2/10/2012

نصف شهر في ضيافة تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : فبراير 10, 2012

عبدالرزاق الجمل--

ستكون مشتاقا قطعا لمعرفة تفاصيل حياة هذه الجماعة وسلوكها حينما تفكر بزيارتها، لمهمة صحفية أو حتى لمجرد الفضول البشري، وقطعا ستكون خائفا جدا، لأن الموت يتواجد بكثرة حيث تتواجد هذه الجماعة، والإنسان، بطبعه، يبتعد عن الأماكن التي تقل فيها فرص الحياة بكل ما أوتي من خوف، فضلا عن أن يذهب إليها بمحض جنونه.
كان التواجد في أماكن تقل فيها فرص الحصول على معلومات صحيحة ودقيقة عن هذه الجماعة أسوأ من التواجد في الأماكن التي تقل فيها فرص الحياة، بالنسبة لي على الأقل، لقناعتي بأن ما يُكتب ويُقال في وسائل الإعلام المحلية والخارجية خلاف ما يحدث على أرض الواقع هناك، لهذا

قررت أن أغامـر وأستجيب لدعوة الزيارة.
في الطريق كانت تتقافز إلى ذهني صور كثيرة عن الوضع هناك، وضع الجماعة العام، ووضعي معهم بشكل خاص، كيف سيكون، إن وصلت إليها أو إليهم سالما طبعا، خصوصا وأن الصوت الذي لا يكاد يتوقف هو صوت الطيران الأمريكي بدون طيار، بالإضافة إلى مشاكل الطريق الأخرى، ووسيلتي الوحيدة لتجنب مشاكل هذا الطيران في الطريق من محافظة شبوة إلى محافظة أبين هي أن أغلق تلفوني وأتوكل على الله.
أغلقت تلفوني، وقبل ذلك علقي عن التفكير بمخاطر محتملة، حتى أبدو بمنتهى طبيعيتي مع من رافقوني في السفر من شبوة إلى أبين، لكن فمي ظل مفتوحا لأسئلة لم تتوقف إلا في مدينة شقرة الساحلية، المدينة التي توقفنا فيها للاستراحة، وهي مدينة استعادها التنظيم مؤخرا بعد أن كان رجال القبائل قد سيطروا عليها في وقت سابق.
قبل الوصول إلى مدينة شقرة سلكنا طريقا ترابيا وعرا، الطريق العام غير آمن في بعض المناطق. في الطريق لم يكونوا يسألونني كثيرا، كانوا يحدثونني عن مخاطر زيارتي لجماعة محظورة، ويذكرونني بما حل بالصحافي عبد الإله حيدر شائع، وبكل تأكيد لم يكونوا يدركون أنني لا أحتاج إلى مخاوف إضافية، في هذه الرحلة الشاقة بالذات.
الصحافة لا تنقل الحقيقية، كل صحيفة تتبع جهة ما أو شخصا ما، وكل الجهات والأشخاص لا يحبون القاعدة، كل الصُحف إذن تعمل ضد تنظيم القاعدة، لو نقلتَ حقائق من هنا، هل ستنشرها صحيفتكم كما هي؟.. كان هذا استنتاج وسؤال لأحد رفقاء السفر، فأجبته بـ"نعم" لا يبدو أنها أقنعته، لهذا هزَّ رأسه وقال لي "خير إن شاء الله.
رفيق آخر: أتمنى أن تنقل الواقع كما هو، حتى لو لم يكن في صالحنا. أخبرته أني ما جئت إلى هذا المكان إلا لأنقل الواقع كما هو، وإلا لبقيت أنقل واقع محافظة أبين من صنعاء، كما يفعل الكثيرون.
ثالث: ذاك الظن بك يا ....... أبو من أنت؟
أنا: أنا عبد الرزاق الجمل.. فقط
لا أحد هناك ينادي أحدا باسمه، لدواع أمنية، فلكل شخص كنيته، وربما كنت الوحيد الذي ينادى باسمه، قبل أن يتبرع أحدهم ويقترح لي كنية.. لقد أصبحت "أبا المهاجر" بعد ذلك.
لازلنا في شقرة. أدرك جيدا أن هذه المدينة مليئة بمقاتلي تنظيم القاعدة، فكثافة التحليق للطيران الأمريكي التجسسي غير عادية، مقارنة بمناطق أخرى. هذا مقياس دقيق لمعرف حجم تواجد التنظيم في هذه المنطقة أو تلك. معلومات الأمريكان قوية في هذا الجانب، لكنهم لا يستفيدون منها كثيرا. مقاتلو القاعدة يقومون باحتياطاتهم اللازمة:
ـ القاعدة الأولى: أغلق التلفون
ـ القاعدة الثانية: تحرك كثيرا. الطيران الأمريكي لا يضرب الأهداف المتحركة
ـ القاعدة الثالثة: لا يجتمع أكثر من ثلاثة في مكان واحد
ـ القاعدة الرابعة: قراءة الأذكار

الفضاء المباح
تذكرت شيئا له علاقة بالموضوع.. نقلت صحيفة "واشنطن بوست" عن مسئولين أمريكيين أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما صعدت في الآونة الأخيرة من الهجمات بطائرات من دون طيار في اليمن.
الصحيفة نقلت عن المسئولين الأمريكيين أيضا تأكيدهم على أن ما يجري في اليمن على العكس مما يجري في باكستان، حيث تتطلب كل غارة في اليمن أو الصومال موافقة من البيت الأبيض، وأن الأهداف تؤخذ من لائحة مصادق عليها لكبار القياديين في قاعدة شبه الجزيرة العربية.
خبر الواشنطن بوست لا يحتاج لتأكيد من مسئولين أمريكيين، يحتاج فقط لزيارة إلى محافظة أبين. كما أن تأكيدات المسئولين الأمريكيين بأن أهداف الطيران الأمريكي في اليمن تؤخذ من لائحة مصادق عليها لكبار القياديين في التنظيم، غير أكيدة، بل الأكيد خلاف ذلك، فبعد مغادرتي لمدينة شقرة قتلت طائرة أمريكية بدون طيار خمسة من مقاتلي القاعدة الجدد في مدينة شقرة وفي مديرية المحفد بمحافظة أبين، وتكرر هذا في مناطق أخرى.
بالمناسبة.. نفى قائد اللواء 25 ميكانيكي في حوار مع صحيفة الخليج الإماراتية أية مشاركة من أي نوع للطيران الأمريكي في معارك أبين.

مدينة البعوض
في شقرة أنا الآن، وقلبي وعقلي في مدينة زنجبار، هناك فضول طاغٍ لمعرفة الوضع داخل تلك المدينة، لهذا كنت أستعجلهم التحرك.. يا لشوقي واحتراقي في انتظار الموعدِ.. كدت أستدنيه لكن أصوات الانفجارات التي تتناهى إلى مسامعي من جبهة المعارك بـ"دوفس" كادت أن تقنعني بالبقاء في مديرية شقرة، كما أقنعتْ قبلي مراسل الجزيرة أحمد الشلفي.
القادمون من زنجبار يحدثوننا عن المستجدات على جبهة القتال حينما نصادفهم في الطريق أو يتوقفون في مدينة شقرة. الوسائط البشرية هي الوسيلة المعتمدة لتناقل الأخبار في محافظة أبين بين مقاتلي التنظيم، وقطعا فإن أخبارهم لن تجد طريقها إلى وسائل الإعلام المحلية والخارجية، من تلك التي تنقل من أبين ما لم يحدث في أبين، رغم أنها تتحدث عن خسائر في صفوف التنظيم أيضا.
ما قيمة هذه الأخبار الآن، بالنسبة لي كصحافي في منطقة معزولة كهذه، فلا قدرة لي على الاتصال بوسيلة إعلامية، لأن الاتصال مقطوع، ولن تكون هذه الأخبار ذات أهمية إن نقلتها في وقت لاحـق، هل سأخرج من أبين بآخر ما حدث فيها فقط؟.. هكذا كنت أتساءل. مع أن ما آخر ما حدث فيها كان كبيرا جدا، بحجم كذبة السيطرة على مدينة زنجبار بعد فك الحصار عن اللواء 25 ميكانيكي. كل هذا لا يهم، ما يشغل بالي أكثر من أي شيء آخر هو أمر التحرك نحو مدينة زنجبار ونحو مديرية جعار المتوترة والمناطق القريبـة منهـا.
كدت أنسى.. شربت كميات هائلة من المياه والعصائر الباردة في الطريق وأثناء توقفنا بمدينة شقرة، بسبب الحرارة المرتفعة التي لم أعتد عليها. كان في السيارة ما لذ وطاب من العصيرات والشوكلاتة، باستثناء المنتجات التي يقاطعونهـا، كالبيبسـي.. الكرم عندهم حاتمي. هذا حينما تكون أمورهم المادية على ما يُرام، لكنهم قد يضطرون لبيع بعضٍ من الأسلحة في الظروف الصعبة، لتغطية بعض احتياجات المقاتلين. المقاتلون مستعدون للتأقلم مع أي وضع، لا تخيفهم الفاقة ولا يفرحهم يسر الحال، إنها مسألة وقت، وما يحدث على الأرض هو الذي يخيف أو يُفرِح. شاهدتُ مقاتلين حقيقيين يخوضون معارك حقيقية.
مدينة شقرة ساحلية حارة يتواجد فيها البعوض بكثرة، والسيئ في هذه المدينة أن هذه الحشرة المؤذية تتواجد فيها حتى في وضح النهار، ناهيك عن الليل، لهذا كنت خائفا من أن نقضي ليلتنا فيها، لكن نهوض السائق وهو ينفض الغبار عن قميصه بدد هذا المخاوف.
الطريق إلى زنجبار آمن جـدا، بسبب انتشـار مسلحـي القاعـدة على امتداده. قوة بشرية كبيرة لدى تنظيم القاعدة في هذه المناطق تجعل التقديرات الدولية لأعدادهم مجرد تقديرات لا أكثر. وتقول التقديرات الدولية إن مقاتلي التنظيم في اليمن قد يصلون إلى ثلاث مئة مقاتل، غير أن هذا العدد يصبح "نكتة" حينما ترى بأم عينك أعدادهم في محافظة أبين فقط، وأحسب أن الولايات المتحدة الأمريكية تدرك ذلك، وطائراتها التجسسية أيضا، لكن هل كان لتصريحات الجنرال ديفيد بيترايوس الأخيرة علاقة بهذا الأمر؟.

بيترايوس وبافضل
في الوقت الذي تتلقى فيه الولايات المتحدة الأمريكية وحلف النيتو ضربات موجعة من تنظيم القاعدة في أفغانستان، يخرج علينا الجنرال ديفيد بترايوس قبل أيام ليقول إن القاعدة في اليمن أخطر منها في أي بلد آخر، ولم يكن بيترايوس أول من صرح بهذا، فقد سبقه إلى ذلك كثير من المسئولين الأمريكيين، بل إن تصنيفـا لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" ذهب إلـى هذا الرأي قبل أكثـر من سنـة مـن الآن.
تصريح بيترايوس يعكس حجم القلق الغربي من تنامي تنظيم القاعدة في منطقة يمـكن أن يشكـل تنـامـي التنظيـم المتزايد فيهـا خطـرا كبيـرا علـى مصـالحـه فـي الجزيـرة العربيـة، خصوصا في هذه المرحلة التي تشهد فيها اليمن تفلتا أمنيا غير مسبوق على خلفية الثـورة الشبابية الشعبيـة المطالبة بإسقاط نظام الرئيس علي عبد الله صالح.
وهو أيضا محاولة للاستفادة من دخول المعارضة اليمنية على خط الترحيب بالتدخل الأمريكي العسكري المباشر، للحصول على صلاحيات أكبر في مجال الحرب على الإرهاب، بعد أن كانت المعارضة في السابق تتهم نظام صالح بالتفريط في السيادة الوطنية حين سمح لطائرات أمريكا بقصف أهداف مفترضة للقاعدة في بعض المحافظات اليمنية.
ولتمرير ترحيبها بالتدخل الأمريكي العسكري المباشر على شعب يتحسس كثيرا من أي تدخل خارجي في شئونه، تسوق المعارضة اليمنية لفكرة ارتباط تنظيم القاعدة في اليمن بنظام الرئيس صالح، حتى يأتي التدخل الأمريكي في إطار الثورة ضد نظام يطالب الشعب برحيله، وهو ارتباط ينكره تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب جملة وتفصيلا.
كما سبق للمعارضة وأن طمأنت الولايات المتحدة الأمريكية بأنها ستكون حليفا مخلصا لها في الحرب على ما يُسمى بـ"الإرهاب"، بعد سقوط النظام الحالي، وهو، على ما يبدو، نوع من مبادلة المعارضة لعب نظام الرئيس صالح بملف تنظيم القاعـدة، بلعب مماثـل.
إذن.. الحديث الأمريكي عن خطر التنظيم في اليمن ليس لأن التنظيم خطِرا فقط، بل لأن عليها استغلال تسابق أطراف الصراع (السلطة والمعارضة) على تقديم خدماتهم في هذا الجانب، بشكل أمثل، فأكثر ما كان يزعجها في السابق هو ردة الفعل الشعبية التي كانت تثيرها قوى مناهضة للنظام، لكن تلك القوى صارت أكثر ترحيبا بالتدخل الأمريكي، ولكم أن تسألوا القيادي المعارض عبد الرحمن بافضل الذي قال إنهم مستعدون لإعطاء أمريكا وفرنسا ما تريدان من صلاحيات ووقت لضرب تنظيم القاعدة في اليمن.

الدخول إلى زنجبار ليلا
من مدينة شقرة رافقتْ سيارتنا سيارة أخرى بها بعض المقاتلين، هذا إجراء أمني لا أعرف سببه، لكني لا أعتقد أن له علاقة بما سيأتي.. كان علينا أن نمشي بالحد الأدنى من السرعة، بل بأقل من ذلك، وبدون أنوار، هذا قبل الوصول إلى مدينة زنجبار بعشرة كيلو تقريبا. تلك منطقة مكشوفة للواء المحاصر، ويمكن أن يطلق النار على أي ضوء يشاهده.
كنا نهتدي بما يتناهى إلى أعيننا من لون السيارة المرافقة، وحينما تبعد أكثر يستخدم سائقنا جهاز "المخابرة" لإخبارهم بأننا لم نعد نرى شيئا وبأن عليهم تخفيف السرعة أكثر. كان هذا متعبا جدا، لذلك قرر سائق السيارة المرافقة أن يغامر ويشغل أنواره، لنهتدي بها نحن. كانت هذه مغامرة كبيرة بالنسبة لي، لكن علمت فيما بعد أنهم لا يبالون باستهداف اللواء لسياراتهم، ولا يبالغون في أخذ الاحتياطات الأمنية بهذا الشكل، لقد فعلوا ذلك حفاظا على حياتي أنا. يجب أن أصل إلى زنجبار سالما، لهذا تنفسوا الصعداء حينما وصلنا زنجبار وأخذوا يهنئونني بذلك. لا أدري ما أهمية أن تصل سالما إلى مدينة هي الأكثر توترا؟!.
لم نبق كثيرا في مدينة زنجبار، فلا أحد فيها غير المقاتلين الذين يتوزعون في أكثر مداخلها، لهذا اتجهنا سريعا إلى مديرية جعار القريبة، والتي تُعتبر منطقة الإمداد الثانية لمقاتلي التنظيم في جبهة دوفس بعد مدينة زنجبار.

مديرية جعار
الحياة هنا طبيعية رغم بدء بعض الأسر بالنزوح بسبب القصف الذي سبق وصولنا بيوم. القصف استهدف مستشفى الرازي العام ومسجدا في المدينة، وأودى بحياة بعض المواطنين.. لا أعرف تفاصيل الحياة في هذه المديرية كثيرا، فلم يمر على وجودي فيها سوى ساعة، والكهرباء مقطوعة، وأنا مرهق بما يكفي بعد تلك الرحلة الشاقة. ينبغي أن أنام الآن، والصباح رباح.
المسئول الإعلامي في مديرية جعار: نعلم أنك مرهق جدا وتحتاج إلى الكثير من الراحة، هي لحظات وينتهي الإخوة من تجهيز المكان الذي ستبيت فيه، يجب أن يكون آمنا.
أنا: يمكنني أن أنام في أي مكان وكيفما اتفق، لا داعي للتجهيز، خلوا الفراش أحمدي وخذوني فقط إلى مكان نومي. كنت أخشى التأخير لا أكثر، وإلا فأنا بحاجة ماسة لمكان مريح ينسيني عناء الرحلة. أخبرني المسئول الإعلامي أن وقت التجهيز لن يزيد عن نصف ساعة، وفعلا كان كما قال.
جاءت سيارة بها أحد إعلاميي التنظيم وأخذتنا خارج جعار. لم نبتعد كثيرا طبعا، كنا على بعد 2 كيلو من المديرية، تحت إحدى الأشجار. هذا هو مكان نومي الذي كانوا يجهزونه. يبدو أنهم كانوا يبحثون عنه فقط. فرش على التراب، وغطاء خفيف، ودهان يقيك البعوض، وتعليمات تقيك الطيران الأمريكي، وتعليمات أخرى يمكن أن تقيك الطيران السعودي واليمني حينما تعود إلى مديرية جعار صباحا:
حينما تسمع صوت الطيران الأمريكي بدون طيار يجب أن تغلق تلفونك وأن تتحرك كثيرا، فهذا الطيران لا يتمكن من قصف الأهداف المتحركة، وحينما يأتي الطيران اليمني يجب أن تبقى في مكانك، على العكس تماما من الحالة الأولى، لأن الطيران اليمني يخطئ هدفه دوما، وقد تكون هدفه الخاطئ إن تحركت.. هذه دبة بها ماء إن احتجتها ليلا، للشرب أو لأمور أخرى، و.. تصبح على خير.
قمت في الليل "لأمور أخرى" بسبب تناولي لكمية كبيرة من المياه والمشروبات في الطريق، لكني لا أدري إلى أين أذهب. غامرتُ وابتعدت مسافة لا بأس بها، وحينما عدت اتضح لي أن الليل قد انتهى وأن عليَّ أن أتوضأ لصلاة الفجر. صلينا جميعا ثم عدنا للنوم.
هناك سيارة مكلفة بتوزيع الطعام على المقاتلين، يسمونها سيارة "العيشة"، أيقظتنا من النوم للإفطار. كنت قلقا من طعام جماعة مشردة اعتاد مقاتلوها على الحياة كيفما اتفق، لكني فوجئت حينما أخرج لنا سائق "سيارة العيشة" كيسا به القشطة والعسل والخبز والماء وبعض من العصيرات. ظننت في البداية أن هذا اهتمام بي لأني ضيفهم، لكني فوجئت مرة أخرى بأكياس كثيرة في السيارة ستوزع علـى المقاتليـن.
لم يمض على عودتنا إلى مديرة جعار سوى ربع ساعة حتى بدأ القصف، القصف طال ثلاثة أماكن بعد لحظات قليلة من تواجدي فيها مع بعض المقاتلين، بالإضافة إلى أماكن أخرى في المديرية. أخبروني أن هناك جواسيس يضعون شرائح للطيران أو يحددون أماكن تواجد المقاتلين، وأنهم يبحثون عنهم.
علاقة مقاتلي القاعدة بالمواطنين في هذه المديرية، كما هي في المناطق التي يسيطر عليها المقاتلون، حميمة جدا. القصف الجوي هو كل ما يخشاه مواطنو مديرية جعار. وبسببه يشعر التنظيم بحرج.


إدارة التوحش
تجري الأحداث في أبين وفق ما ورد في كتاب "إدارة التوحش" تماما.. وهذا الكتاب لمؤلفه "أبو بكر ناجي" يعد بمثابة الدستور للجماعة المسلحة، ويتضمن الكتاب منهجية عسكرية للتنظيم في المرحلة الراهنة، التي وصفها بأنها "أخطر مرحلة تمر بها الأمة".
وعملية إدارة التوحش، كما في الكتاب، تعني إدارة الفوضى المتوحشة، تماما كتلك التي كانت في محافظة أبين، فالمناطق التي تسقط في الفوضى المتوحشة يجد فيها التنظيم بغيته، ومنها ينطلق، بل ويعمل على توسيع دائرتها الجغرافية، مستفيدا من تجاوب السكان المحليين معه، لما يوفره لهم من أمن في مرحلة لا يفكرون فيها بغيره، وإذا مرَّ مارٌ من منطقة في محافظة أبين لا يتواجد فيها مقاتلو التنظيم، سيدرك أهمية هذا الأمر.
وبشيء من التفصيل يعرف مؤلف الكتاب عملية إدارة التوحش بأنها "إدارة حاجيات الناس من توفير الطعام والعلاج، وحفظ الأمن والقضاء بين الناس الذين يعيشون في مناطق التوحش، وتأمين الحدود من خلال مجموعات الردع لكل من يحاول الاعتداء على مناطق التوحش إضافة إلى إقامة تحصينات دفاعية". وهو ما يقوم به التنظيم في محافظة أبين وكذا في محافظة شبوة التي يتواجد في معظم مناطقها، وله فيها نشاطات عدة.
ويكاد نموذج التنظيم في مديرية عزان بمحافظة شبوة أن يتعمم على باقي المديريات، بل إن أبناءها يتمنون ذلك، فمديرية عزان بسوقها المركزي الذي كان ميدانا لتصفية الحسابات، فلا يمر أسبوع دون أن تحدث عملية قتل فيه، باتتْ أكثر مناطق شبوة أمنا، منذ أن آلت أمورها إلى مقاتلي أنصار الشريعة.
وإذا تمكن تنظيم القاعدة من بسط سيطرته على محافظة شبوة كاملة فسيكون لديه من الأرض أكثر مما لدى الثورة والسلطة. مساحة شبوة فقط تزيد عن ثمانين ألف كيلومتر مربع.

ويلخص مؤلف الكتاب مهام إدارة التوحش في الآتي:
1ـ إقامة القضاء الشرعي بين الناس الذين يعيشون في مناطق التوحش .
2ـ نشر الأمن الداخلي والحفاظ عليه في كل منطقة مُدارة.
3ـ رفع المستوى الإيماني أثناء تدريب ورفع الكفاءة القتالية لشباب منطقة التوحش وإنشاء المجتمع المقاتل بكل فئاته وأفراده عن طريق التوعية بأهمية ذلك .
4ـ العمل على بث العلم الشرعي الفقهي (الأهم فالمهم) والدنيوي (الأهم فالمهم) .
5ـ توفير الطعام والعلاج.
6ـ تأمين منطقة التوحش من غارات الأعداء عن طريق إقامة التحصينات الدفاعية وتطوير القدرات القتالية.
7ـ بث العيون واستكمال بناء إنشاء جهاز الاستخبارات المصغر.
8ـ تأليف قلوب أهل الدنيا بشيء من المال والدنيا بضابط شرعي وقواعد معلنة بين أفراد الإدارة على الأقل .
9ـ ردع المنافقين بالحجة وغيرها وإجبارهم على كبت وكتم نفاقهم وعدم إعلان آرائهم المثبطة و من ثم مراعاة المطاعين منهم حتى يُكف شرهم.
10ـ العمل على الوصول للتمكن من التوسع ومن الإغارة على الأعداء لردعهم وغنم أموالهم وإبقائهم في توجس دائم وحاجة للموادعة.
11ـ إقامة التحالفات مع من يجوز التحالف معه ممن لم يعط الولاء الكامل للإدارة.

وقد رأيت كل هذه المهام على أرض الواقع تقريبا، باستثناء ما في البند "6"، فالقدرات الدفاعية للقاعدة لن تؤمن منطقة التوحش من قصف جوي أمريكي وسعودي ويمني مشترك.
ولا أدري هل انتقلت القاعدة في اليمن من مرحلة "شوكة النكاية والإنهاك" التي تسبق مرحلة "إدارة التوحش"، أم أنها تفعل ذلك بعفوية، لكن محافظة أبين ستكون نموذجا جديدا لإدارة التوحش بعد نموذج الفصائل المقاتلة في أفغانستان "في المراحل الأولى للجهاد والمراحل الأولى لحركة طالبان" وبعد حركة "أبي سياف" وحركة "مورو" في الفلبين، وبعد حركات الجهاد بالجزائر في بعض فترات الجهات في التسعينات، وبعد الفصائل الإسلامية فـي الصومال بعـد سقـوط دولـة سيـاد بـري، كما يوضح ذلك صاحب الكتاب.

استياء من وسائل الإعلام
بعد يوم واحد فقط اعتدتُ على الحياة في مديرية جعار ومدينة زنجبار، كما اعتدت على الالتزام بالتعليمات الأمنية. يحلق الطيران السعودي فأختفي تحت شجرة، لأنها تحجب الرؤية. يحلق الطيران الأمريكي فأتحرك كثيرا، لأنه لا يقصف الأهداف المتحركة. يحلق الطيران اليمني فأثبت في مكاني، لأنه يخطئ هدفه دوما، لكن حين يحلق البعوض أستخدم دهانا مضادا، وإن كان هذا الدهان المضاد يضاعف الشعور بالحرارة، لأنه يسد مسامات الجسم. هذا إجـراء أمني ناقـص، خصوصـا لشخـص قدم من محافظة باردة مثلي.
لا تسل عن شيء يا أبا المهاجر. يمكنك أن ترى كل شيء بعينك. قل لنا ماذا تريد، وإلى أين تود التحرك، وسنوصلك. لك الحرية المطلقة في التعرف علىَّ كل شيء هنا، حتى يكون نقلك للأخبار بناء على مشاهدتك أنت لا على ما نقوله لك نحن، وإن كانت معظم وسائل الإعلام تنقل أخبارنا بناء على ما تقوله وسائل إعلام النظام رغم أنها معروفة بتزييف الحقائق بل وبنقل أمور لا تمت للحقيقة بصلة.. كان هذا حديث المسئول الإعلامي لي.
حسنا.. أود التوجه إلى ملعب الوحدة، فمعلومات صنعاء عن أبين تقول إنه في أيدي القوات النظامية.. لم يكن الملعب كما شاهدته في خليجي عشرين، حين دخلته لمهمة أخرى، ومع أناس آخرين تماما، لقد طال الدمار معظمه، وبشكل يبدو أنه متعمد، فلم يطل القصف مكانا آخر بهذا الشكل.
على ذكر الملعب، أخبرني مقاتلو التنظيم بأن الأخبار التي تحدثت عن إعدام التنظيم لعدد من الجنود في ملعب الوحدة، عارية عن الصحة، وأنها أكاذيب تتناقلها وسائل إعلام السلطة والمعارضة، لتشويه المجاهدين. لقد زودوا الجنود الأسرى بمصاريف الطريق وأفرجوا عنهم، بعد أن تعهدوا بعدم العمل مع النظام ضدهم مرة أخرى، حد قولهم.
إجراء أمني يتطلب أن لا نعود من الملعب إلى مدينة زنجبار. سيكون علينا أن نعود إلى جعار عبر طريق آخر، هو الطريق ذاته المكشوف للواء 25 ميكانيكي.. قبل أن نصل إلى أول نقطة في الطريق المكشوف خرج أحد المقاتلين من تحت إحدى الأشجار وقال لنا التالي:
سيطلق اللواء النار على سيارتكم، لكن لا تبالوا، هو يفعل هذا مع كل سيارة تمر من هناك. ضاعفوا السرعة وتوكلوا على الله.. المسافة بيننا وبين اللواء أقل من كيلو.
يا الله.. السلامة هنا رهن الحظ، وحظي دوما تعيس.. لكن.. وإذا لم يكن من الموت بدٌ.. فمن العار أن تموت جبانا.. تظاهرت بأني غير مبال أيضا، إلا أن هذا التظاهر لم يدم طويلا. لقد بددته أصوات المعدلات والرصاص الذي كان يمر من فوق رأسي، ونحن نسرع بشكل جنوني.
قال السائق يطمئنني: لا تقلق حين تسمع صوت الرصاص، فالرصاصة التي ستقتلك لن تسمعها، كما يقول المثل. الأمثال هنا رصاص في رصاص.. أنا أقلق من الرصاص الذي لم يقتلني أكثر، لأن بعده رصاصا، وربما تكون الرصاصة القاتلة فيـه، باختصار.. لا أريد الموت هنا، برصاص أسمعه أو بآخر لا أسمعه.
لم أتمكن من الذهاب إلى جبهة المواجهات في دوفس، رغم طلبي ذلك، تلك منطقة تهدد حياتي، والحفاظ على حياتي أمر يهمهم كثيرا، حتى لا تتهم القاعدة إن حدث لي مكروه. في كل الأحوال لم يكن الذهاب إلى تلك المنطقة مهما، فهي منطقة معارك وأخبارها تصلني أولا بأول كما تصل إلى المقاتلين تماما.

قنابل يدوية وأشياء أخرى
هل تريـد أن تتعرف علـى مـا نشعر بـه؟.. الـبس هذه الجعبـة واحمـل هـذا السـلاح.. والآن هل تشعر بشيء بعد أن لبست الجعبة وحملت السلاح؟.. نعم، أشعر بأني صرتُ أكثر ثقلا.. فاصل من الضحك.. كان هذا حوارا بيني وبين المسئول الإعلامي ونحن تحت شجرة أثناء غارة جوية قالوا إنها سعودية.
يستمر في توجيه أسئلته لي: أنت كيمني، لا شك أن لديك خـبرة فـي استخدام السـلاح، أليس كذلك؟.. أجيب: بلى، أستطيع أن أتعامل من السلاح الخفيف، من الكلاشنكوف إلى المعدل، وبطبيعة الحال ليستْ لدي أية معلومات عن القنابل. يتبرع رفيقي ويقوم بتعليمي:
ركز.. هذا الجزء الأكبر منها هو الجزء الميت والذي تتواجد بداخله الشظايا، يمكن أن يسقط من مكان مرتفع دون أن ينفجر، كما ترى الآن، وهذه القطعة الصغيرة التي بحجم الأصبع، تُسمى الصاعق، حساسة جدا، إن تعرضت لضعف هذه الضربة ستنفجر، ويضربها بشكل خفيف.
يا إلهي.. ماذا لو أخطأ التقدير، ماذا لو كانت معلوماته غير دقيقة، ماذا لو حدث أي خطأ الآن؟. أسئلة كثيرة أثارها الخوف فيَّ، لكن ذلك لم يمنعني من أن أمسك بالقنابل وأطلب من رفيقي أن يوثق العملية بصورة.
وهكذا مرت أيامي في محافظة أبين، تحت قصف جوي مستمر، ووسط مغامرات من هذا النوع.. والتفاصيل التي يمكن أن تُكتب كثيرة.

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير