنية، وخصوصا حزب التجمع اليمني للإصلاح، كانت قد سبقت تصريحات خالد الذهب بكمية هائلة من الأخبار والتقارير، في كمية هائلة من وسائل الإعلام التابعة لها والمتأثرة بخطابها، تحدثت عن علاقة نظام صالح بسيطرة أنصار الشريعة على مدينة رداع، إن لم تكن المعارضة هي التي حرَّضت الشيخ خالد الذهب على ذلك، بحسب اتهام أخيه الشيخ طارق الذهب لها. وتصريح الذهب يشبه إلى حد بعيد، بعض تصريحات اللواء على محسن الأحمر في هذا الجانب.
ومع أن المعارضة كانت تنشر هذا النوع من الأخبار والتقارير في وسائل إعلامها، إلا أن الوساطات التي كانت تحركها عبر واجهات قبلية كانت تتعامل مع قضية السيطرة على مدينة رداع بشكل مختلف تماما، لكنها نجحت، من خلال ما تبثه، في خلق ثقافة خاصة لدى قطاع واسع من الناس عن علاقة أنصار الشريعة بالنظام، غير أن أنصار الشريعة نجحوا أيضا، من خلال احتكاكهم بالناس في مناطق سيطرتهم، في خلق ثقافة مضادة، بل ومؤيدة لهم ولمشروعهم. وهذا الأمر يفسر سهولة سيطرتهم على مناطق شاسعة لم تكن تحت سيطرة نظام صالح منذ أكثر من ثلاثة عقود. وبرغم نجاح خصوم التنظيم في استغلال موقف الشعب من نظام صالح لتمرير كثير مما يريدون، إلا أن ما يثر الاستغراب حقا هو أنهم لم يستغلوا الأمر ذاته لتمرير أشياء من هذا القبيل ضد جماعة الحوثي، رغم المعارك التي جرت بينهم وبين الجماعة في محافظة الجوف وحجة وغيرها، ورغم وجود علاقة حقيقية للنظام بذلك. وهذا الأمر يفسر طبيعة أو نوع الحرب التي تخوضها المعارضة حاليا ضد تنظيم القاعدة. إنها حرب إعلامية بالدرجة الأولى.


مكاسب غير مفيدة
من الصعب إقناع المواطن اليمني في غير مناطق سيطرة أنصار الشريعة بخطأ ما تردده وسائل الإعلام التابعة للمعارضة عن علاقة أنصار الشريعة بنظام صالح، مادام أن الأمر متعلق بمؤامرة يقف وراءها خصمهم الكبير صالح، لكن نجاح المعارضة في خلق موقف شعبي مؤمن بما تقول، لا يعني أنها ستستفيد منه كثيرا فيما هي مقدمة عليه، لأنها لا تراهن على تأييد ورفض هذا الشعب أصلا، ولهذا ألغت خيار الحسم الثوري من قائمة خياراتها في التعامل مع الأزمة الراهنة، وإن كان هذا الموقف سيفيدها في إقناع الخارج بها كبديل لنظام صالح، وهذا الأمر يفسر معنى أن يكون الشعب ضد سياسة المعارضة تجاه الثورة فيما النتائج تصب في وادي هذه السياسة لا في وادي إرادة الشعب.
والمعارضة في وصولها إلى هذا المستوى من التحكم برغبة الشعب تعتمد على سياسة خطرة للغاية: إيهام الشعب بأن خطرا عظيما يتربص به وبالبلد ومستقبله إن هو (أي الشعب) استمر في الإصرار على خياراته الثورية، وبأنها تتجاوز رغباته لصالحه هو لا لأنها مجبرة على السير في هذا الطريق لصالحها هي، وهذا الأمر يبرر لها تجاوزاتها التي يرفضها الشباب ظاهرا ويستبطنون الإيمان بها، لأنهم في حقيقة الأمر يؤمنون بقدرة هذه الأحزاب أكثر من إيمانهم بقدراتهم، وهو إيمان رسخته المعارضة في قلوبهم من خلال سلوكها في التعامل مع الأحداث، ولعل هذه السياسة أسوأ بكثير من السياسة التي كان يتعامل بها نظام صالح. إذ يمكنها أن تمرر الكثير مما تريد تمريره باسم الوطن ومصالحها، ولديها محمد سالم باسندوة يمكن أن يبكي في أية لحظة يجد نفسها فيها مضطرا لاقتحام ما يروجون له على أنه أخف الضررين، للتدليل على الصدق في ذلك. كما أن لديهم الشيخ محمد الحزمي مستعد في أية لحظة لشرح الأبعاد الفقهية لتجاوزات المعارضة التي تلغي الشعب تماما وإرادته وتطلعاته.

تهيئة الرأي العام
هناك دفع أمريكي باتجاه تعويض الخسائر العسكرية والإستخباراتية في اليمن بمكاسب إعلامية من شأنها أن تسهم في خلق نجاح عسكري مستقبلا عبر حرب قد يشنها الإخوان المسلمون وحلفاء أمريكا الجدد على تنظيم القاعدة في اليمن. أما الإخوان المسلمون فلأنهم أصحاب قدرات كبيرة في هذا الجانب وبمقدورهم أن يقودوا حملة إعلامية كبيرة قد تبدو في ظاهرها ضد صالح ونظامه لكنها في الحقيقة تستهدف تنظيم القاعدة، عقبة أمريكا الأبرز في الحفاظ على تدخلها في شئون اليمن الداخلية، وعقبة الإخوان المسلمين في الوصول إلى الحكم أو البقاء فيه إنهم وصلوا.
والغرض من هذه الحرب الإعلامية أمران، أولهما أنها تعوض الإخفاق العسكري للولايات المتحدة الأمريكية ضد القاعدة في اليمن طوال ما يقرب من عشر سنين، كما أسلفنا، ومن شأن هذه الحرب أن تحد من توسع القاعدة الذي بدا ينتشر كالنار، ليس في الهشيم، وإنما في البترول، بعد أن انفرط العقد الأمني وصار بمقدور التنظيم أن يحتك بالناس ويتحدث إليهم دون حواجز، وهو ما حرصت الولايات المتحدة الأمريكية كثيرا على منع حدوثه في السابق، لإدراكها أن قدرة تنظيم القاعدة على التأثير والإقناع غير عادية.
والأمر الثاني تهيئة الرأي العام، إما لحرب شرسة ستشنها حكومة المعارضة ضد تنظيم القاعدة بدعم سعودي وأمريكي كبير، لاعتقادها أن الجدية في الحرب هي ما كان ينقص نظام صالح ليتمكن من القضاء على التنظيم، وإما للسماح بتدخل أجنبي يتجاوز التدخل الذي كان يحدث في عهد صالح، لأن القوة التي بات يمتلكها تنظيم اليمن تتجاوز أمر التعامل معها بقليل من طائرات أمريكا التجسسية من دون طيار أو صواريخها التي تطلقها من سفنها في بحار قريبة من السواحل اليمنية. ويراد أن لا ينظر الشعب لهذه الحرب أو لهذا التفريط في السيادة الوطنية كما كانت نظرته لها في عهد صالح. أي أن هناك تهيئة كبيرة لعمل أمريكي إخواني مشترك في مرحلة ما بعد الثورة.
لكن يبدو أن القاعدة، بسيطرتها على مناطق واسعة، وبقدرتها على التأقلم مع سكانها، وإقناعهم بمشروعها، ستفشل هذه الخطة، فكما أن لحكومة صنعاء شعبا تشرعن مواقفه أعمالها، كذلك لحكومة أبين شعب تشرعن مواقفه لها عملية الرد بما تراه مناسبا. وفي الأيام الماضية خرج شعب مديرية خنفر القريبة من مدينة زنجبار لاستقبال نازحي المدينة العائدين، ورفع المتظاهرون في المسيرة العارمة شعارات تؤيد أنصار الشريعة، ولهذا السبب تحديدا، وليس لأسباب أخرى، تجاهلت وسائل إعلام المعارضة هذه المسيرة تماما، رغم أنها كانت حينها تتحدث كثيرا عن مسيرة نازحي زنجبار وعن "حق العودة". كما أن أنصار الشريعة لم يدخلوا مدينة رداع إلا برضا أهلها، بل إن كثيرا منهم انضموا إليهم.
ويمكن القول الآن إن ما سيتم مستقبلا من قبل أنصار الشريعة ضد الحكومة إن هي أصرت على خيار أمريكا العسكري، والتعامل معهم كاستثناء، سيكون شبيها بالجهاد الشعبي إلى حد كبير، حيث ارتبطت مصالح الناس في مناطق سيطرة أنصار الشريعة، بل وحياتهم من ألفها إلى يائها، بوجود حكومة الأنصار، إن جاز أن نسميها حكومة.
وما لا يبدو أن أمريكا تدركه الآن، ومن ورائها جماعة الإخوان، وكذا من تحالف معهم، هو أن الحملة الإعلامية الحالية، لن تشرعن الحرب على أنصار الشريعة مستقبلا، ولن تؤثر في موقف الرأي العام إلا خارج المناطق التي يسيطر عليها أنصار الشريعة وكذا خارج المناطق المجاورة لمناطق سيطرتهم، بل ربما يقتصر ذلك بشكل كبير على العاصمة صنعاء، إذ لو كان لها تأثير بالشكل الذي يتخيلونه لتحركت كل قبائل محافظة البيضاء لإخراج مسلحي أنصار الشريعة من مدينة رداع، لكن ما حدث هو العكس تماما، فمعظم الإمدادات لهم كانت تتحرك عبر طرق هذه المحافظة، بل إن قبائل البيضاء نفسها هي التي منعت تحرك معسكر الحرس الجمهوري من مديرية السوادية.

الأمن السياسي الثوري
في إطار الحرب الإعلامية ضد تنظيم القاعدة، أو أنصار الشريعة، اضطرت المعارضة إلى ربط كل صغيرة وكبيرة تتعلق بالتنظيم، بنظام الرئيس صالح، كممول أو كمدير. ومؤخرا تم الترويج لفكرة تصفية مسئولي جهاز الأمن القومي لمسئولي جهاز الأمن السياسي، والغريب أن كلاما كهذا ورد على لسان من يُفترض أنه كان أقرب المقربين لصالح، اللواء على محسن الأحمر، والذي وجد نفسه يدور في فلك الإخوان وأمريكا بشعور أو دون شعور، وربما أن الشعور بالخوف من الماضي هو الذي دفعه إلى الدوران في هذا الفلك، والأغرب أن شباب الثورة وجهوا تحذيراتهم للنظام إن هو استمر في سياسية التصفيات تلك. وعلى ذكر اللواء محسن أذكر أنه يوما قال إنه رأى أحد قيادي تنظيم القاعدة بجانب الرئيس صالح في أحد خطاباته بميدان السبعين، دون أن يعطي تفاصيل أكثر عن هذا الشخص. وهذا الأمر هو الأكثر غرابة.
الآن أصبح الأمن السياسي، الذي يحتجز حرية الصحافي شائع منذ أكثر من سنة ونصف بأوامر أمريكية ورغبة إخوانية، جهازا شريفا نظيفا ثوريا.. ومظلوما أيضا. وعلى شباب الثورة الذين يتضامنون مع شائع ضد جهاز الأمن السياسي، أن يتضامنوا مع جهاز الأمن السياسي ضد جهاز الأمن القومي، ولو أراد الإخوان أن يتضامن شباب الثورة مع جهة ضد جهة أخرى من شأن التضامن ضدها أن يحقق لأمريكا مكاسب في حربها على القاعدة، لفعلوا.
وكانت وسائل إعلام المعارضة تتساءل، بغباء أو بذكاء منقطع النظير، : لماذا تستهدف القاعدة مسئولي جهاز الأمن السياسي ولا تستهدف مسئولي جهاز الأمن القومي، وبقيت تعيد هذا التساؤل مع كل عملية اغتيال تطال أحد ضباط جهاز الأمن السياسي، لتؤكد ما تريد تأكيده. وكما تقدم فقد دار اللواء محسن في فلكها وفي فلك أمريكا وقال إن لديه معلومات تؤكد الأمر ذاته، وفي فلك الجميع دار شباب الثورة، بحسن نية، وحذروا نظام صالح من التمادي في اغتيالات مسئولي الأمن السياسي على خلفية مواقفهم المؤيدة للثورة. ولا ندري متى أعلن الأمن السياسي موقفا مؤيدا للثورة، مع أنه جهاز للإخوان فيه يد، ولأمريكا فيه يد ورجل. لقد نجح الإخوان هنا في تقديم هذا الجهاز بهذا الشكل.
لكن، وحتى يعلق على الأمر أهله، أحببت، خلال زيارتي الأخيرة لمحافظات البيضاء وشبوة وأبين، أن أضع السؤال ذاته على قيادات في تنظيم القاعدة: لماذا تستهدفون مسئولي جهاز الأمن السياسي ولا تستهدفون مسئولي جهاز الأمن القومي، إن كنتم فعلا على علاقة بتلك الاستهدافات؟!.
قالوا لي إن مشكلة جهاز الأمن القومي هي أنه يمارس عمله الاستخباراتي بنفس أسلوب تنظيم القاعدة، أي يعمل في الخفاء، وليس له أماكن تواجد محددة، ويخفي عن الناس عمله، ويعمل تحت مسميات أخرى. وفي هذه الحالة يصعب جدا استهداف مسئوليه، على النقيض تماما من جهاز الأمن السياسي الذي له مكاتب معروفه ومسئولين معروفين.
وأضافوا: "نحن نتحدى الذين يروجون لهذا الكلام أن يحددوا لنا مجموعة من مسئولي جهاز الأمن القومي وأين يعملون. رغم أن التحديد قد يكون أسهل بكثير من الاستهداف. وإذا كان نظام علي صالح يفعل ذلك، أو القاعدة التي تتبعه، كما يقولون، ألا يمكن أن تكون هناك قاعدة حقيقية يمكن أن تقوم باستهداف مسئولي جهاز الأمن القومي؟".
وواصلوا: "ثم أن بياناتنا التي ننسب من خلالها العمليات لنا، صادرة عن مركز الفجر، كما أن القيادة العامة على اطلاع بكل ما يجري، فهل يعقل أن يوظف نظام صالح قاعدة اليمن وقاعدة أفغانستان وباكستان بكل وسائلها الإعلامية، ليتمكن من قتل مسئول في جهاز الأمن السياسي. مثل هذا الكلام لا يمكن أن يمرر على من كل له عقل".
ويقول الشيخ حارث النظاري، وهو من قيادات التنظيم في اليمن، إن الإخوان المسلمين الذين يقفون أكثر من غيرهم وراء "مثل هذه الشائعات" إما أن يكونوا على علم بالحقيقة، ويريدون التشويه، وإما أن يكونوا يجهلونها لكنهم توصلوا إلى ما توصلوا إليه من خلال وضع التنظيم في ذات القالب الإخواني، وهو قالب قائم على ممارسة هذا النوع المؤامرات.
وربما يفسر كل هذا معنى أن تكون المعارضة على علم بأن أمريكا تدرك أن القاعدة في اليمن حقيقية ولا علاقة لها بنظام صالح، لكنها تصر على أن تقدم نفسها كمن لا يعرف عن هذا الملف شيئا، من خلال الترويج لتلك الشائعات، خصوصا وأنها لا تنفك تعمل على إقناع أمريكا بأنها ستكون البديل الذي يمكنها الاعتماد عليه في الحرب على الإرهاب. بمعنى أن المعارضة ليست غبية إلى الحد الذي يجعلها تعمل ضد مستقبلها السياسي.
ومن المهم هنا إيراد مقتطفات من مقال للصحافي محمد العبسي بعنوان "كيف يكسب صالح ويخسر معارضوه". وكان يتحدث عن تصريحات قادة المعارضة وشباب الثورة لوسائل الإعلام بخصوص العملية التي استهدفت الشيخ أنور العولقـي.
يقول العبسي: "عقب مقتل الشيخ أنور العولقي نقل الإعلام العالمي تعليقات بعض قادة المعارضة وشباب الثورة. وكلها تقول نفس الشيء بطريقة مختلفة "القاعدة من صنع صالح، القاعدة كذبة.. الخ هذا الهذر"! شعرت بالغثيان من تصريح عضو اللجنة التنظيمية العليا للثورة مانع المطري قال"إن العولقي كان أداة في يد الحكومة لترويع الغرب وأرادوا تحسين صورتهم في الغرب بعد كل أعمال القتل التي ارتكبوها". هل يدخل هذا الكلام عقل؟ أيهما أداة في يد الحكومة: أنور العولقي المطارد من 2007م والذي قدم حياته في سبيل ما يؤمن به أم من وقّع قبل عام اتفاقاً سياسياً في 17 يوليو (عيد الجلوس؟)! أنور الذي قتلته أمريكا وابنه أداة في يد الحكومة مقابل ماذا يا مانع؟ فيزا لكور العوالق أم بدل سفر للجنة؟ أريد منكم أن تغمضوا أعينكم وتتخيلوا المشهد: كم من اليمنيين يبيع ما أمامه ووراءه من أجل فيزا؟ كم من اليمنيين يغسل الصحون ويتبهذل للزواج بأمريكية من أجل الحصول على جنسية ركلها أنور العولقي بقدميه احتراماً لقناعته. لا أؤيد أنور العولقي ولكن علينا أن نكون محترمين ومنصفين"!
ويضيف: "تصوروا لو قام أحدهم بتجهيز ملف بتصريحات معظم قادة المعارضة وكثير من شباب الثورة عن القاعدة كتصريحات المليكي وباسندوة والهتار الخ ووضع أمام كل عضو من أعضاء الكونجرس نسخة ما ردة فعلهم؟ هل سيصدقون القاضي الهتار أم سيعتمدون كلام الجنرال ديفيد بيترايوس حرفياً؟ تصوروا بيترايوس نفسه يقرأ تصريح مانع المطري، الذي وصفته وكالة رويترز بأحد منظمي الاحتجاجات، فيبتسم ويقول في نفسه: هل هؤلاء هم البديل لعلي عبدالله صالح؟؟".

"أبعاد" بعيد جدا
يتحدث كجهة مسئولة، لا كمراقب مهمته عرض الحدث كما هو وتحليله بصورة محايدة، لهذا بدا تقرير مركز أبعاد للدراسات والبحوث كما لو أنه مدفوع من قبل الجهات نفسها التي تدير الحرب الإعلامية ضد أنصار الشريعة مؤخرا، من خلال جملة من المعلومات والتحليلات الخاطئة التي وردت فيه، والتي تتفق تماما مع تقوله وسائل إعلام المعارضة.
فعلى سبيل المثال يقول التقرير إن التنظيم يعاني "من غياب الهيكلية التنظيمية، وضبابية الأهداف وانعدام الرؤية الإستراتيجية. وبحسب التقرير فإن ذلك جعله تنظيما مخترقا من تيارات محلية وإقليمية جعلته يتحرك في مكان وزمان لا يخدمان سوى تلك الجهات. ويستدل لذلك بما حدث مؤخرا في مدينة رداع.
وإذا جاز لنا أن ننفي النتائج بناء على إثبات خطأ المقدمات، بل إن هذا ما ينبغي فعله، فإن ما توصل إليه التقرير خاطئ جملة وتفصيلا. باختصار، لأن التنظيم لا يعاني من غياب في الهيكلية التنظيمية، فله هيكله التنظيمي المعروف، والذي يصعب اختراقه، وله مراجعه في كل خطوة يخطوها، إلى درجة أنني لا أتمكن من تسجيل حوار مع أي قيادي عادي أو عضو في التنظيم بل حتى لا أستطيع أن آخذ صورة دون العودة إلى الجهة الإعلامية التي تعود بدورها إلى جهات أخرى لطلب الإذن.. وهكذا. فكيف الأمر بسيطرة على محافظة أو بتنفيذ عملية ضد مسئول أمني؟. كما أنه لا يعاني من ضبابية في الأهداف، ولا يقول هذا إلا من يجهل التنظيم وأدبياته. وإذا كان التنظيم مخترق بهذا الشكل، من جهات محلية وإقليمية وخارجية، فسيكون من السهل على الولايات المتحدة الأمريكية القضاء على رموزه واحدا بعد آخر.
التقرير يتحدث عن عدم قدرة تنظيم القاعدة على السيطرة ما لم يحظ بدعم لوجستي مباشر أو غير مباشر من أطراف ذات علاقة بعملية الانتقال السلمي للسلطة. أي بجهات ذات علاقة بالنظام. وهنا يخطئ التقرير أو كاتبوه في تقدير قوة التنظيم، وكغيرهم يحاولون إرجاع السيطرة إلى عوامل خارج القوة العسكرية للتنظيم وغيرها.
أما الفاجعة الكبرى فهي قوله إن سبب خروج أنصار الشريعة من مدينة رداع يعود إلى عدم قدرتهم على حشد عدد كاف من المقاتلين للسيطرة على المدينة.. ربما لا يعرف مؤلفو التقرير أن توافد مقاتلي أنصار الشريعة إلى مدينة رداع كان يتم بشكل يومي، كما أن عدد الذين بايعوا الشيخ طارق الذهب من أبناء رداع وكذا من بعض مناطق البيضاء تجاوز الثلاثة ألف، وهذا العدد يفوق حاجة السيطرة على المدينة بكثير.
وكجهاز مخابرات لا مركز دراسات وبحوث يشير مركز أبعاد "للدراسات والبحوث" في تقريره إلى أن ناصر الوحيشي أمير تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب وكذا إبراهيم الربيش، الذي وصفه التقرير بأنه مفتى التنظيم، كانوا متواجدين في مديرية الزاهر بمحافظة البيضاء.
ليس مهما الحديث عن تواجد أمير التنظيم ناصر الوحيشي في محافظة البيضاء، لأنها محافظته، كونه ينتمي إلى مكيراس التي صارت تتبع محافظة البيضاء إداريا، وهو ما يبدو أن المركز بباحثيه ليسوا على علم به، مع أن وجود الوحيشي في محافظة البيضاء بعيد جدا، ويشبه بشكل كبير خبرا نشر في صحيفة "أخبار اليوم" يتحدث عن مقتله في جبهة دوفس بأبين قبل أشهر. أما إبراهيم الربيش، وهو سجين سابق في كوبا، واسمه في قائمة المطلوبين للسعودية، فقد التقيت به في مدينة رداع نفسها، وكان من ضمن المقاتلين الذين قدموا إلى المدينة، ولم يكن في مديرية الزاهر كما أشار التقرير. وعلى ذكر إبراهيم الربيش، وبمناسبة معاناة التنظيم من غياب الهيكلية التنظيمية، أود الإشارة إلى أني لم أتمكن من إجراء حوار معه، لأن ذلك يتطلب إذن من جهات إعلامية في التنظيم، وتلك الجهات لم تكن موجودة في رداع.
وفي جانب تقسيمه لمهام المقاتلين في رداع، يتحدث التقرير أيضا عن "كتيبة الأنصار". وهي الكتيبة التي قال التقرير إن مهمتها حماية المنافذ والساحة حول المسجد.. ربما لا يعرف مؤلفو التقرير أن مقاتلي القاعدة الوافدين من مناطق أخرى يسمون "المهاجرين". ومقاتليه من أبناء المنطقة التي يتواجدون فيها يسمون "الأنصار" فأبناء رداع في أبين مهاجرين، وفي رداع أنصار.. وهكذا.
ويعود التقرير ليتحدث عن وجود علاقة لنظام صالح بسقوط مدينة زنجبار بأيدي تنظيم القاعدة في شهر إبريل \ 2011م. ويستدل على ذلك بأن قائد الأمن المركزي لم يُساءل بل عُـين مديرا للبحث في رداع.. وهذا الاستدلال مبني على فرضية أن تسليما تم، وهو ما تنفيه القاعدة جملة وتفصيلا. وتقول إنها خسرت الكثير من مقاتليها في معركة السيطرة على معسكر الأمن المركزي الذي لم يستطع الصمود وفر إلى معسكر اللواء 25 ميكانيكي. ولو أن هناك تسليما منظما لما فرت قوات الأمن المركزي إلى معسكر اللواء 25. كما أن دخول زنجبار كان في نهاية شهر مايو لا في شهر إبريل كما أشار التقرير.
وبهذا الشكل استمر تقرير أبعاد في سوق معلومات خاطئة، وفي استخلاص نتائج أكثر خطأ. ومن العيب أن يكون مركز دراسات وبحوث تحتل قضايا القاعدة رأس قائمة اهتماماته، بهذه الصورة الهزيلة من غياب المعلومة ومنطقية التحليل. علما أن معظم تقارير المركز السابقة كانت قريبة من شكل هذا التناول.

انفتاح على وسائل الإعلام
ربما أدرك التنظيم أن الحرب التي تخاض ضده هذه الأيام هي حرب إعلامية بامتياز، ولهذا السبب بدأ بالانفتاح على وسائل الإعلام بشكل أكبر من ذي قبل، رغم اعتقاده أن معظمها موجه.
وقبل أيام استضاف أمير مدينة زنجبار مجموعة من الصحافيين وعقد مؤتمرا صحافيا ناقش فيه أمور المدينة. وهو تطور لافت يعكس حجم شعور التنظيم بأهمية التعامل مع الإعلام ووسائله المختلفة.
كما سبق للتنظيم وأن أصدر نشرته الأسبوعية "مدد" لكنه يعاني من صعوبة في نشرها خارج مناطقه بشكل علني، رغم أنها تقدم معلومات مهمة لوسائل الإعلام التي تعاني من نقص شديد في المعلومات المتعلقة بالأحداث الجارية في محافظتي أبين وشبوة.
وتحظر الولايات المتحدة الأمريكية، والأنظمة المتحالفة معها في الحرب على تنظيم القاعدة، أي نشاط إعلامي رسمي للتنظيم، وتعطي لنفسها ولحلفائها في هذه الحرب الحق في الحديث عن القاعدة بالشكل الذي يخدم عملها العسكري والاستخباراتي.
ومن خلال التغييب القسري لصوت الطرف الآخر غابت أو تأخرت كثير من معلومات هذه الحرب. ولم يقتصر الأمر على تغييب صوت الطرف الآخر بل تجاوزه انتهاج سياسة إعلامية معينة أو حرب إعلامية موازية للحرب العسكرية والاستخباراتية.
لكن القاعدة نشطت بقوة حيث يمكنها أن تنشط، وقد وفرت لها الشبكة العنكبوتية "الإنترنت" فرصة لتوصيل أخبارها إلى مناصريها الذين يحاولون إيصالها إلى الآخرين.
وبرغم محدودية التواصل مع الجمهور، إلا أن ذلك لم يؤثر كثيرا على أدائها في الجانب العسكري.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير