2/07/2012

رفاعي سرور.. من الجهاد إلى التنظير

بواسطة : عبد الغني مزوز بتاريخ : فبراير 07, 2012

علي عبد العال---
"انتبهوا رفاعي سرور خارج السجون"، كلمات كتبها الصحفي موسى صبري في مقدمة كتابه "السادات بين الحقيقة والأسطورة" حينما علم أن مفكر تنظيم الجهاد طليقاً خارج السجن، وهي من المرات القلائل للرجل الذي قضى أكثر حياته بين المطاردة والمحاكمة والاعتقال مع أنه لم يشارك في أي عملية مسلحة.

برز كمفكر بين رفاقه من الإسلاميين يجيد التنظير والتأصيل الحركي، حتى اشتهر بفيلسوف تنظيم الجهاد في مصر نظراً لميله إلى التفرغ للبحث وولعه بالكتابة والدراسة.. انضم لأول تنظيم جهادي عرفته البلاد متأثراً باضطهاد النظام الناصري للإخوان المسلمين بين خمسينيات وستينيات القرن الماضي وهو بعد طالب في المرحلة الثانوية، فهو واحداً من الرعيل الأول لحركة الجهاد التي خاضت مواجهة

مسلحة مع الدولة امتدت لأعوام، وأحد أهم الرموز التاريخية للإسلاميين في مصر.

ولد الشيخ (رفاعي سرور جمعة) في الإسكندرية عام 1947م، تشكل وعيه بالقضية الإسلامية وهو صغير متأثراً بمعاناة الإخوان من اضطهاد النظام الناصري، يحكي واقعة جرت له بهذا الشأن وهو في السابعة من عمره، حيث تم القبض على أحد أعضاء الإخوان عام 1954م، وكان الأمر المعتاد وقتها في عهد عبد الناصر أن من يُقبض عليه تذهب النساء للعزاء فيه باعتبار أن أمره انتهى، يقول رفاعي سرور: "قامت أمي وقتها شأنها شأن بقية النساء بتقديم واجب العزاء"، فسألتها "لماذا أخذوا عم "عبده""؛ لأنه كان على خلق، وكان يحب الأطفال ويعاملهم باحترام، "فسألت أمي والدة عم عبده ـ وكان اسمه عبد الرحمن عبد الصمد ـ نفس السؤال، فقالت لي: لقد أخذوه يا بني، لأنه يريد أن يُحكم بالقرآن"، كان ٌيفترض أن تمر مثل هذه الكلمة على طفل في هذا السن دون أي أثر، لكنها تركت أثرًا كبيرًا في نفسه؛ يقول "فمنذ سمعتها ولدي إحساس خاص بالقرآن، وقناعة بأنه من الضروري أن يحكم القرآن، وظلت هذه الفكرة معي طوال العمر".

في مساجد أنصار السنة

منذ منتصف الخمسينيات كان "الإخوان المسلمون" في سجون عبد الناصر، وكان الذين ينتمون إليهم ولم يقبض عليهم لا يتكلمون مع أحد، فأخذ (رفعت) يتردد على مساجد "أنصار السنة"، للصلاة وسماع الدروس وهو في الصف السادس الابتدائي، إذ كانت الجمعية تمثل النشاط الديني الوحيد المسموح به رسمياً داخل مصر، ولكنها في الواقع كانت تمثل تغطية مؤقتة لغياب الجماعة الوحيدة المعبرة عن التيار الإسلامي آنذاك "الإخوان المسلمين"، وداخل مساجد أنصار السنة وخاصة في الإسكندرية ولدت بوادر الحركات الإسلامية في مصر.

كانت مرحلة أنصار السنة مرحلة "أساسية" في حياته تشكل من خلالها وعيه الديني بالخطأ والصواب أو بمعنى آخر بما يجوز وما لا يجوز في الإسلام، لكنها كانت مرحلة انتقالية لما بعدها، خاصة وقد بدأت "بعض الإشكاليات تظهر" لديه، وخاصة المتعلق منها بالخط الفكري والمنهجي الذي تتبعه الجماعة، ولاحت له تساؤلات وانتقادات لمنهج ودعوة أنصار السنة التي اختزلت كل القضايا الشرعية في قضية شرك الأضرحة والقبور، فترسل التأييد لجمال عبد الناصر حين يعتقل الإخوان, بينما تعترض عليه حين يزور "ضريح الحسين" فتكتب في صدر مجلتها "لا يا سيادة الرئيس"، وهو ما كان يمثل تناقضًا في حس رفاعة في هذه المرحلة، "فعبد الناصر هو عبد الناصر، الذي لا يحكم بما أنزل الله، وهو عبد الناصر الذي يزور الحسين"، يحكي في مقابلة صحفية: فـ "كنا نتساءل: لماذا لا نأمر بالمعروف؟ ولماذا لا نسعى إلى إقامة الحدود؟"، وكان ذلك مفترق طرق بينه وبين أنصار السنة، لأن القضية التي كانت تشغل باله لخصها في ضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، "فأي منكر يجب أن نحاربه وأي معروف يجب أن نؤيده من أي شخص أو أي جهة".

وكنتيجة لهذا التناقض بين منهج أنصار السنة ومنهج الشباب الذين يعملون تحت مظلتها تكونت مجموعة من الشباب جمع بينها انتقاد منهج الجماعة لتكون هذه المجموعة فيما بعد نواة أول خلية سرية في هذه الفترة.

خرج عبد الرحمن عبد الصمد مع من خرجوا من الإخوان بعد 1954، لكن مدة الاعتقال لم تغير فيه شيئاً فتهيأ له الانضواء فيما عرف بتنظيم سيد قطب الذي تم اكتشافه عام 1965 بل كان عبد الرحمن من بين مؤسسي هذا التنظيم وهو ما لم يكن سرور يعرفه، يقول "كان عبد الرحمن يرغب في انضمامي للتنظيم، وكان يسير معي خطوة خطوة في هذا الاتجاه خلال وجودنا بالإسكندرية"، وكان مدخله إلى ذلك من خلال لفت انتباه هذا الشاب إلى عيوب الجماعة التي يتبعها، فكان الرد "كنت دائمًا أقول له: كلامك عن أنصار السنة صحيح، لكن ما البديل؟ فكان يسكت" إلى أن تم اكتشاف التنظيم... لكن أبى عبد الرحمن إلا أن يترك وراءه خيطا يشد به رفاعي إليه، فترك مع والدته نسخة من كتاب "معالم في الطريق"، وقال لها: إذا حدث لي شيء أعطي هذا الكتاب لرفعت، و"كانت هذه أول نسخة "معالم" أقرأها"، حسبما يقول سرور.

استمر الشيخ رفاعي في "أنصار السنة" حتى عام 1966م، العام الذي نشر فيه أول كتبه "أصحاب الأخدود"، ولم يكن تجاوز 18 عاماً من عمره، وربما يؤرخ بهذا الكتاب مرحلة جديدة في مسار تجربته، خاصة وأن ما دفعه لكتابته سماعه خبر إعدام صاحب المعالم، يقول سرور "عندما بلغني خبر إعدام الشيخ سيد قطب أغلقت على غرفتي وبكيت، وفي المساء سمعت جدتي بكائي فسألت والدتي عن السبب فأخبرتها أن أحد أصدقائي مات, فعلقت بكلمة صغيرة لكنها أثرت في بشدة, قالت جدتي "وهل سيعيد البكاء من مات؟" فقمت أبحث عن شيء افعله ووجدت أمامي القلم فكتبت "أصحب الأخدود"".

وبسبب هذا الكتاب سعى رئيس النيابة يحي هاشم إلى الاتصال برفاعي سرور من خلال عنوان الناشر رغبة من هاشم في التعاون مع سرور في إطار الخلية الجهادية التي كان شكلها حديثاً مع كل من (علوي مصطفى، وإسماعيل طنطاوي، ونبيل البرعي) وكانوا جميعا طلبة في الثانوية العامة وقتها, وكان من بين أعضاء هذا التنظيم د.أيمن الظواهري، فتلاقت اجتهادات هذه المجموعة على فكرة "حرب العصابات" لمواجهة نظام جمال عبد الناصر في حال فشلت الثورة الشعبية، وهي الفكرة التي تبناها يحي هاشم بعد هزيمة يونيو 1967م رافضاً فكرة الانقلاب العسكري التي كان يتبناها تنظيم الجهاد. انضم هاشم للمظاهرات التي خرجت تندد بعبد الناصر وقادة سلاح الطيران باعتبارهم مسؤولين عن الهزيمة, وحمله المتظاهرون على الأعناق فألقت الأجهزة الأمنية القبض عليه لكنها سرعان ما أطلقت سراحه عندما علمت أنه معاون بالنيابة. وكان من نتيجة ذلك أن اتهم التنظيم يحي هاشم بتعريضه للخطر, فتفجرت خلافات دفعته إلى الانشقاق ومعه مجموعة على رأسها رفاعي سرور.

أول انقلاب عسكري في مصر

تؤرخ عملية "الفنية العسكرية" التي قادها عام 1974 المبعوث الفلسطيني في الجامعة العربية د.صالح سرية مع أعضاء تنظيمه الجهادي الذين كان أغلبهم طلبة في الكلية لأول انقلاب عسكري تشهده مصر في تاريخها الحديث، وقد انكشفت علاقة الشيخ رفاعي بهذه المجموعة مصادفة، إذ كان أحد المتهمين قد أرسل رسالة خطية إلى زوجته يطلب فيها أن تبلغ سلامه إلى (ي، ر، م) فتم ضبط الرسالة وبالضغط على الزوجة أفادت بأن "ي" هو يحيى هاشم، وأن "ر" هو رفاعي سرور وأن "م" هو محمد حجازي.. انكشف بذلك التنظيم بالرغم من سريته الشديدة حتى إن مذكرة الدفاع التي قدمها المحامى في القضية كان قد شارك في إعدادها يحيى هاشم رئيس النيابة قبل أن يكتشف كونه أحد المتهمين بالقضية. حاصرت قوات الأمن أغلب أعضاء التنظيم في منطقة جبلية بأسيوط عام 1975 وجرى اشتباك عنيف بالأسلحة النارية قتل خلاله يحي هاشم في حين تمكن رفاعي سرور من الهرب إلى القاهرة وتحديداً في حي (بين السرايات) ثم إلى (المطرية) حيث استقر به المقام هناك ليكون محوراً للقبض عليه في مرات عديدة بعد ذلك.

لم تمض سنوات على "الفنية العسكرية" حتى كان رفاعي ضمن المتهمين الرئيسين في القضية المعروفة باسم "قضية تنظيم الجهاد" إثر اغتيال الرئيس السادات عام 1981 وقد قضى جراء ذلك ثلاث سنوات. وكان سرور قد تم ترشيحه لإمارة التنظيم الذي أسسه صاحب "الفريضة الغائبة" محمد عبد السلام لكنه رفض ذلك قبل اغتيال السادات مكتفياً بأن يكون أستاذاً ومرشداً لأبرز قادة التنظيم ألا وهو عبود الزمر من خلال العلاقة التي ربطتهما معاً. وفي تعليق له على حادثة المنصة الشهيرة أشار سرور إلى أنهم اضطروا إلى قتل السادات مبكرا بسبب انكشاف التنظيم لمباحث أمن الدولة مما كان استحالة إكمال التنظيم لخطته العادية التي تهدف إلى "تغيير الواقع" الذي يحول دون إيصال دعوتهم الإسلامية إلى المجتمع، خاصة وأن العداء للدعوة، كما يرى كان قد بلغ مداه "مما جعل رد الفعل واجباً تلقائياً عاطفياً عقائديا" بعد أن تمادى السادات في أيامه الأخيرة "إلى درجة استفزازه الناس لنزع النقاب عن وجه المنقبات"، معتبراً أفعال رئيس الجمهورية الأسبق خاصة تشبيهه الحجاب بالخيمة، وإلقائه القبض على الرموز الإسلامية، وشتم الشيخ أحمد المحلاوي ووصفه بأنه "مرمي في السجن زي الكلاب، هي التي قتل بها السادات نفسه حتى "كان في الفترة الأخيرة من حكمه وكأنه قتيل يمشي على الأرض".

التفرغ للكتابة والتأليف

بعد الخروج من السجن كان لابد لرفاعي سرور من تقيم الأحداث, وكان أهم النتائج الواضحة من التجربة أمامه هي عدم وضوح الرؤيا كاملة للمواجهة، وغياب أبعاد العمل الإسلامي الفكرية والشرعية عن الساحة، فتفرغ لمعالجة هذه القضايا عن طريق الكتابة المنهجية التي تساهم في توضيح جوانب الرؤيا الإسلامية، وترسخ من جهة أخرى القواعد المنهجية للحركة الإسلامية. ومن هنا جاءت كتاباته المتتالية "التصور السياسي للحركة الإسلامية"، وكتاب "قدر الدعوة" لمناقشة ارتباط منهج الدعوة بالقدر والسنن الثابتة، و"علامات الساعة" ليتمم قدر الدعوة من حيث ارتباط منهج الدعوة بعلامات الساعة، وكتاب "في النفس والدعوة" ليناقش الدور الإنساني وخطورة الجانب النفسي على الحركة الإسلامية, والكتاب يمثل طرح إسلامي لعلم النفس، وكتاب "عندما ترعى الذئاب الغنم" الذي صدره بالبيت "وراعي الشاة يحمي الذئب عنها... فكيف إذا الرعاة لها الذئاب"، وحتى كتابه "علم الحديث منظور إعجازي " لم يخرج به عن إطار التحديد المنهجي للدعوة الإسلامية حيث يقول في مقدمته "وأما دليل الارتباط الواقعي فهو اصطباغ علم الحديث من حيث التصنيف بصبغة الأمة الحياتية باعتبار أن الحديث هو الأحكام التطبيقية والواقعية في حياة الأمة وأن الجهاد هو قضية الأمة الأساسية".

مناظرة غير المسلمين

مع تقدم العمر تتنوع ـ لا شك ـ مجالات الكتابة خاصة إذا كان الكاتب قد عرف طريقه للقلم في سن مبكرة كما الحال مع الشيخ رفاعي سرور (62عاما) وظل حريصاً على هذه الصحبة إلى أن كبر سنه، فقد أنشأ الرجل دار نشر أطلق عليها "هادف" خصيصاً لكي ينشر من خلاله كتبه ومؤلفاته، ومع تنوع إنتاجه كاد يكون مرجع نادر في بعض المجالات، وصفه أحد المنتديات المتخصصة في تنظيم المناظرات العقائدية بين مسلمين وغير مسلمين بالقول: "له أسلوب مميز في الكتابة، يحتاج لقراءة عميقة واعية، وتركيز، وهو غني بالاستنباطات الإيمانية الهادفة المتصلة بالواقع"، مضيفاً "وأسلم على يديه عديدون من أهل الكتاب"، وهي إحدى الجوانب العلمية التي بات مشهورا بها رفاعي سرور، خاصة بعدما تفرغ تماماً للبحث والمناظرة في ظل "إقامة شبه جبرية" فرضت عليه لسنوات طويلة، وكان قد قرر أن يعتزل العمل التنظيمي تماماً مفضلاً العكوف على كتبه وتحقيقاته.

فقد أصدر عدد كبير من الكتب العقائدية التي تدور حول فكرة مناظرة الآخر، ومنذ بداية الألفية الثانية وكل كتاباته تتمحور حول المواجهة بين الإسلام والنصرانية، وأشهر كتبه في هذا المجال "المسيح دراسة سلفية" الذي يقول في مقدمته: "من الفهم السلفي للصراع القائم على الأساس الديني، والذي تتحدد ملامحه بقوة في الواقع القائم الآن، تنشأ ضرورة التمسك بالتصور السلفي كمضمون منهجي للأمة المسلمة، التي تمثل الطرف الأساسي المقابل لكل أطراف هذا الصراع، وخصوصًا عندما يحرص النصارى على تحويل المسلمين عن سلفيتهم التي تمثل أصل دينهم". وكتاب "مفهوم الرمزية بين الإسلام والنصرانية"، و"الأقانيم دراسة منهجية"، "حماية الدين من التحريف"، و"المسيح وحقائق الحكمة"، إلى جانب مئات المقالات التي يقدم من خلالها نقد النصرانية، واصدر الشيخ أيضا عدة كتب في هذا المجال مثل "شبهات حول الرسول"، "شبهات حول المرأة"، ويعد الشيخ قبلة المهتمين بهذه المجال في مصر.

وللشيخ رفاعي 6 أبناء أكبرهم "يحيى رفاعي" وهو كأبيه جل اهتمامه يدور حول الرد على العلمانيين وأصحاب الفكر الليبرالي، والمهندس "عمر يحي" وهو الآن رهن الاعتقال منذ ما يزيد عن خمس سنوات، وقد نشرت ابنته الدكتور ولاء رفاعي كتابها الأول "زوجة المعتقل" الذي ضمنته خبرتها ونصائحها من خلال تجربتها اثر اعتقال زوجها لعدة سنوات

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوضة لذى | السياسة الخصوصية | Contact US | إتصل بنا

تطوير