2/07/2012

زعيم العدل والإحسان المغربية عبد السلام ياسين.. معارض سياسي في لباس صوفي

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : فبراير 07, 2012

علي عبد العال ---
أول ما يستوقف المتأمل في سيرة الشيخ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان المغربية قدرته على الجمع بين المتناقضات، خاصة إذا كانت هذه المتناقضات في إطار العمل الإسلامي، فالمعارضة المنطلقة من أرضية صوفية، والمزج بين الطرقية والزوايا والحركية والتنظيم في كيان واحد، متناقضات قلما تجتمع لزعيم إسلامي في عالم الواقع.. إلا أن ياسين استطاع وبجدارة أن ينال لقب الصوفي الأول الذي يتزعم جماعة إسلامية ذات منهجية صوفية تتبنى خطاً شديد المعارضة للنظام السياسي الحاكم في بلادها.


عاش الرجل منذ صغره حياة مليئة بالأحداث: قرأ لعلمين من أعلام المادية (فرويد وماركس) فانتهى إلى التصوف، دخل الزوايا مريداً فخط لنفسه خطاً صوفياً مستقلاً، ناصب الملكية العداء فوجه رسائله إلى الملك شخصياً، وضع رهن الإقامة الجبرية لأكثر من 10 سنوات فخرج متزعماً لأكبر حركة مغربية. كتب يصف حاله قائلاً: "كانت العقلانية الماركسية الفرويدية مرتعاً لنشاطي الفكري منذ أمد بعيد، تعيش بل تعشش في ذهني (...) وأخذ علي العهد الصوفي مقدم الطريقة".

في رحاب الزوايا الصوفية

ولد عبد السلام بن محمد بن عبد السلام في مراكش عام 1928م، تلقى دروسه التعليمية الأولى في مدرسة أسسها الشيخ محمد المختار السوسي، ثم تخرج بعد أربع سنوات من الدراسة في معهد ابن يوسف ليلتحق عام 1947 بمدرسة تكوين المعلمين بالرباط. عمل في سلك التعليم لمدة 20 سنة تدرج خلالها في مجموعة من المناصب التربوية والإدارية العالية، ومثل خلالها المغرب في عدد من الملتقيات الدولية.

التحق عبد السلام بالزاوية البودشيشية عام 1965 متتلمذاً "مع ثلة من المريدين" على يد مؤسسها العباس البودشيشي الذي كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب فضلاً عن كونه حلولياً (أي يؤمن بأن الله يحل في بعض خلقه، وأتباعه يعتقدون أن الله تعالى يحل في شيخهم؛ فيخرون عند ذلك للشيخ سجداً، ويقولون: هذا الله). "تعالى الله" وبعد وفاة البودشيشي رأى ياسين أن الزاوية بدأت تسودها بعض المظاهر التي رآها تُفْقِد الطريقةَ ما يصفه بـ "روحَ التصوف" مُبقية على شكلياته، فتركها، وهو ما أرجعه بعض منتقديه إلى رغبته في زعامة الطريقة التي آلت إلى حمزة نجل مؤسسها بعد وفاة العباس.

و"البودشيشية" طريقة صوفية نشأت في منتصف القرن الماضي ترجع في أصلها إلى الطريقة العليوية، وهي طريقة في الجزائر، متفرعة عن الطريقة القادرية.. ومن شروط هذه الطريقة: الخضوع الكامل للشيخ، واستشارته في كل الأمور، فلا يقوم المريد بذكر، أو قراءة، أو حتى أمراً من أمور الدنيا إلا بإذن الشيخ.

الصراع مع الدولة

أرسل عبد السلام ياسين نصيحة إلى ملك المغرب السابق الحسن الثاني، العام (1974)، في أكثر من مائة صفحة سماها "الإسلام أو الطوفان"، أرسلها أيضاً إلى كبار الشخصيات والعلماء والسياسيين ورجال الفكر والثقافة، قبل أن تصل الملك، جاء فيها: 'اعلموا أن صاحبكم (يقصد الملك) إن طرح النصيحة وماطل وراوغ ذاهبٌ أمرُه وصائرٌ إلى ما يصير إليه من أخذته العزة بالإثم حين قيل له: 'اتق الله'، كانت رسالة شديدة اللهجة قضى على إثرها ثلاث سنوات وستة أشهر محتجزاً في مستشفى للأمراض العقلية، وكانت هذه الرسالة ـ من جهة أخرى ـ بمثابة إعلان عن نهاية مرحلة الانتماء للزاوية البودشيشية، وبداية مرحلة سياسية جديدة في حياة الرجل أبرز معالمها الدخول في حلقات من الصراع مع الدولة. فبعد موت الحسن الثاني وتولي ابنه محمد السادس أرسل له ياسين هو الآخر رسالة تحت عنوان: (إلى من يهمه الأمر)، نصحه فيها بأن لا يحذو حذو أبيه، وأن يلتزم بشعائر الله، وأن يعيد المال إلى الشعب المغربي وبهذا تتحقق توبته.

خرج ياسين من محبسه عام 1978 وما لبث أن عاد إلى الدروس في المسجد حتى صدر الأمر بمنعه من التحدث إلى الناس. أصدر في فبراير 1979العدد الأول من مجلة "الجماعة" لتخاطب الناس وتبلغهم أفكاره، انتشرت "الجماعة" فكونت جماعة من الناس التفوا حول ياسين، ثم لاقت مضايقات وصودر أعدادها، وقبل وقفها تماماً كتب فيها مقالاً تحت عنوان: "قول وفعل" رد فيه على ما ورد في رسالة ملكية نشرها الحسن الثاني بمناسبة حلول القرن الخامس عشر الهجري، وقد كان هذا المقال السبب في الاعتقال الثاني الذي جرى لياسين عام 1983.

جماعة العدل والإحسان

خرج الشيخ عبد السلام ياسين من معتقله عام 1985فوجد مجموعته قد توسعت تنظيمياً وعددياً، ما مكنه عام 1987 من رفع شعار "العدل والإحسان" ثم إطلاق الاسم نفسه على الجماعة التي صار مرشداً لها واعتبرتها السلطات المغربية جماعة غير شرعية، إلا أن ذلك لم يحل دون أن يصبح للجماعة حضورا واضحا في المؤسسات التعليمية والثقافية ودور الشباب.

تقاطعت جماعة العدل والإحسان في توجهاتها مع الطرق الصوفية، حيث اشتمل المنزع الروحي لها على تصور تربوي قائم على الصُّحبة والجماعة والذِّكر، لكنها جمعت إلى هذه الأحوال الصوفية منزعاً سياسياً حيث وضع ياسين تصوراً يتميز برفض العنف، والاغتيال السياسي، ورفض السرية.

ولما رأت الدولة أن أمر الرجل ـ رغم التضييق والقمع ـ لا يزداد إلا اتساعا، فرضت عليه حصاراً جزئياً في بيته عام 1989 حتى أن كل من أراد أن يدخل بيت ياسين كان يطلب منه تقديم البطاقة الوطنية لرجال الأمن، وقد منع من الخروج كما منع الناس ـ حتى أقرباؤه ـ من زيارته. لذلك قرر أفراد الجماعة في العام 1988 الامتناع عن تقديم البطاقة عند زيارة بيت ياسين، فكان أن ضاقت السلطات بنشاطهم الآخذ في التصاعد خاصة اللقاءات في بيت المرشد، فجاء الحصار الشامل.. وفي بدايات عام 1990 خرج ياسين لصلاة الجمعة وألقى كلمة في جموع المصلين من عموم الناس وأعضاء الجماعة معلنا فتح جبهة جديدة لا قِبَل للعدو بمواجهتها، وهي القنوت والدعاء على الظالمين، وقد سبقت هذه الفترة اعتقالات ومحاكمات حتى تم اعتقال جميع أعضاء مجلس الإرشاد، ثم وضع ياسين تحت الإقامة الجبرية أكثر من 10 سنوات حتى 10 مايو 2000.

مآخذ الإسلاميين على ياسين

لعل المفارقة الأخرى التي حظي بها عبد السلام ياسين كثرة مآخذ الإسلاميين المغاربة على توجهاته وأفكاره، فعلى الرغم من تزعمه لأكبر جماعة صوفية في البلاد إلا أن ياسين يلقى هجوما عنيفا، من وقت لآخر، من قبل دعاة وقادة العمل الإسلامي بالمغرب، وعلى رأس المنتقدين لتوجهات الشيخ الصوفي يأتي السلفيون، ثم الجهاديون، فالقاعدة في بلاد المغرب العربي، فضلا عن عدد من الشيوخ والدعاة المستقلين.

ومن أهم ما يؤخذ على الرجل ما يدعيه ياسين لنفسه بأنه ولي من أولياء الله، وأنه يجالس ويشاهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ويرى الملائكة، فضلاً عن تهجم مرشد العدل والإحسان على كاتب الوحي الصحابي معاوية بن أبي سفيان ـ رضي الله عنه ـ جرياً على عادة الشيعة حيث يزعم ياسين أن معاوية هو شيخ العصبية والطاغوت والهرقلية الأموية. إلى جانب ترويجه للخرافات، من خلال الرؤى والمنامات والمشاهد التي يرويها أتباعه وينشرها ياسين على موقعه الشخصي.

غلو أتباعه ومريديه في شخصه حيث يعتبرونه خليفة رسول الله في الأرض، وأن سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ يتجلى فيه، مستندين إلى أحلام ومنامات رأوها، وهو أحد الانتقادات الموجهة إلى مريديه الذين يأخذون علمهم من المنامات والأحلام تطبيقاً للقاعدة الصوفية المشهورة: (حدثني قلبي عن ربي). وحول إدارة ياسين لجماعة "العدل والإحسان" وتحديده للمسؤولين عنها؛ لوحظ أن عبد السلام ياسين محاط ببناته وأصهاره وأقربائه وهم مستفيدين من الوضع المالي والمعنوي للجماعة، علماً أن أتباعه يؤدون شهرياً للجماعة أقساطاً مالية، فكان التهكم عليه في الصحافة يدور باعتباره المدير العام لـ "شركة العدل والإحسان" وبناته وأصهاره وأقرباؤه هم "المجلس الإداري" للشركة، وبذلك يستفيدون سياسيا وماديا حسبما جاء في مقال لفاروق نزارلي.

السلفيون

ينتقد السلفيون التوجه الصوفي لجماعة العدل والإحسان، ويأخذون على عبد السلام ياسين

دينياً ترويجه للخرافات فيما يتعلق بكثرة أحاديثه عن المنامات والأحلام، وسياسيا دعمه للشيعة وولائه لإيران. ويكاد يجمع السلفيون على أن "جماعة العدل والإحسان" ومرشدها عبد السلام ياسين يعملان في ظل انحرافات عقدية خطيرة على عقيدة التوحيد الإسلامية وبعيداً عن السنة النبوية، فالرؤى والمشاهدات التي يدونها ياسين على موقعه الرسمي، ادعاءات غريبة على عقيدة التوحيد. حيث يرى السلفيون أن إدعاءات ياسين ومريديه لا علاقة لها بالدعوة الإسلامية ومنهج أهل السنة والجماعة، وإنما هي دعوة إلى تقديس الرجل وتعظيمه وادعاء عصمته لتحقيق أهداف سياسية، باعتبار "العدل والإحسان" جماعة سياسية بلباس صوفي توظف الخرافة وتعتدي على حرمة الأنبياء والرسل والملائكة، لحشد تأييد مريديها وأتباعها للزحف على الحكم مستدلين على ذلك بكتابه "المنهاج الياسيني" والذي يعد دستور الجماعة.

يقول الشيخ محمد المغراوي في نقده مرشد العدل والإحسان: "على كل الأحوال، سواء كان ياسين تراجع عن البودشيشية، أم لم يتراجع، فإنه كان داعية من دعاة الضلال، وبوقاً من أبواقه، وأن كتبه كانت فتنة لكل مفتون"، وفي تعليقه على مجلة "الجماعة" التي أصدرها ياسين يقول المغرواي: "هي مجلة اجتهدت في نشر الفكر الشيعي في هذه البلاد". وهو نفس المنهج الذي ينطلق منه الشيخ محمد بن محمد الفيزازي، رئيس جمعية أهل السنة والجماعة المغربية الذي أصدر كتابا ضخما في نقد عبد السلام ياسين وجماعته تحت عنوان "رسالة الإسلام إلى مرشد جماعة العدل والإحسان" حيث يقول: "نصحت فيه الرجل بالدليل الشرعي وبينت شطحاته المتعددة في مجال التصور والتصرف على السواء". وفي سؤاله عن موقفه من الجماعة وما يعيبه عليها؟ يقول الفيزازي: "جماعة العدل والإحسان جماعة صوفية لا ينكرها أصحابها، تتبنى الأخوة الروحية مع الشيعة ومع رمزها السياسي الكيان الحاكم في إيران، وما يسمى بحزب الله في جنوب لبنان، وهذا من ثوابت أبجديات جماعة العدل والإحسان، التي ترى في الكيان الإيراني النموذج الأرقى للدولة الإسلامية المعاصرة".

الجهاديون والقاعدة في بلاد المغرب

لم يختلف الجهاديون في القاعدة ولا خارجها مع السلفيين في انتقاد عبد السلام ياسين بل وكانت منطلقاتهم واحدة تقريباًٍٍٍٍٍٍٍٍٍ، ففي رسالة تحذيرية بثها (القسم الشرعي للجماعة الإسلامية للتوحيد والجهاد) بالمغرب رأت الجماعة: أن "ياسين وزمرته الضالة المنحرفة قد اتخذوا من الزندقة دينا لهم". وقالت : إن ياسين وحزبه الهالك اتخذوا من أضغاث الأحلام دينا لهم، ورهنوا مستقبل الأمة برؤاهم، ووصل به (ياسين) كفره وزندقته إلى الحد الذي أصبح يدعي فيه أنه سيطلع على اللوح المحفوظ،، فهو "قد سار على درب غلاة المتصوفة الزنادقة وانتحل مذاهبهم الفاسدة وربى أتباعه ومريديه على التدين بها"

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير